Monthly Archives: ديسمبر 2014

ترجمة – “قضـــاة صالحــون” لأناتــول فرانــس

قياسي

قضـــاة صالحــون[1]

أناتــول فرانــس[2]

 

ترجمــة

د. مشاعــل عبد العزيــز الهاجــرى

2014

 800px-Anatole_France_at_work[1]

لقد رأيت قضاة صالحون حقا ً، قال جان مارتو.

كان ذلك فى لوحة. كنت قد ذهبت إلى بلجيكا هرباً من قاضي تحقيقٍ أصرّ على كوني طرفٌ في مؤامرة مع بعض الفوضويين. لم أعرف شركائى فى الجريمة و لم يعرفوننى. ولكن ذلك لم يشكل أية صعوبة للقاضى. لم يحرجه شئ. فرغم أنه كان يزن الأدلة باستمرار، إلا ان إحساسه بالقيم ظل متخلفاً. أرعبنى إصراره. ذهبت إلى بلجيكا وتوقفت فى أنتويرب،[3] حيث عملت كمساعد بقال. و في معرضٍ للصور اختلفت إليه في فى يوم أحد، رأيت قضاةً صالحين في لوحة لمابوسى (Mabuse)، ينتمون إلى صنفٍ قد انقرض الآن؛ أقصد صنف القضاة المشّائين الذين اعتادوا الترحال البطيء. كان مصحوبين بجنودٍ مُشاة، مسلّحون بالرماح، إضافة الى محاربين غير نظاميين، ملتحيين و مغطيين بالشعر.

كان هذان القاضيان – مثل الملوك فى الأناجيل الفلمنكية – يرتديان أغطية رأسٍ غريبةٍ و لكن عظيمة، تذكّر، في آنٍ واحد، بقبعة النوم و بالإكليل معاً. كان رداءاهما مصنوعان من القطيفة ومزينان بصورةٍ باذخةٍ، و كان الرّب قد أنعم عليهما بسمْتٍ جادِ، رزين، و رقيق. أما حصانيهما، فكانا معتدلين و هادئين مثلهما. و مع ذلك، فإن هذين القاضيين كانا مختلفين فى الشخصيات و في الآراء. يمكنك أن تلحظ ذلك فوراً. كان أحدهما يمسك بورقةٍ فى يده و يشير بأصبعه الى النّص، فيما كان الآخر يمسك حنوّ السرج بيده اليسرى، و يرفع يمناه بإشارةٍ توحى بالسماحةٍ أكثر منها بالسلطة. مابين الإبهام و السبابة، كان يبدو و كأنه يمسك بمسحوقٍ غير مرئيّ، أما اليد التى أخذت هذا الوضع بعناية فقد كانت تشي بذكاءٍ حَذِرٍ و خفىّ. كان الإثنان طاهرا الذيل، و مع ذلك، فقد كان واضحاً أن الأول يميل إلى الحرف، فيما الثانى إلى الروح أميل.

متكئاً على الحاجز الذى يفصلهما عن الجمهور، كنت أستمع إلى حوارهما:

قال القاضى الأول: “أنا ألتزم بالكلمة المكتوبة. إن القانون الأول ما كُتب على الحجر إلا كإشارةٍ إلى كونه سيدوم بديمومة العالم”.

أجابه القاضي الآخر: “كل قانونٍ – ما أن يُكتب – حتى يكون خارج الزمن، فيد الكاتب بطيئة، فيما عقل الانسان نشط، و مصيره مجهول”.

ثم استكمل هذان الشيخان الطيبان نقاشهما العميق:

القاضى الأول: “القانون ثابت”.

القاضى الثانى: “القانون لا يثبت أبداً”.

القاضى الأول: “لأنه جاء من الرب، هو لا يتبدل”.

القاضى الثانى: لأن القانون ينبثق عن المجتمع بشكلٍ طبيعىّ، فإنه يرتبط بالظروف المتغيرة لهذه الحياة.”

القاضى الأول: “إنها ارادة الرب التى لا تتغيّر”.

القاضى الثانى: “إنها إرادة الإنسان، التى تتغيّر دائما”.

القاضى الأول: “لقد وُجد القانون قبل الإنسان، و هو أعلى منه”.

القاضى الثانى: “إنه من الإنسان، زَمِنٌ مثله.[4] و مثله، عصىٌّ على الكمال”.

القاضى الأول: “أيها القاضى، افتح الكتاب المقدس و اقرأ ماهو مكتوبٌ فيه. لقد كان الرب هو من أملاه على المؤمنين به: هكذا تحدّث إلى آبائنا، إلى إبراهيم، و إلى ذريته من بعده”.[5]

القاضى الثانى: “ما كتبه الأموات سيمحيه الأحياء. إن لم يتم ذلك، فإن إرادة من ماتوا سوف تسود على إرادة من يحيون، فيكون الموتى أحياءٌ و يكون الأحياء هم الموتى”.

القاضى الأول: “إن القانون المُملى من قِبَل الموتى يُلزِم الأحياء بالطاعة، فالموتى معاصرون أمام الرب. موسى[6] و قورش،[7] قيصر،[8] جستنيان،[9] و امبراطور ألمانيا ما زالوا يسودون علينا، لأننا – فى نظر الرب الأبدى – معاصرون لهم”.

القاضى الثانى: “الأحياء لا يدينون بالطاعة إلا للقانون المُملى من قبل الأحياء، لأنه عندما يتعلق الأمر بالتعاليم التي تقرر ما هو مسموح و ما هو ممنوع، فإن زرادشت[10] و نوما بومبيليوس[11] هم أدنى مرتبةً من صانع أحذية القديسة جودولا”.[12]

القاضى الأول: “لقد كُشِفت لنا القوانين الأولى بفضل الحكمة اللامتناهية. أفضل القوانين هو ما كان أقربها للمصدر”.

القاضى الثانى: “ألا ترى أن هناك قوانين جديدة تُصنع فى كل يوم، و أن الدساتير و التشريعات تختلف باختلاف الزمان و المكان؟”

القاضى الأول: “القوانين الجديدة تتطور من القوانين القديمة. إنها الغصون الشابة من الشجرة ذاتها التى إرتوت من  النسغ نفسه”.

القاضى الثانى: “من شجرة القانون العجوز يتقطّر عصيرٌ مرّ. إن الفأس يُعمل باستمرارٍ في تلك الشجرة”.

القاضى الأول: “ليس من شأن القاضى أن يتساءل عما إذا كانت القوانين عادلة، لأنها يجب أن تكون كذلك بالضرورة. كل ما على القاضى هو أن يُعنى بتطبيق القوانين بصورةٍ عادلة”.

القاضى الثانى: “بل علينا ان نتساءل عما إذا كان القانون المُناط بنا تطبيقة عادلٌ أم غيرعادل. لأنه اذا ما اكتشفنا أنه مُجحف، صار بإمكاننا أن نُدخِل بعض التعديل من خلال ما نلتزم به من تطبيقه”.

القاضى الأول: “إن انتقاد القانون لا يتماشى مع ما نلتزم به من احترامه”.

القاضى الثانى: “إن لم ندرك فداحة القانون، كيف يكون بإمكاننا أن نلطّف من أثره؟”

القاضى الأول: “نحن قضاة، لسنا مشرّعين و لا فلاسفة”.

القاضى الثانى: “نحن رجال”.

القاضى الأول: ” ليس للرجل القدرة على الحكم على الرجال. إن القاضي – عندما يتبوأ كرسي العدالة – يضع إنسانيته جانباً. إنه يتحرّى القداسة، فلا يعود يتذوق المتعة أو الأحزان”.

القاضى الثانى: “إن العدالة التى لا تداخلها عاطفة تصبح أقسى صور الظلم”.

القاضى الأول: “العدالة تكون كاملة عندما تكون حرفيّة”.

القاضى الثانى:”العدالة التى لا روح فيها هى عبث”.

القاضى الأول: “مبادئ القانون مقدسة، و النتائج التى تترتب عليها لاتقل عنها قداسة. و لكن حتى لو لم يكن القانون قد جاء كاملاً من عند الرب، و لو كان كاملاً من عند الإنسان، فما زال ينبغى تطبيقة وفقاً للرب، لأن الربّ باقٍ، فيما الروح زائلة”.

القاضى الثانى: “جاء القانون بأكمله من الإنسان. لقد وُلِد أخرقاً و قاسياً فى الإلتماعات الأولى للعقل البشرى. و لكن حتى و إن كان القانون قد صُنِعَ من مادةٍ إلهية، فإن ذلك حريّ بجعله يُتبع وفقاً للروح لا للحرف، لأن الحرف ميتٌ فيما الروح حية”.

و مع انتهاء حوارهم هذا، ترجّل القاضيان الصالحان من حصانيهما، و مع مرافقيهما اتجها إلى المحكمة، حيث يفترض بكلٍ منهما إعطاء كل ذى حقٍ حقه. عندها، دارت بين حصانيهما – المربوطين إلى وتدٍ تحت شجرة دردار عظيمة – هذه المحادثة .

كان حصان القاضى الأول هو من بدأ الحديث:

“عندما ترث الخيول الأرض”، قال (والأرض ستئول إلى الخيول لا شك، لأن من الواضح أن الخيل هى الهدف الأقصى و النهائى للخليقة) “عندها ستصبح الأرض للخيول و سنصبح أحراراً فى أن نتصرف وفق إرادتنا. سوف نعيش فى ظل قوانين مثل بنى البشر، و سوف نستمتع بسجن و شنق و تعذيب أمثالنا من الخيل. سوف نصبح كائناتٍ أخلاقية، كما سيثبت من السجون و المشانق و القيود التى ستنتشر فى مدننا. سوف يكون هناك خيول مُشرِّعة. مارأيك، يا روسان؟”

[1] المصدر:

Anatole France, Crainquebille, Putois, Riquet et plusieurs autres récits profitables.

[2]   أناتول فرانس Anatole France (1844-1924): كاتب و ناقد فرنسي، تميز بالكتابة الساخرة. كان عضواً بالأكاديمية الفرنسية، و حاصل على جائزة نوبل  في الآداب.

[3] أنتويرب  :Antwerp كبرى المدن الفلمنكية في بلجيكا، و عصب الحياة الإقتصادية فيها.

[4] زَمِنٌ: واهن.

[5][5] “Sic locutus est patribus nostris, Abraham et semini ejus in saecula  (“As he spoke to our fathers, to Abraham, and to his seed forever”), Luke 1:55.

[6] موسى: نبي بني إسرائيل.

[7] قورش أو قورش الكبير Cyrus (560-529 قبل الميلاد): أول ملوك فارس.

[8][8] الإمبراطور يوليوس قيصر Julius Caesar (11-44 قبل الميلاد): جنرال و قائد سياسي روماني، و أعظم أباطرة الرومان قاطبة.

[9] الإمبراطور جستينيان الأول (482565): إمبراطور روماني شرقي من بيزنطة، و قدّيس وفقاً للكنيسة الأرثوذكسية. اشتهر بإصلاحاته القانونية و بمدونته التشريعية المعروفة بـ ” مدونة جستينيان” التي تعتبر أصلاً للقوانين المدنية كما نعرفها اليوم.

[10] زرادشت: مؤسس الديانة الزردشتية. عاش في مناطق أذربيجان و كردستان و فارس. انتشرت تعاليمه الدينية في مناطق واسعة من وسط آسيا حتى ظهور الإسلام.

[11] نوما بومبيليوس Numa Pompilius (753-673 قبل الميلاد): ثاني حكام روما و من أباطرتها الاسطوريين.

[12] القديسة جودولا : قديسة كاثوليكية، عاشت في القرن الحادي عشر فيما صار يعرف ببلجيكا اليوم.

Advertisements