Monthly Archives: أغسطس 2012

ممارستنا النيابية: قيمية أم كمية؟

قياسي

د. مشاعــل عبــد العزيــز الهاجــري

Mashael.alhajeri@ku.edu.kw

2 أكتوبر 2011

 –

منذ سنين طويلة، استقرت ممارستنا النيابية على وجود العديد من النواب الذين يخدمون ناخبيهم في خروقات قانونية واضحة، يعملون خلالها كـ “شيّالين” لأطنان من القذارات المجتمعية المخزية، الواضحة وضوحاً فجاً (واسطات، خدمات، استثناءات، مناقصات حكومية مشبوهة، توظيف غير مستحق، بيوت توزيع الليل، ترقيات تجاوزية، تخليص مجرمين، علاج سياحي بالخارج). هذه الملفات الموبوءة، التي تعود إلى مواطنين، و التي كان توقيعها في قاعة عبد الله السالم يتم بلا حياء – أمام الكل “أشكره”، و بتذلل و استجداء مهينين – كان من نتاجها أن النواب المعنيون كانوا يجازفون بسمعتهم، يتعبون أعصابهم، و يهدرون ماء وجوههم.

السؤال الضمني، و الذي لم يناقش بعلنية أو بصوتٍ عالٍ: هؤلاء النواب المتجاوزين، الذين ما فعلوا ما فعلوه إلا بإذن مسبّق ممن استفاد من خدماتهم، ألا يستحقون مقابلاً (ثمناً) لتلك المغامرات؟ كانت الإجابة المجتمعية العامة هي: “بلي”؛ فنوابنا يمارسون “أعمالاً خطرة”، يستحقون معه شئ يشبه “بدل الخطر”، فخلونا نطيّب خاطرهم، بهدوء.

و لكن هذه الإجابة المجتمعية حول الاستحقاقات النيابية لم تكن معلنة، بل مضمرة. و هكذا، فإن القبول الشعبي بالممارسات المخزية لبعض النواب عبّر عن نفسه من خلال توجّه عام؛ تمثل في السكوت المجتمعي و غض الطرف عن المزايا المعروفة و غير القانونية التي كان يحصلها بعض هؤلاء لسنوات (منح، تسهيلات، بيوت، مزارع، اعتمادات بنكية، توظيف أقارب، شراكات، عضويات مجالس إدارة)، بل و تعدى ذلك إلى الدعم المباشر من خلال التصويت لهم في الإنتخابات – بإصرار – المرة تلو الأخرى.

لمن كانت تعود كل تلك الجبال العالية من الملفات المخالفة التي كانت تمثل جل نشاط هؤلاء النواب المشبوهين؟

لمواطني كوكب زحل؟

لماذا لم ينتفض الرأي العام الوطني إلا الآن، فلم يتحرك إلا مع ظاهرة “الكبتات المليونية” (و هي الشيفرة الوطنية المستخدمة للإشارة إلى الفساد النيابي في مجلس الأمة الكويتي لعام 2009، و المتمثل في تضخم حسابات بعض النواب من خلال مصادر مشبوهة)، و هي ظاهرة إن ثبتت لن تعدو أن تكون تتويجاً – بإكليلٍ من العار، لا من الغار – لظاهرة مستقرة في عمق فهمنا نحن لممارستنا النيابية؟

ما دلالة ذلك؟

الدلالة – بخلاف ما يعتقده من يسعد الآن بكل هذا الزخم الاستنكاري – حزينة و غير صحية أبداً: كل المشكلة الآن هي أن العطايا الأخيرة – إن ثبتت – و التي أغدقت على بعض النواب قد تضاعفت مبالغها فصارت أرقاماً فلكية، لا أكثر. لقد تبين أن مشكلتنا مع الأداء النيابي مشكلة “كمية” فقط؛ إنها ليست “قيمية” أبداً. و بذلك، فهي تـُختزل بالأرقام، لا بالمبادئ.

كتب بعض كتاب الرأي في الصحف أن الأزمة تتمثل “في كون المسألة قد وصلت إلى حد الاستخفاف بعقل المواطن”. لا أجد مقولة أكثر تعبيراً عن الموقف من هذه، فحديث كاتبنا يعني – بمفهوم المخالفة – أن المسألة “مادامت لم تصل إلى حد الاستخفاف بعقولنا فعليهم بالعافية، أما أكثر من ذلك فلا”. هذا هو بالضبط ما أقصده في أطروحتي أعلاه: تعاملنا مع هذه الأزمة هو في حقيقته تعاملٍ ذي منطلقات “كمية” و ليس “قيمية” … أرقام، لا مبادئ.

من أجل “العدالة”: لنحاسب هؤلاء النواب الفاسدين.

و لكن من أجل “التغيير”: لنتحل ببعض الشجاعة و الصدق مع النفس، فنراجع أنفسنا و نحاسب قيمنا معهم.

دعونا لا نتظاهر.

الحقيقـة وحدهـا لا تكفـي للزخرفـة

قياسي

 

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

4 أغسطس 2012

لماذا علمونا أن الفصاحة و البلاغة و الطلاقة القصوى هي فضائل كبرى؟

 بخلاف اعجابي العميق بالقدرات الكتابية لمن يكتبون جيداً (لأن الكتابة تأتي – بطبيعتها – مع الكثير من أدوات الانضباط و التثبت، كالمساحة الوقتية و الانعزال و القلق و المراجعة و التراجع و المقارنة و التصحيح و حُزَمٍ كاملةٍ من الأدوات البحثية)، هل تصدقني إذا قلت أنني لا أرى أي جمالٍ في الطلاقة الكلامية القصوى؟

 من ناحية، ربما كمن السبب في أن  الطلاقة ترتبط بالضرورة بالاسترسال و الاطناب و الاستيطال و الاسهاب، و هذه كلها نقيض للمباشرة و الفعالية.

 و من ناحية أخرى (و هو الأهم)، ربما كان السبب يكمن في فكرة “الارتباط الشرطي” conditioned reflex، وفق التعبير الخاص بعالم النفس الروسي بافلوف Pavlov و تجاربه الشهيرة، فهناك – في مكان ما من عقلي – ارتباط وثيق بين الطلاقة من جهة و بين الزيف و الادعاء من جهة أخرى، و لذلك فأنا أجد الطلاقة العالية مريبةٌ دائماً:

أرى الطلاقة كمركب شحنٍ كبير، لا تكفي الحقيقة وحدها لملئه في أغلب الاحيان، و لذلك فهو يأتي محملاَ – إلى جانب الحقيقة – بحمولة حاويات ثقيلة من الزيف و الادعاء و الدجل و الكذب و المبالغة. حتى تتوزع هذه “الحمولة” الديماغوجية جيداً على ظهر مركب الخطيب المفوّه فلا بد، في أغلب الأحيان، من موازنة شحنته البلاغية هذه من خلال رص حاوياتٍ أخرى على الجانب المقابل من سطح المركب، و هذه الحاويات الإضافية عادةً ما تكون عامرةً بأطنانٍ من الميلِ المَرَضي للظهور الاستعراضي، لأن الطَلِق، في بيئتنا العربية العتيقة، يدرك تماماً أنه محاطٌ بإطارٍ نموذجيٍ جداً لأمثاله: مجتمعٍ ذي ثقافةٍ شفاهيةٍ راسخةٍ ينظر أفراده إلى لسان الخطيب – و ليس إلى ما يتحرك به هذا اللسان – كقدس الأقداس، و لقدراته الكلامية كفضيلة كبرى، أياً ما كان المحتوى العبثي لما يتفوه به. و هكذا، ينتهي الأمر مع الطَلِق دائماً بكمية أسطورية من الفخر، كفيلة بإدارة أكبر الرؤوس تواضعاً.

 لا يحضرني تعبيرٌ مصورٌ لعلاقة الطَلِق بجماهيره أفضل من اللوحة الشهيرة للألماني Magnus Zeller الشهيرة باسم “الخطيب” The Orator  (الصورة). لاحظ شكل الخطيب الذي يوحي بامتلائه بما لا أجد تعبيراً عنه أفضل من لفظ panache الإنجليزي، أي إدمان الشعور المختلط بالعظمة و النشوة معاً، و الذي نقله لنا الفنان بكل اقتدار.

 في أغلب الأحوال، يصدق ظني.

نظريتي الخاصة الآن هي أن هناك – إلى أن يثبت العكس – علاقة طردية بين الطلاقة النشطة و بين الزيف؛ كلما ازدادت طلاقة المتحدث و مساحة ظهوره كلما اضطر لتعبئة قوالبه الكلامية الفارغة و السريعة بما هو أكثر من “الواقع” و بما يتجاوز “الحقيقة” (الأمثلة الجيدة على ذلك لا تعد و لا تحصى في كلٍ من الخطاب السياسي بما يختلط به من كذبٍ و خلط، و في الخطاب الديني الوعظي/التجاري و ما يُقحم به من إحالات مبالَغَة إلى الكثير من الاعجازيات و الغيبيات. كان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: “أَخْوَفَ مَا أَخَافَ عَلَيْكُمْ بَعْدِي عَلِيمُ اللِّسَانِ”).

 عبر التاريخ، و بشكلٍ عام، لم تكن الحقيقة أبداً حليفاً جيداً للنشطين من الطَلِقين كلامياً، لأن الحقيقة عادةً تأتي عاريةً، فقيرةً، مملةً، و جرداء.

 الحقيقة وحدها لا تكفي للزخرفة.