Monthly Archives: سبتمبر 2017

المشكلة في شرائعنا (فرانز كافكا)

قياسي

imagesHOKUTKXOimageshokutkxo.jpg

 

المشكلة في شرائعنا

The Problem of Our Laws

 

 بقلــم: فرانــز كافكــا

Franz Kafka

ترجمة : د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

redab70@hotmail.com

29 سبتمبر 2017

 


حول كافكا:

فرانز كافكا Franz Kafka (3 يوليو 18833 يونيو 1924): كاتب تشيكي كتب بالألمانية، و هو رائد الكتابة الكابوسية، فقد كانت حياته مليئة بالحزن و المعاناة. يعد كافكا أحد أفضل أدباء الألمانية في فن الرواية و القصة القصيرة. تعلم الكيمياء و الحقوق و الأدب في الجامعة الألمانية في العاصمة التشيكية براغ Prague (1901)، ثم عمل موظفاً في شركةٍ لتأمين حوادث العمل، حيث أمضى وقت فراغه فيها في الكتابة الأدبية التي رأى فيها هدفاً لحياته. نشر كافكا القليل من الكتابات خلال حياته، معظمها – بما في ذلك روايتي “الحكم” و “الغائب” الشهيرتين – نُشِرَ بعد موته على يد صديقه المقرّب ماكس برود، الذي – لحسن الحظ – لم يستجب لوصيّة كافكا له بأن يحرق كلّ كتاباته بعد موته.

حول هذه الترجمة:

فيما قد يذهب البعض إلى أن النص يدور حول القوانين/التشريعات، أراه – بالنظر إلى الخلفية الثقافية لكافكا و إلى مجمل كتاباته القلقة و المثقلة بموروثه الاجتماعي اليهودي – أراه ينصرف بشكل أدقّ إلى القوانين/الشرائع بدلالاتها الأوسع، مما يعني أن الأمر يتعدّى “القانون” بمعناه الفني المعاصر، إلى معناه الديني / التاريخي القديم. و لذلك، فقد اخترت أن أترجم كلمة “قوانين” في النص أدناه إلى “شرائع” (هذا، مع التنويه إلى أن في النص إسقاطاتٌ هامةٌ تتعدى الحالة اليهودية، بطبيعة الحال).

و بعد، فلما كان كاتبنا شخصية معقدّة (لم يكن الوضوح قط إحدى فضائل كافكا)، فأنا لا أملك إلا أن “أعتقد”  بصحة خياري الترجميّ هذا، دون أن يكون في استطاعتي أن أؤكده.

 

شرائعنا، عموماً، ليست معروفة، إذ تتكتّم عليها مجموعةٌ صغيرةٌ من النبلاء الذين يحكموننا.

نحن واثقون من أن هذه الشرائع القديمة تُدار بطريقةٍ دقيقة، و مع ذلك، فمن المؤلم جداً أن تتحكّم بالمرء شرائع لا يعرفها.

ليس ما أفكّر به هو التباينات المُحتملة التى يمكن أن تقوم نتيجة لتفسير الشريعة، و لا الأوضاع غير العادلة الناجمة عن كون حفنة قليلة من الناس – و ليس الجميع – هى من لها الرأى فى تفسير الشرائع؛ إذ ربما لم تكن لهذه الأمور أهميةٌ كبرى.

إن الشرائع قديمة جداً، و ما تفسيراتها الإ نتاج عمل قرون، بحيث أن هذه التفسيرات اكتسبت هى ذاتها صفة الشريعة بدورها. و رغم أن حرية التفسير مازالت متاحة، إلا أنها صارت مقيّدة جداً.

أكثر من ذلك، فليس لدى النبلاء سببٌ لأن يتأثروا فى تفسيراتهم بمصالحٍ شخصيةٍ معادية لنا، ذلك لأن القوانين قد وُضعت لمصلحة النبلاء منذ البداية، فهم أنفسهم يوجدون فى مركزٍ فوق الشرائع، و يبدو أن هذا هو السبب في أن تلك الشرائع قد عُهدت إليهم حصراً.

بطبيعة الحال، هناك حكمةٌ فى ذلك – و من ذا الذى يشكّ فى حكمة الشرائع القديمة؟ – إلا أن في ذلك أيضاً صعوبةٌ لنا؛ ربما كان هذا أمراً لا يمكن تجنّبه.

إن مجرد وجود هذه الشرائع، على أية حال، هو أمرٌ – فى أفضل الفروض – مُفترض.

هناك تقليدٌ يقضى بأنها موجودة و بأنها لغزٌ موكلٌ إلى النبلاء، و مع ذلك فإنها ليست – و لا يمكن أن تكون – أكثر من مجرد تقليدٍ قضى به الزمن، فجوهر أى شريعةٍ قديمةٍ هو أن تظل لغزاً. و قد كان فينا من من تصدّوا لدراسة تصرفات النبلاء منذ بداية الزمان بدقة، فصاروا يحوزون سجلاتٍ وُضعت من قِبَل أجدادنا – سجلاتٌ تابعنا نحن وضعُها بوعىّ – و هم يدّعون أنهم يتعرّفون – في الأعداد التى لا تُحصى من الوقائع – على صورٍ من الميل إلى السماح بهذه الصيغة التاريخية أو تلك. إلا أننا عندما نحاول أن نموضع أنفسنا فى الحاضر أو المستقبل وفقاً لهذه النتائج المُمحّصة و المنطقيّة، يُضحي كل شئٍ عندها غير مؤكّد، فيغدو كل عملنا و كأنه مجرد لعبةٍ فكرية، إذ ربما كان الأمر هو أن هذه الشرائع التى نحاول فكّ طلاسمها لا وجود لها أصلاً.

هناك من يؤمنون بهذا الرأي فعلاً، و هم يحاولون أن يبرهنوا أنه لو كان لأى شريعةٍ وجودٌ حقاً، فإن هذه الشريعة ستكون أياً ما كان النبلاء يفعلونه.

هذا الفريق لا يرى إلا الأفعال التحكّمية للنبلاء، و هو يرفض التقليد الشعبى الذى – وفقاً له – لا تتمتع هذه الشرائع إلا ببعض المزايا التافهة و العرضية التى لا تعوّض نقائصها، لأنها تعطى الناس أمناً زائفاً، خادعاً، و مفرطاً فى الثقة فى مواجهة الأحداث الجارية.

إن هذا أمرٌ لا يمكن إنكاره، إلا أن الغالبية العظمى من شعبنا يعتقدون بأن التقليد بعيدٌعن الكمال و أنه يستدعى المزيد من التمحيص، و أن المادة المتاحة – مهما بدت استثنائية – ما زالت فقيرة، و أن عصوراً عدة ينبغى أن تمرّ قبل ان تكون هذا التقليد وافٍ بشكل كاف.

هذا النظر – و أن كان غير مريحٍ فيما يتعلق بالحاضر – لا يخفّف من وطأته سوى الاعتقاد بأنه سيحين بالنهاية وقت سيصل فيه كلٌ من التقليد و بحثنا فيه إلى نهايتهما معاً، و لما كان سيترتب على ذلك أنه سيكون هناك مساحةٌ للتنفّس، فإن كل شئ سيصير عندها أكثر وضوحاً، و ستنتمى الشرائع الى الناس، فيما النبلاء سيتلاشون.

ان الأمر لا يعود إلى أن لى روحاً كارهةً للنبلاء؛ إطلاقاً، ليس الأمر كذلك. إننا إلى كره أنفسنا أميل، لأننا لم نثبت لأنفسنا بعد أننا جديرون بأن تُعهد إلينا هذه الشرائع.

و هذا هو السبب الحقيقى فى كون الفريق الذى لا يعتقد بوجود الشرائع قد ظل دائماً صغيراً فى حجمه، بالرغم من كون عقيدته الفكرية جذابةٌ جداً من نواحى عدّة، ذلك أنه يعترف بالنبالة و بحق من ينتمون لها فى الحياة.

فى الحقيقة، فإن المرء لا يمكنه أن يعبّر عن هذه الإشكالية إلا على صورة مفارقة:

أى طرفٍ يقوم بممارسة النقض – ليس فى مواجهة الشرائع فقط بل فى مواجهة النبالة كذلك – سيحظى بدعم جميع الناس، و مع ذلك فلا يمكن أن يوجد مثل هذا الطرف، لأن أحداً لا يجرؤ على نقض النبالة.

إننا نعيش على حدّ الموسى هذا. لقد اختصر أحد الكتّاب الأمر بهذه الطريقة:

من بين الشرائع المفروضة علينا، وحدها النبالة هي الشريعة الأكيدة و الواضحة لنا، فهل ينبغي أن نحرم أنفسنا من ذلك؟

 

 

الأميّــون الجــدد

قياسي

21743874_10155502952406071_1853668266526566414_o

الأميّــون الجــدد[1]

بيدرو ساليناس

 

ترجمة ثابت خميس (عمان) و مشاعل الهاجري (الكويت)

 

هذه تجربة في الترجمة المشتركة قام بها كل من الأستاذ ثابت خميس (عمان)، و محدّثتكم (الكويت).

ثابت هو أستاذ حقيقي، و قد كان العمل معه تجربة ممتعة.

بيدرو ساليناس Pedro Salinas (1891-1951) هو شاعرٌ و أديبٌ أسبانيٌّ كبير، و من مؤسسي الحركة الشعرية الحديثة في أسبانيا . منذ أكثر من نصف قرن، نشر ساليناس في مجلة اليونسكو (The UNESCO Courier) مقالاً هاماً عن الخطورة المجتمعية للمتعلمين تعليماً سطحياً، أو من أسماهم الأميون الجدد“.  المقال هام، و المرحلة تستدعيه.

في البداية كانت الأمية. و بتعاقب القرون و حمداً للسماء، بزغ نور الفجر تدريجياً حتى يومنا هذا، الذي أصبح فيه التعليم الإبتدائي إلزامياً. معظم الناس، و من ضمنهم العديد من المعلّمين، سيتفقون معي على أن اكتساب مهارات التعلّم، أو بالأحرى القدرة على القراءة، ترسم حداً فاصلاً من الواضح أنه يقسم البشرية إلى مجموعتين مختلفتين كلياً .

في جانب، نجد المجموعة المجهولة من التعساء العاجزين عن فكّ الغموض عن الكلمة المطبوعة مما يبقيهم في الخارج، معزولين عن العالم أجمع كما لو أنهم عالقين على الشاطيء قبالة البحر الذي قد سيأخذهم لأراضٍ عجيبة؛ لو كانت لديهم السفن فقط؛ لمخروا عبابه. و على الجانب المقابل، هناك جحافل ذوي الامتياز، ممن وصلوا لتلك الحالة المباركة التي يعلمون فيها يقيناً بأن (ك) و (و) يصنعان “كو” و أن (ك) و (أ) يصنعان “كا”، و بفضل هذه المعرفة التي تزيل الغموض عن الملصقات التي تعلن عن الكلمة السحرية “كوكا كولا”.

و مع ذلك، فيجب علىّ الإعتراف بوجود شكوكٍ كبيرةٍ في داخلي حول فاعلية هذا التقسيم التعميميّ للبشرية إلى أُمّي وغير أُمّي ، و بالتحديد حيال إستخدامه كمحكٍ لتقييم البشر. الجهل بالقراءة و الكتابة أمرٌ طبيعيّ، فجميعنا جئنا للعالم هكذا. لا أحد وُلد متعلماً. ما أعنيه بهذا هو أن الوضع الطبيعي للإنسان عند الولادة هو الأمية؛ يظل مشروع متعلّم، إلى أن يتعلم القراءة،. و يعود هذا لأسبابٍ عديدة لن أتطرق لها الآن، يقرّر المجتمع تحويل هذه الإحتمالية إلى واقع. بكلماتٍ أخرى، لتحويل قدرة الإنسان الفطرية لفهم الحروف و الرموز إلى إجادةٍ لفن القراءة، يتحقق هذا بأساليبٍ عمليةٍ معقدةٍ بدءً بالبديهيات وصولاً إلى مكانٍ يصعب التكهن به. مع نهاية هذه الجهود، التي يُشار إليها بالتعليم الإبتدائي، يتم الإعلان بفخرٍ أن الهدف أصبح متعلماً، شخصٌ ذي إمتيازٍ رفيع – و هو كذلك دون شك.

نحن متفقون حتى الآن. و لكن القدرة على القراءة ظرفٌ إحتماليٌ له شروطه. أن تكون قادراً على القراءة شيء و القراءة الفعلية شيءٌ آخر. إن لم يقم “المتعلم-حديثاً” بتمرين مهاراته القرائية، فما الفائدة من تعلم القراءة أصلاً؟

نأتي الآن للمرحلة التالية من هذا التحليل للقيمة الحقيقية لمحو الأمية. لنفترض أن مشروع القارئ إتخذ الخطوة التالية و أصبح قارئاً حقاً. هل يعني هذا أن بمقدورنا القول بأن أهداف محو الأمية قد تحققت؟ إطلاقا ! ، فهذه المرحلة تفتتح فصلاً جديداً. أصبح الأميّ متعلماً، و المتعلم صار قارئاً، و القارئ يقرأ . و لكن ماذا و كيف يقرأ هذا الشخص؟ السؤال ذاته يُطرح مجدداً. كل من هو قادرٌ على القراءة من المحتمل أن يكون قارئاً جيداً، و لكن هل سيكون أم لن يكون كذلك؟ إن كان الجواب نعم فيمكننا القول بأن هدف محو الأمية قد تحقّق: القدرة على القراءة جيداً، بهذه الطريقة تتحوّل الكلمة لروح و يصير النص حياة. من الواضح أن الهدف من محو الأمية نادراً ما يتحقق. يجدر بنا أن نلاحظ وجود من أسمّيهم بـ “الأميين الجدد. إنهم الأشخاص الذين أنقذوا أنفسهم من جحيم الأمية الكليّة، إلا أنهم لم يصلوا بعد لعنان سماء القراءة، بل مازالوا يتخبطون في برزخٍ ما في المنتصف.

أنا لا أشير هنا إلى أولئك الذين لا يستطيعون القراءة بسبب نقصٍ في الكتب و المكتبات. هذا النوع من المشاكل العملية من السهل حلّه …. أفكر في أولئك القادرين على القراءة و لكنهم لا يقرأون، لأسبابٍ أكثر تعقيداً و جوهريةً من مسألة عدم وجود كتابٍ في متناول اليد. أقترح أن يتم تمييز نوعين من الأميين. هناك أولاً “الأميّون أمُية بحتة”، أولئك التقليديون، الطبيعيون الذين لا يجيدون القراءة لسببٍ ما. مما يدعو للأسف أن هؤلاء الأشخاص يملكون القدرة على بلوغ الكمال إلا أنهم يفتقرون إلى المحفّزات العقلية لإدراك قدراتهم، مما يجعلهم أسرىً لنقص في المعرفة و الثقافة. أشعر بالإحترام و التعاطف و الإعجاب بهذا الصنف من الأميين. في بلدي، كل ما عليك هو التجوال قليلاً في “قشتاله” أو في بساتين الزيتون في “الأندلس” لتصادف أشخاصاً أميّين ممن إن عرفتهم عن كثب، إكتشفت أنهم على قدرٍ عالٍ من الإنسانية و الإحترام، من تصرفاتهم و من الحكمة في إتخاذ قراراتهم كأي شخصٍ قام بحشو رأسه بمختلف العلوم.

الصنف النوع الثاني من الأميين يمكن وصفهم بالـ “الأميّين أمُيّة هجينة”، المزيّفين، محصلة التعليم الحديث، و التجسيد غير المقصود لأخطاءه. من يعرفون كيف يقرأون، إلا أنهم يبقون أميين رغم كل النوايا الحسنة و الأهداف. أنا أسميهم الأميّــون الجــدد. و هذا النوع من “الُأمية الجديدة” قد يكون جزئياً أو كلياً. فالأميّة الجديدة الكليّة تتمثل بأولئك الذين بعد تعلّمهم القراءة في المدرسة، يختارون عدم إستخدام قدراتهم القرائية إلا إن توجّب عليهم قراءة رسالة أو تفحّص برنامجٍ يُعرض في المسرح أو السينما، أو مراجعة دليل الهاتف. قد يلقي بعضهم نظرةً على الصفحات الرياضية، و هم بهذه الطريقة ينتفعون بشكلٍ من أشكال الصحافة الجديرة بالتقدير حقاً باعتبارها تعطي البعض السبب الوحيد للقراءة … الكثير منهم نشط، و عمليّ و – بإستعارة المصطلح العصريّ الحديث المرتبط بأسرار الهندسة الإغريقية – مفعمٌ بالحيوية …

ثمة أيضاً نوعٌ من الأميين الجدد جزئياً الذي يمكن رؤية أصحابه يحومون حول أكشاك بيع الصُحف كنحلاتٍ طنانة تحوم حول زهرةٍ نضرة، بحثاً عن المقادير التي ستصنع بها عسل حياتها الفكرية. إنهم لا يقرأون الكتب و لكنهم مفتونون بتكاثر المجلات و بمواضيع أغلفتها. هؤلاء أهلٌ للشفقة لأنهم بعيداً عن إعفاء أنفسهم مشقة العناء كقرّاء، فهم في غاية السخاء و الكرم حين يتعلق الأمر بها. يقرأون الأعمال الضعيفة بشراهة، يعودون لمنازلهم محمّلين بالمجلات التي يحرثون فيها بعيونهم لساعات، دون أن يحصلوا بالنهاية على أكثر مما يحصل عليه طفلٌ يلهو بأحجية بانورامية لا يبدو أنها ستنتهي، عاجزين عن رؤية الصورة الكبرى التي يبدو فيها كل شيءٍ في مكانه الصحيح ….

هذا الصنف من القرّاء يثير تعاطفي . كلما قرأ أكثر، كلما جرفة بحر المطبوعات بعيداً في لا نهائيته، البحر الذى يزداد ارتفاعاً بضعة أمتارٍ أسبوعياً . إن قارئ الكتاب يعرف أين تبدأ، و أين تنتهى مهمته، و بذلك فيمكنه أن يسترخى و أن يأخذ إجازة، أما قارئ المجلة – لا سيما إن كان مشتركاً فيها – فإنه يشعر و كأنه ملاحقٌ من قبل هذه الكائنات الأسبوعية، أو نصف الأسبوعية أو الشهرية. فإذا ما تقاعس عنها، فسوف يغرق فى لجة الموج العالى من الأخبار المطبوعة. و كي يظل على إطلاعٍ بـهذه المواد التى تنهمر عليه من المطابع، عليه أن يقوم بمجهودٍ عظيم. هناك مئاتٌ من الكتّاب الذين يدبجون المقالات لمجموعة كبيرة من المجلات، يلاحقونه كقطيعٍ من كلاب الصيد التى لا تعرف الكلل و لا تترك لطريدتها فرصة للراحة.

و يمكن استخلاص عدة نتائج من هذا البوتِريه الناقص، بالضرورة، للأميّة الجديدة:

فأولاً، لا ينبغى أبداً إغفال أن كلمة ”يقرأ” كلمةٌ غامضة، و كذلك هو الأمر، كنتيجة، لتعبيراتٍ مثل “تعلُّم القراءة” و “معرفة القراءة”. إن هذه تعابيرٌ معقدةٌ لا ينبغى أخذها بمعناها الحرفي، السطحىّ باعتبارها تصف، ببساطة، القدرة على فهم المعنى الأوضح للكلمة المكتوبة. ليس هنالك من شكٍ فى أن إجادة هذه التقنية البسيطة تزيح عن كاهل المرء أميّته الطبيعية، فتفتح أمامه آفاقاً واسعة. و مع ذلك، فإن هذه القدرة النفسية إن لم تستخدم على توسعة قابلية الإشباع الروحى، فإن المرء سيجد نفسه فى وضعٍ متناقضٍ إلا أنه واقعيّ على الرغم من ذلك، و هى حالة الأمىّ الذى يجيد القراءة؛ لقد تم انتزاعه من ربقة الأميّة الخالصة و لكن – و لسببٍ يُعزي إلى عدم استعمال مهارة القراءة أو إهمالها فإن آليةً تراجعيةً تبدأ فى العمل و هى – عاجلاً أم آجلاً – سوف تعود به إلى نقطة البداية أو إلى ما هو أسوأ: الأميّة الروحيّة.

رغم أن هذه هي الحقيقه المرّة، فإن أرقام الإحصائيات و القناعات المجتمعية تؤيد الرأي المتوهم بـأن هؤلاء الأشخاص ينبغى أن يُنظر إليهم كمتعلمين، و أنهم ينتمون إلى فئة المحظوظين الذين يقرأون حقاً . فى هذا الشأن، مثلما فى كثيرٍ مما عداه، لا يتردد العالم كثيراً في أن يقبل بنصف حقيقة، بل أنه يرحّب بها باحتفاءٍ لا يليق إلا بحقيقةٍ تامة، إلا أن شعوراً غامضاً يغمرنا بأن الجميع ضحيةٌ و معتدٍ في الآن ذاته، بوهم الثقة بالنفس.

إن هذه المجموعة الجديدة تنمو ببطء، و قد حان الوقت لتسميتها و لإعطاء المنتمين لها وضعاً اجتماعياً. أنهم الأميّون الجدد (the neo-illiterates)، و هم على درجةٍ من التأثير و الخطورة تتجاوز كثيراً الأميين أميّة بحتة، فهم يرفضون البقاء في الدرك الأسفل مع الشيطان فى ظلمات الجهل، إلا أنهم لا يطمحون للوصول إلى ضوء المعرفة المقدس. إنهم قادرون على كل شئ، و لا يجازفون بشيء.

وهناك نتيجةٌ أخرى لتنامي أعدادهم: صار لزاماً علينا هجر موقفنا التصنيمي و المذهول تجاه ما يسمى بـ “مكافحة الأميّة”. أن السياسات التعليمية الحديثة إنما تقدس وثناً ملطخاَ بالدماء، فتُضحّى له بكل شئ، رغم عدم وجود أي ضمانات لعبّاده المتلهفين: (مكافحة الأمية). هذه العبارة – التى تُعاد و تكرّر فى الصحف و المجلات و في الخطاب السياسى – تلقي بالذعر فى قلوب الناس ….

قد يشعر بعض قرّائى بالسّخط على هذا المُهرطق الذى يتجرأ على التشكيك بـضرورة مكافحة الأمية. و مع ذلك، فحجتي ستكون، أو قد تكون، ذات أساس متين – و هو التأكيد على أن تعليم الناس كيف يقرأون ليس كافياً فى أغلب الأحيان لينتزعهم من فقرهم الروحى الأساسي أو، و كما قال ت. س. إليوت بأن “التعليم لا ينتج الثقافة إلا فى أضيق الحدود” – إن كانت هذه الحجة في محلها ، فسيُفهم من موقفى أن ما أحاول القيام به هنا هو أن أضخ في هذه العبارة، هذا الشعار، هذا المسعى – “محو الأمية” – دماءً جديدة.

و لا أهدف للتقليل من شأن الجانب المأساوي للأمر، بل على العكس، أرى أننا نواجه عدوين خطيرين، أولهما العدو القديم المألوف (الأميّة البحتة و التقليدية) و الذي نتعرّف عليه بسهولة فنصوّب نحوه أسلحتنا التعليميّة الكبرى، ثم هناك إلى من جانب أخر شكلٌ مختلفٌ لهذا العدو الذي يتخفّى وراء قناع التعليم، فيخدعنا به، و يجعلنا نتصوّر أنه ليس بمشكلة و أنه واحدٌ منا، و بأنه أحد العاملين في مدينة العقل، فيما هو في حقيقته طابورٌ خامسٌ للأميّة البحتة؛ إن العدوّ اللدود حين يصير وسيطاً للكلمة يصبح جزءً من الروح.

بطبيعة الحال لا شك أن تحرير آلاف الأطفال من مخالب الأميّة فى الوقت الحالى بفضل التعليم الإبتدائي أمرٌ جديرٌ بالثناء والتقدير، إلا أنه يتطلب أيضاً رعايةً مكثفة لهؤلاء الأبرياء المحرَّرين لتوّهم من ظلمة الأميّة من تنيّن الجهل الأوّل، فثمة مفاجاةٌ رهيبةٌ تنتظرهم. إن هؤلاء الصغار يبدأون حياتهم و هم مسلّحين بمهارات القراءة و الكتابة الأولى فقط، واثقين من أنهم قد تمكنوا من السيطرة على جهلهم الأوّلي ، ثم يفاجئون لاحقاً بأن غريماً قوياً ينتظرهم عند الزاوية. إن هذه القوى الشريرة سوف تجذبهم إليها فتحوّلهم لمخلوقات بسيطة؛ أميّين جدد يعيشون راضين في أمان الوعي المغيَّب، مستمتعين بملذات الحياة الإستهلاكية التي يوفّرها العصر الحديث، و مع ذلك فهم محكومون بحكمٍ مؤبدٍ للعيش مدى الحياة في شكلٍ مختلفٍ من تخمة الجهل، لا بثمارالبلوط من أشجار “هوميروس” الحكيمة، بل بزادٍ إصطناعي هو المعجزة الأكبر للتطور.

 

 

 

 

 

[1] Pedro Salinas, ‘The New Illiterates’, reproduced in: The Unesco Courier, no. 242, July 1990, pp. 42-45.