Monthly Archives: أكتوبر 2012

أن يكون العلم علماً

قياسي

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

29 أكتوبر 2012

كلما دخلت على موقع ديني طلباً للمعرفة اصطدمت بهذا القيد الفكري القروسطي،  الذي يشد عنان العقول بقوة فيثبتها إلى حيث تقف تماماً.

كيف تكون المشاركات التي يطلبونها “علمية” في ظل الترهيب من تطبيق الاعتبارات المنهجية الأساسية في البحث العلمي كالتجريب و الفرض و المقارنة و التحليل و التقييم و المراجعة؟

ثم، تعال، هل يوجد “كبار” في العلم أصلاً؟ هل سمعت في حياتك من يرهب من مخالفة العلماء المبرزين في أي حقل معرفي؟ قف لحظة و تخيل معي معنى أن نحذر الصيادلة من مخالفة نتائج أبحاث لوي باستير الذي توفي عام 1895، أو أن نرهب الكيميائيين من معارضة ما انتهت إليه دراسات مدام كوري التي رحلت عام 1934، أو أن نعنف القانونيين الذين لا يرون ملائمة آراء السنهوري للعصر و هو الذي غادرنا عام 1971. كيف تتطور العلوم و تنضج المعارف تحت أسقف منخفضة تعيق النمو الفكري الطبيعي مثل هذه؟

الأهم: كيف يتجدد الفكر الديني إذا كان لا يغرف – لقرون – إلا من ذات المنبع؟

أوان ال “زيام”

قياسي

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

23 أكتوبر 2012

هل قرأت مجلدات سوبرمان في طفولتك؟

أن كنت قد فعلت، فلعلك تذكر المكان المسمى “البعد الرابع”.

هناك، من “البعد الرابع”، حيث لا تحدث إلا الأمور الغريبة، كان يخرج بين الفينة و الأخرى شخص غريب الاطوار يسمى السيد مايز (أو Mr mxyzptlk بالنسخة الإنجليزية). و رغم ان السيد مايز مهرج و لا يبعث على الاحترام مطلقاً إلا أنه يعتبر مع ذلك من أخطر أعداء سوبرمان و أشدهم إزعاجاً له من خلال لا منطقية جداله و عبثية سلوكه.

لم يكن العنف يجدي مع السيد مايز، لأنه سيعود دائماً.

كانت الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تعيده من بُعدِنا إلى مكانه الحقيقي في البعد الرابع هو ان يتمكن سوبرمان من حمله على نطق إسمه معكوساً (“زيام”، أو Kltpzyxm بالنسخة الإنجليزية). هكذا، و هكذا فقط، كان يمكن التخلص من السيد مايز.

في هذه القصص بالذات من مغامرات سوبرمان، كنت ترى عنفاً أقل، و دهاءً أكثر.

الانتصار على السادة مايز لا يكون إلا من خلال اعادتهم إلى مكانهم الحقيقي، إلى البعد الرابع، حيث ينتمون فكرياً.

هذا ليس أوان العنف؛ إنه أوان السياسة … أوان الـ “زيام”.

البروكرستسيون الجُدد

قياسي

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

11 أكتوبر 2012

للأساطير الواردة في الميثولوجيا الإغريقية القديمة ديمومة مقاومة للزمن.

و رد في أحدى تلك الأساطير أن بروكرستس Procrustes كان حداداً مصاباً بجنون العظمة، فكان يرى في نفسه النموذج الأعلى للكمال الإنساني من الناحيتين العقلية و الجسدية. من هذا المنطلق، كان يرغم كل من يقابله على أن ينام على سريره الحديدي، فإن كان لضيفه التعس هذا ساقان طويلتان تتجاوزان حجم السرير قام بروكرستس بقص ما زاد من ساقيه بالفأس، أما إن كانت له ساقان قصيرتان فإن بروكرستس لن يتواني أبداً عن شدهما بأدواته الخاصة حتى تتمزق مفاصل هذا المسكين، إلى أن يصل بطول ساقيه إلى مقاسٍ يتناسب و طول السرير تماماً. أليس سريره، بالنهاية، هو المسطرة الأمثل للكمال؟

 تحضرني دائماً أسطورة بروكرستس و انا استمع إلى تلك النوعية من البرامج الإذاعية الروحانية، الطوباوية، المعززة بالكشوفات الماوراء طبيعية، التي تنتهي فيها فضيلة مقدميها دائماً إلى اتفاق نتائج أبحاثهم “العلمية” – و يا للصدف المباركة – مع قناعاتهم الروحية المؤدلجة حتى النخاع. كل ذلك، مع تذكيرنا دائما – و بتكرار المذنٍب القلِق – بأساليبهم “المنهجية” نحو الوصول إلى تلك النتائج.

 أفهم تماماً أنهم يعرضون بضاعتهم هذه في سوق فكرية لا معايير نقدية فيها و لا فكر متطلِب – هذه بلايا زماننا، و لا بأس – و لكن ليتهم فقط يوفّرون علينا احتماءهم بدرع “العلم” و “المنهج العلمي”. و أتساءل حقاً:  لماذا الاحتماء بدرعٍ أصلاً إذا كانت منطقة نشاطهم  بطبيعتها لا تتهددها سهام النقد الفكري و لا قوسه، لأن أي محاولة من أي رامٍ لمجرد الشروع في شد وتر هذه القوس المنطقية ستعني فتح بوابات جهنم عليه على مصاريعها، تحت دعاوى ثلاثية التكفير و التحريم و اللعن الحزينة، حتى و إن كان الرامي ينتمي لمعسكرهم العقائدي نفسه.

 لينتقِ هؤلاء أية تسمية للراية التي يسوّقون لنا بضاعتهم تحتها – و هي على أية حال بضاعة رائجة في بيئتنا الفكرية الفقيرة الخالية من أية سلع منافسة – شريطة ألا يسمّوا رايتهم بتسمية “العلم”. العلم لا يكون علماً إذا كان “موجهاً”، لأن التوجيه يتنافي بالضرورة مع اشتراطات التجرّد البحثي. العالم الحقيقي ينطلق من فرضيات hypotheses يتبعها و لا تتبعه، بحيث لا يدري إلى أين سوف تقوده فرضياته البحثية تلك. هكذا، تكون النتائج المترتبة على فرضياته البحثية “وجهات” نهائية، لا “منطلقات” مبدئية. رائد الباحث، في النهاية، هو الحقيقة، و لذلك هو يتبع الطريق الذي سيقوده إليها، أياً ما كان ذلك الطريق. أي روحٍ استكشافيةٍ مزريةٍ تلك التي تأتينا بالوجهة (النتيجة) قبل الخريطة (المنهج)؟

 لكل شخص مطلق الحق أن يدعي توصله إلى الحقيقة، هذا هو بالنهاية ما يسمى بحرية التعبير، و مع ذلك فلا يحق لأيٍ كان و لا ينبغي ان يقبل منه أن يدلل على حقيقته تلك بدعاوى “العلم” و “المنهج العلمي” إلا إذا كان قد توصل إليها بطريق “الإستكشاف” المنهجي، لا “الكشف” الروحي. هذا هو فقط ما يُقصد بالمنهج العلمي الدقيق، القابل للضبط و التثبت و الاستدلال و المراجعة و التصحيح في جميع الحقول المعرفية، العلمية منها و الإنسانية.

و بعد، فمن يظن أن الموروث السردي الإغريقي لآلهة جبال الأولمب هو محض خرافات، سيفعل حسناً بأن يستمع للمنطق “العلمي” المقلق لأحفاد بروكرستس هؤلاء، و ليصِخ السمع: سيقطع نياط قلبه صراخ الفكر العلمي و هو يطلب النجدة من تعذيب هؤلاء له، و سيثقب طبلتي أذنيه صرير النوابض الصدئة لسريرهم الفكري المهترئ.

دعايات: اللا-مسئولية المجتمعية للشركات

قياسي

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

5 أكتوبر 2012

لأول مرة أرى هذه الدعاية.

بعد تسجيل اعجابي المستحق بملاحة الأطفال و خفة ظلهم، يبقي أن أسجل أنني لم أرصد أبداً شعباً على شاكلتنا يكرس طاقات و ينفق مقدرات فقط ليحرص من خلالها على أن يرسّخ في عمق ضمير أجياله الجديدة طابع الابتذال vulgarity أولاً ثم الحس المادي الصرف ثانياً.

و أتساءل: مؤسساتنا العريقة الكبرى – التي يفترض بها ان تكون مصدراً للفخر الوطني – ما هو مفهومها بالضبط لدورها القيمي؟  ماذا عن تضمين تلك الدعايات إي شكل من أشكال القيمة؟ إن لم يكن لتلك المؤسسات دور بالنهوض بالذوق العام، فعلى الأقل لماذا لا توفر علينا إسهاماتها الحثيثة نحو الانحدار به؟

ما هو مبرر تلك المؤسسات في المساهمة المستدامة و المخلصة في ركب مساعي الانحدار بالذوق العام، إن لم يكن الاستسهال و التزام جانب الاعتياد؟ و إذا ما تذكرنا أن التزام الاعتياد يعني البقاء في خانة الأمان، إلا يتناقض ذلك تماماً مع فكرة “الريادة”، و هي الميزة التي يفترض بالبنك الوطني أن يفخر بها، و التي عودنا على ان يحاصرنا بها منذ عقود في جميع دعاياته و أدبياته؟

حقيقة،

بدأت أخلط فعلاً بين دعايات البنك الوطني ذات المفهوم الكسول لفكرة المسئولية المجتمعية للشركات corporate social responsibility و بين أفلام المخرج الراحل حسن الإمام، “مخرج الروائع” السبعيناتية و صاحب نظرية “الجمهور عايز كده” الشهيرة.

_____________

(الرابط لفيديو الدعاية):

l.php?u=http%3A%2F%2Fwww.youtube.com%2Fwatch%3Fv%3DwVvGbQcZkDk&h=CAQGjJ7D3AQG1HNsI46M2Gx9hNs5b1Ch3Ld_m8bQ3xPFt6w&enc=AZP195J5pvK4wMxbKgMBtiulJ-jmai0KfI44jz08ebzxAznm1KKDV3bRqUl8frre9Jzrs4V-zrlSiPFrTlnJ63RR&s=1