Monthly Archives: مارس 2014

في رثاء علي طارق الريحان: أحــزان النحاتيــن

قياسي

في رثاء “علي طارق الريحان”:

أحــزان النحاتيــن

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

جريدة القبس، 12 مارس 2014

http://www.alqabas.com.kw/node/846536

Ali Alraihan

قال تعالى: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ}.

أكتب الآن، و نحن في صباح اليوم الأول لوفاة طالبي النجيب، الخلوق، المرح، و العزيز “علي طارق الريحان”، عندما دخلت قاعة المحاضرة، لأجد أصحابه، و لا أجده.

في قصيدةٍ شهيرةٍ له، قال الشاعر العباسيّ ابن النبيه:

الناس للموت كخيلِ الطراد / فالسابقُ السابقُ منها الجوادِ

والله لا يدعو إلى داره / إلا من استصلح من ذي العبادِ

و الموت نقادٌ على كفه / جواهرُ، يختار منها الجيــادِ

يقولون أعذبُ الشعر أكذبه. لا أظنّ ذلك. ها قد كتب ابن النبيه شعراً عذباً، و ها هو قد صدق فيه، و ها هو رحيل عزيزنا الغالي “علي طارق الريحان” يأتي مفاجئاً، مخاتلاً، موجعاً، فقط ليُبَرْهِنَ على صِدْقُ الشاعِرِ فيما نَظَمَ عن الموت، و عن معاييره الانتقائيةِ العالية.

عندما يرحل شابٌ في ريعان الشباب، فإن الوالدينِ ينعيان ابناً، و الأصدقاء يفتقدون صديقاً، و بذلك فإن ما يخسرونه برحيل عزيزهم هو الماضي، و ذكرياتهم معه فيه. أما الأستاذ، المؤمن بتلميذه، المُتبنّي له، و الذي كان يُحضّره لأمورٍ كبيرة، فهو – و إن كان لا يُزايد على هؤلاء في حزنهم الصادق – إلا أن خسارته لا تشبه خسارتهم، من حيث انها لا تتمثل في الماضي، و إنما في المستقبل؛ فهو – مع التسليم بقضاء الله و أمره – لا ينعِ ما كان، بل ما كان يمكن أن يكون. و بذلك فإن الأستاذ يتوحّد، من دون رفيق، في فقدٍ مؤلمٍ من نوعٍ خاصٍ جداً؛ شيءٌ ما يقارب في فداحته فَقْدَ قطعةٍ فنيةٍ جميلة و استثنائية، آمن بمادتها الخام، و انتقاها انتقاءً، فعمل عليها سنوات، ليضع فيها قِطعاً من وقته و علمه و عمله بل و روحه، مثل نحّات. من يقرأ في تاريخ الفنون يعرف أن للنحّاتين ذوي المشروعات غير المكتملة أحزانٌ من طبيعةٍ مختلفة؛ لا تشبه الأحزان، لأن خسائرهم لا تتمثل بذكرياتٍ مضت و انقضت، بل برُؤىً مستقبليةٍ ابتُسِرَت من قبل أن تبدأ.

في كل عامٍ درّسته خلاله، وجدت علياً يتصدى دائماً – مُلحّاً و متطوعاً – لمهامٍ أكاديميةٍ كثيرة، لا تُعدُ و لا تُحصى، لا يرى منها الآخرون إلا شيئاً واحداً، هو أبسَطُها، ممثلاً في  تجهيز آلة العرض في بداية كل محاضرة. كانت مهمةُ عليٍ تلك مهمةً مملةً، مزعجةً، و متطلبة. و لكن زملاءُه ما كانوا يشهدون ذلك، فما كانوا يرون إلا علياً و هو يشغّل الجهاز ثم علياً وهو يُطْفِئُه، فلا يظهر لهم ما بين التشغيل و الإطفاء من أعطالٌ دائمة، تعقيداتٌ فنية، حجوزاتٌ إدارية، تنسيقٌ مستمر و انشغالٌ متكرر. كان عليٌّ يخوض في كل ذلك، و أكثر، بجهدٍ حقيقيٍّ، لا يدفعه إليه إلا شغفه بالخدمة العامة.

و بذلك، فإن محاضراتنا الهامةِ في مواد أصول القانون و الإلتزامات المدنية و قواعد الإثبات و قاعات البحث ما كان لها أن تُعقد – حقيقةً – من دون عليٍ و جهوده المخلصة، المتبّلة دائماً بابتسامته الشهيرة.

كلما تذكرت علياً، تذكّرت له هذا الفضل، و أشياءٌ أخرى، ثم استحضرتُ معها ما حدّثنا به رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الثلاثِ الباقياتِ من عمل المرء بعد موته، و على رأسها العِلْمُ الذي يُنتفع به. بذلك، أنا الآن أدعو جميعَ طلبتي ممن زاملوا علياً في المواد التي درّستُها لهم في السنتين الأخيرتين لأن يتذكروا دائماً أن لعليٍ – بطريقة خاصةٍ ما –  فضلٌ كبيرٌ في معارفهم الحقوقية: لولا عليٌّ ما تعلّمتُم ما تعلّمتُموه.

أما و قد اختار المولى عزّ و جلّ علياً الى جواره الكريم، فإنه – و لحُزنِنا العميق – لن يتخرّج كطالبٍ حقوقيٍ فرد، و لكنه رغم ذلك، و لفضله هذا، سيتخرّج و هو دفعةُ كاملة؛ جزءٌ أصيلٌ من بنية التكوين المعرفيّ لكل من درسوا معه عندي من الحقوقيين. و هكذا، ففي المستقبل، سيكون بداخل كل قاضٍ من زملائه هؤلاء، كل محامٍ، كل وكيل نيابة، و كل خادمٍ فخورٍ في محراب العدالة المهيب، سيكون بداخله جزءٌ من عليّ، و دينٌ لا يتقادم تجاهه. سيَكبُرون و سيشيخون، و لكنهم سيَظلّون – رغم ذلك – مدينين دائماً لهذا الفتى الطيب، الذكيّ، بطل الكاراتيه ذي النظارات السوداء الكبيرة التي تغطي نصف وجهه فلا تظهر منه إلا ابتسامةٌ واسعةٌ، و الذي سيبقى، رغم الزمن، شاباً نضراً له من العمر تسعة عشر ربيعاً، لا يزيدون، حتى عندما يغزو الشيبُ مفارقَ أصحابه.

مضت كلمة ربك. لم يبق لنا من عزاءٍ، الآن، إلا أن نتذكّرَ ما يُقالُ من أن “لكل امرءٍ من اسمه نصيب”. يقيني أنه لم يغادرنا من “عليٍ” إلا اسمُهُ الأولَ فقط، إذ سيبقي لنا منه دائماً اسمه الأخير، “الريحان”، بل و جميع مرادفاته العَطِرة؛ المشموم و الحَبَقُ و الخُزامى معاً.

 ورد في الحديثِ الشريف: “إِذا أُعْطِيَ أَحَدُكُم الرَّيْحانَ فلا يَرُدَّه”. و نحن جميعاً – و قد عرفنا علياً لسنوات – ينبغي أن نُدرِك أننا إنما أُعطينا ريحاناً عَطِراً، فدعونا لا نَرُدّه: لنُبقِ على ذِكرى عليٍ حيةً، فلا ننساه.

عن نفسي، دائماً، و مثل نحاتٍ بوغِتَ بفَقْدِ مادته الأوّلية الجميلة الواعِدة، سأتذكر علياً – هذا الحبيب، سليلُ الريحانِ و قلبُه – و أستَحضِرَه في كلِّ ما هو زكيٌّ، شذيٌّ، فواحٌ، و عاطرٌ.

في علّيين يا علي.

_________________

جريدة القبس، 12 مارس 2014

http://www.alqabas.com.kw/node/846536