Monthly Archives: يناير 2018

عن جدل “الوافدين”: الكويت بين رؤية الدولة المفتوحة و هواجس الغيتو المغلق

قياسي

indi38753[1].jpg

 

عن جدل “الوافدين”:

الكويت بين رؤية الدولة المفتوحة و هواجس الغيتو المغلق

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

26 يناير 2018

mashael.alhajeri@ku.edu.kw

أيها الماء: أين تجري ضَياعاً / و حواليك قاحلات البوادي؟

– الرصافي، مخاطباً نهر دجلة.

 

ثلاثة أرباع الجدل الدائر في الكويت حالياً عن الوافدين هو جدلً معيب، مهين، لا يليق بنا، و لا بجيراننا و أصدقاءنا و زملائنا العاملين معنا و حولنا من الأشخاص الكرام، المحترمين، المنضبطين، الذين لا يختلفون عنا في شيء: نفس الطموح و القلق و الخيال و الحاجات و الأخطاء و الأحلام و الخيبات و الضغوط و الآمال للنفس و الولد و الأسرة و المجتمع (قد أشير هنا و هناك إلى الوافدين من ذوي الحالة المادية المتواضعة، و لكن لنتذكر أن كثيرٌ منهم ليسوا كذلك، كما أن الشريحتين يتواجد نظير لهما في مجتمعنا بين مواطنينا الكويتيين؛ لا فرق، و لا يهم، أصلاً).

أما الربع الرابع من جدل الوافدين هذا، فيتضمن نقاشاً صحيحاً و قلقاً مشروعاً (تركيبة ديمغرافية / تكاليف مالية / اعتبارات أمنية)، كما أنه لا يقتصر على الكويت وحدها، بل هو موضوعٌ يدور الآن في العالم بأسره، لا سيّما مع حركة الهجرة السائلة، المتدفقة من الشرق الأوسط إلى أوروبا و أمريكا، و تزايدها إثر التقلّبات السياسية الأخيرة في المنطقة (في انتخابات الرئاسة الأمريكية و الفرنسية و الالمانية و الهولندية الأخيرة مادةٌ خصبةٌ للمهتمين في هذا الشأن، كما أن خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي BREXIT كان مدفوعاً – في جانبٍ معتبرٍ منه – بهذه الاعتبارات).

و مع ذلك، فالعقدة في هذا الربع الإشكاليّ لا تكمن في محتواه الموضوعي، و إنما في إطاره الأسلوبي أولاً (حِديّة / إهانة / معايرة / إذلال)، و في استغلاله السياسي ثانياً (تكسّب سياسي واضح، نبرة نيابية ديماغوجية، تضليل شعبي، و شوفينية عامة).

يُحاط كل ذلك بظرف زمانٍ ذي خصوصيّة، لأن التوقيت – أغلب الظن – ليس بريئاً، فالخلفية المرحليّة التي يدور فيها هذا الجدل ينبغي ألا تغيب عنا، لكونها تتعلق بنزعةٍ اجتماعيةٍ تمثل نمطاً تاريخياً معروفاً، هو ذاك الذي يرتبط دائماً بمراحل تدهور الاقتصادات و ارتفاع نسب البطالة، و ما يترتب عنهمن بحثٍ تلقائيٍّ عن الضحية المجتمعية الأكثر ضعفاً و هشاشة، و التي لا تملك للدفاع عن نفسها وسائل مكافئة للوسائل التي تُهاجَم بواسطتها (سلطة رسمية / قواعد شعبية / منصات إعلامية)، ثم إفراغ جميع الإحباطات الشعبية فيها و صبّ جام الغضب الجماهيري عليها (و هذه الضحية تتجسّد هنا بالوافدين و بالبدون، فالكويت ليست استثناء).

ثم يُستكمل الأمر بالهدف، الذي يبدو أنه يتمثل، غالباً، في صرف الأنظار عن الإشكاليات الحقيقية، وفق آليّة إلهاءٍ سياسية تكمن في إدخال الناس في دوامةٍ من الأعراض المَرَضيّة (النتائج)، لا العلل الباثولوجية (الأسباب). في رائعته الشهيرة “في انتظار البرابرة”، كتب الشاعر اليوناني كافافيس عن انتظار الناس في مدينة متخيلةٍ لكارثة هجومٍ وشيكةٍ ستقع على يد البرابرة المتربصين بالمدينة خارج البوابة، تتبدّد عند تبين “أنه لم يعد هناك برابرة”، فيقود هذا الكشف إلى عبارة أسىً فاجعة “فقد كان، هؤلاء القوم، نوعٌ من حل”. عبر التاريخ، مثّل الترهيب من “الآخر” وسيلةً فعّالة لتشتيت الأنظار و صرفها عن المشكلات الحقيقية.

بعد تفكيك الموقف إلى ما تقدّم من وسيلةٍ و هدف، يتبقى الإشارة إلى أن الهجرة و شئونها هي أمورٌ لا تترك لصراخ الشعبويين و تعليقات وسائل الاتصال الإجتماعي و استعراضات الإعلام و جلسات الدواوين كي توجّهها يميناً و شمالاً بمطالباتها المصلحية و ذخيرتها الآيديولوجية، بل للقرارات الرشيدة، المستنيرة، الصادرة عن جهات رسم السياسات العامة، التي – و إن كان يُفترض بها الاستماع الجاد لكل ما يُناقش و الوعي به و عدم الاستهانة بمنطلقاته – إلا أنها هي من تتوفّر تحت أيديها المعلومات و الأرقام و الإحصائيات و المعادلات، و التي يُناط بها ضبط التوازنات الدقيقة بين كل من توجّهات الاقتصاد و سعات المرافق و ضغوط البطالة و متطلبات الأمن و إملاءات السياسة. و قبل كل ذلك، التي تهتم بصورة الكويت كبلدٍ منفتح، و بصورتنا كشعبٍ مضياف.

هذا على المستوى الرسمي، أما على المستوى الشعبي فإن النقاش العام ينبغي أن يتضمن جرعاتٍ غنيةٍ حول أهمية اللقاء بالآخر، باعتباره شكلٌ من أشكال التقاطعات الحضارية. و التقاطعات – و إن كانت صغيرة – إلا أنها عواصمٌ حقيقيةٌ و خصبةٌ للتغيير: في التقاطعات ميزةٌ استثنائية، تسمح بالالتقاء و الافتراق و الاختلاف و الاتفاق معاً. فإذا ما استحضرنا أشياء مثل: طريق الحرير، الدراسات البينية، مدينة حلب، البلانكتون البحري (و مناطق تكاثره)، مغامرة هانزل و غريتيل، إشارات المرور، السلام (بعد الحرب)، الين يانغ، صراع الأجيال، تحويلات محطات السكك الحديدية، الثورات، روايات أمين معلوف، حركة الترجمة، وجدنا أنها جميعاً ما وجدت إلا كنتاجٍ للتقاطعات بأشكالها المختلفة. كما أن التقاطعات مقرونةً بالانفعال و الترقّب بالضرورة؛ لأنها تستتبع دائماً أخذ قرار: شمالٌ أم شرق؟ جنوبٌ أم غرب؟ و لكنه، على أية حال، قراراً مستنيراً، فالتقاطعات هي الطرق الوحيدة المصمّمة وظيفياً بحيث تسمح للمار فيها برؤية الجهات الأربع بوضوح، إذ في التقاطعات فقط يمكنك الاستدارة بزاوية 360 درجة لدراسة الموقف جيداً. إن كل ذلك لا يتأتّي من خلال الركون إلى مناطق الأمان المتمثلة في الأشخاص الذين يشبهوننا من أهلٍ و أصدقاء، بل فيما يهديه لنا القادمون من بعيد: الوافدون.

أما رؤيتنا للمستقبل، هذه العقدة التي لا تريد أن تنحل، و التي يبدو أن أحداً ما زال لا يلتفت إليها فهي الآتي:

تتحدّث الخطط الرسمية دائماً عن جعل الكويت محطة جذبٍ للاستثمارات العالمية عن طريق تحويلها إلى “مركزٍ ماليٍّ و اقتصادي”؛ و لكن أي مركزٍ ماليٍّ و اقتصاديٍّ هذا الذي – عوضاً عن تذليل الحواجز القانونية و الإدارية و المعلوماتية و قبلها البشرية – يبدأ مشروعه بخطاب الانغلاق و الإقصاء و ضيق الصدر؟ المراكز المالية هي نظامٌ بيئيٌّ متكامل: منظومةٌ تشريعيةٌ صديقةٌ و جهازٌ إداريٌ فعّالٌ و نظامٌ ضريبيٌّ عادل، ثم يتوّج كل ذلك بحركة مرورٍ بشريٍّ مُعولَمةٍ و انسيابيّة. من هنا، فالتحوّلات المالية و الاقتصادية الكبرى تبدأ دائماً بإسقاط الأسوار أمام الآخرين، لا إعلاؤها في مواجهتهم.

على جميع الأصعدة، للكويت تاريخٌ نبيل، كريمٌ، و مشرّف. كما أن بلادنا تسّوق لنفسها خارجياً دائماً كمركزٍ إنسانيّ، و قد حصل أميرنا مؤخراً على تقديرٍ هامٍ في هذا الشأن من الأمم المتحدة كأميرٍ للإنسانيّة و الأمر – لا شكّ – مصدر فخرٍ لنا. و لكن هذا كله على المستوى الخارجيّ أولاً و من خلال العطاء الماليّ ثانيا، أما عندما يتعلق الأمر بالشأن الداخليّ و بالعطاء غير الماليّ فمواقفنا الملتبسة داخلياً تضيّع دائماً ما حقّقناه خارجياً (و ما تردّدنا المُحزن عن استقبال اخواننا اللاجئين السوريين عنا ببعيد، في حين استقبلهم كلٌ من الأردن و لبنان – المُتعَبان و المثقلان بهمومها المعروفة – بأريحيّة، بل أن حتى ألمانيا و عداها من دولٍ أوروبيّة قد فتحت أذرعها واسعةً لهم). و لكن كل ذلك – عندما يتعلق الأمر بالوافدين الذين يأتون ليعملون في بلادننا فيفيدوننا و يستفيدون منا في الآن ذاته – ينبغي أن يفهم لا في إطار التفضّل، بل في إطار الواجب من جهة و مصلحة البلاد من جهةٍ أخرى.

من هنا، فإن الاتّساق بين مواقفنا الخارجية و نظيرتها الداخلية مفقود، و في ذلك إضاعةٌ أيّما إضاعةٍ لرأس مالٍ معنويِّ حقيقيِّ لبلادنا، فالأحرى بالكويت أن تُدار وفق رؤىً واضحةً و منفتحةً تليق بمؤسّساتٍ راسخةٍ لدولة، لا بإرباكات هواجسٍ متوجّسةٍ لسكّان غيتو مُغلق (الغيتو هو الحي المسوّر المعزول لخشية سكانه – المتجانسين – من جيرانهم)؛ الذين يرمون الخبز من فوق السور لمن يقصدونهم، و يقفلون البوابة حتى لا يدخل هؤلاء عليهم، ثم يعايرونهم العمر كله. سيأخذ الخبز من يحتاجونه – مثلما كنا سنفعل تماماً لو كنا محلهم، و هو أمرٌ واردٌ لأن الأيام دُوَل – و سيدخل مِعَدَهُم، لا قلوبهم. هذا، لأن للناس كرامة؛ لا أحد يُمتنّ لأكل خبزٍ مُغموسٍ بمذلّة، لا سيّما إن كان الأمر يتعلق بعملٍ مقابل أجر، لا بإحسانٍ يلحق تفضُّل.

لكل بلدٍ – ككيانٍ اجتماعيٍّ قبل أن يكون كياناً سياسياً – جوهر، قلب، آيديولوجية أو “إيثوس” (Ethos) يستمدّ منه الاستمرارية و الديمومة: شيءٌ ما يعمل كاليورانيوم المخضّب للدينامو المولّد للطاقة. يبدو لي أن دينامو الكويت كان دائماً هو “الاتصال”، ممثلاً بديناميكيات الارتحال القلِق، القاصد لبناء العلاقات مع الآخر، و ليس الاتصال السياحي العابر أو المُستكفي. كانت الكويت منطقية، قوية، و جميلة عندما كان أهلها سفّارة بحراً (غاصة، نواخذة، تجار) و رحّالة براً (بدوٍ رحّل). نتيجة لسياسات الرفاه، ركنّا إلى دِعة الاستقرار، فتعطل “الاتصال” و هو دينامو بلادنا. مع اضمحلال فلسفة “الاتصال” تقلصت شيئاً فشيئاً مساحة التعاطي مع الآخر – تبادلاً و تنافساً و تعلماً و تحدياً و غيرةً و احتياجاً – فانقطعنا عن العالم، و صرنا نعيش في وضعٍ من صنعنا؛ سرياليٌّ بامتياز، كل ما فيه عبثيّ لا يمت للواقعية بصلة. بسببٍ من غياب آليّات المقارنة – التي تتطلب، بداهةً، الحضور الكامل للآخر (الأجنبي / الوافد) – فقدنا الإحساس بمعنى العمل، بقيمة الوقت، بآليات السياسة، بموضوعيّة الأكاديميا، و بدور المؤسسات الدوليّة في التعريف بأفضل الممارسات.

صار الكويتيون يسافرون الآن أكثر من أجدادهم، و لكن السفر و الإقامة في أفخم فنادق العالم لا يعنيان شيئاً، إطلاقاً، ما لم تنضبط الحالة الذهنيّة الدافعة للسّفر: فكرياً، ما عدنا نذهب إلى العالم، و لكن ما هو أخطر من ذلك هو أننا صرنا الآن لا نريد للعالم أن يأتي إلينا (كان أحد وزراء القرون الوسطى ينصح مليكه قائلاً: “منفعة الأجانب و الضيوف تبلغ من العظمة حد أن يُمنحوا مكانة بين الحليّ الملكية … ذلك أن الضيوف، الذين يأتون من مناطق و مقاطعات شتى، يجلبون معهم شتى اللغات و العادات و المعارف و الأسلحة، و كلّ ذلك يزيّن البلاط الملكي، و يزيد بهائه و يرعب القوى الأجنبية المتغطرسة. ذلك أن بلداً موحّد اللغة و العادات هو بلدٌ هش و ضعيف”).

يبدو، من كل ذلك، أن قلب جدل “الوافدين” الدائر الآن هو الانعزال، المتولّد عن الشك من جهة و الإحساس الخادع بالاكتفاء من جهةٍ أخرى؛ أنا أعزو الجذر العميق للمشكلة إليه.

رغم الإلغاءات الصاخبة لكل رأيٍ مخالف، و التأكيدات الاقتلاعية المُخوّفة لكل صوتٍ يدعو إلى التفكير، ينبغي أن يكون فينا من ينبّه إلى أننا اليوم تسيطر علينا غيمةٌ انعزالية داكنة، و أن عزلتنا تأخذ ألف شكل و شكل: عزل الطلبة و الطالبات في الجامعة، عزل النساء و الرجال في غرف الانتظار، عزل اللغات الأجنبية، عزل العقائد المختلفة، عزل الأعراق المتباينة، عزل العلوم الجادة، عزل الأفكار المعارضة، و الآن صرنا نشهد حالياً مساعٍ حثيثةٍ و حزينةٍ نحو عزل الوافدين أيضاً (في كلية الحقوق، أدرّس مادة القانون المدني. و في موضوع الحقوق العينية الأصلية فإن المحاضرة التي أشدّد دائماً على دلالاتها العميقة – التي تتجاوز التطبيقات المالية – هي تلك الخاصة بـ “حق الإرتفاق”، لأنه حقٌ ذو طبيعة تشاركيّة، تقع فكرة الاتصال/الارتباط في قلبه).

أخشى أن هذا التوجّه العدواني المتزايد ضد الوافدين – و قد يكون في الأمر مدعاةً للاستياء – ليس جديداً، و أن له إرهاصاتٌ مسبّقةٌ حزينة، لا يصح النظر إليه بمعزلٍ عنها، فهو لا يعدو أن يكون تطوراً داروينياً طبيعياً لممارسةٍ كانت و مازالت تحدث أصلاً، تتمثل في ما يسمح به بعضنا لنفسه من معاملة العاملين في المنازل على نحو قاسٍ و مزر (حبس الحرية، منع الاتصال، منع التجمع، منع الإجازة، العنف الجسدي و اللفظي) بدعوى الحفاظ على الأخلاق. و لكننا في النهاية نحن من استدعاهم، مع علمنا بأنهم يأتون من ثقافاتٍ مختلفةٍ عن ثقافتنا، فبأيّ حقٍ نحاول تطويعهم؟ نحن ننسى أن هؤلاء عندما يتركون بلادهم فإنهم يغادرون ورائهم أوضاعاً معقّدة من الديون المالية و الأولاد المشتّتين بين الأزواج المرضى و الأمهات العجزة و الأقارب البعيدين. و بعد هذا كله، نمنعهم من الاتصال. أي قلقٍ و أي ألم نفسي نضعهم فيه؟ جثث الشباب و الصبايا من العاملين الآسيويين، المدلاّة من أشجار الطرق و مراوح الغرف الضيقة و تلك الممدّة في الشوارع إثر القفز من الشرفات العالية – سواءٌ انخفض عددها أو زاد – تعبّر عن أحوالٍ مرعبةٍ من الألم و اليأس سوف نسأل عنها جميعاً أمام الله، سواء من كان منا سبباً مباشراً لعذاب هؤلاء المساكين، أو من صمت على ضعف أحوالهم و تعاستها. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “الرحماء يرحمهم الله”، و بعدهما قال الإمام علي كرّم الله وجهه: “الناس على وجهين؛ أما أخٌ لك في الدين أو نظيرق لك في الخلق”. إنه الإنعزال – هذه المسافات النفسية الطويلة بيننا و بين “الآخر” رغم قربنا الجغرافي منه – مرةً أخرى.

من المحزن أن نجد مفارقة الإنعزال هذه تنتشر و تكبر في بلادنا. فرغم تراثها البحريّ المنفتح و الصحراويّ المتحرّك، الكويت الآن هي بلدٌ يسكنه شعبٌ منعزلٌ، تثير فيه كل إشارةٍ للآخر إحساساً تشيكوفياً بالإقليمية (فالأمر يذّكر بالهواجس القلقة لأبطال قصص أنطون تشيكوف الذي يعيشون دائماً في الأقاليم الطرفية البعيدة)؛ شيءٌ أقرب ما يكون إلى رهاب الأجانب (Xenophobia)، الذي هو سمة المجتمعات المنغلقة فكرياً و المنعزلة حضارياً، مهما بلغ عدد الطائرات التي تهبط في مطارات البلاد أو السفن التي ترسو في موانئها. هذا، لأن الأمر يتعلّق بدواخل العقول، لا بخارجيات المظاهر، و هو يقترن دائماً بالخوف و الشك و القلق من الآتي، و هذه جميعها نتيجةٌ طبيعيةٌ لغياب السياسات الواضحة المُطمئنة، التي تلعب دور بوصلة الاتّجاه للمستقبل.

و بعد،

فلنراجع قيمنا المبدئية، و لنفعّل أجهزة رسم السياسات، و لننتقِ من نضمّه إليها، ثم لنلتزم بما تضعه من خطط، فالأزمة – في عمقها – ليست أزمة وافدين، و لم تكن كذلك قط:

الأزمة أزمة انعزالٍ أولاً، و عدم ثقةٍ في سياساتنا العامة الرسمية ثانياً.

فأما الأولى فتتغيّر بتغييرنا لأنفسنا، و أما الثانية فتتغيّر بتغييرنا لراسميها.

نظرتان في النقاش، و وصفةٌ

قياسي
Horace_Vernet_-_Arab_Chieftains_in_Council_(The_Negotiator)_-_WGA24751

جلسةٌ نقاشيّةٌ لبعض زعماء القبائل العرب
لوحةٌ للفرنسي Horace Vernet، 1834

نظرتان في النقاش، و وصفةٌ

د. مشاعل الهاجري

Mashael.alhajeri@ku.edu.kw

18 يناير 2018

 

(1)

الحوار هو أن تتناقش، فتكون ممنوناً لمن تمكّن من إقناعك بتغيير رأيك، لأنه أهدى إليك معطياتٍ جديدة، لم تتنبّه لها من قبل، فصرت أكثر علما، و أعمق إدراكا. هو لا يتعلق بالكرامة، و لم يكن له شأن بها قط.

أما اللّدد هو أن تتناقش، و أنت تحمى رأيك كمن يذود عن قلعةٍ ورثها عن جدّه السابع، فتحنق على كل من اقترب منها.

للبقاء في سماء النقاش و عدم الانحدار منها إلى هاوية اللدد، ينبغي أن نذّكر أنفسنا دائماً بأن موضوع النقاش هو محض رأي، و الرأي لا يعدو أن يكون زاويةً للنظر نرقب الأمور منها، لا موقع عسكريّ نفديه فنقاتل من دونه.

‏بذلك، ينحدر النقاش من حوار إلى لدد عندما نخلط بين ما ينبغي من مرونة الرأي و ما يجب من ثبات الكرامة. و لكن حوار من يتحرون الحقيقة لا يتعلق بالكرامة، و لم يكن له شأن بها قط.

في الحقيقة، مجرد ربط النقاش بالكرامة هو دليل على أن مدار النقاش شخصي و ليس موضوعي، و هو مؤشر واضح على عدم التجرد، ابتداء.

و هذا، تحديدا ، هو اللدد، الذي – إضافة الى كونه لا يليق بالطرفين – هو محض تضييع للوقت و الطاقة.

 

(2)

النقاشات هي أداةٌ فعالةٌ لتوضيح الرؤى؛ توظيفها لضبط الفكرة هو واحد من أهم فوائدها.

ربما كان ذلك لأن للأفكار طبيعة عنقودية؛ هي تتوالى على إثر بعضها، أو ربما كان من الأدق القول بأنها ذات طبيعة “أميبية”: مثل الأميبا، هي تتكاثر بالإنقسام.

من هنا فإن أفكارنا المتولدة عن النقاشات – حتى العاصف منها – هي شيء أشبه ما يكون بقصائد الرحابنة التي كتبوها لفيروز.

لن نعرف قط ماذا كتب عاصي و ماذا أضاف منصور.

هذا سببٌ آخرٌ لكي أشكّ – أكثر فأكثر – في أسطورة “الملكية الفكرية”؛ هذه التي صدّقناها، فشرّعنا لها القوانين.

 

(3)

وصفةٌ للنّقاش الناجح:

  1. خذ 2 كيلو معلومات صحيحة.
  2. أضف عليها 4 كيلو رؤىً رشيدة.
  3. زِدْ عليها 6 كيلو تجرّد.
  4. ضعها بالثلاجة حتى تندمج المكوّنات.
  5. أخرجها من الثلاجة بعد ساعتين.
  6. تبّلها بـ 500 جرام هدوء، ثم زيّنها برشّة حُسْن نيّة، و رشّة سعة صدر.

صارت الوصفة جاهزةً للتقديم.

بالهناء و الشفاء : )

 

 

المعاجم كمرايا مجتمعية

قياسي

26731514_10155838161476071_7984263043270286784_n[1]المعاجم كمرايا مجتمعية

د. مشاعل الهاجري

Mashael.alhajeri@ku.edu.kw

18 يناير 2018

 

أن لا نشجّع المثليّة الجنسية هو شيء، و أن ندعو للكراهية و القسوة بل و القتل كلما ظهرت بيننا – كحقيقةٍ من الحقائق الفسيولوجية و النفسية للحياة – هو شيءٌ آخر، لا سيّما و أن الأمر يتعلق بخياراتٍ شخصيّةٍ حميمة، لا بأفعالٍ مُهددةٍ للغير في المال أو النفس.

في الخلط دائماً أساسٌ لسوء الفهم، و من ثمّ لفداحة القرار.

من هنا، ربما كانت التسمية هي نقطة البداية لهذا المبحث:

المعاجم العربية تسمي من يتصف بالمثلية “شاذٌ جنسياً”، فتقطع مسبقاً بأنه مخالفٌ للطبيعة و تُعرِّفه للعالم بذلك، أي أنها تتجاوز التسمية، فتتعداها إلى الحكم و التصنيف.

هذا، فيما يترجم لفظ “gay” بالإنجليزية إلى “مثليّ الجنس”، و ليس شاذه، و هي كلمةٌ تجد أصلها المعجمي في كلمة “gaiety” التي تعني البهجة، و التي اسم الصفة منها هو “gay” أي “أَزْهَر؛ بَشوش؛ بَهِيج؛ زاهٍ؛ ضَحُوك؛ طَرُوب؛ فَرِح؛ فَرْحان”.

أما السبب وراء كل هذه المعاني الجذلة للكلمة الإنجليزية، فهو أمرٌ ثقافيٌ خاص بذلك المجتمع، و شأن يتعلق بالشخص المعنيّ. بذلك، فالأمر و إن كان لا يعجبنا، إلا أنه لا يعنينا.

شيئاً فشيئاً، بدأت هذه الترجمات تتراجع من معاجمنا، فأصبحت الترجمة العربية الأولى التي تظهر للباحث عن معنى لفظ “gay” هي “الشاذ جنسيا”، لتصير هي المعنى الوحيد المعروف لنا. لقد استغرق المعنى اللفظ، فوارى كل ما عداه من معانٍ أخرى.

لا أعرف السبب وراء ذلك، و لكن قد يكون من المناسب استحضار البعد الديني هنا، باعتبار أننا عادة ما نبني بناءنا القيمي على أساسات دينية كلما تعلق الأمر بأحكام القيمة.

فهل أثر الدين في اللغة، أم أنها اللغة هي من أثر في الدين؟

لا أدري، و لكن ما هو واضحٌ بجلاءٍ هنا هو أن في مواقفنا الحادة تجاه المثلية الجنسية أصلٌ ثقافيّ(cultural) ما، يشتد أو يضعف تبعاً لقوة الموجات الفكرية التي تضرب شواطئنا الثقافية.

أما تصنّع البراءة الحضارية، و لزم المسلك التطهريّ (Catharsis) الذي يظهر ثقافتنا و كأنها ثقافةٌ أحادية مسلكياً لم يظهر بها المختلفون، فهو أمرٌ يكفي لدحضه الاطلاع على قصائد أبي نواس و الخرَّاز و ابن الرومي، و كتابات الجاحظ و الطبري و السيوطي و الذهبي و المسعودي، و كثير عداهم.

هذا، بالنهاية، هو جزءٌ من تراثنا، الذي و إن كنا لا نفخر به، فعلى الأقل لا يصحّ أن نتظاهر بأنه لم يوجد قط.

أما إن اعترفنا به في ماضينا الحضاري، ثم أردنا أن نجهد لتغييره في واقعنا المعاصر، لاننا نحرص على أولادنا و بناتنا – فنحن آباءٌ و أمهاتٌ في النهاية – فنفعل حسناً إن جدّدنا في طرقنا لحمايتهم، فأدركنا أن الكراهية و القسوة و القتل لم تكن – أبداً – أدوات ناجعة لأيّ تغييرٍ إيجابي.

 

 

 

 

 

تأمــلاتٍ فــي التغييــر التقنــي الدرامــي الــذي سيلحــق حياتنــا فــي السنــوات العشريــن القادمــة

قياسي

gaming-future-e1423128177257[1]تأمــلاتٍ فــي التغييــر الدرامــي

الــذي سيلحــق حياتنــا فــي السنــوات العشريــن القادمــة

 

د. مشاعــل عبــد العزيــز الهاجــرى

2 يناير 2018

Mashael.alhajeri@ku.edu.kw

 

 

فيما يلي ترجمة قمت بها لانطباعات كتبها Udo Gollub، المدير العام لأحدى الشركات الناشئة الهامة، إثر حضوره لمؤتمر Singularity University summit العام الماضي. أجد ما ورد في هذا السرد مهماً، لأنه يحمل على التفكير في الشكل التقني للمستقبل، و وجوب الاستعداد له.

 

و قبل أن أورد الترجمة، أسوق هنا ملاحظاتي الشخصية حول الأمر، و التي يعود بعضها إلى اطلاعي على منظور بعض قياديي شركة Mercedes-Bens للسيارات:[1]

 

  • السيارات الكهربائية و السيارات ذاتية القيادة قادمة، بسرعة و بقوة. و يبدو أن مستقبل صناعة السيارات سيتحدّد بين تناقضات مثل السيارات الكهربائية ضد سيارات محركات الاحتراق الداخلى، راحة السيارات ذاتية القيادة ضد متعة القيادة الشخصية، ملكية السيارة ضد نظام المشاركة،  ترك القيادة مع التمتع بالرحلة مقابل السيطرة على المركبة، و الإطار العام لكل ذلك يتمثل دائما بالسؤال الأكبر: الإنسان أم الآلة؟ هناك من يرى فيما تقدم إشكالاتٍ متعارضة، و هناك من يرى فيها فرصاً للدمج و لتغيير الأنماط التقليدية: نحن هنا أمام القديم و الجديد معاً.

 

 

  • السيارات الذكية ليست شيئاً جديداً. فسياراتنا الحالية تستطيع – سلفاً و منذ الآن – تغيير الحارات لوحدها، الصفّ فى المواقف، القيادة على وتيرة سرعةٍ ثابتة، ضغط الفرامل فى حالة الطوارئ، و كل ذلك من دون حاجة إلى تدخل السائق. و مع ذلك، فذكاء السيارات يزداد بتسارعٍ مطرد، و في الأمر ما هو أكثر من الرفاهية، حيث يصل الى حد احتواء فئاتٍ مجتمعية جديدة أكثر فأكثر. مثلاً، فإن انتشار السيارات ذاتية القيادة يمكن أن يعطى فرصاً جديدة من حرية التحرك لفئاتٍ كانت محدودة الحركة فيما مضى، مثل المعاقين و كبار السن.

 

 

  • اقتصاد المشاركة (sharing economy) – المنتشر الآن بسرعةٍ و قوة – يمكن أن يعطي دفعةً إضافيةً من الحوافز للشركات المطوّرة للسيارات ذاتية القيادة. فمع نمو اقتصاد المشاركة، سيتمكن مزيدٌ من الناس من الحصول على سلعٍ لم تكن ضمن نطاق مقدراتهم المالية في السابق، بما في ذلك السيارات الفاخرة التي صار يمكن أن تصبح فى متناول عددٍ أكبرٍ منهم.

 

 

  • مع ذلك، يبدو أن التوجّه الذي نسمع به نحو السيارات ذاتية القيادة هو صرعة دارجة فى بعض المدن الكبرى فقط (fringe phenomenon) – حتى الآن على الأقل – و ذلك بسبب الصعوبات التي يلاقيها سكان تلك المدن من حيث صعوبة القيادة فيها، تكلفة الصيانة، التسعيرة العالية للمواقف، ضيق الوقت. ذلك يعني أن السيارات ذاتية القيادة ستكون مطلوبة أكثر هناك، أما في أماكن أخرى يمكن جداً أن يظل الطلب قائماً و مستمراً على السيارات التقليدية التي تسمح بمتعة القيادة الشخصية.

 

 

  • عندما يتعلق الأمر بالسيارات، فالمنظور بشأنها قد يتعدّد: فمن جهة، هناك سياراتٌ تمثل منتجاتٍ عاطفيةٍ يود الناس تملّكها بشدة بسبب الرغبات الفردية العميقة (سيارة الأحلام / السيارة النارية / السيارة السريعة). و من جهة أخرى فهناك سياراتٌ تتعلق بالاعتبارات العملية، لا سيما بترتيبات التنقل لمن لا يمثل التملّك أولوية لديهم. إن ذكاء شركات السيارات فى المستقبل سيكمن فى مدى نجاحها في الموائمة بين هذين الاعتبارين.

 

 

  • يبدو أن المنظور التجاري / الصناعي صار ينحو الآن نحو التعامل المختلف مع فكرة المنافسة (competition) التى يظهر العمل أنها صارت تتغيّر. إذ تظهر الممارسة تحولاً تدريجياً من المنافسة القائمة على العناصر الارتيابية (كالعمل الفردى، الأسرار التجارية، التحكّم فى الاسواق، التسويق الحصرى)، إلى أخذ منحىً آخر يتمثل فى التعاون مع غرماء الأمس، مدّ أيدى التعاون لهم، و التنبيه إلى مواضع المصالح المشتركة (فمثلاً، تشترك شركة مرسيدس بنز الآن مع كل من شركات BMW و Audi فى تملك شركة HERE للخرائط الرقمية، و من خلال توحيد الجهود، تشترك هذه الشركات فى دفع الصناعة للأمام فى مجال السيارات المتطورة).

 

 

 إن المنطق وراء هذا التفكير الجديد للعصر الصناعي الجديد بسيط، و هو يكمن فى حقيقة أن صناعة السيارات هى أقرب ما تكون إلى المباريات العُشارية (Decathlon)؛ فمن يريد أن يكون في الصدارة عليه أن يجيد عدّة مهارات، فيحسّن مما يعرفه سلفاً، و يتعلّم ما لا يعرفه ابتداءً. إن ذلك يستدعي – بل و يتطلب – الرغبة فى التطور أولاً، ثم الإيمان بضرورة التعاون ثانياً.

 

و بعد، فهذه ترجمة لما أورده Udo Gollub في ملاحظاته:[2]

 

في عام 1998، كان 170.000 موظفاً يعملون في شركة كوداك (Kodak)، و كانت هذه الشركة تبيع 85% من جميع الصور الورقية في العالم.

 

ما حدث لشركة كوداك سوف يحدث لكثير من الصناعات خلال السنوات العشر القادمة، و لكن أغلب الناس غافلين عن ذلك.

 

هل كنت تتخيّل في عام 1998 أنك بعد 3 سنوات فقط لن تقوم أبداً بالتقاط صوراً ورقية تطبع على أفلام؟

 

و مع ذلك، فعندما ظهرت الكاميرات الرقمية للمرة الأولى عام 1975 فإن النماذج المبكرة منها كانت تقوم على 10.000 بيكسيل فقط، و لكنها اتبعت قانون مور التضاعفي Moore’s law (و هو القانون الذي ابتكره Gordon Moore أحد مؤسسي شركة إنتل عام 1965، و الذي يقرر أن عدد الترانزستورات على شريحة معالجٍ ماprocessor  يتضاعف كل عامين تقريباً في حين يبقى سعر الشريحة على حاله – المترجمة).

 

و هكذا، و كما هو الحال مع جميع التقنيات الكبرى، كانت تقنية الكاميرا الرقمية مخيبة للآمال لفترة من الوقت، قبل أن تتفوق بمراحل على ما سواها فتصبح هي النموذج المتسيد خلال بضع سنوات فقط.

 

و الأمر ذاته سوف يحدث في مجالات الذكاء الصناعي (Artificial Intelligence)، الصحة، السيارات الكهربائية و السيارات ذاتية القيادة، التعليم، الطباعة ثلاثة الابعاد (3D printing)، الزراعة، و الوظائف.

 

مرحبا بكم في الثورة الصناعية الرابعة. مرحباً بكم في عصر النمو:

 

 

  • تطبيقات الإنترنت سوف تقلب قواعد اللعبة لجميع الصناعات التقليدية فى السنوات الخمس إلى العشر القادمة.

 

  • Uber هو مجرد تطبيق، هذه الشركة لا تمتلك أية سيارات، و رغم ذلك فهي الآن أكبر شركة لسيارات الأجرة فى العالم.

 

  • Arbnb هى الآن أكبر شركة فنادق فى العالم، رغم أنها لا تمتلك أية عقارات.

 

  • الذكاء الاصطناعى (Artificial Intelligence): صارت الكمبيوترات أفضل فى فهم العالم إلى درجة ملحوظة. هذه السنة، تغلب الكمبيوتر على أفضل لاعب Go فى العالم، بمقدار 10 سنوات أسبق مما كان مقدراً.

 

  • المحامون الشباب صار صعباً عليهم الحصول على عمل فى الولايات المتحدة بسببIBM Watson (نظام للذكاء الاصطناعي طورته شركة IBM، و هو قادر على الإجابة على أسئلة يتم طرحها بلغة طبيعية، و قد تمت تسميته بإسم الرئيس السابق للشركة – المترجمة). صار يمكنك الآن الحصول على المشورة القانونية – بل و حول موضوعات تتجاوز الأمور المبدئية – و ذلك خلال ثوانِ، و بدرجة دقة تبلغ حوالى 90% بالمقارنة بدرجة الدقة البشرية التى تبلغ 70% (فإذا كنت تدرس القانون، توقف فوراً، فإن عدد المحامين سوف يقل بحوالى 90% فى المستقبل؛ وحدهم المتخصصون هم من سيظلون فى سوق العمل).

 

  • يقوم Watson سلفاً بمساعدة الممرضين على تشخيص السرطان، و بدرجة دقة تفوق 4 مرات دقة الممرضين البشر.

 

  • Facebook لديه الآن تطبيق للتعرف على أنماط الوجوه يمكنه التعرف على الوجوه و بقدرة تفوق قدرات البشر. و فى عام 2030 ستكون الكمبيوترات أكثر ذكاء من البشر.

 

  • السيارات ذاتية القيادة (autonomous cars): فى 2018 ستطرح أول سيارة ذاتية القيادة للجمهور. و حوالى عام 2020 سوف تعيد الصناعة تشكيل نفسها بالكامل؛ لن تكون لك رغبة في أن تتملك سيارة فى المستقبل. سوف تتصل بسيارة بواسطة هاتفك، و ستأتى لك إلى محلك و ستقودك إلى وجهتك. لن تضطر إلى إيقافها، و ستدفع فقط مقابل المسافة التى قادتك خلالها. و يمكنك خلال هذا المشوار أن تكون متفرغاً للعمل و الإنتاج على جبهاتٍ أخرى. أولادنا لن يحصلوا على رخصة القيادة ابداً و لن يمتلكوا سيارة، لأنهم لن يحتاجوا ذلك.

 

  • هذا الأمر سوف يغيّر من طبيعة المدن، لأننا سوف نحتاج إلى السيارات بمعدل أقل بنسبة 90 – 95%، و سوف يكون بإمكاننا تحويل مواقف السيارات الحالية إلى حدائق. حول العالم، يموت حوالى 1.2 مليون شخص الآن بسبب حوادث السيارات، فلدينا الآن حوالى حادث واحد لكل 000 ميل (100.000 كيلو متر). مع السيارات ذاتية القيادة سوف ينخفض هذا الرقم إلى حادثٍ واحدٍ فقط لكل 2 مليون ميل (10 مليون كيلو متر).

 

  • أغلب شركات صناعة السيارات سوف تفلس على الأغلب. الشركات التقليدية لصناعة السيارات تقوم بـ “التطوير” الآن و قد نجحت في صنع سيارات أفضل، إلا أن شركات التكنولوجيا (Tesla, Apple, Google) سوف تقوم بـ “ثورة” فتصنع كمبيوتر يسير على عجلات.

 

  • كثيرٌ من مهندسي السيارات في شركات Volkswagen و Audi مرعوبون تماماً من شركة Tesla (شركة متخصصة في صناعة السيارات الكهربائية – المترجمة).

 

  • شركات التأمين سوف تظهر أمامها مشكلات بالجملة، لأنه من دون حوادث المرور فإن التأمين سوف يكون أرخص بنسبة 100%، إذ أن نموذج العمل (business model) الخاص بتأمين أخطار السيارات الذى تتبعه هذا الشركات سوف يختفى.

 

  • سوق العقار سوف يتغيّر، لأنك إذا كنت تستطيع العمل أثناء تنقلاتك (لكونك غير مضطراً للقيادة) فإن الناس سينتقلون للعيش فى مناطق أبعد، تتضمن أحياء سكنية أجمل.

 

  • السيارات الالكترونية (electric cars) سوف تصبح دارجة حوالى العام 2020، و ستكون المدن أقل ضجيجاً لأن جميع السيارات الجديدة ستعمل على الكهرباء. ستصبح الكهرباء رخيصة إلى درجة لا تصدق و نظيفة أيضاً، و رغم أن معدل التحول إلى الطاقة الشمسية فى تزايد منذ 30 عاماً، إلا أننا صرنا نشهد ازدهار ذلك الآن.

 

  • فى العام الماضى، تم حول العالم تركيب مصادر للطاقة شمسية (solar energy) أكثر من معدل تركيب مصادر طاقة الوقود الأحفوري (fossil). ورغم أن شركات الطاقة تحاول جاهدة مكافحة شبكات الطاقة الشمسية للحد من المنافسة الناجمة عن تركيب ألواح الطاقة الشمسية فى المنازل، إلا أن هذه المساعى لا يمكن أن يكتب لها النجاح. فالتكنولوجيا سوف تتغلب على الاستراتيجيا.

 

  • مع الكهرباء الرخيصة تأتى المياة الرخيصة و الوفيرة، فتقطير المياه المالحة يحتاج الآن فقط 2kWh للمتر المربع الواحد (بتكلفة 0.25 سنت). نحن لا نعاني من شح فى المياه فى أغلب الأماكن، ما نعاني الشح فيه هو مياه الشرب تحديداً. تخيل كيف سيكون الوضع عليه لو أمكن لكل شخص الحصول على القدر الذى يريده من المياة النظيفة، و تقريباً من دون أية تكلفة.

 

  • الصحة: سعر Tricorder X سوف يُعلن هذه السنة (الإسم يعود إلى جهاز تسجيل البيانات Tricorder الذي ظهر في فيلم الخيال العلمي Star Trek، و الذي يُمكّن الأشخاص العاديين من إجراء الفحوصات لأنفسهم، من دون حاجةٍ إلى المساعدة الطبية المتخصّصة – المترجمة). فهناك شركات سوف تصنع جهازاً طبياً يعمل على هاتفك، يمكنه القيام بالمسح الضوئى لشبكية عينيك (retina scan)، أخذ عينة من دمك للفحص، و كذلك فحص تنفسك. كما يقوم هذا الجهاز بفحص 54 من علاماتك البيولوجية التى يمكن من خلالها التعرّف على أى مرض تقريباً. سوف يكون الجهاز من الرخص بحيث أن كل شخص على هذا الكوكب سوف يتمكن من الحصول على فحص طبى من الدرجة الأولى، و بتكلفة مجانية تقريباً. وداعاً للمؤسسات الطبية.

 

  • الطباعة ثلاثية الأبعاد (3D printing): انخفض سعر أرخص طابعة ثلاثية الأبعاد من 000 دولار إلى 400 دولار خلال عشر سنوات، و فى الوقت نفسه صارت أسرع بـ 10 مرات. و قد بدأت جميع شركات الأحذية الرياضية الكبرى فى طباعة (صناعة) أحديتها بهذه الطريقة.

 

  • بعض قطع غيار الطائرات صارت تصنع من خلال الطباعة ثلاثية الأبعاد فى بعض المطارات البعيدة و المعزولة. كما أن محطات الفضاء الخارجية لديها الآن طابعة من هذا القبيل تسد حاجاتها من قطع الغيار.

 

  • بعض الهواتف الذكية سوف تزود بتقنية المسح الضوئي ثلاثي الأبعاد (3D scanning)، فيصير باستطاعة المرء أن يقوم مثلاً بمسح قدميه – ضوئياً – بأبعاد ثلاثية، فيطبع لنفسه حذاء على مقاسه من المنزل.

 

  • فى الصين، ثم سلفاً طباعة و بناء مبنى مكاتب من 2 طوابق من خلال تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. و بحلول عام 2027، فإن 10% من كل ما سوف يصنع سيتم صنعه بهذه التقنية.

 

  • الفرص التجارية: اذا كنت تفكر فى خوض غمار عملٍ تجارىٍ ما، ففكر: هل سيكون هذا العمل موجوداً فى المستقبل؟ فإذا كانت إجابتك بالإيجاب، فكيف يمكنك أن تسرّع من وتيرة ذلك؟

 

  • إذا كان مشروعك الذي تخطط له غير قابل للعمل من هاتفك، فانسَ الفكرة.

 

  • كل فكرةٍ مصمّمة للقرن الـ 20 سيكون مصيرها الفشل فى القرن 21.

 

  • العمل (Work): هناك ما نسبته 70% إلى 80% من الأعمال و الوظائف سوف تختفى تماماً خلال السنوات العشرين القادمة، إلا أنه ليس من الواضح حتى الآن ما إذا كان سيكون هناك عددٌ كافِ من الوظائف الجديدة خلال هذه الفترة القصيرة.

 

  • الزراعة (agriculture): فى المستقبل، سوف تكون هناك روبوتات زراعية لا تتجاوز قيمتها 100 دولاراَ، و عوضاً عن أن يكون المزارعون مجرد عاملين في حقولهم طوال اليوم، فإنهم في الدول التى تنتشر فيها تقنية 3D سيصبحون مدراء لهذه الحقول.

 

  • الزراعة بدون تربة (Aeroponics) سوف تحتاج مياهً أقل بكثير. فأول عجلٍ مخلّق بتقنية Petri Dish تم انتاجه الآن، و سوف يكون أرخص سعراً من عجول الأبقار بحلول عام 2018. و حالياً، فإن 30% من المسطحات الزراعية تستخدم كمراعٍ للأبقار، فتخيل لو أن هذه الحاجة انتفت فاستطعنا استخدام هذه الأراضى لأغراضٍ أخرى؟

 

  • هناك عدة شركات ناشئة (startups) سوف تقوم بطرح البروتين الحشرى فى الأسواق قريباً (insect protein)، و هو يتضمن من البروتين أكثر ما تتضمنه اللحوم، و سوف يسمى “مصدر بديل للبروتينات” (alternative protein source)، لأن أغلب الناس مازالوا لا يتقبلون فكرة أكل الحشرات.

 

  • هناك تطبيق اسمه Moodies يمكنه أن يخبرك بحالة مزاجك، و بحلول عام 2020، سوف يمكن – من خلال دراسة تعابير وجهك – معرفة ما إذا كنت تكذب. تخيل إذن أن يتم الاستعانة بهذه التقنية في المناظرات السياسية لإظهار ما إذا كان المتناظرون يقولون الحقيقة أم لا.

 

  • النقود الافتراضية (virtual money): Bitcoin يمكن أن تصبح العملة الأولى للاحتياطى الرسمى …. للعالم!

 

  • طول العمر (longevity): معدل الحياة يزداد حالياً بمقدار 3 أشهر فى السنة. و منذ حوالى 4 سنوات كان معدل الحياة هو 79 سنة، و هو الآن 80 سنة. إن الزيادة – بحد ذاتها – فى ازدياد، و بحلول عام 2036 سوف يزيد معدل الزيادة عن سنة واحدة فى السنة. هذا يعني أننا يمكن أن نعيش إلى سنٍ نتجاوز فيه المائة عام.

 

  • التعليم (education): أرخص الهواتف الذكية سعراً تبلغ قيمته الآن 10 دولار فى أفريقيا و أسيا. و بحلول عام 2020 فإن 70% من جميع البشر سوف يمتلكون هاتفاً ذكياً، و هذا يعنى أن الجميع سوف تكون لهم فرصة الحصول على تعليمٍ ممتاز (لأن النفاذ الى التعليم صار متاحاً).

 

  • يمكن الدخول على أكاديمية خان (Khan academy) بشأن أى شئٍ يحتاج لتعلمه أى طفلٍ فى أية مدرسة. كما تم سلفاً إطلاق نسخاً من البرنامج خاصة بأندونسيا. و قريباً، ستكون هنالك إصدارات منه باللغات العربية، السواحيلية، و الصينية.

 

  • سوف تكون هناك فرصاً رائعة فيما لو تم اطلاق النسخة الإنجليزية من أكاديمية خان (Khan academy) مجاناً، بحيث يتعلم الأطفال بالانجليزية فى افريقيا و فى أماكن أخرى حول العالم فترتفع لديهم الطلاقة بالانجليزية، و هو أمر يمكن تحقيقه خلال نصف سنة فقط.

[1] Dr. Dieter Zetsche (Chairman of the Board of Management of Daimler AG and Head of Mercedes-Bens Cars), ‘Daimler 2017: Daimler and the transformation of the automotive industry’, Annual Shareholders’ Meeting of Daimler AG Berlin, Berlin March 29, 2017.

[2] تنقل بعض المصادر الأجنبية – خطأ – أن هذه الملاحظات وردت في محاضرة لرئيس شركة مرسيدس-بنز للسيارات، و هذا غير صحيح. هنا الرابط لملاحظات Udo Gollub: