Monthly Archives: أبريل 2013

صنعة جابر

قياسي

 د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

16 إبريل 2013

547757_10151571609846071_927083328_n[1]

 منذ أكثر من عشرين عاماً، كان هو المجمّع التجاري الوحيد في الكويت، و الرّمز الأكبر للانفتاح.

 إذا دخلته اليوم، ستفاجأ بأنه قد تحوّل إلى مدرسةٍ حقيقيةٍ للشطارة التجارية في فهم و ركوب موجة التوجّه الاجتماعي للشريحة الزبائنية المُستهدفة.

 هنا، لم تتغيّر المحلات – بل لم يتغير حتى أصحابها – كل ما تغيّر هو البضاعة و أساليب عرضها؛ أصبحت نصف المحلات تبيع العباءات، و النصف الآخر ذا مداخلٍ مغطاةٍ بستائر عازلة (الأمر يذكّر بممارسات الكثير من البنوك التجارية التي اتجهت للتمويل الاسلامي، برغم استمرار ممارساتها الربوية الموازية).

 صار واضحاً أن أصحاب المحلات، هؤلاء الأذكياء المرنين، قد تعلّموا الآن صنعة العالِم القديم جابر بن حيّان؛ “الخيمياء”.

 و لكن فيما أضاع الأخير حياته بأكملها بدراسة طبائع العناصر في محاولاتٍ فاشلةٍ منه لتحويل المعادن المنطرقة الرخيصة إلى ذهب، اكتشف أحفاده هؤلاء – بسرعة و بانتهازية مثيرة للاعجاب فعلاً – اكتشفوا التركيبة السرية لذلك:

 مُركّب الدين و التقاليد؛ سر الخلطة.

دفاتر سرية

قياسي

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

13 إبريل 2013

20130413_122047

 صديقي الشاعر المغترب جولان حاجي يترجم، إلى العربية، كتاباتٍ غير منشورة للكاتب الروسي أنطون تشيخوف. هذه أفكار، ملاحظات، و شذرات من مفكرةٍ شخصيةٍ لتشيخوف، عُثر عليها حديثاً.

“دفاتر سرّية” هو عمل يشبه ضرفة باب نصف مفتوحة.

الكتاب لا يصلح للقراءة، بل للتلصّص.

شكراً جولان.

جولان،،

بعد انتظار طال أكثر من شهرين، استلمت كتابك “دفاتر سرية”.
بذنبك، أنهيته في ساعة و نصف.
أعرف انني – بذلك – ما وفيته حقه، ولكنه وفاني حقي.
أكتب لي إهداءً. سأطبعه، و سألصقه على الكتاب من الداخل. أريد أن يعرف أطفالي، حين يكبرون، أن أصدقائنا الحقيقيين هم، غالباً، أشخاص لم نلتقي بهم قط.
مشكور.

مشاعل الهاجري (12 إبريل 2013)

_

_

العزيزة الدكتور مشاعل،،

صباحك ونهارك أنوار. أشكرك على الرسالة، وتفرحني دائماً قراءة كلماتك.

كنت أراجع هذه الترجمات في دمشق منذ أكثر من سنتين، بصحبة صديق روائي كان مختصاً في ترجمة تشيخوف، إذ عاش في روسيا طويلاً، وترجم مجلدين آخرين من أعمال تشيخوف غير منشورين من قبل باللغة العربية. كانت أياماً تغمرنا فيها الصداقة كضوء الربيع في المقاهي التي نفرد على طاولاتها أوراقاً وقواميس ونمضي ساعات في المراجعات والصياغات. كانت هواجسنا في التدقيق متفقة في الصبر.

الشمس الآن تغمر بلطافتها المدينة، باريس، بعد أيام طويلة من الغيم وتقلبات السماء. أمس، بين الكاتدرائية التي دفن فيها ملوك فرنسا وبين الحديقة المسماة اسماً عسكرياً غابراً “فيلق الشرف”، امتد قوس قزح هائل ومكتمل (قوس المطر يترجم إلى قوس السماء)، تحول العابرون أطفالاً للحظات. في الحديقة نفسها، بعد ظهر اليوم، سيحط سيرك رحاله.

لا أزال أرسل البطاقات البريدية إلى أصدقائي، لدي مجموعة جديدة (كأن لملمة البطاقات والرسوم الصغيرة صدى عادة قديمة، “جمع الطوابع”!) من معرضين استعاديين شاهدتهما مؤخراً في اللوكسمبورغ و متحف دولاكروا. فهل من الممكن أن ترسلي إلي عنوانك البريدي؟

لك مني كل المحبة والتقدير.

جولان حاجي (13 إبريل 2013)

قياسي

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

13 إبريل 2013

 –

559398_10151567756671071_957833436_n[1]

مضحكةٌ جداً هذه الثقة القاطعة التي اعتاد أن يخرج بها علينا كثيرٌ من “المهتدين الجُدُد”، و كأنهم حجج الله.

و مقزّزة فعلاً مسارعة إعلامُنا الإنفعالي العَجـِل في تلميع هؤلاء و إظهارهم بمظهر المخلّصين للدين و المجدّدين له، من خلال زيارةٍ واحدةٍ للبلاد، يحظى فيها الصحافي الطموح للشهرة و للمادة الجديدة إلى مقابلةٍ يتيمةٍ للضيف، يتفوّه فيها الأخير ببضع كلماتٍ حول المشاعر و الأحلام و الانطباعات و الدهشة، و ما خالط كل ذلك من دموعٍ غزيرةٍ رؤىً غامضةٍ و روحانياتٍ حالمة.

ينتهى الأمر دائماً بأن يقوم كثيرٌ من هؤلاء القادمين الجُدُد – بقطعيةٍ و ثقةٍ يُحسدون عليهما – بتقسيم جمهرة المسلمين إلى حظيرتين، حظيرة الناجين (التي ستقتصر عليهم و على من يرون في الدين ما يرونه) و حظيرة المغضوب عليهم (و هم باقي المسلمين جميعاً)، ثم يعدوننا بالويل و الثبور و عظائم الأمور.

عندما نشر المسلمون الإسلام في بلادٍ جديدة خلال عهد الفتوحات الإسلامية، كان شعوب البلاد المفتوحة يتبنون دياناتٍ شتّى. بعد تحوّلهم إلى الإسلام، بقي لديهم من تلك الديانات شيءٌ من قيمٍ إنسانيةٍ مشتركة ظلت تدور في مجتمعاتهم على شكل رواسبٍ ثقافيةٍ (كالتسامح المسيحي و الوداعة البوذية و حب العلم و الاستنارة المجوسيين) من لا يأتينا – على الأقل – بشيءٍ من قيمٍ علياً مشتركة يحملها معه من موروثه الثقافي القديم (تسامح، أناة، صفح) ليُجدد به حصيلتنا القيمية التي أوشكت على التآكل، فيأتي ليُكرر على مسامعنا ذات الخطاب القاسي، الإقصائي، الجلف، الذي بيبشر بالحرمان من رحمة الله و هي التي وسعت كل شيئ،  ما حاجتنا به؟

إن كان الأمر كذلك، فما جدوى مقابلتهم و نحن نسمع الخطاب ذاته – يومياً – من “شيوخنا”، “الأجلّاء”، “المبجّلين”، “ذوي الفضيلة”، الذين لا يأتيهم الباطل لا من بين أيديهم و لا من خلفهم؟

 في حديثه عن بواطن القلوب و ما وقر بداخلها من إيمان، كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول “هلّا شققتَ عن قلبه؟”، و في نقد مديح المسلمين لحسن إسلام بعضهم كان يقول: “إِنْ كَانَ أَحَدكُمْ مَادِحًا صَاحِبه لا مَحَالَة؛ فَلْيَقُلْ: أَحْسَبهُ كَذَا، وَلا يُزَكِّي عَلَى اللَّه أَحَدًا”. أما عن التواضع العلمي لعلماء الدين “الحقيقيين” الذين يتحرّجون من القطع بالرأي أو بمجرد الفُتيا فهذا ما يمكنني ان أسطّر فيه مجلّدات كاملة.

 فما بال هؤلاء يتبنّون ديناً جديداً ثم يرون في أنفسهم الجرأة لإصدار الأحكام القاطعة فيه؟

و ما بالنا نسارع في التّبتل في محراب كل من ذرف دمعتين ثم نام ليستيقظ على حلمٍ يرفعه – بقرارٍ شخصيٍ منه – إلى مرتبة الرؤية؟

مللنا من التبسيط: ما عادت السذاجة تليق لا بذكائنا، و لا بديننا.

 متى يفهمون؟

– 

باسم يوسف: “عشان تبقى فاهم، يعني”

قياسي

 

د. مشاعــل عبــد العزيــز اسحــق الهاجــري

Mashael.alhajeri@ku.edu.kw

10 إبريل 2013

 –

Untitled

كتبت ما كتبته هنا في اجتماعٍ طويلٍ، مملٍ، فاشلٍ، كانت فرصة كتابة هذا الرد هي أفضل ما في جدول أعماله. على أجندة الاجتماع، كان يمكن وضع مقالي هذا في بند “ما يُستجدّ من أفكار”   : )

المصري باسم يوسف مقدم برنامج “البرنامج” يكاد يكون أول بواكير الإنتاج الديمقراطي السليم على مستوى الثورة المصرية، إن لم يكن على مستوى الربيع العربي ككل. من المقلق أن نرى ما نراه من المحاربات غير المسبوقة لشخص باسم يوسف، من خلال الطعن و التكفير بل و الملاحقة القانونية لأنه “تجرأ” على نقد المشتغلين بالعمل السياسي و الملبسين له لباس الدين.

من يتصدى للعمل العام (سياسة، فن، إدارة، وعظ ديني) هو شخص تعدى المجال الخاص إلى المجال العام بقراره، فإذا دخل المجال العام صار عليه أن يتقبل النقد، تماماً كما يتقبل الثناء. السياسيون و الفنانون و الموظفون و رجال الدين جميعهم من دون استثناء يعرضون أنفسهم و أساليبهم للتقييم و القبول و الرفض ما داموا في الساحة العامة. من يجد في نفسه غضاضة عليه، ببساطة، أن يجد مجالاً خاصاً لا عاماً ليعمل به.

هذا في السياق الاعتيادي، فما بالك في السياق المصري؟

هذه ثورة. أي بناء فكري جديد يقوم من دون هدم؟ لأن المصريين يدورون الآن في حلقة مفرغة بسبب الإلتباس و التعمية، فإن وجود التنويريين في مصر لم يكن مهماً و ضرورياَ كما هو الآن، و باسم يوسف منهم. بمقياسٍ صغيرٍ و رمزي طبعاً. لا تدع سمته الضاحكة تخدعك فتظن بها البساطة. هذا الرجل يقوم بما لم تقم به مناهج التعليم في الوطن العربي بأكمله: إنه يكاد يضطلع – وحيداً – بتعليم المواطن العربي التفكير الانتقادي أولاً، ثم تدريبه على المهارة الدقيقة المتعلقة بالفصل بين “الدين” و “رجاله”  ثانياً.

في غياب الجرم الجنائي المثبت، فإن ضيق صدور المتصدّين للعمل العام هو أمر لا يسأل عنه سوى أصحاب الصدور الضيقة وحدهم، رجال دين كانوا أم غير رجال دين. برنامج “البرنامج” هو خطوة في الاتجاه الصحيح. هذه تجربة ينبغي على الديمقراطيين منا دعمها بقوة، لا مهاجمتها.

و لكن المناقشات التي تتناول باسم يوسف تفوّت الانتباه الى المهم: هذه النقاشات تميل إلى اختزال ظاهرة باسم يوسف في مسألة السخرية، و السخرية فقط. هذا التبسيط هو تحديداً السبب الذي يجعل البعض يخلط بين خفة ظل باسم يوسف و سرعة بديهته من جهة و بين الموروث الصري الساخر من جهة أخرى، فينتهي الامر دائماً بالنظر إلى هذا الإعلامي كمجرد مصري خفيف ظلٍ آخر. ربما كان هذا ما يسمى في علم الجدل بـ “المصادرة على المطلوب”.

باسم يوسف ليس مجرد مصري خفيف ظل آخر. لو كان الأمر كذلك لما كان له كل هذا التأثير، فمصر مليئة بهؤلاء. يبدو لي ان اختلافي مع الكثير من المراقبين للشأن المصري يتمثل في إصرارهم على تبسيط الأمر و اختزاله في حس “الفكاهة” في مقابل إصراري على تعميق الموضوع و تجاوز مفهوم “الفكاهة” للتعدي به إلى مفهوم “السخرية”. الفكاهة و السخرية ليستا كلمتين مترادفتين، كما ينبغي أن نعلم. ففيما تقوم الفكاهة على حس النكتة و حده (و هي بذلك يمكن ان تقوم قائمتها من خلال شخص واحد فقط شريطة ان يكون خفيف ظل) فإن السخرية لا تقوم قائمتها إلا من خلال شخصين على الأقل؛ لأن الأمر يتطلب “ضحية” يتم تعريتها و تشريحها، إن شئت (كان دفاع سقراط في مواجهة قضاته آية من آيات السخرية. ألم يخلد التاريخ محاوراته معهم كألف باء الممارسة الديمقراطية؟)

و لكننا إذا ما تعدينا عقدة “الفكاهة”، اصطدمنا بعقدة “السخرية” و تحسس البعض منها. السخرية – و هذه حقيقة معروفة في علم السياسة لا أفهم حقيقة كيف يمكن إغفالها – هي صنوّ الديمقراطية (ما الأدب السياسي و الكاريكاتير السياسي و المونولوج السياسي و الكاباريه السياسي إلا مجرد أمثلة للأجنحة الساخرة لطائر الممارسة ديمقراطية). و بذلك، فإن السخرية و الاستهزاء يمشيان جنباً إلى جنب مع الديمقراطية و ما تستتبعه من حريات الرأي و التعبير، فلا ينبغي الفصل ما بين “السخرية” و النقد”، لأن السخرية – ما لم تختلط بملابسات جنائية كالسب أو القذف أو التلفيق أو الادعاء الكيدي – ما هي إلا صورة من صور النقد الموجع (كان سورين كيركغارد، الفيلسوف المعروف، يقول أن “السخرية هي إحدى سمات الموضوعية”).

لاحظ ان النقد المدرسي، المباشر، الخالي من الخيال هو نقدٌ غير فعال، لهذا السبب تجد ان الديمقراطيات الحقيقية لا توجد إلا في المجتمعات التي تتنوع فيها وسائل التعبير الحر المتمثلة في فضاءات مفتوحة من الأدوات التعبيرية (مقال صحفي، كاريكاتير، مدونة، أغنية، غرافيتي، محاضرة، أدوات اتصال اجتماعي، إلخ). و هكذا، فإن كل ما يلتزم به أي شخص تجاه أي شخص آخر يتناوله بالنقد – رجل دين كان أم عداه – هو ألا يتجاوز عليه بما يخالف القانون. فيما عدا ذلك، فلكل شخص مطلق الحرية بنقد الآخرين، بل و بالسخرية منهم أيضاً.

و في الحقيقة، فإن مراقبة المشتغلين في المجال الديني و نقدهم لم يكونا لازمين  أبداً في أية مرحلة تاريخية كما هما لازمين في هذه الفترة العصيبة من زمننا العربي. لننتبه إلى أن العمل الدعوى هو من أقل مجالات العمل تطلباً، مما يسمح للجميع تقريباً بالدخول فيه (هذا ما يسمى بلغة سوق العمل low barrier to entry)، بخلاف الحال مع المهن الأخرى المتطلبة بطبيعتها كالهندسة أو المحاسبة أو المحاماة أو الطب مثلاً، و هي المهن التي تتطلب كلٍ منها منظومة كاملة من ضمانات الانخراط (كالدراسة، الشهادة الجامعية، العضوية النقابية، التدريب، الترخيص، الخبرة، إلخ). إن خطاب التبجيل السماوي و الاحترام المبالغ فيه لكل من يقرر الدخول في المجال الديني ليتحول بعدها إلى “رجل دين” و “داعية” و “واعظ” و “صاحب فضيلة” من دون أي تدقيق و أو تمحيص من قبل الرأي العام هو أمر يعني أننا نخلق بإراداتنا أشخاصاً مقدّسين شأنهم شأن البابا في المسيحية، و الإسلام لا بابوية و لا قداسة فيه.

عبر التاريخ، كانت السخرية عنصرٌ أساسيٌ و فاعل في كيمياء أي مُركّبٍ سياسي. لاحظ أن حركة الإصلاح الديني الأوروبية (المتمثلة بمساعي مارتن لوثر و تجديده البروتستانتي) كانت هي الحركة التي سمحت بتعديل التجاوزات المخزية للكنيسة الكاثوليكية (صكوك غفران، محاكم تعذيب، إغراق في الشكليات، إشغال الناس في الطقوس مع إضاعة الجوهر) و هي مع عظم نتائجها إلا أنها ما بدأت إلا بقصائد الشعراء الجوالين الساخرة troubadour (التروبادور). كما أن فن التقليد الساخر burlesque (بورليسك) القائم على التهريج و القاء النكت الساخنة كان هو الفن الذي اكتسح مسارح أوروبا في فترة ما بين الحربين، و تحديداً في ألمانيا التي كانت ترزح تحت وطأة النظام النازي الجديد آنذاك (أذكّر بانتاج المخرج برخت مثلاً).

بعد تفكيك تلك الافكار الخالطة بين الفكاهة و السخرية، فإن النقاش عادةً ما يتحول إلى أمرين، أولهما هو مطالبة  الساخرين من أمثال باسم يوسف بتقديم الحلول. و هذه مطالبة غير ديمقراطية، و لكنها فكرة اعتدنا ترديدها في مواجهة من ينتقدون من على مقاعد المتفرجين. يفوتنا هنا دائما ان نتذكر بأن للساخرين حقوق الانتقاد مع  التفرج و التقييم ماداموا قد قاموا بالتوكيلات المطلوبة منهم (الانتخابات) و التي يتسلم بعدها المتعهد أدوات العمل كاملة (سلطة، مالية عامة، جهاز إداري، مؤسسات، إلخ).  لاحظ معي أن الساخرين (صحافة، مذيعين، ممثلين، إلخ) هم أناس ظلوا في دوائرهم المهنية و لم يتصدوا للعمل السياسي العام. ببساطة: تقديم الحلول هو واجب من تعهد بتقديمها (كالتعهد المتمثل في “الإسلام هو الحل”، مثلاً).

أما الأمر الثاني الذي يتحوّل له هذا النقاش عادةً فهو التعبير عن الخشية من أن تصبح السخرية اللاذعة سلطة لا يمكن مواجهتها، هو قلق يُذكّر – حقيقةً – بمساعي النظم الشمولية (النازية و الفاشية و الشيوعية) تجاه وئد أدوات التعبير المقلقة لها. ما السخرية إلا وعاءٌ ناقلٌ لفكر، بالنهاية. لا أظنني بحاجة لأن أذكر بأن الفكر لا يواجه إلا بفكر. لو كنت من “رجال الدين” الذين طالهم يوسف بنقده الحاد لكان ردي الفوري السريع على برنامج يوسف هو انتاج برنامج ندٍ موازٍ له يسخر من يوسف و من الفكر الذي يسوّق له يوسف، و من خلال الأدوات ذاتها. هذا من ناحية، و من ناحية أخرى، فإن الإصرار على مناقشة موضوع باسم يوسف كـ “شخص” هو ما يسبب قلق البعض من تضخمه إلى سلطة، و الحقيقة هي أن مناقشته باعتباره الفردي قد يولد له سلطة أدبية فعلاً، بينما ما يهم في الأمر كله هو ضرورة الانتباه على أهمية مناقشته ليس كفرد بل كظاهرة: إعلام بديل، جريء، ذكي، عميق، باحث، ساخر، لا يخشى في الديمقراطية لومة لائم، لا رئيس و لا رجال دين. هكذا فقط يمكن أن يتكرر نموذج يوسف و يتعدد، الأمر الذي سيخلق أنداداً ليوسف من شأن وجودهم أن يحد من مخاوفنا من تضخّمه.

و لكن كل هذا لا يهم. ما يهمني هنا هو أن أتجاوز الدائرة الساخرة التي يضع الناس يوسف فيها دون أن يلتفتوا إلى دوره الأهم، و هو دوره المتمثل في إزالة القداسة عن رجال الدين السياسي، و هو الدور الذي أداه و مازال يؤديه – كلاعبٍ شبه وحيد على الساحة الإعلامية – بحرفنةٍ و اتقان.

أنا، شخصياً، أسجل إعجابي العميق بخلطة يوسف الرائعة من الجرأة مع الأدب، العنف مع الرقة، الذوق مع الصفاقة، و الطيبة مع الدهاء، كل ذلك مع ضبط المعادلة الرياضية المعقدة و الدقيقة المتمثلة في عدم تجاوز حدود النقد العنيف و حذر السقوط في درك التجريم الجنائي من سب و قذف و شتيمة، و بما يختلط بها من رخص.

من الأخطاء الشائعة أيضاً مقارنة أداء يوسف بالأمريكيين كولبرت أو ستيوارت في برنامجيهما الشهيرين. هذا قياسٌ مع الفارق، فهذين الإثنين يعيشان في جزيرة عملاقة من الديمقراطية الحقيقية إسمها “الولايات المتحدة الأمريكية” مع مايعني ذلك من موروثٍ ضخمٍ و راسخٍ من الثقافة و المؤسسات و القانون و الوعي السياسي، فيما باسم يوسف يجدّف لوحده في محيطٍ معادٍ من الجهل و الأمية و العنف و القلق و التدين الزائف. و بعد كل هذه الظروف المعادية، لاحظ أداء باسم يوسف بدقة، ثم قارنه بجوقه المهرجين الذين يردون عليه في برامج دينية لا حصر لها، ثم تنتبّه كيف ان هذا الداهية يوسف لا تصدر عنه كلمة واحدة خارجة، فيما كثيرٌ من خصومه يرفلون في – في غالبيتهم – في مستنقعٍ حقيقيٍ في من قلة الأدب و انعدام الحياء بما لا يليق حتى بصبية الشوارع في مشاجراتهم ، دع عنك رجال دين على منابرهم.

في أضعف الأيمان: يوسف مهرّج (مع أنني لا أراه كذلك)، و لكن هؤلاء الشيوخ المبجلين ذوي علامات الصلاة الداكنة المزيّنة للجباه، ما عذرهم في سقوطهم المدوي السريع الذي لم يتطلب الأمر إلا “مهرج” واحد للتسبب فيه؟ عندما أسمع البذاءات السوقية البشعة للكثير من هؤلاء – المصحوبة بكثير من الأعراض العُصابية الواضحة كما سيتعرف عليها بسهولة كل من قرأ بضع كتب لعالم النفس المعروف سيجموند فرويد (انفعال، صراخ، حركات جسدية عنيفة، نظرات زائغة) – عندما أسمعها يحضرني دائما قول رسول الله صلي الله عليه و سلم: “ليس المؤمن بالطعان و لا اللعان و لا الفاحش و لا البذئ”، ثم لا أملك إلا ان أتساءل: من هو “المؤمن” الحقيقي و من هو “المنافق”؟

الأمر هنا لا يتعلق بتقريظ أشخاصٍ و مدحهم لأنهم يخدمون اتجاهات سياسية معينة. لا عداوات شخصية هنا، بل اننا لسنا حتى مواطنين مصريين. نحن مجرد مراقبين للشأن المصري، و ندعي شيئاً ما من موضوعية. الأمر يتجاوز المنظور العاطفي إلى الوظيفية الأدواتية التي أجدها في برنامج باسم يوسف، و هي المتمثلة في الريادة في مجال إعلامي جديد على الذهنية المصرية – بل و العربية – و التي أراها تجربة لازمة للمرحلة بالضرورة (حتى تدرك قيمة برنامج باسم يوسف، قارنه ببرامج فضائياتنا الكويتية الخاصة التي يفترض بها أن تكون “سياسية ساخرة”، و بمستنقعات السخف و السطحية و ضعف الاعداد التي تتسم بها على الجملة، ضِف على ذلك تفاهة مقدميها و بساطتهم الفكرية، أكاد لا أستثني منهم أحداَ).

إن هذا التفكير الجدلي الديني/العلماني، المحضّر له جيداً و المغلف بطبقة ذكية من السخرية اللاذعة، هو بالضبط الدوامة الفكرية النقدية الذي أحمد ليوسف – جداً – إدخالي، و إدخال الملايين من العرب معي، فيها.