Monthly Archives: فبراير 2013

تو الليل: الاستنكار كقيمة اجتماعية تطويرية

قياسي

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

10 فبراير  2013

Untitledjjjjjjjjjjjjjjjjjj

 بوضوح، بكل وضوح، فقرة المحامي خالد عبدالجليل من برنامج “تو الليل”  هي وصمة عار حقيقة في جبين صناعة الاعلام ككل، كويتيا كان أم غير كويتي:

لا تعاطف انساني مع البسطاء، لا أخلاق مهنية، لا قيمة في الاعداد، و لا أسلوب احترافي في ادارة الحوار.

 البرامج من هذه الشاكلة معروفة على مستوى العالم، و هي أقرب الى صحافة “التابلويد” الصفراء، التي هي صحافة شرعية، مرخصة، و قانونية بالتأكيد، و لكنها تعيش على هامش احترام المجتمعات و ثقتها، لا في قلب هذا الاحترام و تلك الثقة.

 مشكلة هذا البرنامج لا تقع فيه بقدر ما تقع فينا كجمهور متلقي، و بقبولنا بكل ما يقدمه لنا من رخص قيمي و قسوة لا إنسانية.

مع برامج التابلويد، لا يكون العتب على فريق البرنامج عادة، و إنما العتب – كل العتب – على المشاهدين الذين لا يبادرون الى الاستنكار. الاعلام هو سوق بالنهاية، و بضاعتها هي البرامج، كلما راجت البضاعة، كلما فهم البائع ذلك على انه رسالة قبول مجتمعية. و بذلك، فإن العار الحقيقي هو على من يشاهدون، و يسكتون، و ان لم يضحكهم ما يرونه. هذه هي بالضبط السلبية المثالية، التي تشجع المذيع على الاطاحة بالمزيد من البسطاء المعتقدين بحسن نوايا البرنامج.

 شكرا لكم، أيها المشاهدون الصامتون – الذين تشاهدون هذا البرنامج بين أهلكم، أثناء “زوارة العايلة” يوم الخميس . شكراً لكم على المساعدة في توسعة دائرة الوحشية.

أتمنى ان تكونوا قد استمتعتم باستكانه الشاي الساخنة، و الضحك على الضحية الجديدة الواثقة بالمذيع، و بكم.

بيت القانون و الأدب: أرضه الملكية الفكرية و سقفه حرية التعبير

قياسي
IMG-20130219-WA0007

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري
18 فبراير 2013
 –
 –
حلقة نقاشية:
“القانون و الرواية: أرض الملكية الفكرية و سقف حرية التعبير”
(برعاية كلية الحقوق / جامعة الكويت و الشبكة القانونية للنساء العربيات):
تأثرت بسرد ضيوفي.
حدثتنا الروائية ليلى العثمان حول الملاحقات القضائية التي تعرضت لها في الكويت تحت مسمى مخالفة الآداب العامة (أعرف، بحكم تخصصي، أن هذه الملاحقات تمت على أساس تجريم أفكار ما كان يمكن أن تجرم أبداً لو تم فهمها في سياقها الروائي).
أما ما بثته لنا الكاتبة الشابة هبة مشاري حمادة من هموم حول عسف الرقابة الفنية و محاذيرها المتشنجة على سيناريوهات المسلسلات التلفزيونية في الكويت فقد كان مرعباً جداً (هل تعرفون، مثلاً، أن الرقابة على المسلسلات هنا تمنع أي لمسة بين رجل و إمراة إطلاقاً، إلا إذا كانت صفعة على الوجه؟)
في التحضير لهذه الحلقة النقاشية، كانت الفرضية التي انطلقت منها هي إحساسي بمفارقة ازدواجية معايير حرية التعبير في الكويت، من حيث أن هناك علاقة عكسية واضحة بين حرية التعبيرين السياسي و الأدبي. إذا أجد أنه في الوقت الذي يرتفع فيه سقف حرية التعبير السياسي باطراد ليصل إلى آفاق غير مسبوقة لدينا، تنخفض لدينا – مع ذلك حرية – التعبير الأدبي حتى تكاد تصل الآن إلى حضيضها بسبب محاذير اجتماعية مصطنعة، تمت قولبتها من خلال توجهات سياسية خفية. يتم ذلك تحت مسميات عديدة (دين، عادات، تقاليد، آداب عامة)، و بما يناهض روح الكويت الحرة في عمقها.
نقاشنا الخصب هذا ذكرني بفقرة كنت قد قرأتها منذ فترة للفيلسوف البريطاني بيرتراند رسل Bertrand Russel. كان أول ما فعلته عندما رجعت إلى بيتي هو أن بحثت عن المصدر لأعيد قراءتها.
إليك ما كتب راسل:
“عندما تقيم العادة والتقاليد والقانون نظماً تبلغ من الدقة ان تخنق الجرأة، وعندما يمتدح الناس مآثر أسلافهم و يؤمنون أنهم لا يستطيعون ان يتساووا بهم، و عندما يصير الفن مبتذلاً، فان المجتمع المعني يدخل في طور الركود”.
طور الركود، يا سيدي، طور الركود.
export_675
export_677
export_671
export_674
export_678

لادا: سيارة أحلامي

قياسي
IMG_0924
لادا.
سيارة أحلامي.
صج. جد. و الله!
هذه سيارة محترمة، صبور، عملية، متواضعة، مصطلحة مع نفسها، و لا تشعر بأنها بحاجة لأن تثبت أي شيئ لأي شخص.

بخلاف نظيراتها من السيارات التي تعاني من انفصام واضح بالشخصية  (أغلب السيارات تعاني من مركب نقص عميق إذ تعتقد، في قرارة أنفسها، أنها طائرات)، فإن لادا هي سيارة ذات شخصية سوية، و لها إدراك واعٍ و كامل إلى دورها الوظيفي المتمثل في حقيقة أنها سيارة، و سيارة فقط.
لادا هي التجلي الميكانيكي الحقيقي للحالة النفسية السوية، و أنا أحترمها.
=

المكتبات: هاجس الشعر و القانون

قياسي

 د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

11 فبراير 2013

cincinnati-main-library-thumb[1]

(من حوارٍ مع صديق لي شاعر. شاعر حقيقي):

مشاعل،

نهارك سعيد.

حين أتواجد في هذا العالم الأزرق، غالباً ما أود التعليق على ما تختارينه هنا، لكن يحرجني أحياناً أن أبدو مسرفاً ومهذاراً.

هناك صحو في هدوء صفحتك، والانتقال من أومبرتو إيكو إلى باث يحرك ذاكرتي صوب كتّاب و مفكرين أحبهم، ثم أحتفظ لنفسي بما أتذكره و تعود الكلمات إلى غفوة أخرى.

بالأمس، تذكرت صديقاً مهندساً هجر الهندسة إلى الفلسفة في إنكلترة ولم ينه بعد رسالة دكتوراه عن فيتجنشتاين، وكنا نمضي أوقات نقاش ممتعة حول هذا الفيلسوف في مقهى الكمال بدمشق. ما كنا نتحدث كذلك إلا إذا كنا وحدنا، لأن الأصحاب سرعان ما يضجرون و ينفضون عن طاولتنا.

أتمنى ان لا تكون هذه الرسالة قد أثقلت على وقتك.

لك كل الود والتقدير”.

جولان،

ربما كان اقتصادك في الكتابة مبرراً؛ أنت شاعر.

أما أنا، فبحكم موقعي،لا أملك ترف التوقف عن الكتابة.

أعمل في المجال الأكاديمي. في مجالي هذا، تعلمت الرعب الحقيقي: أتعامل مع الكثير من الشباب الأذكياء و الطموحين (من الجنسين)، الذين – رغم شخصياتهم الجميلة الواعدة – لا يملكون، في عمق تكوينهم الفكري، أية أدوات حقيقية نحو التعاطي مع الحياة. من خلالهم، صار واضحاً لدي أن نظام التعليم العام لا يضع في أيديهم لا اللغة، و لا الثقة، و لا الفضول، و لا المبادرة، و لا المعلوماتية، و لا ملكة الفكر النقدي، و الأهم:  ان هذا النظام يعمي عليهم تماماً المعنى الحقيقي للقراءة.

لكل ذلك، صار مشروعي الحياتي هو أن أبين لطلبتي الشباب الحجم الحقيقي للخسارة اللاحقة بهم و الربح الفائت عليهم (وفق الاصطلاح القانوني) الذي أضاعوه من حظوظهم من الدنيا نتيجة لموقفهم القروسطي المرعب من القراءة.

منذ فترة، بدأت ألاحظ نمطاً رياضياً تصاعدياً في محاضراتي: عامٌ بعد عام، صارت مساحة القانون – و هو تخصصي – تقل فيما أحاضر به طلبتي، لتزداد مقابلها مساحة العلوم الإنسانية. اليوم مثلاً، كنت أناقش “العرف” كمصدر من مصادر القانون. هنا، ما كان يفترض به أن يكون ملاحظة جانبية عارضة تقال في عشر دقائق فقط انتهى بها الأمر معي بأن عرضتها – من خلال ما بدا لي و انا أخرج بعدها من باب القاعة – أنه منظومة هندسية كاملة، مربع حقيقي من أضلاعٍ أربعة: فلسفة، تاريخ، أنثروبولوجيا، و قانون (في الآخر فقط، قانون).

أكتب ل ذلك لأنقل لك أنني أشعر تماماً بما يشعر به صديقك الفيلسوف هذا. أغلب ظني أنه لن يحصل على شهادة الدكتوراه أبداً، كما يبدو لي من وصفك له. لقد صار الرجل “مأخوذاً” بالقراءة، و أنا و أنت نعرف معنى ذلك تماماً (كان كافكا يقول ما الكتب إلا صنفٌ من المخدرات). في حالتي، فإن وصفة مركبة من القليل من حسن الحظ و الكثير من تنظيم الوقت هي فقط ما أنقذني من مصير صديقك: سرنديبية متاهة المكتبات التي  لو استسلم لها الباحث لأضاعت بمستقبله الأكاديمي.

و لكن هذا مرضٌ عنيدٌ مزمن؛ يذوي فترة لينشط بعدها لفترات.

أنا الآن صرت ألاحظ أن حركة مد و جزر فلكية واضحة باتت تسيطر على طقس محاضراتي؛ صار القانون جزراً و العلوم الإنسانية مداً، تماماً كما ينبغي لمحاضرةة حقيقية في القانون. و لكن ذلك لا يعجب ذوي النظرة الميكانيكية للتعليم. كان زميل لي من هؤلاء يقول “سيأتي اليوم الذي ستعلمين فيه طلبتك كل شيء عدا القانون، هذا الذي ما حضروا محاضراتك إلا ليتعلموه”. سكت، و قلت في نفسي: آمين. إذا نجحت في أن أكون على خلاف ما أنت عليه، سأكون قد فتحت أعينهم إلى أن القانون يُدْرَس من آفاق الخارج، لا من ضيق الداخل. عندها، و عندها فقط، سأفخر بنفسي كأستاذ حقيقي للقانون، و ليس مجرد ميكانيكي يتعامل مع العقل كعلبة تروس للذاكرة الاسترجاعية، مثل زميلي هذا.

تحياتي، و عميق تقديري، لك”.

 –

أنا و بروست: ندماً على الزمن الضائع

قياسي

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

8 فبراير 2013

proust.1244729153[1]

وصلت إلى الاجتماع قبل الموعد بخمسة دقائق.

ما ان أوقفت سيارتي و لملمت اوراقي و فتحت الباب تأهباً للنزول لحضور الاجتماع الهام، حتى أعلن مذيع الـ BBC عن بدء برنامج حول سيرة الروائي الفرنسي الكبير مارسيل بروست Marcel Proust (1871-1922)، صاحب السباعية الشهيرة “البحث عن الزمن الضائع” (À la recherche du temps perdu). كان البرنامج يدور حول اكتشاف أرشيف غير معروف من المقابلات الصوتية مع أصدقاء بروست و معارفه، تم تسجيلها في أوائل القرن العشرين (حوالي عام 1910)، يتحدثون فيها عن سيرته الشخصية و ذكرياتهم معه.

الأمر غير مسبوق.

من دون ذرة تردد و بلا ظل قلق، أغلقت باب السيارة، رميت أوراقي على المقعد الخلفي كيفما اتفق، ضغطت مفتاح فتحة السقف، أرجعت مقعدي إلى الخلف، أغمضت عينيّ، و جعلت أستمع.

كانت عشرين دقيقة من الخيال، عبارة عن مقابلات صوتية عمرها أكثر من مائة عام، تتمثل في تسجيلات رديئة بأصوات متقطعة. علق في ذاكرتي منها تسجيل لأحد أصدقاء بروست، و هو أمير روماني منفي يعيش في باريس، كان راعياً لكاتبنا و ممولاً لطباعة رواياته. كان مما قاله أن بروست، في مصافحته للأغراب، كان يكتفي بلمس أكفّهم بطرف كفه من دون أن يضغط كما نفعل جميعاً (“حتى لا يتوهم الغريب الذي أصافحه أنني – على غير الحقيقة – أكن له عاطفة غير موجودة في وجداني”). كما شدني تسجيل لمدبرة منزله، مدام فرانسواز، تتحدث فيه بصوت مسرحي متهدج و هي تصف اللحظات الأخيرة لحياة بروست، و كيف مات مريضاً بين يديها بسبب خوفه من الأطباء (“الأطباء. هؤلاء الذين عوضاً عن ان يتركوا مرضاهم المحتضرين يموتون بسلام، يستمتعون بوخزهم بالإبر الموجعة، فقط ليطيلوا حياتهم ليضع سويعات أخرى”).

انتهى البرنامج، أعدت لملمة أوراقي، و نزلت.

في الاجتماع – هذا الذي فاتتني منه عشرون دقيقة كاملة – بدا الأمر من السخف و العبث و كأنني حضرته ألف مرة:

كتابنا و كتابكم،

لجنتنا و لجنتكم،

سكرتير يعبث بهاتفه النقال،

ستة أزواج من الأيدي العابثة بمسابيح كهرب فاخرة و مزعجة،

أربع نكات سمجة (منها واحدة لم أفهمها و لكنني ابتسمت على أية حال لأنني لم اكن في مزاج مهتم، أخرى ظريفة و لكنني سمعتها من راويها للمرة المليون، و اثنتان عنصريتان إلى درجة فجة)،

ثلاث غتر (أغطية رأس) بيضاء، تخفق كل منها في الهواء بمعدل ثلاثة مرات في الدقيقة الواحدة – تماماً كما تخفق أجنحة طائر اللقلق-  بحركة أيدٍ آلية متكررة مدفوعة بهاجس نفسي يلتمس دائماً الهيئة الفاخرة المرسومة بالمسطرة و الفرجار (و عليه، فإن تعابير خارجة مثل “سلوك عفوي” أو “لباس طبيعي” يمتنع تماماً – كما تعلمون – أن  تدور في قاعات الاجتماعات؛ قدس أقداس معابدنا البيروقراطية)،

و كوب قهوة  تركية باردة (كان الجماعة من اللطف بحيث طلبوها لي منذ عشرين دقيقة. شربتها، على أية حال. كان لا بد أن أشغل نفسي بشيئ، أي شيئ، حتى لا أموت ضجراً)،

حسناً فعلت عندما قررت أن لا أعتذر لحضوري المتأخر. لم يكن هناك ما يستحق الاعتذار.

عندما أفكر في الأمر، أشعر أن من أدين لهم بالاعتذار حقاً هم ليسوا حضور هذا الاجتماع البروتوكولي البارد برود الرخام في ليل ديسمبر. إن من أدين لهم بالاعتذار حقاً هم الأمير الروماني و السيدة فرانسواز : كيف جرؤت أن أسمح لهؤلاء المدراء البلاستيكيون بأن يزاحموهما في داخل عقلي؟

من الأمس إلى اليوم، ما زلت لا أستطيع أن امنع نفسي من التفكير و المقارنة. يا إله السموات، أي ضرر نلحقه بعقولنا عندما نحضر مهرجانات العبث البيروقراطية هذه، تلك التي نسميها “اجتماعات رسمية”، فقط حتى نوهم أنفسنا بالفعالية و الإنجاز؟

بالمقارنة مع جوقة المدراء المضحكة تلك، حتى مدبرة منزل بروست – التي تطبخ و تغسل و تكنس – كان لديها ما يستحق الاستماع.