Monthly Archives: مايو 2012

أصــول القانــون: بعـد المحاضــرة الأخيــرة

قياسي

د. مشاعــل عبــد العزيــز اسحــق الهاجــري

Mashael.alhajeri@ku.edu.kw

كانت سنة جد ممتعة. سعدت بتدريسكم، و تشرفت به.

احتفاء بآخر محاضرة لنا، أسجل أنني بطريقة تبادلية ما، أدين لكم – و تدينون لي – بسنة كاملة من المعارف، التحدي، الخطأ، القلق، الحقائب الثقيلة، المفارقات المضحكة، السهر، الساعات المكتبية، الاختبارات، التراسل خلسة بالبلاك بيري (و بالآيفون، و بالسامسونج)، دعوات الأمهات (التي تصيب قليلاً و تخيب كثيراً)، الأحذية المؤلمة، العروض التوضيحية، العصبية، رنات الموبايلات العالية (و ما يتبعها من أناشيد وطنية خافتة)، الابتسامات الجانبية، الأذكياء المشتّـتون، التصحيح، الأبواب المغلقة، الدهشة، الكمبيوترات المعطلة، القصاصات التي تمرر من تحت الأدراج (و التي ما زال بي فضول أن أعرف مضمونها، رغم أنني لم أسأل قط)، التعب، مقاطعات مهندسو الكمبيوتر، الإضافة، الأقلام الضائعة، الضحك، النظرات المتآمرة، الهادئون الذين لا يكشفون عن ذكائهم إلا بملاحظات ألمعية عارضة، الملل، كشوف الحضور المليئة بأسماء الغائبين (و كأنني لا أعرف)، المفاجآت، الأحكام القضائية الشاعرية، و النقاش العميق.

و الأهم من كل ذلك: الأسئلة، الأسئلة دائماً و ليس الإجابات.

يؤثر عن الكاتب الأسكتلندي توماس كارلايل قوله: “بعد أن ينتهي منا أساتذتنا، لا يبقي لنا من بعد إلا ما نقرر أن نقرأ”.

فتحنا نافذة واسعة جدا ً على العالم؛ أدعو الله ألا تغلق أبداً.

ثلاثـة أيـام فـي تركيـا: الرسائـل الإستانبوليـة

قياسي

● الرسائل الإستانبولية / الرسالة الأولى / رسالة الشعر:

لا تحيا على الأرض
كمستأجر بيت
أو زائر ريف وسط الخضرة
ولتحيا على الأرض
كما لو كان العالم بيت أبيك

– ناظم حكمت، شاعر تركي، 1902-1963.

 –

رسالة الشعر

رسالة الشعر

● الرسائل الإستانبولية / الرسالة الثانية / رسالة الجمال:

لا تبحث عن الجمال في كنيسة آيا صوفيا، أو في قصر توب كابي، أو في المسجد الأزرق.

هناك ستجد العظمة، الفخامة و الغِنى.

أما الجمال فهو أكثر بساطةً و خفراً: ستجده على الطريق، خجِلاً، متخفياً برداء الابتذال. لا تدع تواضعه يخدعك.

رسالة الجمال

رسالة الجمال

● الرسائل الإستانبولية / الرسالة الثالثة / رسالة العدالة:

في هذا البرج، “برج العدالة”، يجلس عمّال السلطان من وزراءٍ و قضاةٍ لمتابعة مطالب الرعية و شكاواهم.

فوقهم، هناك، في الأعلى، و من خلف الحاجز الشبكي، يراقبهم السلطان من حيث يراهم و لا يرونه.

العدالة هنا فوقيّة، متكبّرة، و متمنّعة على نظرات العامة، تماماً كما يليق بقيمة عليا.

رسالة العدالة

● الرسائل الإستانبولية / الرسالة الرابعة / رسالة السياسة:

نموذج الحكم الديني التركي هو نموذج واقعي تماماً؛ يتماهي مع الدنيا و يتجنب الاصطدام بها: مشروب، قمار، نوادٍ ليلية، مثلية، و عداها من حريات كاملة مستعصية على الذهنية العربية.

الأمر هو من الوضوح و الجرأة بحيث يجعل موقف الأحزاب الدينية العربية التي تدّعي استعدادها لتبني النموذج التركي موقفاً طريفاً.

لِنَرَ. صناديق الاقتراع ستكون مؤشراً رقمياً دقيقاً لمدى لسذاجتنا.

رسالة السياسة

رسالة السياسة

● الرسائل الإستانبولية / الرسالة الخامسة / رسالة الدين:

آيا صوفيا، هذا الصرح ذو الهوية الدينية الملتبسة، كان كاتدرائية من العهد البيزنطي ثم حوله السلطان العثماني محمد الفاتح إلى مسجد، ليحيله بعدها كمال أتاتورك إلى متحف، و لكنه – بشكلٍ ما – ظل كاتدرائية.

هنا، كان الإمام يخطب في محرابه الإسلامي، تماماً تحت نظر الأعين الرحيمة للعذراء مريم و ابنها المسيح، بصورتيهما البهية، المجسمة، الملونة، المرسومة بيد فنان مسيحي عاش في عهد الدولة البيزنطية (روما الشرقية).

(هل ذكرت أن صورة العذراء تقع بين لوحتين كبيرتين تحملان لفظ الجلالة و اسم المصطفي، صلى الله عليه و سلّم؟)

في تركيا العثمانية، عاصمة الخلافة الإسلامية لما يربو عن 600 عام، صلى المسلمون هنا، في مسجد آيا صوفيا،  صلواتهم الخمس، و الجُمَع، و الأعياد، من دون أن يخرج عليهم من شيوخهم من يُبطِل صلواتهم، و يتوعدهم بالويل و الثبور لعدم مسح الصور المسيحية – هذا “الرجس الشيطاني – من مسجدهم الطاهر.

● الرسائل الإستانبولية / الرسالة السادسة / رسالة الطفولة:

هناك، يحتفون بالطفولة.

لا يروّعون الأطفال، لا يقتلونهم، و لا يمثّلون بجثامينهم مثل وثنيّون يمارسون طقوس وحشية لآلهةٍ عطشى، لا ترتوي من الدماء.

رسالة الطفولة

مجزرة الحولة: “حين القاتل يهدي العالم على أجنحة الملائكة الصغار … مدينة”*

قياسي

(* العنوان من قصيدة للشاعر لوركا العربي).

● الحولة:

هذه المجزرة التي بلغ من الضعة غير المسبوقة لمن ارتكبها أنه استهدف الأطفال تحديداً، تعني إدراكاً جديداً، مفاده أنك صرت تعرف، فجأة، أنك تنتمي لعرقٍ و أرضٍ يشاركك فيهما جماعةً أصيلة ممن يعتقدون – مخلصين – بمشروعية قتل الأطفال إذا كان فيه خدمة للهدف السياسي.

كم عدد من يؤمنون بذلك؟ المئات؟ الآلاف؟ الملايين؟

بعد هذا الكشف الحضاري المرعب المسمى “الحولة”، بعد هذا العار، نحن نتظاهر أن حياتنا ما زالت طبيعية.

لم تعد كذلك.

● الحولة:

نحن جميعاً معنيّون. بعد هذا العار المجلّل، لن يكون مقبولاً من أي منّا أن يرفع صوته بالشكوى من تخوّف الغرب المبالغ فيه من العرب و المسلمين.

من يأتون من أرضٍ تُرتكب فيها مثل هذه المجازر غير المسبوقة في وحشيتها، و بحق أبناء جلدتهم، بل الأطفال منهم، كيف يأمن لهم الآخرون؟

● الحولة:

الآن فقط وجدت في نفسي الشجاعة لرؤية الفيديو الكامل لمجزرة الحولة.

لم أندم على قراري، و لكنني فقدت من روحي جزءً لا أظنني سأسترجعه أبداً.

● الحولة:

رغم هول ما رأيت، و رغم دموعي التي تغالبني، أنا مصممة على ألا أبكي.

فادحةٌ كهذه تستحق أقصى درجات الاحترام؛ لا يليق بها أن نريق لها دموعنا المبتذلة التي نبذلها على أشياء وضيعة مثل درجات الاختبارات و خيبات الأمل و خيانات الأصدقاء.

الحولة لا تُبكى بالدموع.

دموعنا إهانة.

● الحولة:

أن تشاهد الفيديو كاملاً، و أن تنشره، بفظاعاته، هو واجب أخلاقي.

العاطفة الآن هي محض أنانية.

لا تدع الأطفال يُقتلون بهدوء.

%2Fwatch%3Fv%3DgosLh8HvCEU]

زوايــا للرؤيــة: بروباجنــدا الجمــال

قياسي

مغلف بريدي من لبنان، “مثقل” بطوابع تتضمن حزمة من القيم الجمالية:

  • مهرجانات بعلبك الدولية (فن، موسيقى و جمال)؛
  • معرض الكتاب العربي (ثقافة و فكر)؛
  • ذكرى تأسيس جمعية المقاصد الخيرية (تضامن اجتماعي).

هذا ما “نراه” معاً من قيم مرئية (نراها بأعيننا و بإدراكنا معاً)، و لكن ما لا ترونه، و أراه وحدي، هو الدرج المظلم الذي انتهت به الرحلة القصيرة و لكن الحافلة لهذا المغلف.

القيمة الأجمل و الأهم إذاً في زاوية الرؤية هذه هي قيمة – للمفارقة – غير مرئية:   قيمة “الحرية” (المفقودة، في حالة هذا المغلف السجين الحزين).

اختبـارات كليـة الحقـوق: تقرير مــن الجبهــة الشرقيــة …

قياسي

 –

آثــار المعركــة ...

آثــار المعركــة …

تقرير مراسلكم الحربي  —  وكالات (كلية الحقوق، جامعة الكويت، مبنى 9، الجبهة الشرقية)

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

14 مايو 2012

رأس مليئ منكب على أوراق فارغة، عقال مدفوع دفعا إلى قمة الرأس خوف السقوط، أقلام يجف ريق حبرها فينتهي فجأة في يد صاحبها، أنفاس عميقة مسحوبة من قرار بئر القلق، مراقبون بنظارات شمسية و نظرات عسكرية يخوضون – بحذر – في بحرٍ معدني لامع من ساعات اليد و الأقلام و الميداليات و النظارات الملقاة على الأرض، أدعية مدبجة بخط ديواني في الصفحة الأولى من كراسة الإجابة، كعوب عالية بضربات رتيبة تدوي في صمت القاعة، إلتفاتات عصبية، أيادٍ متعبة ترتفع بحركات رياضية، ساعات حائط لئيمة بعقارب شريرة تتحرك بسرعة عدوانية، نظرات استغاثة بجرعة تراجيدية إغريقية، سلطة (بضم السين)، دعوات الأمهات البعيدات الراكعات على سجاجيدهن، قاعة باردة يمس جليدها الروح قبل الأطراف، انفصالٌ قاسٍ عن قدس الأقداس: الهاتف النقال، ذاكرة لا يُعول عليها تستحضر نتائج مباراة الأرسينال و ليفربول للعام 1996 و تنسى الاشتراطات الأربعة لنظرية التعسف في استعمال الحق التي روجعت عند باب القاعة، تأملات روحانية، ملابس ارتديت على عجل و كيفما اتفق، ممرضات ضجرات، صفحات مليئة بالكلمات غير المقروءة و الخطوط الملتوية و الأسهم المنحنية (“أنظر الخلف”، “يتبع في صفحة 5”)، إغماءات سارة برناردية، سؤال مقرون بنظرة استعطاف: “ممكن 5 دقائق إضافية؟”، رد مصحوب بنظرة تعجب: “و لكن المدة كانت 3 ساعات!”

اختبارات نهاية العام الأكاديمي في كلية الحقوق:

كانت سنة طويلة حافلة بالتحديات. المعركة محتدمة، و الميدان – مبنى 9 – يخلع القلوب رعباً، و لكن محاربونا لا خوف عليهم.

أتمنى التوفيق للجميع.

استهـداف السفـارات: هـذا العـار المثلّـث

قياسي

السفير الفارسي محمد علي بيك في بلاط السلطان المسلم شاه جهان.
الهند، حوالي العام 1633.
اللوحة من المجموعة الملكية للملكة أليزابيث الثانية، ملكة بريطانيا.

أياً ما كانت المبررات السياسية، فإن استهداف السفارات و التعدي عليها (السفارة السورية في الكويت و السعودية – بل حتى الإسرائيلية – في مصر، و عداها) هو عارٌ حقيقي، بأبعاد ثلاثية، وفق جميع المساطر:

● هو عارٌ أولاً بمسطرة شرع “القانون الدولي” (المادة 22 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 Vienna Convention on Diplomatic Relations: “تكون حرمة مقرات البعثة الدبلماسية مصونة، ولا يجوز لمأموري الدولة المعتمد لديها دخولها إلا بموافقة رئيس البعثة، ويترتب على الدولة المعتمد لديها التزام خاص باتخاذ جميع التدابير المناسبة لحماية دار البعثة من أي اقتحام أو ضرر ومنع أي إخلال بأمن البعثة أو مساس بكرامتها، وتعفى دار البعثة وأثاثها وأموالها الأخرى الموجودة فيها و وسائل النقل التابعة لها من إجراءات التفتيش أو الاستيلاء أو الحجز أو التنفيذ”).

●  و هو عارٌ ثانياً بمسطرة شرع “الدين” (قال تعالى: “و ما على الرسول إلا البلاغ المبين”. كما قال رسول الله صلعم: “أني لا أخيس بالعهد – أي لا أنقض العهد-، و لا أحبس البرود – أي الرسل)”،

 ● و هو عارٌ ثالثاً بمسطرة شرع  “الحضارة”؛ “حضارتنا العربية، الإسلامية، التاريخية، العظيمة” إلخ  إلخ إلخ (كتب الوزير السلجوقي”نظام الملك الطوسي” الذي وضع الأسس الإدارية لحكم سلالة صلاح الدين الأيوبي: “حين يفد الرسل من البلدان المجاورة والممالك المختلفة … يجب الإيعاز إلى العمال والمستقطعين في كل الأماكن العامرة الآهلة التي يصل إليها الوافدون ويحلون بها أن يكرموا وفادتهم، ويحسنوا معاملتهم، ويقدموا لهم أحسن ما عندهم من طعام وغيره، وأن يصرفوهم راضين فرحين في ذهابهم وإيابهم. لأن ما يعاملون به من إحسان أو إساءة ليس في واقع الأمر إلا معاملة للملك الذي أوفدوا من لدنه، والملوك دائما يحفظون حرمة بعضهم بعضا، ويكرمون رسلهم إلى حد يرفع من أقدارهم وجاههم لا يقلل منها، حتى في الوقت الذي كانت تنشب فيه الخلافات ويستفحل الخطر بين الملوك كان الرسل يغدون ويروحون فيؤدون الرسائل على النحو الذي كلفوا به دون أن يمسهم ضر أو يقل الاحتفاء بهم عما جرت به العادة” . كما ورد عن الإمام السرخسي قوله: ” الرسل والمبعوثين لم تزل آمنة في الجاهلية والإسلام وهذا لأن أمر القتال والصلح لا يتم إلا بالرسل”).

باختصار:

إذا كنا لا نحتكم إلى شرع “القانون”،

و لا إلى شرع “الدين”،

و لا إلى شرع “الحضارة”،

فلأي شرعٍ، بربكم، نحتكم؟