غوستاف رادبروخ: خمس دقائقٍ من فلسفة القانون – ترجمة د. مشاعل الهاجرى

قياسي

 

gustav-radbruch.jpg

 

غوستاف رادبروخ:

خمس دقائقٍ من فلسفة القانون

ترجمة د. مشاعل عبد العزيز الهاجرى

mashael.aljakeri@ku.edu.kw

 16 فبراير 2018

غوستاف رادبروخ (Gustav Radbruch)، الذي عاش في الفترة من 1878 إلى 1949، كان فقيهاً ألمانياً كبيراً في القانون الجزائي، برلمانياً و وزيراً للعدل فى جمهورية فايمار،[1] و لكنه كان معارضاً لفكر الحزب النازي الذي وصل إلى سدة الحكم في ألمانيا قبيل الحرب العالمية الثانية، فحُرم على يد هذا النظام من كرسى الأستاذية فى جامعة هايدلبرغ حيث كان يدرس، و إلا أنه حصل عليه بعد سقوط النظام إثر هزيمة ألمانيا في هذه الحرب و أصبح عميداً لكلية الحقوق في ذات الجامعة.

كأحد المنتمين إلى المدرسة القانونية الوضعية (positivist school) – التي لا تعترف بإلزامية أية قواعد مجتمعية إلا إذا كانت صادرة من سلطة دستورية مشروعة و مختصة – وضع رادبروخ مؤلفاتٍ متميزةٍ فى علم القانون و في فلسفته، و هو يرى أن “التغييرات السياسية العظيمة قد مُهد لها دائماً بنظرياتٍ فلسفيةٍ قانونية”، و أن للقانون دائماً بعدٌ معياريٌ لا ينبغي إغفاله، كما يرى أن العدالة هى المعيار الأسمى للقانون و غاية المشرع في دولة القانون (Rechtstaat).[2] و لكن ربما كان أكثر ما يذكر به رادبروخ هو تفرقته الواضحة بين القانون و الأخلاق و تأسيس كلٍ منها على أساسٍ مختلفٍ عن الآخر، إذ وفقاً له فإن الأخلاق تنتمي إلى عالم ما يجب أن يكون، فيما القانون ينتمي إلى عالم ما هو كائن.

بعدما ظهر له من فظاعات الحكم النازي، راجع رادبروخ رأيه في الوضعية القانونية، فوجد أنها ينبغي أن تحدّها دائماً حدودٌ أخلاقية تكبح من جماح المشرعين. من هنا، فقد كتب بعد الحرب العالمية الثانية عبارته المشهورة التى صارت تعرف بين علماء فلسفة القانون بـ “صيغة رادبروخ” (Radbruch formula)، و التي يقول فيها:[3]

“إن الصراع بين العدالة من جهة و موثوقية القانون من جهة ثانية ينبغي أن يُحسم لصالح القانون الوضعى، أي القانون الصادر من قبل السلطة المشروعة و المختصة، حتى في الحالات التي يكون فيها غير عادل من حيث المحتوى و الغرض، فيما عدا الحالات التي يصل فيها التناقض بين القانون الوضعي و العدالة إلى مستويات لا تُحتمل بحيث ينبغي عندها أن يخلى القانون مكانه للعدالة، و ذلك بوصفه قانوناً باطلاً. و من المستحيل رسم خطٍ فاصلٍ بين حالات عدم العدالة القانونية و بين التشريعات واجبة التطبيق رغم حمولتها الخاطئة، و مع ذلك فإن خطاً آخر يمكن رسمه بشكلٍ من أشكال التحديد: فعندما نكون بصدد قانون لا يتحرى العدالة، تم فيه إهدار المساواة – رغم كونها قلب العدالة – إثناء عمليه إصداره، فإنه لا يكون تشريعاً و أنما مجرد قانون خاطيء (erroneous law)؛ بل في الحقيقة فإن لا طبيعة قانونية له إطلاقاً. هذا، لأن القانون، بما في ذلك القانون الوضعي، لا يمكن تعريفه إلا بأنه قاعدة تهدف إلى خدمة العدالة تحديداً”.[4]

هذه صيغةٌ هامة؛ شكّلت دائماً مدخلاً أساسياً لمناقشة الموضوع موضوع القوانين الجائرة الشائك (unjust laws)، حتى من قبل معارضيها، باعتبار أنها بوابة فكرية مناسبة للخوض في هذه الإشكالية المعقدة دستورياً و المتعصيّة فلسفياً.

 ******

  –

خمس دقائقٍ من فلسفة القانون

غوستاف رادبروخ

الدقيقة الأولى

 “الأوامر هى الأوامر”، يُقال للجندى. “القانون هو القانون”، يقول الفقيه القانونى. و مع ذلك، فالجنديّ غير مجبر، لا وفقاً للواجب و لا بحكم القانون، على أن ينصاع إلى أمرٍ هو يعرف أن موضوعه ينطوى على جنايةٍ أو على جنحة، فيما الفقيه القانونى – باعتبار أن آخر محاميي القانون الطبيعى (natural law) قد انقرضوا منذ مائة سنة – لا يعرف هكذا استثناءاتٍ من صلاحية القانون (validity of the law) أو من متطلبات طاعته من قبل المُخاطَبين به. إن القانون نافذٌ لأنه قانون، و هو قانون لأنه، بشكلٍ عام، يتمتع بالقدرة على أن يسود.

إن هذه النظرة للقانون و لصلاحيته (و هو ما نسميه النظرية الموضوعية Positivistic theory) قد جعلت من كلٍ من الفقهاء و الناس معاً عديمى حيلة أمام القوانين الاعتباطيّة، القاسية، أو الإجرامية، مهما بلغت من التطرف. ففى النهاية، فإن النظرية الموضوعية تساوى بين القانون و السلطة؛ فهناك قانون فقط حيثما تكون هناك سلطة.

 

الدقيقة الثانية

لقد كانت هناك عدة محاولاتٍ لاستبدال هذه العقيدة أو لتكميلها بأخرى: و هي أن القانون هو ما يفيد الناس.

أن ذلك يعنى أن أمورٍ مثل التوجّهات الاعباطيّة، خرق العقد، و عدم المشروعية يمكن أن تعتبر قوانين، و ذلك شريطة أن تكون نافعةً للناس. و من ناحيةٍ عملية، فإن ذلك يعنى أن أياً ما وجدته سلطات الدولة نافعاً للناس فهو قانون، بما فى ذلك أية نزوةٍ أو رغبةٍ استبداديّة، أو عقوبةٍ غير مُقرّةٍ بقانونٍ أو بحكمٍ قضائى، أو القتل غير القانونى للمرضى. إن ذلك يمكن[4] أن يعنى أن المصلحة الخاصة لمن يُمسكون بزمام السلطة يُنظر لها كمصلحةٍ عامة. و فى الحقيقة، لقد كانت التسوية بين القانون و بين المنافع المُفترضة أو الظاهرية للناس هو ما حوّل دولة القانون (Rechtsstaat) إلى دولةٍ خارجةٍ عن القانون. و لا، فهذه العقيدة لا تعنى أن: كل ما يفيد الناس هو قانون. إن الأمر على العكس من ذلك: فقط ما هو قانونٌ مفيد الناس.

 

الدقيقة الثالثة

ان القانون هو إرادة العدالة. العدالة تعنى: الحكم دونما نظرٍ إلى الشخص، و قياس الجميع بالمقياس ذاته. لو كان المرء يصفّق لاغتيال الخصوم السياسين، أو يأمر بقتل الأشخاص المنتمين إلى عرقٍ مختلف، فى ذات الوقت الذى يوقِع فيه العقاب القاسى و الحاط من القيمة لنفس الأفعال إذا ما ارتكبت ضد أفراد من فريقه، فإن هذه ليست بعدالةٍ و لا بقانون.

إذا كانت القوانين تخون عمداً إرادة العدالة – من خلال البذل و المنع التحكمييّن لحقوق الإنسان على سبيل المثال – فإن ذلك يعني إذاً أن هذه القوانين فاقدةٌ للصلاحية، فلا يدين لها الناس بواجب الطاعة، كما أن على الفقهاء أيضاً أن يجدوا الشجاعة لكى ينفوا عنها الطابع القانونى.

 

الدقيقة الرابعة

إنه من الصحيحٌ طبعاً أن تحقيق الصالح العام، جنباً إلى جنبٍ مع تحقيق العدالة، هو هدفٌ يتحرّاه القانون. كما أنه من الأكيد أن للقوانين قيمةٌ فى ذاتها و لذاتها، بما في ذلك السيئ منها: و هى قيمةٌ تتمثّل بالدرجة الأولى فى تحصين القانون ضد الشك. كما أنه من الصحيحٌ طبعاً أنه – لسببٍ يُعزى إلى القصور البشريّ – فإن القيم الثلاثة للقانون – الصالح العام، الوضوح القانونيّ و العدالة – لا تتواجد بشكلٍ منسجمٍ دائماً فى بنية القوانين، فيكون الحل الوحيد، عندها، هو تقدير ما إذا كانت الصلاحية هو أمرٌ ينبغى أن يُعترف به حتى للقوانين السيئ، الضارة، أو غير العادلة فقط من أجل المحافظة على الموثوقية القانونية (legal certainty)، أو أن هذه الصلاحية ينبغي أن توقَف بسبب من عدم عدالة هذه القوانين أو ضررها الاجتماعى. هناك شيئٌ واحدٌ، مع ذلك، يجب أن يرسخ على نحوس ثابتٍ فى ضمير كلٍ من الناس و الفقهاء معاً: يمكن[5] أن تكون هناك قوانين تبلغ من الظلم و الضرر الاجتماعى مبلغاً ينبغى معه نزع الصلاحية – بل و الصّفة القانونية ذاتها – منها.

 

الدقيقة الخامسة

من هنا، فإن هناك مبادئٌ قانونيةٌ أثقل قيمةً من أىّ تشريعٍ قانونىّ، بحيث أن القانون الذى يتعارض معها ينبغي أن تُنزع منه الصلاحية. هذه المبادئ تعرف بـ “القانون الطبيعى” (natural law) أو “قانون العقل” (the law of reason). من المؤكد أن تفاصيل هذه المبادئ مازالت مفتوحةً للتساؤل، و مع ذلك فإن عمل القرون الماضية قد صنع لها نواةً صلبةً، بحيث أصبح عليها الآن إجماعٌ واسع من خلال ما يُعرف باعلانات حقوق الإنسان و الحقوق المدنيّة (declarations of human and civil rights)، بحيث أنه وحده المتشكّك الدوغمائى يمكن أن ننظر بريبةٍ غير واثقةٍ حول بعضٍ منها.

فى لغة الإيمان، فإن ذات الأفكار سبق و أن سُجلت فى آيتين من الإنجيل. إنه مكتوبٌ في الإنجيل أنك يجب أن تكون مطيعاً للسلطات التى لها نفوذٌ عليك، و لكنه مكتوبٌ فيه أيضاً أنك ينبغي أن تطيع الربّ لا البشر، و هذه ليست محض رغبةٍ تقيّةٍ فقط، و لكنها رؤيةٌ قانونيةٌ صالحةٌ أيضاً. إن الحلّ للتوتّر القائم بين هذين التوجيهين لا يمكن إيجاده من خلال اللجوء إلى توجيهٍ ثالث، مثل قاعدة “أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَ مَا للهِ للهِ” (Render to Caesar the things that are Caesar’s; and to God the things that are God’s)،.[6] هذا، لأن هذا التوجيه، أيضاً، يُبقي الحدّ الفاصل في خانة الشك، أو هو بالأحرى يترك الحلّ لصوت الربّ، الذى لا يتحدث إلى ضمير الفرد إلا فى الحالة الخاصة.

[1] جمهورية فايمار (Weimar) هي جمهورية تأسست في ألمانيا في الفترة من 1919 إلى 1933 إثر خسارة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، و قد سميت باسم المدينة التي انعقد بها مجلس ممثلي الشعب الألمانى لصياغة دستور هذه الجمهورية الجديدة عام 1919. انتهى وجود هذه الجمهورية ذات العمر القصير عندما وصل الرئيس الألماني النازي إدولف هتلر إلى السلطة فأحكم قبضة حكمه على ألمانيا بأكملها. – المترجمة.

[2] يمكن ترجمة مصطلح Rechtstaat الألماني إلى دولة القانون، بمعنى الدولة الدستورية التى يتم فيها إخضاع جميع السلطات لحكم القانون. ربما كان أقرب ترجمة تعادل هذا المصطلح في الأدبيات الإنجليزية هو Rule of law. – المترجمة.

[3] See generally: Brian Bix, ‘Radbruch’s Formula and Conceptual Analysis, American Journal of Jurisprudence, vol. 56, 2011, pp. 45-57

[4] “The conflict between justice and the reliability of the law should be solved in favour of the positive law, law enacted by proper authority and power, even in cases where it is injust in terms of content and purpose, except for cases where the discrepancy between the positive law and justice reaches a level so unbearable that the statute has to make way for justice because it has to be considered “erroneous law”. It is impossible to draw a sharper line of demarcation between cases of legal injustice and statutes that are applicable despite their erroneous content; however, another line of demarcation can be drawn with rigidity: Where justice is not even strived for, where equality, which is the core of justice, is renounced in the process of legislation, there a statute is not just ‘erroneous law’, in fact is not of legal nature at all. That is because law, also positive law, cannot be defined otherwise as a rule, that is precisely intended to serve justice”.

 

About redab70

Eltibas ... I am a Law Professor at Kuwait University School of Law. This page was initiated due to popular demand (ie pressure exerted on me by my students at Kuwait University School of Law!). The philosophy behind this page is to serve as an extension to my classroom. Most of what you read here is based on / a follow-up of topics previously discussed in my lectures. Academically speaking, my blog posts are my ‘footnotes’.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s