دورات القيادة و تطويــر الــذات: ما لن يقوله لك “المدربون المعتمدون”

قياسي

دورات القيـادة و تطويـر الــذات: 

ما لن يقوله لك “المدربون المعتمدون”

د. مشاعــل عبــد العزيــز اسحــق الهاجــري

Mashael.alhajeri@ku.edu.kw

15 إبريل 2011

التنمية لا تشترى؛ إنها تركّب تركيباً (دراسات مقارنة / ابتداع / استخلاص / تصميم)، و أحد أهم عوامل التنمية هو العامل البشري الذي يتطلب حداً أدنى من المهارة و القيمة معاً. لذلك، تجد ان المجتمعات الفتية تقوم فيها سوقٌ حقيقيةٌ و رائجةٌ “لمنتجات” التنمية البشرية (دورات تطوير الذات، محاضرات صنع القادة، إلخ). يكاد هذا القطاع – من فرط نشاطه – أن يتحول  إلى قطاعٌ اقتصادي معتبر من حيث الحجم، مثله مثل قطاعات الإنشاءات أو التأمين أو الفندقة.

في الحالة الكويتية تحديداً، يمثل “قطاع” التنمية البشرية وجهاً من أوجه الطفرة المالية المتمثلة في الاقتصاد الطفيلي و غير التشغيلي الناتج عن ارتفاع اسعار البترول، و ما ترتب عليها من وفرة مالية غير مسبوقة.

أكثر المتصدّون لمجال دورات التنمية البشرية في الكويت ليسوا رواداً لعلم الإدارة و التنمية البشرية، و لا حتى باحثين فيه: هم مجرد ناقلون و مترجمون نشطون، و يحسب لهم ذلك. و لكن حتى هم لم يدّعوا لتلك الدورات دوراً أكبر من حجمها، و لذلك فهم صادقون مع أنفسهم فيطرحونها على شكل منتجات تجارية، تماماً كما يطرح القطاع المصرفي منتجاتٍ تمويلية، لا أكثر. من هنا، يتم الانخراط بهذه الدورات مقابل رسمٍ هو عبارة عن أرباح للشركات التجارية القائمة بهذا النشاط، و هي ممارسة لا بأس فيها، على أية حال.

و لكن ما يهم هنا هو أن كثير من هذه الدورات التي يعرضونها كبضاعة هي في مجملها عرض لأطروحات تجد مصدرها في الفكر الإداري الأمريكي، و هي – في أحسن الأحوال – لا تعدو أن تكون سبلاً للإدارة الرشيدة، سواء على المستوى الذاتي أو المؤسسي (من المثير للاهتمام أن هذه الصرعات الإدارية صار لها ما يقابلها في الفكر القانوني، و ذلك في فكرة “الحوكمة” أو “الإدارة الرشيدة” للشركات او ما يعرف بـ Governance، و لكنها، على الأقل، أعمق بكثير على الجبهة القانونية).

الأب الروحي لكثير من المادة العلمية المتضمنة في دورات فن الإدارة، مثلاً، هو النمساوي/الأمريكي بيتر دركر Peter Drucker. نصح بقراءة كتب دركر مباشرة، لأن أغلب ما لدينا من كتب في مجال تطوير الذات – أقصد الكتب ذات العناوين الطريفة و الأغلفة الملونة و الأوراق الصقيلة التي تملأ مكتبة جرير و عداها – هي في أغلبها عبارة عن اشتقاقات مباشرة أو غير مباشرة لأفكاره، سواء كان كتــّابها أمريكيين أو كويتيين.

أما بقية الدورات، لا سيما تلك المعنية بموضوعات الذكاء الاجتماعي social intelligence، فهي تستقي مادتها من كتابات ديل كارنيجي Dale Carnegie، الكاتب الأمريكي الذي عاش في النصف الأول من القرن الماضي، و الذي وضع كتباً كثيرة، مثل “كيف تكسب الأصدقاء و تؤثر بالناس” (How to Win Friends and Influence People) و “دع القلق و ابدا الحياة” (Stop Worrying and Start Living) و الأمر كذلك مع كتب إدوارد دي بونو Edward de Bono و توني بوزان Tony Buzan و عداها. أعرف شخصياً أن أحد تجار الدورات – و هو ينتمي إلى حزبٍ سياسيٍ دينيٍ معروف – قام بترجمة كتاب بوزان الشهير “الخرائط العقلية” Mind Maps ترجمةً حرفيةً من دون أي تغيير (و لا أي شعورٍ بالحرمة او الخجل) و وضع عليه إسمه مع إغفال اسم المؤلف الحقيقي تماماً، ثم ظل لسنواتٍ طويلةٍ يبشر بـ “ابتكاره” الفكري هذا و ينظم الدورات لموظفي القطاعين الحكومي و الخاص حول هذا الموضوع (ملكية فكرية؟ سرقة أدبية؟ هل أنت جاد؟)

أعد قراءة ما تقدم؛ هذا الكلام لن يقوله لك “المدربون المعتَمَدون”.

و لكن ما يقلقني أكثر هو دورات القيادة ذات الصبغة “الشعبية” و المقياس الواحد الذي يفترض به أن يلائم الجميع؛ تلك الدورات المغلفة بأغلفة العناوين الرنانة التي تخاطب الطموح المشروع لكل شاب: (“صنع القادة”، “كن قائداً”، “القائد الصغير”، إلخ) و التي بذرت في ضمير الجميع – دون استثناء – أنهم قياديون بالسليقة.

من منطلقٍ تجاريٍ خالص، قام كثيرٌ من تجار هذه الصناعة – صناعة “القادة” – ببيع الوهم إلى الناس، مقنعين إياهم بأنه من الممكن جداً تحويل الشخص البسيط إلى “قائد” خلال خمسة أيام فقط بلمسة من عصا الساحر الكبير مدرب الدورة، تماماً كما قامت عرّابة سندريلا بتحويلها إلى أميرة باستخدام الخرق القديمة لملابسها و اليقطين لعربتها. يندر فعلاً أن تجد شاباً كويتياً لم يدخل دورة من هذا القبيل. هكذا، أخشى ان كثير من شبابنا الآن هم قادة “سندريلاويون” بامتياز، علماً أن سندريلا كانت محض أسطورة، أما ملابسها الفاخرة و عربتها الموشّاة بالذهب فقد كانت محض وهمٍ تلاشى مع دقة الساعة الثانية عشر، أي مع انتهاء الليل  بظلامه، و بداية تباشير الصباح بوضوحه.

و بعيداً عن الأسطورة السعيدة و عودة إلى الواقع الحزين، أنا أعزو انتشار تلك الدورات إلى التقصير الواضح لمجتمعنا في الاطلاع الجاد، الذي كان من شأن قدر يسير منه أن يكشف ضحالة الكثير من أوجه تلك الصناعة الرائجة و فقرها.

بذلك، لا أعتقد اننا ينبغي أن نعول كثيرا على دورات التطوير الشخصي و المساعدة الذاتية. لننتبه إلى أن هذه الصرعة الادارية/التطويرية ما ظهرت إلا كاستثمار ذكي – و مشروع – في القلق المجتمعي المتزايد حول ضعف الأطر القيمية (شجاعة، قرار، شفافية، احترام، صدق، إخلاص). و بذلك فهي لا تقصد إلا لملئ فراغ قيمي و معرفي صار يظهر في السنوات الأخيرة على المستويات الادارية و التجارية، و هو فراغ يكشف عن نفسه على صور قصورٍ متعددة الأوجه (ضعف القيم / صعوبات الاتصال / عرقلة عمل الفريق / الاحتكاكات العصبية بين العاملين / ضعف الانضباط / تناقص الوازع الضميري).

فعلاً، لقد انخفض مؤشر القيم فارتفع مؤشر سوق دورات تطوير الذات. و هذا الفراغ القيمي – في عمقه – إنما يعود إلى ضعفٍ في التكوين الأساسي للشخصية، أعزوه إلى إغفال الجانب الإنساني ابتداء، و الذي كان ينبغي أن تملؤه الدراسات الانسانية humanities بشكل ممنهج منذ مرحلة مبكرة من حياة الفرد (أدب / فن / فلسفة / تاريخ / موسيقى / علم اجتماع) بحيث لا يصل الواحد منا إلي سن الرشد إلا و بنائه الشخصي قائم على أرضية صلبة و مستقرة من التوازن العقلي و النفسي معاً. إن فراغاً مثل هذا هو تماماً ما يخلق الثغرة القيمية التي تسارع لملئها – بانتهازية ٍ فجةٍ و ببسطحية خطرة – كثير من الصرعات التدريبية التي ينساق لها الجموع دون تفكير، و لعل من هذه مثلاً صرعة دورات البرمجة اللغوية العصبية (NLP) و الأخرى المتعلقة بالذكاء الاجتماعي social intelligence (و كأن الناس قبل ظهورها كانوا يعانون من حالة من التوحد الاجتماعي).

لكل ما تقدم، تجد أن سوق هذه الدورات – على ضحالتها الواضحة (على الأقل بالشكل الذي تقدم فيه في بلادنا) – لا تروج  إلا في المجتمعات القلقة و غير المستقرة قيمياً. ليس صدفةً ان هذه الدورات تزدهر في كل من الولايات المتحدة و الدول العربية مثلاً، التي لم يعرف عنها أبداً إعلاء قيم الثقافة (رغم البعد الديني الواضح في الأمتين)، بينما لا تجدها بهذه الكثرة و التركيز في الدول الأوروبية، فأوروبا متصالحة مع نفسها ثقافياً، كما يظهر من مخزون شعوبها القيمي من الإنسانيات (أدب / فن / فلسفة / تاريخ / موسيقى / علم اجتماع)، و الذي تشهد به جامعاتها و مكتباتها و أدبياتها و إعلامها، و آثارها المعرفية المتراكمة على مدى آلاف السنوات، ابتداء من نتاج الحضارتين الإغريقية و الرومانية، مروراً بعصر النهضة، عروجاً على المؤثرات المركانتالية و التنويرية و الكولونيالية، و انتهاء بالزمن الحديث.

الحل؟ الثقافة، من منابعها المباشرة و الطازجة (فكر، أدب، فلسفة، رواية، مسرح، موسيقي، علوم إنسانية، اجتماعيات)، و التي لم تمر بأي معالجات كيميائية أو صناعية (كالدورات التجارية الساذجة). هذه هي فعلاً الجبهة المكشوفة – وفق المنطق العسكري – و التي لا أعرف كيف لم يتم الالتفات إليها حتى الآن في حرب الكويت  (و العرب) المستمرة ضد الضحالة الفكرية.

في السنوات العشر الأخيرة ثار الحديث باستمرار عن الحاجة لحزمة قرارات اقتصادية أو حزمة تشريعات قانونية للمرحلة. استفادةً من هذه الموجة الواعدة، صار قطاع التنمية البشرية – بطموحاته المادية المشروعة – صار يروّج لفكرة أن تعديل المسار يتطلب خلق “القادة”، و من ثم بدأ يسوّق، بذكاء لدورات القيادة و برامجها.

و لكنني أظن أن الأولوية ينبغي أن تكون لأمرٍ آخر، تم إغفاله و تغييبه تماماً لأنه، ببساطة، لا يعود بالمصلحة المادية لهذا القطاع الباحث عن المصلحة. إن ما نحتاجه هو حزمة أخلاقية للمرحلة. نحن نختزل القيم الكبرى في القيم الفردية (قيم القيادة: قرار، قوة، فخر، تحدي، إلخ). و لكن الأخلاق اللازمة لنهضة الشعوب هي أخلاق من نوع آخر، هي أخلاق الانضباط (discipline) أو “القيم البروسية” Prussian virtues إن شئت (التعبير يعود بنسبته إلى بروسيـا، تلك الدولة التي التي نهضت و برزت كقوة عظمى لتختفي من الخارطة بعد ذلك كنيجة من نتائج الحرب العالمية الأولى ليتبقي من اسمها دلالاته الثقافية فقط. لقد خرجت بروسيا من الجغرافيا و لكنها دخلت التاريخ من بابه الكبير). ما أتحدث عنه هو منظومة الصبر و العزيمة و الهمة و الولاء و الاخلاص و الشهامة و الأمانة و التنظيم و التدبير و التواضع و الخضوع للسلطة و التضحية بالنفس في سبيل الغاية و العمل و احترام القانون. ما هو جميلٌ في هذه الحزمة من الأخلاق هو أنها بعيدة عن التجاذبات الآيديولوجية (الليبرالية، الإسلامية، إلخ). كما أننا قد نختلف على مفاهيم متباينة كالحشمة و الفضيلة و الكرم و غيرها من مفاهيم تختلف باختلاف الثقافة و المجتمع، و لكن من منا سيشكك في قيمٍ عالمية ٍ كالصدق و الصبر و الأمانة؟

في كتابه “السنن النفسية لتطور الأمم”، كتب المؤرخ الفرنسي الشهير جوستاف لوبون Gustave Le Bon:

أن الرومان في زمن إنحطاطهم كانوا أشد ذكاءً من أجدادهم الأشداء، ولكنهم فقدوا الخواص الأخلاقية كالصبر و العزيمة والثبات و الإستعداد للتضحية بالنفس في سبيل الغاية و احترام القانون. تلك الخواص الأخلاقية كانت هي سر عظمة آبائهم الأولين“.

إن المسألة أكبر من القوانين أو القرارات أو اللوائح أو الضوابط أو أخلاقيات المهن أو الحوكمة، هذه جميعها إملاءات خارجية على النفس البشرية. ما أنادي به هو إحياء ما فقدناه. لقد فقدنا اعتبار قيمي داخلي لا بد من إعادة زرعه مرة أخرى. إنها الأخلاق العالمية.

هذا ليس تعبيراً إنشائياً و لا تنظيراُ مثالياً؛ إنه البراغماتية عينها: نبحث دائماً عن “القادة”، و لكننا ننسى أن القادة لا يتنزلون من السماء و إنما يخرجون من رحم الجماعة. لن يتصف القادة بالعظمة ما لم تكن شعوبهم عظيمة قبلهم. بهذا، يبدو أن دوراتنا تبدأ من النهاية، و هذا عبثيٌ فعلاً.

بعد أكثر من عشر سنواتٍ تقريباً من الدورات و المحاضرات و ورش العمل التي يدور موضوعها حول “كيف تصبح قائداً” التي مرّ بها – بشكل أو بآخر – جيل الشباب قاطبةً، و التي قبض من ورائها “المدربون المعتمدون” ملايين الدنانير من دون أن نقبض منها كشعبٍ سوى أوهام العظمة المقلقة و ما استتبعها من اتصاف الكثير منا بصفات التسلّط، الثقة، الافتاء، الغرور، الجدل، و عدم الخضوع للقانون، أنا الآن أطالب “مدربينا المعتمدين” – الذين لا أعرف من اعتمد الكثير منهم، أو من اعتمد الجهات التي اعتمدتهم، حقيقةً – أطالبهم بأن يكفّروا عن دوراتهم هذه، و أن يخرجوا زكاة ما قبضوه من مبالغ خيالية، بأن يقدموا لنا دورات مجانية في فنون “التواضع المجتمعي” كالانضباط، قيم العمل، روح الفريق و احترام القانون.

القيادة هندسة مجتمعية، و الهندسة تعني المهندس المحاط بالعمال؛ لا العامل المحاط بالمهندسين. لنعمل على ضخ قيم الانضباط و العمل في أنفسنا، و بعدها لن نحتاج إلى أن نكون “شعبٌ بروح قادة”، بل سيكفينا أن يخرج منا “قادةٌ بروح شعب”.

حتى ثقافتنا الشعبية العميقة تعرف هذا المبدأ الأساسي في التنظيم المجتمعي: يقول المثل الكويتي القديم “نوخذاوين طبّعوا مركب” (أي أن وجود ربانين على المركب هو أمر سيغرقه لا محالة) فما بالك لو كان الشعب بأكمله من النواخذة؟

One response »

  1. التنبيهات: كاليدوسكــوب أكاديمــي: خمســون شــذرةً إلــى المقبليــن علــى الدراســات العليــا (طلبتــي حاضــراً، و زملائــي مستقبــلاً) | eltibas

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s