Monthly Archives: سبتمبر 2012

بيـن أجنحـة الملائكـة

قياسي

(من أوراقي القديمة، 30 أكتوبر 2010، على متن الرحلة 211 المتجهة إلى باريس):

أحب الرحلات الطويلة.

عندما أقرر السفر وحدي إلى وجهة بعيدة، أقضي أياماً كاملة في التخطيط لبرنامجي نحو الاستغلال الأمثل لتلك الساعات الطوال في الطائرة و الاستمتاع الأكمل بتجربة العزلة الفضائية، هذه المتعة التي لا تتيحها الانشغالات الحياتية إلا في العزيز النادر.

الوجهة لا تهمني، ما يهمني دائماً هو مدة الرحلة بالطائرة. رحلة طويلة؟ ممتاز؛ ممتاز جدا. ثلاثة كتب، أيبود، سماعات ذات جودة ممتازة، أوراق، أقلام. كل شيئ جاهز قبل الرحلة بأيام . جاهزيتي لا تضاهيها إلا جاهزية الأطفال ليلة العيد.

على ارتفاع 35 ألف قدم – و رغم أنك تحلق في “السماء” – تتآمر جملة من الظروف لإعادتك إلى “أرض” الواقع:

إعلانات السلامة و اجراءات الطوارئ، رائحة الطعام المزعجة، جارك المخمور الذي يسرد عليك تفاصيل إحباطاته الوظيفية، التسويق لبضائع السوق الحرة الخالية من الضرائب (رغم أنها لا تحقق لك أي وفر لأنه لا ضرائب في بلادك)، أنظمة الترفيه المغرية، الكرم الحاتمي للمضيفين الذين يصرون على اقتحام خلوتك الفكرية الثمينة من أجل إمطارك بالهدايا الرخيصة، ناهيك عن إلحاح الطيار و مساعده و حرصهما على تذكيرك – من خلال أحدث النظم الصوتية – بإسميهما الرباعيين كل عشرة دقائق (و كأن الطائرة تطير بجهود هذين الفخورين – حقيقة – و ليس بفضل جهاز الطيار الآلي).

يعلم الله أنه لولا النوافذ ذات الزجاج المقوّى المزدوج لقفزنا من الطائرة، أنا و كتابي، بحثاً عن شيء من هدوء.

سنكون بأمان. يقال ان الغيوم ما هي إلا نسيجٌ من أجنحة الملائكة.

المحك الحقيقي للصداقات الأكاديمية

قياسي
بعد استفسار عَرَضي من قِبَلي عن القواعد المربكة لوضع الهمزة في اللغة العربية، انتبذت صديقتي ركنا قصياً من المقهى، و جلست تنقل كل معارفها حول هذا الموضوع من ذهنها إلى الورق.
في الأكاديميا، ليس الصديق من يتكرّم عليك بالمعارف؛ بل الصديق هو من يسعد بنقلها لك.

أمبيدكــار: عندمــا يُعبـَـد المشرعــون

قياسي

د. مشاعــل عبــد العزيــز اسحــق الهاجــري

Mashael.alhajeri@ku.edu.kw

9 سبتمبر 2012

 –

تمثال للمشرع أمبيدكار بين تماثيل الآلهة في معبد هندوسي

منذ بضعة أشهر،  أصدر البرلمان الهندي توصيةً بسحب كتابٍ مدرسيٍ يتضمن رسماً كاريكاتورياً يعود الى سنة 1949، يظهر فيه أبو الدستور الهندي “بيمراو رامجي أمبيدكار” (Bhimrao Ramji Ambedkar) جالسا على حلزونٍ مكتوب عليه “الدستور” و خلفه رئيس الوزراء “جواهر لال نهرو” ممسكا بسوط في يده. كان أمبيدكار، القانوني و السياسي و المصلح الإجتماعي ، أول وزير عدلٍ للهند بعد استقلالها عن التاج البريطاني عام 1947 و رئيسٍ للجنة صياغة الدستور، و لذلك وجد البرلمان في إدراج تلك الصورة في الكتب المدرسية إهانة لا تليق برمزٍ وطنيٍ كبير من رموز البلاد، و هو الأمر الذي ما زال يثير نقاشاً حياً في الأوساط السياسية و الصحفية الهندية حول حدود حرية التعبير و مدى قدرة النظام الديمقراطي هناك على نقد الجميع من دون تقديسٍ للأشخاص.[1]

كان أمبيدكار (1891-1956) ينتمي إلى فئة “المنبوذين” أو ‏Untouchables و هي أحط الفئات منزلةً على السلم الاجتماعي للديانة الهندوسية التي تأخذ بنظام الطوائف caste system، و التي بلغ من ضعة قدرها منع أفرادها من الاختلاط بباقي الطبقات الهندوسية، و قصر حظوظ المنتمين لها على أحقر الأعمال و أحط الوظائف كدباغة الجلود، صناعة الأحذية، ذبح الحيوانات، تنظيف دورات المياه، و كنس الشوارع، ناهيك عن ابتلائها بصور أخرى عديدة للظلم الاجتماعي المعارض للمبادئ الأولية لحقوق الإنسان كمنع المنبوذين من الاختلاط بالفئات الأخرى، استحلال أموالهم، استباحة نساءهم و تقييد أوقات تجولهم (من المثير للاهتمام أن المؤرخ و العالم المسلم “البيروني” قد زار الهند في عهد السلطان محمود الغزنوي لتعلم اللغة السنسكريتية، و قد أشار إلى هذا النظام في كتابه الشهير “الهند” الذي وضعه قبل حوالي ألف عام).

لقد دخل أمبيدكار المدرسة بعد أن تسمّى باسم أحد مدرسيه المعجبين به من البراهمة، و هي الطبقة الهندوسية الأعلى، ثم استكمل تعليمه العالي في كل من بريطانيا و الولايات المتحدة من خلال علاقات والده الذي كان يعمل مع الجيش البريطاني في الهند آنذاك، ليكون من أوائل أبناء المنبوذين الذين يحصلون على تعليم جامعي في الهند، إن لم يكن أولهم على الإطلاق. إثر عودته إلى بلاده بشهادة عليا في القانون و الاقتصاد و العلوم السياسية، عمل أمبيدكار بتدريس القانون، حيث لاقي صعوبات حقيقية في تقبل المجتمع الأكاديمي له (من المفارقات التي يذكرها في مذكراته أنه عندما كان صغيراً في المدرسة، كان يمتنع عليه أن يشرب الماء من نفس الإبريق الذي يشرب منه زملائه،[2] و عندما كبر و عمل كأستاذٍ للقانون في الجامعة، لاقي نفس المشكلة من طرف زملائه الأساتذة في الكلية الذين رفضوا أن يشرب معهم الماء من ذات الإبريق! في الحالتين، كان السبب هو وضعه الاجتماعي باعتباره ينحدر من فئة المنبوذين”النجسين”). لقد عاش أمبيدكار بعدها ليكون عميداً لذات كلية الحقوق التي شهدت عسفاً نحو حقوقه.

على الصعيد السياسي، انطلق أمبيدكار من العمل كمحامٍ بعد تركه للسلك الأكاديمي، و هو ما مكنه من البدء بمسيرة مهنية قوية، تبني فيها المطالب الاجتماعية للمنبوذين حتى صار زعيماً سياسياً مبرزاً لتلك الفئة اكتسب خلالها تسميته الشعبية الشهيرة “بابا صاحب” (Baba Saheb)، و هي مسيرة امتازت بمعارضته الشديدة للمهاتما غاندي و لخطه السياسي، حيث كان أمبيدكار يرى أن غاندي لا يعطى هذه القضية ما تستحقه من اهتمام منفرد. لقد أطلق غاندي على المنبوذين تسمية “أطفال الله” (بالهندية Harijans، نسبة إلى إلي “هاري” ‏Hari‏، أحد الآلهة الهندوسية‏) إلا أن ‏ أمبيدكار لم يقبل بتلك التسمية المغيّبة للأصل المشكلة، مفضلاَ عليها تسمية الداليت Dalit التي تعني “المضطهدين” في إشارة قوية و دالة إلى ضرورة إبراز المشكلة و عدم التعمية عليها بالتسميات العاطفية المضللة.

من خلال الأدوات التشريعية الدستورية، قام أمبيدكار بثورة قانونية حقيقية، سعى من خلالها – و لأول مرة في تاريخ الهند – إلى توفير حدٍ أدنى من العدالة الاجتماعية للجميع على اختلاف خلفياتهم الدينية و الاجتماعية و الجندرية، من خلال كفالة حرية العقيدة، إلغاء نظام الطوائف، تجريم جميع صنوف التفرقة الاجتماعية، ضمان الفرص المتكافئة في التعليم و العمل و الميراث و الاستفادة من المرافق العامة و عداها من حقوق مدنية أوّلية. بل لقد دفع أمبيدكار نحو حجز حصص من المقاعد الوظيفية الحكومية (كوتا) لمصلحة فئة المنبوذين كضمانة لهم ضد التعسف الوظيفي في التعيين، سابقاً بذلك النزعة التشريعية الحديثة بهذا الصدد، و المعروفة في زمننا المعاصر باسم “التمييز الإيجابي” (Affirmative Action) المتمثل في تدخل المشرع لكفالة وضعٍ تمييزي للفئات الاجتماعية الضعيفة.

بعد تجاذبات سياسية شهيرة، صدر الدستور الهندي المتضمن لهذه النصوص في 26 نوفمبر 1949. لقد قيل – بحق – أن ما فعله أمبيدكار في الهند من تغييرات اجتماعية لمصلحة المنبوذين لا يعادله إلا ما فعله مارتن لوثر كنج في الولايات المتحدة لمصلحة الأمريكيين السود.

اليوم، تنتشر في أرجاء الهند تماثيل و نُصُب كثيرة لأمبيدكار، إضافة إلى مطار و أستاد رياضي و متحف ومعبد (نعم، معبد) و كليات عديدة للقانون و عطلة رسمية احتفالاً بيوم ميلاده، بل و مشروع عملة وطنية تحمل صورته (ناهيك عن الأفلام و المسرحيات المحتفية به)، كلها تحمل اسم هذا المشرع الكبير و تخلد ذكراه.

عندما يعي المشرعون عِظم مسئولياتهم فيُحسنون أداء أعمالهم ، ترفعهم الشعوب الواعية إلى أعلى المقامات، لأنها تدرك أن التشريع الحصيف هو فن دفع المجتمع إلى الأمام. لقد بلغ من تكريم الشعب الهندي لأمبيدكار أن صار يضع تماثيلاً له في المعابد.

هذا مشرّع رفعه شعبه إلى مصاف الآلهة.


[2]Babasaheb Ambedkar, Writings and Speeches, Vol. 12, edited by Vasant Moon (Bombay: Education Department, Government of Maharashtra, 1993), Part I, pp. 661-691.