Monthly Archives: يناير 2013

سر الجريمة بحق الثقافة في الكويت

قياسي

 —

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

22 يناير 2013

27

 كانت لدي قناعة فنية قديمة  و قاسية، مفادها هو ان انحدار سلوك بعض مرتادي المسرح في الكويت هي ظاهرة بدأت مع صعود نجم “الفنان الكبير” طارق العلي. و لكنني اطلعت مؤخراً على ما جعلني أراجع قناعتي هذه.

 كنت أتصفح مطبوعة تشير إلى أعداد قديمة من مجلة “الرائد” (و “الرائد” هي واحدة من أولى  المجلات الكويتية، و قد ظهرت على يد كل من الشاعر أحمد مشاري العدواني و صديقه الكاتب فهد الدويري، و استمر صدورها للفترة من 1952 إلى 1954)، فوقعت على هذا الخبر:

  “قامت جماعة التمثيل بنادى المعلمين بتمثيل رواية جديدة  اسمتها (سر الجريمة) وهى من اخراج الاستاد حمد الرجيب ، وقد حشد لها كل ما هو كفيل بنجاحها من تمرين كاف واستعدادات فنية هائلة من مناظر وملابس ومكياج ، ولكن لم تكد تبدأ الرواية حتى انقطع التيار الكهربائى عن المدرسة كلها – المدرسة وحدها فقط !!! فأحدث  ذلك ارتباكا كبيرا فى النظام، فاستغل هذا بعض المهرجين واشاعوا الفوضى بين صفوف المتفرجين، واستمر الظلام مخيما مدة كافية للقضاء على كل سبب للنظام و من المؤسف أن ساعد على هذه الفوضى أناس لم يؤمن فيهم أن ينزلوا الى هذا المستوى، وبعد مضى ساعة ونصف أمكن اصلاح النور في المدرسة، ولكنه مع الأسف كان ضعيفا جدا فلم يقدر الميكرفون على الالتقاط، فاشتد الهرج والمرج مما دعا كثيرا من المشاهدين الى مغادرة المكان واضطر جماعة التمثيل الى أن تختصرالرواية فيلغي منها الفصلين الأخيرين – وهما زبدة الرواية وحل العقدة فيها!”[1]

 عندما قرأت الخبر، جعلت أفكر: أن تبدر مثل هذه السلوكيات من بعض مرتادي مسرحية “سر الجريمة” التي عرضت عام 1953 فهذا أمر مفهوم تماماً؛ فقد كانت هذه واحدة من أولي العروض المسرحية في الكويت الحديثة الناشئة، الأمر الذي يكون من الطبيعي معه أن يفتش الناس في ضمائرهم و أعماق وعيهم فلا يجدون أية خبرات تجريبية أو متوارثة تعينهم على التعاطي مع هذه الخبرة الجديدة المسماة “المسرح”. بالنسبة لفئة كبيرة منهم، كان الأمر محض “فرجة”، لا سيما في مجتمع جاف و ضجِر يفتقر إلى الترفيه مثل مجتمع كويت الخمسينات.

 بعد ان قرأت هذا الخبر، صرت أرى الأمور من زاوية أخرى.

 يبدو ان انحدار سلوك رواد مرتادي المسرح في الكويت يعود أصل سببه إلى أن المعطيات السياسية قد أدت إلى إغلاق الدائرة التاريخية بحيث يلتقي طرفاها: بسبب من سيطرة التيار الديني و تجفيفها لمنابع الحياة الثقافية في الكويت، ها قد أحكم إغلاق الدائرة التاريخية ليعود بنا الأمر تماماً – على مستوى المزاج الوطني – إلى حال الكويت الخمسينية الضجرة. لقد كان لضباب الركود و غيوم الملل التي أحاطت بالحالة الثقافية  في الكويت في السنوات العشرين الأخيرة دور كبير في أن تهوى الممارسة المسرحية لدينا من سماء المسرح (الفن) إلى درك السيرك (الفرجة).

 عندما تغلق الدائرة، لا يبقي لنا سوى الالتفات إلى ما يحيط بها من هوامش، و هذه عادة تعرض نفسها على هيئة أضرار جانبية (collateral damage) كما يقول القانونيون. و بذا، فإن “الفنان الكبير” طارق العلي ليس سببا لانحدار المسرح الكويتي؛ إنه محض نتيجة جانبية لهذا الانحدار.


[1]   مجلة الرائد ، المجلد الثاني ، السنة الثانية ، 1953 ، العدد 3 ، ص 301.

Advertisements

الجانب الآخر للأمير تيمور، و لنا

قياسي

د. مشاعل عبد العزيز  الهاجري

17 أكتوبر 2012

Me

 تيمورلنك العظيم، سليل جنكيز خان و باني مجد دولة المغول الذي خضعت له في القرن الرابع عشر منطقة آسيا الوسطى بأكملها، هل تذكرون ما علّمونا عنه و ما أقرأونا إياه حول بربريته، همجيته و معاداته للحضارة و للعلم و للأداب؟

 يبدو أن الأمر بحاجة إلى المراجعة.

أما عن القتل و التنكيل، فإن الرجل جاءنا غازياً، و لم يدّع أبداً أنه داعية سلام (بل لعلي أزيدك رعباً، فأقول أنه كان يأمر ببناء أبراجٍ من جماجم ضحاياه).

 و أما عن معاداته للحضارة، فقد زرت سمرقند (أوزبكستان) حيث كانت عاصمة مملكته، و ذهلت مما رأيت من معمار عهده: مساجد، مراقد، حدائق، منمنمات، مراصد فلكية، قنوات مياه، قلاع، نظم ري، قصور؛ تحف حقيقية في فن المعمار.

لقد كان الرجل راعياً حقيقياً للفنون و الآداب، حتى انه أثِر عنه أنه عندما كان يغزو البلاد كان يوصي خيراً بالعلماء و الحرفيين، ثم يحملهم معه إلى بلاده لإعمارها (تسجّل السرديات التاريخية أنه جلب إلى سمرقند البنائين و النحاتين من أذربيجان و دلهي، أساتذة البلاط و الموزاييك من شيراز و أصفهان، عمال السيراميك و الحرير من دمشق، و صاغة الفضة والنحاس من الاناضول).

أكثر من ذلك، أظهر تيمورلنك حصافة خالدة في مجال التشريع، فقد وضع لشعبه مدونة قانونية مُحكمة عرفت باسم “تزوكيات” كان لها دور كبير في استقرار حكمه. و بعد هذا و ذاك، اهتم بالآداب و علوم القلم حتى أنه قام بكتابه سيرته الذاتية بنفسه (ثم ما رأيك أنه كان رومنسياً أيضاً؟ أستطيع أن أوكد ذلك بنفسي، فقد زرت المزار الرائع الذي شيده حباً و إجلالاً لزوجته الأثيرة على قلبه، بيبي خانوم).

هناك، في أوزبكستان ، يفخر الأوزبك كثيراً بتيمورلنك (أو “إيمير تيمور” كما يسمونه) كقائد تاريخي فذ، حتى أن تماثيله تنتشر في جميع الساحات العامة. بل ان العملة الوطنية للدولة (“سوم”) تحمل رسمه أيضاً.

إليك عينة من كتابات الأوزبك عن تيمورلنك، و لك ان تقارنها بفكرتنا عنه:

“… و كان أمير تيمور من أيام الطفولة يمتاز بالظرافة و الذاكرة القوية و يقرأ آيات القرآن الكريم حفظا عن ظهر قلبه و يدرس الأحاديث الشريفة. إنه كان رجلا سياسيا حكيما و مصلحا في القرون الوسطى و نصيرا راسخا للعدالة و حاكما عظيما لما وراء النهر و منشئا للدولة الكبرى في آسيا الوسطى. و في الوقت ذاته كان يتولع بالأدب و الفلسفة و الطب و علم النجوم و يهوي الموسيقى و الشطرنج و التصوير. كما كان يمتاز أمير تيمور بذوق رفيع لفن العمارة و النمنمة. و إن كل ما بُني في فترة حكمه من المساجد و الجوامع و القصور و الأضرحة هو تركيب الحضارات المختلفة و حصيلة الأعمال لكثرة المعماريين البارعين الذين جمعهم أمير تيمور لتزيين عاصمته سمرقند. و كان بوده أن تفوق منشآت سمرقند المعمارية مساجد إسفهان و بغداد و دلهي المشهورة بجمالها”.

 عندما مات تيمور لنك أثناء حملته العسكرية على الصين، تم نقل جثمانه إلى مدينة سمرقند. هناك، ارتبكتُ روحياً عندما زرت ضريحه المعروف بـ “كور إيمير” (أي: مقبرة الأمير)، إذ لم أعرف كيف يُفترض بي – قيمياً – أن أشعر. بعد ترددٍ بسيط، قررت أن أترك القرار لصاحب القرار، الله، ثم قرأت الفاتحة له و لجميع ضحاياه.

 بعد أن رأيت من آثار تيمورلنك ما رأيت، لم تتغير فكرتي عنه كقائد عسكري دمويّ شرس. كان التغيير الفكري الكبير الذي طرأ على ذهنيتي هو ان الفكرة النمطية البسيطة أحادية الأبعاد التي تمت تنشأتنا عليها حول شخصية تيمورلنك ما عادت فكرتي الوحيدة عنه كما كان الحال في السابق؛ لقد قامت إلى جانبها الآن أفكار أخرى عنه بداخل عقلي؛ جديدة و مختلفة (منها مثلاً التشكك جدياً في الرواية الكلاسيكية المأثورة عنه – أم لعلها كانت عن هولاكو؟ – من كونه قد أمر بإلقاء جميع كتب دار الحكمة في دجلة و الفرات، حتى أن مياه النهرين قد أسودت لجريان الحبر فيها. الآن، صار يصعب علي قبول هذه الرواية، فشخص بمثل اهتماماته كان حري به ان يصادر هذه الكتب فينقلها إلى بلاده، لا يرميها).

 لقد شكلت تلك الرحلة البداية الحقيقية لمراجعات ناقدة شاملة لجميع ما هو تاريخي من قناعاتي.

بعد كل ذلك، صار العار في نظري، عاريين: عار الهزيمة و عار الكذب.

 كيف فاتنا أن ننتبه إلى أننا، طوال سني أعمارنا، إنما كنا نقرأ التاريخ وفقاً لرواية المهزومين؟

العقل المؤسسي عندما يضع حدوداً للعاطفة الشعبوية

قياسي

 –

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

17 يناير 2013

india

حول حادثة اغتصاب فتاة دلهي من قبل عدة أشخاص و رميها من الحافلة وهي تسير بسرعة كبيرة مما تسبب في موتها بالنهاية، و هي الحادثة البشعة التي وفعت منذ بضعة أيام في الهند و التي قامت لها البلاد بأسرها غضباً و لم تقعد، سمعت اليوم مقابلة مع متحدث باسم هيئة المحكمة التي تنظر القضية، معلقاً فيها على المطالبات الشعبية المنادية بإصدار احكام سريعة و مشدّدة فوراً، قال فيها: “هذا الزخم الشعبي بشأن المطالبة بأن تكون المحاكمات سريعة من شأنه أن يخل بضمانات المحاكمات العادلة، و نحن لن نسمح أبداً بذلك“.

 في أجواء الهستيريا المجتمعية، يحدث ان تتساقط الحصون العقلية (بل و المؤسسية) واحداً تلو الآخر، و لا بأس. يثبت التاريخ أنه من الممكن للمجتمع دائماً العيش – و إن بصعوبة – من دون مؤسسات كانت تبدو له حيوية. أما القضاء فلا؛ هذه هي المؤسسة الوحيدة التي لا تملك ترف إغفال العقل و الاستكانة إلى العاطفة طرفة عين.

قرأت مرة بحثاً كتبه غوستافو زاغروبلسكي Gustavo Zagrebelsky – الذي كان رئيساً للمحكمة الدستورية الإيطالية و القاضي الآن في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان – قال فيه أن المحاكم هي “ارستقراطيات علم” من حيث انها مدعوة لايقاف توجه الديمقراطية للتحول الى ديماغوجية، و إلى تحديد نقطه حازمة للتطور العقلاني للمجتمع، و بذلك فالقضاء ينبغي أن يكون جزيرة للعقل وسط فوضى الآراء. كان مما قاله أيضاً أن المحاكم ينبغي ان تكون الطليعة الاخلاقية او شي ما شبيه بموسى العهد القديم، الذي تمثل قدره في اخراج شعبه من تيه صحراء وقيادته نحو ارض ميعاد الحياة الدستورية.

 قدر القضاء دائماً أن يكون معقل الرشد و حصنه الأخير.

 __________________________

(حول هذه الجريمة البشعة، انظر:)

 http://www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/2013/01/130102_india_rape_charged.shtml


على هامش فيلم “البؤساء” (Les Misérables)

قياسي

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

17 يناير 2013

paris

على هامش فيلم “البؤساء” (Les Misérables ) – في دور العرض الكويتية الآن:

القصة معروفة، أما خلفية أحداث الفيلم فتذكرني بكتاب كنت قد قرأته منذ فتره حول التخطيط العمراني للعاصمة الفرنسية باريس. عندما تكررت فيها الثورات (و خصوصا أحداث ما عرف باسم كومونة باريس La Commune de Paris)، تم تكليف المهندس الشهير هوسمان Haussmann لإعادة تخطيط المدينة، تحت مسمى التطوير.

كانت التعليمات غير المعلنة للمهندس هي وضع تصميم جديد لباريس بما لا يسمح للثوار بالسيطرة على طرقاتها الضيقة من خلال ما اعتادوه من وضع المتاريس (الصورة). لذلك، خرج هوسمان بفكرة “البوليفارد” boulevard، أو الشارع الطويل جداً و العريض جداً.

الشانزيليزيه ليس نتاج الفكر الاقتصادي، إنه نتاج العمران المسكون بهاجس الجغرافيا السياسية.

قبل حماية المستهلك، و بعدها

قياسي

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

16 يناير 2013

قرار تبديل السلع

هذا التنظيم الإداري – التدخلي البحت – لعلاقة البيع، رغم أن عقد البيع تحديداً هو النموذج التقليدي الأول لنظرية العقد القائمة على مبدأ التراضي و حرية الإرادة، ناهيك عن كونه أبرز العقود المسماة و المنظمة بدقة و تفصيل في القانون المدني،  ألا يعتبر تدخلاً سافراً من طرف الدولة في شأن عقدي بحت، لا يخص إلا طرفيه؟

ثم، ذاك الإيثوس الاقتصادي الشعبي العريق الذي يذهب إلى أنه “بين البايع و الشاري يفتح الله”، كيف يفترض بنا أن نتصرف وفقه الآن؟  :

1.   نعيد تفسيره (فما نفعل إذاً بخطط تحويل الكويت الى مركز مالي و تجاري، التي تتطلب تشجيع التجار بالضرورة لجذبهم، لا تنفيرهم)؟

2.   نعيد صياغته ليتحول إلى “بين-البايع-و-الشاري-يتدخل-ولي أمر-الشاري-المُسمى-الحكومة”؟

3.   نلغيه و نرتاح من صداعه، تلبية لاطلاقات اعتبارات حماية المستهلك (رغم أن القاعدة القانونية الذهبية في عقد البيع، كما وصلتنا من العهد الروماني كأصل لضمانات ما بعد البيع هي قاعدة Caveat emptor  العريقة، التي تضع على عاتق المشتري إلتزاماً بالوعي و الحرص باعتباره مواطن ناضج  واعٍ عاقل بالغ راشد و ذي أهلية كاملة)؟

 لا أريد منك إجابة، كل ما أريده هو أن أثير اهتمامك بنقاش قانون/اقتصادي هام جداً، هو ذاك الخاص بمقابلة آراء عالم الاقتصاد الشهير كينز Keynes  بآراء نظيره فون هايك Von Hayek ، و هو النقاش الذي يدور حول خيارات إطلاق الأسواق أو تقييدها.

فقط في ضوء معارف أولية مثل هذه تُرسم السياسات التشريعية. كل ما عدا ذلك هو ارتجال، اجتهاد، حسن نوايا أو عداها من تسميات لا تهمني كثيراً، لأنها لا تبعث على الثقة و لا توحي بالاستقرار.

إليك مدخلاً للبداية:

http://blogs.reuters.com/great-debate/2011/11/07/the-keynes-hayek-showdown/

#قانون

#سياسات تشريعية

#big brother

#not-so-common-sense

 –

يا واضعي الدستور

قياسي

يا واضعي الدستور

للشاعر الكويتي الكبير أحمد مشاري العدواني قصيدة جملة بعنوان “يا واضعي الدستور”، نظمها مخاطباً فيها الجمعية التأسيسية التي وضعت دستور دولة الكويت عام 1962. وقعت على القصيدة صدفةً عندما كنت أقرأ ديوانه.

كيف لا نعرف هذه القصيدة ؟

بالمناسبة، العدواني هو من كتب كلمات أغنية يا دارنا يا دار” التي غنتها المطربة الراحلة أم كلثوم.