Monthly Archives: نوفمبر 2012

خطاب المقابر

قياسي

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

29 نوفمبر 2012

(خطاب المقابر):

أجيال كاملة منا قضت حياتها على خلفية من خطاب عام مريض ملئ بالموتى الحاضرين:

أقوال الموتي، و أفعال الموتى، و أخلاق الموتى، و مآثر الموتى؛ هؤلاء الذين قضوا منذ ألف سنة أو تزيد.

التهبت أسماعنا. صرنا نرفل في صديد خطاب المقابر حتى ألفنا عفنه.

عندما تحيط نفسك بالجثث لا تحصل إلا المرض الأسود؛ الطاعون.

نحن مرضى. لن نشفى حتى ندفن موتانا.

عميقاً.

القهوة التي لا تستحقها

قياسي

 –

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

29 نوفمبر 2012

(عن الحدود الدنيا – الدنيا جدا – للتعامل الإنساني):

أن يقضي أربعة شباب آسيويين سنتين من أجمل سني اعمارهم في رحلات مكوكية من بوفيه الإدارة إلى مكتبك و بالعكس و هم يجلبون لك – و لأصحابك الفارغين مثلك – القهوة و الزهورات و الحليب و الشاي (بلون يه الأحمر و الأخضر)، ثم لا تتحرك في نفسك لا دوافع الشعور و لا الأدب و لا الذوق (و لا حتى الفضول) لتعرف أسماء مضيفيك هؤلاء أو تسأل عنها مرة واحدة، فتناديهم جميعاً بإسم “محمد” (رغم أن أياً منهم لا يحمل هذا الإسم) فقط حتى ترتاح و تنعم في جنان التعميم الباذخة المريحة، فأنت – يا سيدي – من أفقر الناس إحساساً و أقلهم إنسانية.

و الله، ثم و الله، خسارة فيك كل نقطة قهوة و زهورات و حليب و شاي (بلونية الأحمر و الأخضر) حضّرها لك هذا الـ “لا- محمد”.

وصفة للثقافة السريعة

قياسي

 د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

20 نوفمبر 2012

 كنت أقول دائما أنه ليس هناك من وصفة للثقافة السريعة.

 كم كنت مخطئة.

 إذا كنت ذكياً، ستدخل على موقع جريدة “الحياة” اللبنانية (http://alhayat.com/)، و ستطبع / تحمّل جميع مقالات إبراهيم العريس، هذا الرجل الرائع الذي – دوناً عن جميع محترفي الكتابة – يبدو أنه قد خلق لنفسه تخصصاً فريداً، أسميه انا “فن تقطير الكتب”.

 ما ستقرأه هو الحد الجاد الأدنى من الثقافة (الذي لا يليق، و اغفر لي قسوتي، إلا بالكسالى)، و لكنني أضمن لك أنها ثقافة خاصة، مصفّاة.

لقد قرأ الرجل، نيابة عنك، كل ما كان عليك أن تقرأه .

مع كاتب مثل هذا أنت، يا صديقي، محظوظ.

ديمقراطية أم كارت بلانش؟

قياسي

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

19 نوفمبر 2012

هناك حدود للحقوق المترتبة على الاقتراع العام.

“إن الاحتكام إلى أصوات مسافرين في حافلة لمعرفة ما إذا كان مجموع زوايا المثلث يساوي مجموع زاويتين قائمتين، أو ما إذا كان كورناي Corneille شاعرا ذا فضل، أو ما إذا كان علينا أن نلقي بالأضعف في قارعة الطريق بعد أن نتقاسم نقوده لهو أمر في غاية السخف. الغريب أن هذه النظرية قد عبر عنها ديكارت لأول مرة في الفلسفة الحديثة سنة 1637، و لكنها لم تمر من الفلسفة إلى السياسة إلا سنة 1789” (– جول سيمون،  La Politique radicale  1869).

لم يكن سيمون وحيداً في موقفه الصارم، الذي لا يحابي الجماهير، هذا. كان الأديب الفرنسي أناتول فرانس يقول أنه إذا قال خمسون مليون شخص شيئاً سخيفاً ما فإنه سيظل، رغم ذلك، شيء سخيف.

الديمقراطية، يا أصدقاء، ليست carte blanche لتجاوز أصول المنطق.

أغلبية؟ لا أدري (في أهمية ضبط المصطلح السياسي)

قياسي

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

19 نوفمبر 2012

(في أهمية ضبط المصطلح السياسي):

“أغلبية”؟ لا أدري.

 في خطبة شهيرة له، قال ونستون تشرشل: “أسوأ ما في الممارسة الديمقراطية هو ديكتاتورية الأغلبية”، و هو أمر معلوم بالضرورة لأن جوهر الممارسة الديمقراطية يتمثل في التزام (بل إلزام) الاغلبية باحترام حقوق الأقلية و تقديم الضمانات الدستورية لها. و لكن كل ذلك ينطبق فقط في حال كون الأغلبية “أغلبية” فعلا. لذلك، فمن بين جميع أدوات صندوق عدتنا اللغوية السياسية الحزين، تستوقفني دائما كلمة “الأغلبية” هذه، من حيث أنني أجد في اطلاق تسمية “الأغلبية” على فئة من الناشطين غير الممنهجين في حراكنا السياسي الأخير جملة من الأمور غير المريحة و غير المنضبطة عقلياَ:

 1) قانوناً: “الأغلبية” هي تجمع يعرف في مقابل “الأقلية”، و الصفتان أطلقتا على تكتلات برلمانية كانت تستمد صفتها من مجلس تشريعي، و لكن هذا المجلس لم يعد قائماً، و بالتالي فإن التكتل ذاته لم يعد قائماً. و بذلك، فإن ما نراه من استمرار تحالف النواب السابقين هي حالة محض واقعية de facto، ولكن لا صفة قانونية لها. في تسمية “الأغلبية” إذاً مغالطة fallacy من حيث انها، في حقيقتها، محض صفة من دون موصوف.

 2) إحصائياً: تنطوي صفة “الأغلبية” – بالضرورة – على محتوىً إحصائي مُضمر. إين هي الإحصائيات المعلنة التي تدعم هذه الصفة؟ ما هي جهة الرصد المستقلة التي قامت بهذه المهمة الإحصائية حتى نكرر هذه الصفة و كأنها من المسلمات؟

 3) تاريخياً: على هامش التاريخ، ربما يجهل الكثيرون أن الثورة التي أتت بالحزب الشيوعي السوفيياتي إلى سدة الحكم في روسيا عام 1917 كانت تعرف بالثورة “البلشفية” فيما كان يعرف منتسبوها بـ “البلاشفة”، و الكلمة مشتقة من لفظ “بُلْشِنستفُود” الذي يعني “الأغلبية” بالروسية، في مقابل جماعة “مُنْشنستفود” أي “الأقلية”، و الفئتان مكونتان من منتسبي حزب العمل الديمقراطي الاشتراكي الروسي. كان الاستئثار البلشفي بالسلطة – و الذي أنتج ما انتج من طغيان الحزب الواحد المسيطر على جميع مفاصل الدولة – مدعوماً دائماً بأساس من فكرة الانتماء إلى “أغلبية”. لا أدري عنكم، و لكنني لا أجد في تاريخ هذا الحزب ما يغري على التحمس شبه العقائدي و المطلق لـ “أغلبية” أبداً أياً كانت هذه الأغلبية، فكيف إذا كانت أغلبية ذات ميول استحواذية واضحة مدعومة بخطاب مبسط و ساذج، و الإثنين لا يُبذل في سبيل إخفائهما إي قدر من المجهود التلطيفي الذي يحترم ذكاء المراقب؟

 4) قيمياً: يبدو لي أن المشكلة، كما كان يقول عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك Ulrich Beck ، تتمثل دائماً في ضرورة تقليص “سلطة الطغيان ذات الخطاب الرخيص في مواجهة أخلاق القصر الملكي” المؤدّبة التي – برغم القدرة – يأبي عليها الوضع التاريخي من جهة و التوقعات المجتمعية من جهة أخرى بأن تنحدر إلى حضيض لغة المواجهة (كل ذلك، مع الحرص على تأكيد أن ما تقدم لا ينبغي أن يفهم منه أبداً نفي التقصير الحكومي الواضح و غير المبرر أبداً).

على الرغم من كل ما سبق، أفهم تماماً أنه من ألف باء البروباغاندا التضليلية السياسية – في أي مجتمع كان – أن تطلق جماعة ما على نفسها صفة “الأغلبية” من دون معيار مرجعي منضبط؛ و لكنني لن أفهم أبداً السذاجة التي تجعل من خصوم هذه الجماعة يقعون في هذه الفخ فيردّدون معها هذه التسمية – بعقيدة و تكرار – في كل من خطابهم العام، أدبياتهم المكتوبة، بل و بين بعضهم البعض.

 بمباشرة و باختصار:

 الطرف الفعال و الحقيقي الذي أكّد – بالرغم من عدم وجود أي ضابط يسمح بالقياس الكمي – فكرة أن “الأغلبية” هم “أغلبية” و رسّخها في ضمير المجتمع لم يكن “الأغلبية” المدّعاة، بل خصومهم.

مع جوقة رائعة مكونة من مثل هؤلاء الخصوم النبلاء، المؤدبون، و السذّج الذين لا يكادون يختلفون عن الحلفاء الخُلّص من حيث ترديد و تكرار ما يقوله “الأغلبية” من دون أي تمحيص أو توقف للتفكير، كيف نتوقع من “الأغلبية” أن تتوقف لتستشعر الحاجة – المُستحقة فعلاً – للارتقاء بخطابها السياسي؟