Monthly Archives: مارس 2018

كاليدوسكــوب أكاديمــي: خمســون شــذرةً إلــى المقبليــن علــى الدراســات العليــا (طلبتــي حاضــراً، و زملائــي مستقبــلاً)

قياسي

29d3ccf1c1d5cb914d58b5724a9a6885--mandala-meditation-mandala-art

 

كاليدوسكــوب أكاديمــي:

خمســون شــذرةً إلــى المقبليــن علــى الدراســات العليــا:

طلبتــي حاضــراً، و زملائــي مستقبــلاً

  _

مشاعــل الهــاجرى

13/3/2018

 

أكتب هنا، هنا بمنظورٍ حرٍ ملون، بعض الأفكار حول ما أظنّه لازماً للنجاح الأكاديمي، من واقع تجربتي الشخصية المتواضعة، و انطباعاتي الأكثر شخصيةً و تواضعاً، فأسجّلها لطلبتي و لعداهم من الدارسين، لا سيما المقبلين منهم على الدراسات العليا: زملائي في المستقبل.

واحدٌ من أهم الأسباب وراء ذلك هو تعاظم قلقي من انتشار الكتب الأمريكية المترجمة – و الضحلة – التي لا تمت إلي تحدياتنا العربية بصلة، و التي تسوّق و كأنها الحلول العامة لمشكلاتنا الخاصة.

 هذا، و أنا أتردّد كثيراً في أن أسمي ما يلي نصائحاً؛ لعلها إلى الشذرات الفكريّة أقرب.

************

(1) إقرأ. هناك فكرة شائعة – قديمة و راسخة – تذهب إلى أن المرء لا ينبغي له أن يقرأ إلا ما هو مفيدٌ له. لا أجد ما هو أبعد عن الصحة من ذلك. إقرأ، في كل شيء و في أيّ شيء، جاداً كان أم تافها. السر لا يكمن في “نوعية” ما تقرأه، بل في “تنوّعه”: ما تقرأه لن يضرك إن كان متنوعاً؛ في الحقيقة هو سيفيدك. من هنا، فأنت تجد أناساً كبعض المتمذهبين الدينيين أو الآيديولوجيين السياسيين يعرفون كل شيء عن مذهبهم أو آيديولوجيتهم، و لكن معارفهم فيما عدا ذلك فقيرة. في الأمر ما يذّكر بسجناء الزازين الانفرادية الصغيرة في قلاع القرون الوسطى، الذين كانوا – جرّاء حبسهم فيها لعقودٍ طويلة – يعرفون كل حجرٍ من أحجار الزنزانة و يصفونه وصفاً (حتى أن بعضهم كان، من فرط الوحدة، يطلق الأسماء على هذه الأحجار)، و لكنهم، في المقابل، لا يعرفون أي شيءٍ عن القلعة الكبيرة التي قضوا جلّ سِنيّ حيواتهم فيها، و التي لا تشكل زنزانتهم الضيّقة هذه إلا زاويةً صغيرةً من قبوها. كما أن دعوى القراءة في التخصّص فقط هي وهمٌ آخر، العالم مليء بالمهندسين و المحامين و الأطباء “المتخصصين”؛ ما ينقصه هو المهندسون و المحامون و الأطباء ذوي الآفاق الواسعة، الذين يتجاوزون تخصّصهم الضيق فيربطون بينه بين عداه من العلوم. إقرأ، في كل شيءٍ و في أيّ شيء. إقرأ، و لا تخف.

(2) نحن نحضر المحاضرات للتعلّم، لا لأخذ الاختبارات. اجتياز الاختبارات قد يضمن الدرجة العلمية، و لكنه لا يضمن العلم. كما أن هدف الحضور هو أن نتعلم من منهجية الأساتذة، لا لنعيد تلاوة ما فى الكتب. الكتب فى المكتبات، أما المحاضرات فللمحاضرين.

(3) فترة السنوات الجامعية الأربعة هى الفترة الذهنية الوحيدة فى حياتك التى سيتاح لك فيها التمتّع بالرفاهية الفكرية: ستكون محاطاً بعلماء فى مجالهم (الأساتذة)، و زملاء يشاركونك نفس الاهتمام (الطلبة)، و عاملين مُكرّسين لخدمة اهتماماتك الفكرية (موظفي الجامعة)، و موارد موقوفة على خدمة فكرك (المكتبات و المختبرات و قواعد البيانات و الدوريات الأكاديمية). استغلّها، لأنك بعد انتهاء سنوات هذه اليوتوبيا الفكرية سوف تخرج من جنّة الفكر هذه إلى دوّامة الواقع: عمل، خدمة عسكرية، زواج، أسرة، التزامات اجتماعية إلخ.

(4) إقرأ، أي شئ.

(5) صور المعرفة كثيرة، و الإضافة إلى البنية المعرفية هي عمل تراكميّ، فلا تستهن بنفسك و بما يمكن لك أن تقدمه إلى مجال تخصصك متى ما أخذت نفسك بعزمٍ و بجدّية. في مقدمة كتابه الجبر و المقابلة يقول الخوارزمي: “و لم تزل العلماء في الأزمنة الخالية و الأمم الماضية يكتبون الكتب بما يصنعون من صنوف العلم ووجوه الحكمة احتساباً للأجر بقدر الطاقة، و يبقى لهم من لسان الصدق ما يصغر في حينه كثير مما كانوا يتكلّفونه و يحملونه من المشقة في كشف أسرار العلم وغامضه. و هم إما رجلٌ سبق إلى ما لم يكن مستخرجاً من قبله، و إما رجلٌ شرح مما أبقى الأولون ما كان غامضاً و مستغلقاً فأوضح طريقه و سهّل مسلكه و قرّب مأخذه، و إما رجلٌ وجد في بعض الكتب خللاً فلمّ شعثه و أقام أوده و أحسن الظن بصاحبه غير رادٍ و لا مفتخر بذلك”. شخصياً، أرى أن الدور الأساسي للأكاديمي هو أقرب ما يكون إلى دور شيطان ماكسويل Maxwell’s demon (مخلوق خيالي شرح من خلاله العالم الاسكتلندي جيمس مكاسويل النتائج المربكة لتجاربه الفيزيائية): الفرز و التصنيف.

(6) لدى كل محاضِرٍ – مهما كان مملاً – ما يضيفه لك، و إن كان ذلك مجرد تعليمك على الصبر من خلال احتمالك لمحاضراته الطويلة، التي تبدو و كأنها تدوم دهراً.

(7) قم بإعداد سيرة ذاتية تراكميّة (CV)؛ اعتبرها مشروعاً لا ينتهى: مفتوحٌ و مستمر. كلما حضرت مؤتمراً، أو شاركت بمشروع تطوعيّ، أو تدربت فى شركة ما سجل بيانات هذه التجربة، فوراً (اسم الجهة، المكان، المدة، التاريخ، طبيعة النشاط). هكذا، لن يكون اعداد سيرتك الذاتية عبئاً ثقيلاً، و ستكون دائماً جاهرة.

(8) إقرأ، أى شئ.

(9) يطلب منى كثيرٌ من الطلبة كتابة رسائل التوصية لهم لدى تقديمهم طلبات الالتحاق ببرامج الدراسات العليا، فأطلب منهم سيرهم الذاتية. عندها، أفاجئ أن سير الغالبية منهم عبارة عن صفحاتٌ تليها صفحاتٌ أخرى من الدورات، و هذا كل شئ. يحضرون كل هذه الدورات و هم يحسبون أنهم يحسنون عملاً، و لكنني أخشى أنه لا قيمة حقيقية لكل هذه الدورات، كما أنه ليس من الطبيعى أن يقتصر كل نشاط الطالب عليها (لي بهذا الشأن مقالٌ هنا، على هذه المدونة، بعنوان “دورات القيادة و تطويــر الــذات: ما لن يقوله لك المدربون المعتمدون“، ربما كان من المفيد لك الاطلاع عليه). ما هو طبيعيّ بالمقابل هو أن تتكوّن السيرة الذاتية من عناصر متوازنة: بضع دورات (أربع أو خمسٍ منها يبدو لي عددٌ أكثر من كافٍ)، ثم تدريب مهنيّ internship لدى جهةٍ مُعتبرةٍ ما (مؤسسة حكومية / شركة تجارية / مكتب مهني)، و بضع كتاباتٍ منشورة (يفضّل أن يكون ذلك فى دوريات أكاديمية محكمة، فإن لم يكن ذلك ممكناً فعلى الأقل في منشوراتٍ عامةٍ جادة)، و شيءٌ من العمل التطوعيّ، و إشاراتٍ إلى الهوايات و الرياضات، بالإضافة إلى أعمالٍ تُرجميةٌّ ما.

(10) ترجِم. اختر مقالاتٍ أجنبيةً تراها ذات فائدة في مجال تخصّصك، و ربما من قراءاتك الحرة التي تعجبك أيضاً، و ترجِمها إلى العربية. أُصرّ دائماً على أن يجرّب طلبتي أيديهم في الترجمة، فيخوضوا غمارها مهما كان مستواهم اللغويّ من البساطة. فردياً، ليس كمثل الترجمة شيءٌ في نحت اللغة و شحذ الأفكار و التعليم على النزاهة العلمية و الانضباط و الصبر (و التواضع أيضاً؛ إذ أن الترجمة تحملك على أن تتحكّم بغرورك فتقف عند حدود صياغات الكاتب، لا صياغاتك، مهما بلغت قناعتك بتفوّق الأخيرة على الأولى). أما مجتمعياً، فالترجمة – بما هي جسرٌ ناقلٌ للمعارف – هي رافعة الحضارة، فلولا الجهود الترجميّة القابعة في خلفية التاريخ لمترجمينا القدماء من أمثال الرهاوي و ابن جبرائيل و ابن ماسويه و الكوفي و ثابت بن قرة و عبد الله بن المقفع و أبناء خالد و الحسن بن سهل و قبل هؤلاء جميعاً شيخهم حنين بن إسحق، لما قامت لدينا البِنى الأساسية للمعارف التي تعاطاها علماونا الذين تفخر بهم حضارتنا العربية الإسلامية كالرازي و ابن سينا و ابن رشد و البيروني و الخوارزمي و ابن النفيس و الإدريسي و جابر بن حيان وعداهم كثير. هذا، ناهيك عن ما اراه من أن الترجمة هي زكاة العالِم بلغةٍ أجنبيةٍ ما عن علمه (لديّ عقيدةٌ شخصيةٌ قديمةٌ في ذلك، تُشعرني دائماً بأن هناك مكانٌ خاصٌ في الجحيم لمن يجيدون لغةً أجنبية، فلا يترجمون للناس جانباً مما يقرأون).

(11) التبعية اللغوية هي أوضح علامات الهزيمة الحضارية. في مقدمته، كان ابن خلدون أول من نبّه إلى ولع المغلوب باتباع الغالب، و اتبع ملاحظته تلك بوصفٍ محزن، إذ قال: “يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء”. اللغة هي جزءٌ حيويٌ من حزمة هويتك، و هويتك عربية، فلغتك هي اللغة العربية، و إن درست في المدارس الأجنبية أو تخرّجت من جامعات الخارج. مهما بلغت طلاقتك في الإنجليزية أو الفرنسية فأنت – ما لم تتجنّس بالجنسية – لن تكون إنجليزياً أو أمريكياً أو فرنسياً قط، و إن اجتهدت بالتشبّه. فقدان اللغة الأم يعني فقدان الهوية، و فقدان الهوية يجعل منك مسخاً ثقافياً، و إن بُهِر بك البسطاء. يحقّ للمرء أن “يسعد” بمعرفته للغة أجنبية، و لكن لا يحقّ له أن “يفخر” إلا بإجادته للغته الأم. ضائعون، حقيقةّ، من يطاردون النوافل و يقصرون عن الفرض.

(12) لا تقع فى فخ الدورات و كل هذه الكتب المترجمة اللامعة من نوع “كيف تستثمر طاقاتك”، “كيف تصبح قائداً، “اكتشف شخصيتك”، “إدارة الوقت”، إلخ. هذه الدورات هي في حقيقتها فوّهة كبيرة لحفرةٍ تجاريةٍ عميقة: من يكتبون هذه الكتب – التي كثيراً ما تكون خالية من القيمة و الفائدة (و أغلبها مترجمٌ و منقولٌ على فكرة) – هم من يسوّقون لهذه الدورات، و من يحاضرون فيها كثيراً ما يكونون ملّاكاً لشركات التدريب أو شركاء فيها. الأمر يتعلق بصناعةٍ فارغةٍ تدر الكثير من الأموال، و هى تزدهر دائماً بأزدهار الجهل، حقيقة، و بعزوف الناس عن القراءة الجادة (هذه النصائح التي تقرأها الآن مثلاً كتبتُ جانباً كبيراً منها في واحدةٍ من تلك الدورات التي دُعيت لحضورها من قبل جهةٍ ما، و قد بلغ من الفراغ الفكري فيها أنني تحقق لي من صفو الذهن هناك ما لم يتحقق لي في أماكن أخرى، مما أتاح لي الكتابة بسلاسة، رغم الأكروبات اللفظية المثيرة للشفقة التي كان المحاضر يقوم بها حتى يوهم الحضور بأنه إنما يقدم دورةً ذكية).

(13) إقرأ، أى شئ.

(14) لدى التقدم للدراسات العليا، يستحسن – ما أمكن – أن لا تطلب رسائل التزكية إلا من:

  • أستاذ درّسك،
  • حصلت في مادته على تقدير عال،
  • في مادة التخصص الذي تنوي الدراسة فيه،
  • كتب لك رسالة تزكية شخصية من واقع معرفته بك و من واقع السيرة الذاتية التي – يُفترض أنه – طلبها منك.

(15) السنة الجامعية الأولى ليست امتداداً للسنة الأخيرة في الثانوية و إنما قطيعةً تامةً عنها (فنحن في الثانويات نتعلم القواعد لنتبعها، بينما في الجامعات نتعلم القواعد لنقيّمها و نرى كيف يمكن تعديلها – أو حتى تحطيمها – للخروج بقواعدٍ أفضل)، كما أن الكتاب الجامعي المقرّر ليس سورة الرحمن؛ هو أرضيةٌ تقف عليها و ليس سقفاً تصطدم به. لذلك، لا تشعر نفسك بالتقييد. إن كان أستاذك تقليدياً و لا يسمح لك بحرية التعبير و النقاش، فكن على الأقل حراً بداخل عقلك و لا تخشَ من التفكير بينك و بين نفسك. الاستقلالية الفكرية ينبغي أن تكون هاجسك الأول، بشرط العمل على تدعيمها فكراً و قراءةً، و إلا كانت محض دجلٍ و استعراض.

(16) خاطيءٌ جداً ما يحدث في بعض الكليات من وجود نموذجٍ مكتوبٍ وجاهزٍ لرسائل التزكية، بحيث لا يتبقى للاستاذ فيه إلا التوقيع عليه كما هو. في الأمر ما يمسّ مصداقية المؤسسة، الأستاذ، و الطالب معاً، فوجب التنبيه. هذه ليست مبالغة؛ بل هو لفتٌ للنظر لوجوب أن تكون لمسيرتك الأكاديمية بداية رفيعة: وحدها المقدمات الصحيحة تقود إلى نتائج صحيحة. مسلسل التنازلات القيمية و المعايير المتدنية إن بدأ الآن فسيستمر معك دائماً.

(17) إقرأ، أى شئ.

(18) لاختيار جامعتك للدراسات العليا:

  1. ادرس قوائم الجامعات المصنفة .
  2. لا يشترط ان تكون جامعتك ذات اسم رنان .
  3. عينّ منطقتك البحثية، و لا يشترط أن تكون قد حددت العنوان الدقيق لرسالتك في هذه المراحل الاولى.
  4. اصنع قائمةً من أربع أوخمس جامعات تجدها مناسبة لك. ربما كانت أهم المعايير التي يجب أن تتحراها هي: تصنيف الجامعة، موقعها الجغرافي، قربها من وسائل المواصلات، شراكاتها الاستراتيجية مع جامعات و مؤسسات الأخرى، و برامج الدعم الطلابي التي تقدمها.
  5. ادخل على مواقع هذه الجامعات على الإنترنت و تعرّف على أعضاء هيئة التدريس في مجال منطقتك البحثية، و تعرف على أبحاثهم و كتاباتهم و اطلع عليها (هناك مثلٌ لاتينيٌ قديم يقول “يُستدل على الأسد من مخالبه” ex ungue leonem، لذلك ففي الأكاديميا لا يُنبئك عن الأكاديميين مثل إنتاجهم العلمي). افعل ذلك، لأن أغلب الظن أن أحد هؤلاء سيكون هو المشرف على أطروحتك للدراسات العليا.
  6. ارسل لهم رسائل الكترونية تعريفية، قدّم فيها نفسك و حدثهم عن خططك بشكل عام. افتح معهم حواراً.

(19) انضبط. فرغم أن السنوات الجامعية هى سنوات التكوين (formative years) إلا أن الإنضباط لم يكن هاجسٌ قطٌ فى نظام التربية لدينا عموماً، فاستدرك ما فاتك، و تعلّمه.

(20) توقّف – فوراً – عن ترديد نشيدة “ما أعرف، ما علّمونا”. هذا العذر يُقبل من الصغارإلى سن 14 أو 15 سنة، ربما، و لكن بعد أن يتحوّل المرء من طور الطفولة إلى طور الشباب فإن ترديد نشيد الخيبة هذا يصبح معيباً، حقيقة. مادمت قد انتبهت إلى أنهم “ما علّموك” فهذا يعني انك قد صرت الآن “واعياً”. أما و قد وعيت، فماذا أنت فاعلٌ بشأن هذا الفراغ المعرفيّ الذى صرت الآن تستشعره في داخلك؟ للأمر اسم؛ إنه يسمى “مسئولية”.

(21) إقرأ، أى شئ.

(22) فى رواية “صباح الليلة الأولى بعد الألف” للكاتب الفرنسى أندريه ميكيل، تقول شهرزاد: “كل ما يفهمه العقل الأصيل يجب أن يكون شائعاً، فالمعرفة تُنكر وجودها إن لم تُقتسَم”. انشر المعارف؛ لا تكن بخيلاً بها.

(23) في المجال الأكاديمي تحديداً، تكون الأبحاث المحكّمة المنشورة هي نواة التخصّص بالدرجة الأولى، و كل ما عدا ذلك يجب أن يكون نتاجاً لها (محاضرات / مؤلفات / مشاريع / مقابلات). أما الجوائز العالمية، فهي مجرد نتيجة طبيعية لهذه الأنشطة. و لذلك، ينبغي أن نكون حذرين ممن يكثرون من التصدي لموضوعاتٍ أكاديمية دون أن يكون في ترسانتهم العلمية أبحاثٌ منشورةٌ تعمل كأساس قاعديّ لمعارفهم (وهذا ينطبق حتى على الأكاديميين ذوي النشاط اللفظيّ/الشفاهيّ المحموم).

(24) للعمل الأكاديمي كيمياءٌ ممتعةٌ جداً، و لكن مركّباتها، لسبب ما، لا تتفاعل إلا بعد أن تضيف لها مادة حفازة تسمي القلق”، و هي مادة تصنعها – بجودة عالية – آلة شيطانية تسمى “الساعة”. بعضٌ من القلق لا يضر. في الحقيقة – و على خلاف ما تم إفهامك – هو مفيد، جداً

(25) منذ سنين طويلة، كتب شيخ المحققين محمود شاكر ما يلي عن الشهادة الجامعية: “و الشَّهادةُ ما هي إلا إجازة الدَّولةِ لأحدٍ من الناسِ أنَّهُ قد تحرَّر من طلبِ العلمِ والأدبِ على القيودِ الَّتي تتقيَّدُ بها المدارسُ و الجامعاتُ في أنواعٍ بعينِها من الكلامِ، و أنَّهُ قد حصَّلَ في ورقةِ الامتحانِ ما فُرِضَ عليهِ تحصيلُهُ بالذَّاكرةِ، ثمَّ ترفعُ الشَّهادةُ يدَها عن معرفةِ ما وراءَ هذا التحصيلِ و ما بعدَه و ما يصير إليه من الإهمالِ أو النسيانِ أو الضعفِ أو الفسادِ. فحينَ يُغادِرُ أحدُهم الجامعةَ حاملاً شهادتَهُ مُندَمِجًا في زحمةِ الجماعةِ تفقدُ الشَّهادةُ سلطانَها الحكوميَّ – أو هكذا يجبُ أنْ يكونَ – و لا يبقى سلطانٌ إلا للرجلِ، و أينَ يقعُ هو من العلمِ أو الأدبِ أو الفنِ؟ و هل أصابَ أو أخطأَ؟ و هل أجادَ أو أساءَ؟ وهكذا، فهو لا يُنظرُ إليهِ إلا مَغسولاً غُفْلًا من “مكياجِ” الدبلومِ و الليسانسِ و الماجستيرِ و الدكتوراه و ما إليها. و إذنْ، فالأَوْلَى ألا يُنْظَرَ إليه عن شهادةِ قومٍ لم يكُنْ سبيلُهم إلى التَّحَكُّمِ في أسواقِ العلمِ والأدبِ إلا الشَّهاداتِ المُستحدَثَةَ، و الشُّهرةَ النَّابغةَ على حينِ فترةٍ و ضعفٍ و اختلاطٍ و جهلٍ كانَ في الأمَّةِ حين كان أقل العلم و أشَفُّ الأدبِ يرفعانِ صاحبهما درجاتٍ من التقدير و الإجلال و الإكرام”. الشهادة الجامعية العليا التي لا تُؤَطّر بشخصيةٍ سويةٍ و علمٌ عميقٌ هي زائدةٌ لا تدعو للإعجاب، بل قد يثير السخرية.

(26) الأستاذ في القاعة يهابه الطلاب من دون أن يعلموا أنه هو من يهاب موقفه أمامهم، فهو بذلك كما قال علي بن أبي طالب: “كراكب الأسد، يهابه الناس و هو لما يركب أهيَب”.

(27) انشر المعارف. عندما تقع على قراءاتٍ مهمة، انشرها: إطبعها، و وزّعها (إرمي بهدوء – و كأنك لا تدري – نسخة في عيادة الطبيب، و نسخة في قاعة المحاضرات، و أخرى في غرفة الاجتماعات، و رابعة على طاولة الكافيتيريا. ها أنت قد فهمت الخطة) إفعل ذلك. من يدري؟ لعلك – بشيءٍ من حظٍ و بعضٍ من توفيق – ستتسبب في إصابة أحدهم بجرثومة مرض التفكير، و هو العفيّ الذي لم يصب بعدوى هذا المرض طوال حياته. في هذه الظروف التي تمر بها أمتنا، و مع ما كشفت عنه التحولات الراهنة من جهلٍ مفزعٍ في أغلب من يحيطون بنا ممن كنا نتوسم بهم إدراكاً، أعتقد أنها ستكون صدقة جارية: هذا علمٌ (حقيقي) يُنتفع به.

(28) تاريخياً و حتى اليوم – رغم كل ما يقال و يسوّق من قبل الشركات التي ربطت مصالحها العملية بتمويل الجامعات عبر العالم (على النمط الأمريكي) – ما أنتج أرسخ الأطروحات الأكاديمية و أكثرها خلوداً إلا الرسائل العلمية التنظيرية، لا التطبيقية (حتى في مجال العلوم البحتة)؛ فالخريطة قبل المبنى و النظرية قبل التطبيق. استثمر في التنظير و ستكون قد استثمرت في نفسك، و في تطبيقاتٍ مستقبليةٍ كثيرةٍ لاحقة.

(29) إقرأ، أى شئ.

(30) في وسطنا الأكاديمي، اعتدنا – أنا و زملائي و طلبتنا و زوارنا – أن نتناقش و نتحاور و نستحضر نقاشات ماضية ثم تعلو أصواتنا و نشير بأيدينا و نقوم إلى الرفوف و نتناول الكتب و نفتح الصفحات و نستشهد بالسطور – بانفعالٍ احياناً – و لكننا نضحك بعدها دائماً، و ينتهي الأمر، لنعيد ذات الدائرة في اليوم التالي. النقاش الحاد أمرٌ معتادٌ جداً و صحيٌ جداً في البيئات الأكاديمية، فلا تأخذ الأمور بشخصية أو حساسية، لأن الأمر يتعلق بالموضوع، لا بك.

(31) عندما يتعلق الأمر بالدراسات العليا، فإن في التوجّه المحموم للتسجيل في أعلى الجامعات تقييماً سمةً استهلاكيةً ما، لا تنتمي – للعلم – إلى الثقافة الأكاديمية “العميقة”. الأمر لا يتعلق بالجامعة و إن تميزت، فالجامعات الشهيرة تخرج آلافاً من الطلبة كل عام، أما المتميّزون من هؤلاء فندرة، لأن الطالب هو من يسبغ القيمة و المعنى – الحقيقيين – على تعليمه. بطبيعة الحال، جِدْ جامعة جيدة، و لكن عوضاً عن إضاعة الوقت و الجهد في المبالغة في مطاردة أرقام التصنيفات المؤسسية للجامعات، كرّسهما للبحث عن الخلفيات البحثيّة لأعضاء هيئة التدريس و للوقوف على إنشغالاتهم الكتابية و منشوراتهم العلمية. هذا ليس تقليلاً من شأن الجامعات الشهيرة، و لكن اعادةً للاعتبار الى الكثير من الجامعات الممتازة الأخرى، لأن التصنيفات التجارية صارت تعمينا عن رؤيتها. هناك فرصٌ رائعةٌ تُهدر و جامعاتٍ ممتازة تُغفل، فقط تدافعاً للانضمام إلى المجاميع العالمية الكثيرة المتحلّقة حول بوابة “الجامعة الأولى” في التخصّص، و التي لن تقبل من كل هؤلاء المتقدمين لها أصلاً إلا أفراداً محدودين. علماً بأن من يقبلون في الجامعات الشهيرة لا يُنتقون جميعهم بناء على معايير جميعها أكاديمية بالضرورة (عند قبول الطلبة، تطبق كثير من هذه الجامعات معايير أخرى موازية: كوتا جندرية / انتماء جغرافي / رسائل تزكية من أسماء كبيرة في المجال إلخ). الأساتذة؛ انتبه للأساتذة. لا المباني و لا البرامج و لا الأنشطة، الأساتذة هم جامعتك الحقيقية: سيفتحون لك أبواباً لم تكن تعرف بوجودها، أصلا.

(32) مع ظهور الإنترنت، ما عاد أحدٌ معذوراً؛ صار كل شيءٍ متاحٌ معرفياً. فما هو دور الاستاذ إذن؟ إن دور الأستاذ لن يكون له أى معنىً إن لم يكن قد سبقك في تطبيق القاعدة التى أكرّرها هنا، و هى القراءة. ينبغي أن يكون الأستاذ قارئاً حقيقياً حتى يمثل وجوده قيمةً مضافةً لطلبته. في هذا الزمان الذي يفيض معرفياً و معلوماتياً، سيربط الأستاذ الحقيقي بين كل هذه المعلومات التي تبدو محيطة بنا في فوضىً مربكة، و سيجهد لأن يعطيك خارطة الملاحة، لتجد أنت طريقك وسطها. الأساتذة الذين لا ينتبهون إلى دورهم الجديد هذا سوف تتلاشى الحاجة لهم شيئاً فشيئا، إلى أن يتحولون ليس فقط إلى عنصرٍ غير مفيد، بل قد يكون معيقاً أيضاً.

(33) إقرأ، أى شئ.

(34) اضفِ شيئاً من الإخلاص الإنسانيّ على علاقتك بأستاذك. لا الحصول على الجوائز العلمية، و لا الترفيع في الترقيات الأكاديمية، ولا العمل في الجامعات الأجنبية، و لا المشاركة في المؤتمرات المهنية، و لا الدعوة للاجتماعات الوزارية، و لا عقد المقابلات الصحفية … لا شيء – لا شيء – يجعل الأساتذة يشعرون بالقيمة الحقيقية لعملهم الجامعي مثلما تفعل الرسائل الورقية المخلصة الخجولة التي يرسلها لهم طلبتهم إلى بريدهم، أو يتركونها على مكاتبهم، أو يدسّونها خفيةً في قبضات أبواب سياراتهم.

(35) عند الكتابة، من المفيد ان يكون لك “تقنية”. كان فالتر بينجامين مفكراً و فيلسوفاً ألمانياً مقلاً إلا أنه مؤثر جداً و صاحب بصمة فكرية كبيرة. و السبب في ندرة كتاباته يعود إلى كونه مات في سنٍ مبكرةٍ نسبياً (48 عاماً) أثناء محاولته الهرب من القوات النازية مع مجموعة من الأصدقاء عن طريق الحدود الفرنسية-الأسبانية. هناك، قيل له أنه لن يستطيع عبور الحدود، فتناول القلم و كتب بضع صفحات أخيرة في نظريته حول تطور التاريخ، ثم انتحر بعدها بجرعة عالية من المورفين كان يحملها معه كضمانة لعدم وقوعه حياً بأيدي النازيين. المفارقة الحزينة هي أنه في اليوم التالي لانتحاره مباشرة فتحت الحدود، و نجا جميع من كان معه. ما يلي هو تلخيصي لمنهج الفيلسوف الألماني فالتر بينجامين في الكتابة، و هو المنهج الذي أسماه “تقنية الكاتب في ثلاث عشرة أطروحة”:

  1. على من يعتزم كتابة عمل ضخم، أن يتمهل وألا يضن على نفسه فور أن يكتمل الواجب الكتابي الثقيل، بكل ما لا يعوق استمرار العمل.
  2. تحدث إذا شئت عما اكتمل، لكن لا تقرأ أي مقطع منه للآخرين أثناء استمرار العمل. فكل شعور بالرضا ستناله بهذه الطريقة سيبطئ من إيقاعك. و باتباع هذا النظام ستصبح رغبة التواصل التي تتصاعد دون توقف دافعا على إنجاز العمل في نهاية المطاف.
  3. حاول أن تتجنب، في ظروف عملك، ابتذال الحياة اليومية، فشبه الاسترخاء على خلفية من الاصوات التافهة يحط من قدر المرء. وعلى النقيض، فإن مصاحبة دراسة موسيقية أو أصوات مشوشة يمكن أن تصبح من الأهمية للعمل قدر أهمية سكون الليل المحسوس. وإذا كان هذا الأخير يرهف الأذان الداخلية، فإن تلك الأولى تصبح الحجر السحري لأسلوب يكون من الثراء بحيث تنطمر فيه حتى الضوضاء الغريبة.
  4. تجنب استخدام أي أدوات كتابية دون تمييز .فالتعلق الاستحواذي بأنواع معينة من الأوراق، والأقلام، والأحبار، أمر مفيد. وما لا غنى عنه هنا ليس فخامة هذه الأدوات، بل وفرتها.
  5. لا تدع أية فكرة تمر مجهولة واحتفظ بمفكرة ملاحظاتك بنفس الصرامة التي تحفظ بها السلطات بسجل الأجانب.
  6. اجعل قلمك يترفع عن الإلهام، وسوف يجذبه نحوه بقوة مغناطيس. وبقدر ما تتيح من التأني في تسجيل فكرة عرضت لك، بقدر ما تكون أشد نضجاً حين تسلم نفسها إليك، عن طيب خاطر. الكلام يهزم الفكرة، لكن الكتابة تسيطر عليها بمهارة.
  7. لا تتوقف أبدا عن الكتابة بدعوى أن الأفكار فرغت منك. فالشرف الأدبي يملي عليك ألا تقطع الكتابة إلا لاحترام توقيت معين (مثل وجبة طعام، أو موعد) أو حين يكتمل العمل.
  8. إملأ فترات إنقطاع الإلهام بنسخ و تبييض ما انتهيت منه فعلاً، وسوف يصحو الإلهام في هذه الأثناء.
  9. لا تدع يوماً يمر يوم بدون سطر Nulla dies sine linea.
  10. لا تعتبر أي عمل مكتملاً أبدا ما لم تنكب على العمل فيه مرة من المساء حتى الصباح التالي.
  11. لا تكتب خاتمة عمل ما في الغرفة التي تعمل بها عادة. فلن تواتيك هناك الشجاعة الكافية.
  12. مراحل التأليف هي: الفكرة – الأسلوب – الكتابة . ويتمثل معنى النسخة المضبوطة في أنها، أثناء العمل الذي تتطلبه، توجه الانتباه إلى الخط وحده. الفكرة تقتل الإلهام، و الأسلوب يقيد الفكرة، و الكتابة تعوض الأسلوب.
  13. العمل هو القناع الجنائزي للفكرة الأصلية.

(36) استراتيجياً، خبرتي في التعليم الجامعي و إعطاء المحاضرات و وضع المناهج هي مثل خبرة نابليون بونابرت في الحرب: لم أتعلّم شيئاً جديداً منذ سنتي الأولي، لأنني لم استغرق في التفاصيل و إنما تعرّفت على النسق (الارتباطات، الأساسات، الفرص، الحدود، إلخ). قال نابليون عن تجربته العسكرية: “شهدت ستين معركة و لم أتعلم شيئاً غير الذي أيقنته في المعركة الأولى؛ كمثل يوليوس قيصر الذي خاض معركته الأخيرة كما خاض الأولى”. و لكن هذا استراتيجياً، أما تكتيكياً، فأنا أتعلم ألف شئٍ كل يوم. أعرف أن النظام التعليمي يجرك إلى التفاصيل جراً، و مع ذلك، كن واعياً لأن لا تنغمس فيها.

(37) إقرأ، أى شئ.

(38) الدور الحقيقي (“الحقيقي”) للأستاذ هو أن يقودك إلى المناطق الجديدة و الأراضي غير المكتشفة فكرياً، و هذا سيزعج أفكارك المطمئنة، المستقرة، من دون شك. في كتابه “الأخلاق البروتستانتية و روح لبرأسمالية”، كتب عالم الاجتماع ماكس فيبر: “إن المهمة الأولى للأستاذ الكفؤ هي تعليم تلاميذه الإقرار بوجود وقائعٍ غير مريحة؛ أعني بذلك وقائع مزعجة للرأي الشخصي للفرد. بالفعل، هناك وقائع مزعجة جداً لكل رأي، بما في ذلك رأيي الخاص. إنني أعتقد أن أستاذاً يُجبر تلاميذه على الاعتياد على هذا النوع من الأمور لينجز أكثر من عملٍ فكريٌ خالص؛ لا أتردد في أن أصفه بأنه عملٌ أخلاقيّ، رغم أن هذا التعبير يمكن أن يبدو – ربما – شاعرياً جداً للإشارة الى بديهيّةٍ بمثل هذا الابتذال”. ليس من الضروريّ أن تقبل الأفكار الجديدة، و لكن ما هو ضروريٌّ بالمقابل هو أن تعوّد نفسك على تداولها بأريحيّة.

(39) لا يكون المرء مجدداً إلا إذا تعلّم القواعد أولاً، ثم، إن شاء، حَطّمها بعد ذلك. و لكنه إن فعل، فسيكون قد حطّمها عن ادراكٍ تدفعه تصوراتٍ بديلة، لا عن جهلٍ فارغ.

(40) لا تنخدع بما يحيط بنا من الرواتب و الوظائف و البعثات و الكادرات والمنح و الإعانات و التموين و الدعم و الخدمات المجانية. هذه السياسات الريعية لا يمكن أن تدوم، مهما خلصت الآمال و احتدت المطالبات. اعمل على أن تنمّي في داخلك ما أسميه “أخلاق العمل الكوزموبوليتانية” (العالمية). إن كان لك من العمر أقل من ثلاثين عاماً، فأغلب الظن أنه لن يمرّ كثيرٌ من الوقت قبل أن تبدأ في البحث عن عملٍ في الخارج. ينبغي أن تكون جاهزاً للمنافسة.

(41) الجامعات مؤسساتٌ طليعية، مهمتها هي استكشاف فرص المستقبل لا الركون إلى أمان الماضي. من المحزن أننا كلما التفتنا حولنا في الجامعة وجدنا مَعارضاً بعناوين حزينة من قبيل:”عتيج الصوف”، كويت الماضي”، “من تراثنا”، الخ). في الجامعات و المعاهد، هناك اتحاداتٌ للطلاب و جمعياتٌ علمية؛ تقدّم لها باقتراحات تساعدهم فيها على التركيز على ما هو آتٍ من مستقبل، إذ ينبغي أن يتدارس الطلبة و الطالبات في أوساطهم الخاصة اقتراحاتٌ من قبيل: إمكانية عقد معارض حول فرص العمل فى الخارج، مجالات العمل خارج الحكومة، عقد اجتماعات مع مسئولي الموارد البشرية فى الشركات، تقديم مقترحات بشأن ادراج مواد حديث فى لائحة المقررات، مد جسور التعاون مع جمعيات النفع العام – على اختلافها – و بحث الفرص و الإمكانات للتعاون، الاتصال بالملحقيات الثقافية في السفارات المخنلفة، استكشاف المؤسسات الأجنبية التي يمكن أن يكون لديها ما تقدمه لطلبة الجامعات: منح، فرص دراسية، تبادل طلابي)، الفرص كثيرة، و أنا أرى منها يومياً ما يضيع أمام ناظري، رغم إلحاحي المستمر. تحرّك. محزنٌ جداً كمّ الفرص الذي يسقط في هاوية الركود و قلة الهمة.

(42) في جميع جامعات العالم، هناك أساتذةٌ بعقلية وظيفية، و هناك أساتذةٌ آخرين بعقلية أكاديمية. اقضِ وقتاً أقل مع الأوائل، و أطول مع الأخيرين. اشترك مع الأساتذة “الأكاديميين” في مشروعاتهم البحثية، و اقبل الدور الذي سيكله إليك الأستاذ فيها أياً ما بلغت بساطته (طباعة، تصوير، ترجمة، جمع معلومات)؛ فالأستاذ لا يحتاجك – لأن حوله معيدين للمهام الأكاديمية و سكرتارية للأعمال الإدارية – و لكن أنت من يحتاج الفرص التي يخلقها لك مجرد وجودك معه و حوله و في دوائره، فلا تُضِعها. الأمر يبدأ دائماً بالمهام البسيطة، ثم يتطوّر إلى أنشطة أكاديمية أكثر عمقاً. هذه هي فقط الأشياء التي ستسبغ على سيرتك الذاتية القيمة.

(43) إقرأ، أى شئ.

(44) يبدو أن هناك جيلاً مُضيَّعاً من الأكاديميين العرب الرائعين: يَدرسون و لا جدوى، و يُدرّسون و لا جدوى، و يقرأون و لا جدوى، و يكتبون و لا جدوى، و ينشرون الأبحاث و لا جدوى، و يدبّجون الكتب و لا جدوى، و يُحاضرون و لا جدوى، و يُستشارون و لا جدوى. مع هؤلاء، يسود الشعور بأنهم إنما يبنون بقوالب الهواء أو يحفرون بمياه البحر، فتهتز الرؤوس أسفاً لحالهم. و مع ذلك، فهم مستمرون؛ مستمرون دائماً، لا لأنهم يؤمنون بصلاحية ظرف الزمان الذى وضعتهم الصدفة التاريخية فيه – هم أدرى الناس برداءته – و إنما لأنهم مهمومون دائماً بتحسين ظرف المكان من خلال خلق الوعى و نقل المعارف. هم يعرفون أنك إذا استثمرت هنا في المرحلة، ربحت هناك في المستقبل. هؤلاء الممسوسون يدركون تماماً أنهم حلقةٌ فى سلسلةٍ تاريخيةٍ طويلةٍ و عتيقةٍ من تاريخ الوجود العربى بل و الإنساني؛ لولاهم لما كان لهذه الأمة، بل للبشرية، وجود. فضل هؤلاء لن يدركه معاصروهم من أبناء المرحلة؛ من سيحمد سيرتهم هم من سيأتي بعد أولئك. لم يحتاجوا مساعدة أحدٍ قط، و لا يعوّلون عليها، أصلاً. إن لم تدعم مساعيهم، فلا أقل من أن تدعهم و شأنهم. و بعد، فبلى: هناك دائماً جدوى.

(45) اضبط مصطلحاتك. كثيرًا ما يعود أصل الخلاف الفكري إلى أسباب لفظية أو اصطلاحية. و قد لفت الفقيه ابن حزم الظاهرى الأنباه الى ذلك بقوله: “و الأصل في كل بلاءٍ و عماءٍ و تخليطٍ و فساد (هو) اختلاط الأسماء، و وقوع اسمٍ واحدٍ على معانٍ كثيرة، فيخبر المخبر بذلك الاسم، و هو يريد أحد المعاني التي تحته، فيحمله السامع على غير ذلك المعنى الذي أراد المخبر، فيقع البلاء و الإشكال”.

(46) الأستاذ، مهما بلغ من إخلاصه، لا يمكنه أبداً مساعدة من لا يساعد نفسه.

(47) في الأكاديميا، الحقيقة/القيمة هي – أو ينبغي أن تكون – رائد الجميع. يُعرف الأكاديميّ الحقيقيّ من مدى انشغاله بالبحث عنها.

(48) إقرأ، أى شئ.

(49) إقرأ، أى شئ.

(50) إقرأ، أى شئ.

… أما هذه، فإضافة من خارج القائمة: إقرأ، أى شئ.

عن حياتنا، التي سلّمناها للتفاهة و التافهين: ترجمةٌ لمقطعٍ مختارٍ من كتاب آلان دينو

قياسي

mediocratie 

التفاهــة La médiocratie

بقلم: آلان دينو Alan Denneault

ترجمة: مشاعل الهاجرى

10 مارس 2018

 –

 –

ما يلي هو ترجمتي لصفحاتٍ مختارةٍ من كتابٍ بعنوان “التفاهة” (La médiocratie) للفيلسوف ألان دونو (Alain Deneault) أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية في كيبيك الكندية، و الذي صدر عام 2017 باللغة الفرنسية.

أطروحة هذا الكتاب الصغير و لكن العميق هو لفت الأنظار إلى ما صار يحيط بنا من تسيّد للتفاهة و التافهين، حيث أدى انخفاض المعايير و تغييب منظومات المبادئ الرفيعة و و المفاهيم العليا إلى تسهييل صعود البسطاء فكرياً و الخليّين أخلاقياً و وصولهم الى مفاصل الدولة و الإدارة و التجارة و الأكاديميا، في سابقةٍ تاريخيةٍ لم تشهدها أية مرحلةٍ حضاريةٍ أخرى.

 –

ضع كتبك المعقّدة جانباً، فكتب المحاسبة صارت الآن أكثر فائدة. لا تكن فخوراً، و لا روحانياً أكثر من اللازم، و لا مرتاحاً، لأن ذلك يمكن أن يظهرك بمظهر المغرور، خفف من شغفك، لأنه مخيف. و قبل كل شئ، لا تقدم لنا “فكرة جيدة” من فضلك، لأن آلة تمزيق الأوراق ملأى بها سلفاً: وسّع من حدقة عينيك، لأن هذه النظرة الثاقبة فى عينيك مقلقة للبعض. أرخٍ من شفاهك و فكّك، إذا ينبغي أن تكون للمرء أفكاراً رخوةً و أن يُظهر ذلك. عندما تتحدث عن نفسك، قلّل من إحساسك بذاتك إلى شئٍ لا معنىً له. يجب أن نكون قادرين على تصنيفك. لقد تغير الزمان؛ فلم يعد هناك اقتحامٌ للباستيل، و لا شئ يقارن بحريق الرايخستاغ،[1] كما أن البارجة الروسية “أورورا” لم تطلق طلقةً واحدةً باتّجاه اليابان،[2] و مع ذلك، فقد تم شنّ الهجوم بنجاح: لقد تبوّأت التفاهات موقع السلطة.

ما هو جوهر كفاءة التفاهة؟ إنه القدرة على التعرّف على تفاهةٍ أخرى. معاً، هى تدعم بعضها، فتحدب على الجماعة التى تنمّيها، لأن الطيور على أشكالها تقع. أن ما يهم لا يتعلق بتجنّب الغباء الذي يحيط يتصوّرنا بالسلطة، فالتفاهة ليست مسألة انعدامٍ صرفٍ للكفاءة، فنحن لا نريد أشخاصاً غير مهرة، إذ ينبغى أن يكون المرء قادراً على تشغيل آلة التصوير، أن يفهم محتوى استمارةٍ ما، فيملأها من دون شكوى و أن يقول مرحباً فى الآن ذاته. إن التفاهة بالفرنسية (médiocratie) هو الاسم الذى يشير إلى ما هو عاديٌ، مثلما تشير كلمات supériorité و infériorité إلى ما هو أعلى و ما هو أدنى. ليس هنالك لفظٌ مثل moyenneté  (التوسّط) بالفرنسية، فالتفاهة هي المرحلة الوسطى فى الحركة؛ أعلى قليلاً مما ما هو عاديّ. إن التفاهة هي الدرجة الوسطى بعد رفعها إلى مصاف السلطة.

أنها خبيثةٌ و مثيرةٌ للشفقة، لأن التافه لا يجلس خاملاً؛ انهم يؤمنون أنهم يعملون بجهد، فالأمر يتطلب مجهوداً للخروج ببرنامجٍ تلفزيونيٍّ ضخم، أو لإكمال منحةٍ بحثيةٍ مموّلةٍ من وكالةٍ حكومية، أو لتصميم أكوابٍ صغيرةٍ و جذابةٍ للبن الرائب بشكل إيروديناميكى، أو لصياغة الأجندة المؤقتة لاجتماعٍ وزاريٍّ لرؤساء وفود ما. إن الطريقة الاعتيادية التى ينتجون فيها هذا الأشياء ليست طريقتهم، فالكمال الفنيّ يصبح أساسياً لتغطية الكسل الفكريّ غير المعقول الذى هو جوهر العقيدة الامتثاليّة للمهن.

كثيراً ما نصوّر التافه و كأنه عضو أقليّة. بالنسبة لجان دي لابرويير (Jean de La Bruyère)[3] فإن التافه، في كثير من الأحيان، يتمثل في مجموعةٍ من الأفراد الذين ينسحبون من اللعبة، بفضل معرفتهم بالأخبار الداخلية و دسائسهم التى يتقاسمها معهم من هم فى السلطة:

“كان سيلسوس (Celsus) جزءٌ من الطبقة التافهة، و لكن الناس فى المراتب الاجتماعية العليا كانوا يحتملونه: لم يكن عالماً و لكن ذي علاقةٍ بالعلماء، لم يكن ماهراً و لكنه كان ذي مهاراتٍ لغويةٍ تجعله مفيداً في العمل كمترجمٍ غير رسميّ. هو أيضاً سلس التحرّك و يتنقل بسهولة من مكانٍ لآخر”.

و الآن، فإن جانباً من الجماعة المسيطرة، “سيلسوسيو” العالم هؤلاء، لم يعد لديهم أحداً يحاكونه سوى أنفسهم. لقد تغلّبت قواهم تدريجياً، و من دون وعيٍ. و من خلال تطبيق أساليب القراصنة العاطفيين، أي باستخدام المحسوبية، الترضية و التواطؤ، فقد اكتسبوا سيطرةً ملاحيةً على القارب المؤسسيّ، إن صح التعبير.

كان لورنس ج. بيتر (Laurence J. Peter) و ريموند هال (Raymond Hull) أول من أرانا هذا الهيكل من خلال “مبدأ بيتر” (the Peter Principle).[4] كان جوهر محتوى أطروحتهما يتمثل فى أن جميع الموظفين يستمرون في الترقيّ حتى يصلون إلى مستوىً تنعدم فيه الكفاءة لديهم. بعبارةٍ أخرى فإن الجميع يترقّى حتى تقصّر مهارته و قوته عن التماهي مع موقعه الحالى. لدينا مثلٌ واضحٌ لذلك فى المدرّسين، فمن هؤلاء من يضربون صفحاً عن الجداول و لا يعرفون شيئاً البتة عن منهج المدرسة، و عمل هؤلاء لا يلقَ الموافقة، فنحن لا نحتمل المدرّس المستقل الذى يغير بروتوكول التدريس باستمرار من خلال منح الدرجات للتلاميذ الذين يعانون من الصعوبات فيصنّفهم كأفضل التلاميذ فى المدرسة.

إن استنتاج ماكس فيبر (Max Weber) يصل إلى نفس النتيجة عندما يناقش الجامعة، فالتفاهة فيها دارجة جداً إلى درجة أن الخيارات المؤسّسية تقع ضمن محيط كلٍ من “الحظ” و “الصدفة” العشوائيين. و هذه الأيام، فإن أسلوب المخاطر قد وجد طريقه إلى الإدارة و صار يلعب دوراً رئيسياً فيها. “إنه ليس من العدالة أن نسائل القصور الشخصي لأعضاء هيئة التدريس أو لوزارات التربية فنجعلهم مسئولين عن حقيقة أن هناك تفاهات عديدة تلعب دوراً مؤثراً فى الجامعات. إن شيوع التفاهة إنما يعزى إلى قوانين التعامل البشرى، لا سيما تعامل عدة أطراف معاً […]”، كما كتب فيبر فى كتابه “العلم بوصفه حرفة”،[5] الذى نُشر عام 1919.

إن تحليله هذا ما زال يثبت صحةً حتى اليوم، فأسلوب الإدارة بالمخاطر مازال مسيطراً على المؤسسة. فالباحث المقاد بشغفٍ مسيطر، حدسٍ قويّ، خيالٍ مُتملّك، و فهمٍ لطبيعة العمل لن يكون بوسعه النجاح إلا إذا حصل على منح، فذلك يمكنه من المناورة وسط التعقيدات المؤسسية، حيث تكون السيادة للمعايير الكمية و اعتبارات الرعاية. أن هذه لا تعدو أن تكون بعضاً فقط من “الظروف الخارجية لمهنة الرجل الأكاديمى”.

من هنا فإن التفاهة تحدد النظام التافه، الذى يتم الحفاظ عليه كنموذج. كان عالم المنطق أليكساندر زينوفييف (Alexander Zinoviev) يصف السمات العامة للنظام السوفيتى التى يبدو أنه يشترك فيها مع العديد من نظم الديموقراطية الليبرالية. و كان دوبر (Dauber) – إحدى شخصيات “المرتفعات المتثائبة” (The Yawning Heights) و هي الرواية الساخرة التى كتبها فى سيتينيات القرن الماضى سراً – كان يقول أن “الأشخاص التافهون إلى درجة ملحوظة يبلون بلاءً حسناً بالنهاية” و أن “للتفاهة فوائدها”. كانت فرضيته الأساسية هى “أنا اتحدّث عن التفاهة، كأمرٍ معتادٍ و عام، و الأمر لا يتعلق بالنجاح فى العمل، بل بالنجاح الاجتماعى. هذان أمران مختلفان تماماً […] فالمؤسسة التى تبدأ بالعمل بطريقة أفضل مما عداها سوف تستقطب الاهتمام بالضرورة، فإذا تأكد رسمياً أنها تلعب دوراً كهذا، فإنها سرعان ما تتحول إلى خدعةٍ بصريةٍ أو برنامج اختباريّ تجريبيّ. و بعدها تبدأ فى التراجع، حتى تنحدر إلى محض خدعةٍ بصريةٍ تجريبية […]. و بشكلٍ عام، فإن ذلك يقود إلى نزعةٍ انحداريةٍ فى مستوى النشاط يقل عما كان ممكناً من حيث الإمكانات الفنية”. ما يتبع ذلك إذن هو مجرد تقليدٌ للعمل، لا ينتج إلا نتائجاً موهومة. إن الخبرات المُختلقة هو دليلٌ حقيقىٌّ على ذلك. و هكذا، فإن التفاهة تقود الفرد و الجميع لتسليم ملكة الحكم السليم إلى نماذج تحكّمية و إلى سلطاتٍ موهومةٍ أو متخيلة. و العوارض عادةً هى: أن هذا الضرب من السياسة يحمل البعض على أن يحكون رؤسهم و يعبثون بنظاراتهم، مثلما رأووا فى الأفلام، كما هو الحال عندما يطلب استاذاً جامعياً من أحد طلبته أن يحرك قسماً من رسالته الدكتوراه من “الفصل الثالث إلى الفصل الثاني”، فى محاولةٍ منه لتبرير سلطته، أو مثلما يفعل منتجٌ ما عندما يصرّ على طريقةٍ معينةٍ لطباعة العناوين و الكادرات فى الفيلم، رغم أن لا علاقة له أو لها بالأمر، أو عندما يصيح اختصاصيٌّ ما بشأن النمو الاقتصادى فقط حتى يموضع نفسه أو تموضع نفسها بداخل وجهة النظر المنطقيّة.

إن البعض سوف يصيبهم الحزن الحقيقى عندما يرون هذه المساعى الحثيثة و هى تمحو بعضاً من أفضل العناصر الاجتماعية و الثقافية و العلمية للحياة، إن ذلك يتم مع نظرةٍ ذليلةٍ تبدو و كأنها تقول: أنا نفسى أؤمن بما تفعل، و لكن من المؤسف أن الجماعة المضحكة – التي ترى نفسها وفق ما يراها الآخرين – لا تفكر مثلى.

لا يتطلب تدريب الجسد الحيوية فقط للحفاظ على التفاهة، إنه يتطلب أيضاً سيطرةً نفسيةً على هيئة تدريبٍ للأفكار يقول زونوفييف: “إن التظاهر بالعمل لا يعنى سوى الرضاء بالتظاهر برؤية النتائج. و أكثر تحديداً، هو يمثل فرصةً لتبرير الوقت المقضى؛ فالتحقق من النتائج و تقييمها إنما يتم من قبل أشخاصٍ متورّطين فى هذا التظاهر، مرتبطين به، و ذوي مصلحةٍ فى استمراره”.

إن من يحتفظون بهذه السلطة فيتشبثون بها يُظهرون ذات الابتسامة النمطيّة، و هم راضون بترداد عباراتٍ عامةٍ مثل “عليك أن تلعب اللعبة”، بعبارةٍ أخرى، أن تلعب وفق القواعد الرسمية برضى، و أن تعمل لإنجاح التواطؤات العديدة التى تفسد مصداقية العملية، مع ممارسة التظاهر و خداع النفس بشكلٍ متزامن.

علينا أن تتظاهر بالخضوع للعبةٍ أعظم من أنفسنا، فيما نحن فى الحقيقة نوسّع من نطاق قواعدها طوال الوقت، أو أن نخترع قواعد جديدة حسب الحاجة.

بطبيعة الحال، فقد تم نصب “الخبير” كمثالٍ مركزيٍ للتفاهة. إن تفكيره لم يكن خاصٌ به قط، و إنما تفكيرٌ يميله منطقٌ يتجسّد فيه ويُقاد من خلال اعتباراتٍ آيديولوجية. إن الخبير يعمل لتحويل المقترحات إلى أشياءٍ معرفية، تبدو نقيةً من الظاهر، و هذا ما يميّز وظيفته. لهذا السبب، فلا يمكننا أن نتوقع منه أن يقدم لنا مقترحاً قوياً أو أصيلاً، و هذا ما يأخذه أدوارد سعيد عليه فى محاضرات Reith Lectures التى انتجتها قناة الـ BBC عام 1993. فالخبير – هذا السوفسطائى المعاصر الذى يُدفع له لكى يفكر بطريقة معينة – لا يستنير بأيّ نمطٍ من فضوليّة الهواة. بعبارةٍ أخرى، هو ليس مهتماً بما يتحدّث عنه، بل يتصرّف ضمن إطارٍ وظيفيٍّ بحت. “إن أكبر خطرٍ يتهدّد مثقف اليوم – فى الغرب كما فى بقية أنحاء العالم – ليس الجامعة، و لا تطوّر الأحياء المحيطة بالمدينة، و لا التسليع الشنيع للصحافة و النشر، و إنما موقفٌ عامٌ شاملٌ أنا أسمّيه بالمهنية”.

هذه الأيام، صارت المهنة بعيدةً كلياً عن الحرفة كما تُفهم بالمعنى الفيبرى.[6] لقد صارت تُقدّم إجتماعياً و كأنها اتفاقٌ ضمنيٌّ بين مستودعات المعرفة من جهة و بين القوى المهنيّة من جهة أخرى. فى ظلّ هذا العقد، فإن الفئة الأولى تقوم بتزويد الثانية بالمعلومات العلميّة أو النظريذة المطلوبة للعمل و لإضفاء الشرعيّة، و ذلك من دون بذل أيّ مجهودٍ أو أى التزامٍ روحيّ. أن أدوارد سعيد يتعرف بداخل الخبير دائماً على السمات التافهة التى تجعله – “يتبع المعطيات” مثلما “تستدعى الحاجة” – فيطبق القواعد السليمة للسلوك، من دون أيّ خلافٍ أو فضيحة، و دائماً ضمن نطاق الحدود المقرّرة، فى ذات الوقت الذى يبدو فيه “حياً” و صالحاً للظهور، غير سياسيّ، متحفّظ، و “موضوعيّ”. و هكذا، يصبح التافه إنساناً عادياً غرضه هو السلطة، و هدفه هو نقل أوامره و تطبيقها بحذافيرها.

إن هذه الحقيقة المترتبة عن هكذا موقفٍ تجعل من الرأى العام و الفكر الجماعيّ من دون رائدٍ للتفكير. و من المهم أن نتأمل كيف أنه – فى أهم مناطق السلطة كالسياسة و القانون و الاقتصاد و الإدارة العامة و الصحافة و البحث – سادت تعابير مثل “المقاربة المتوازنة”، “الوسط السعيد”، “المرونة” أو “المعتاد” – و هى التى كان يُنظر إليها بنظرة ازدراء فى السابق، فظهرت إلى الواجهة الآن و فرضت نفسها كإطارٍ للمرجعيّة الأخلاقيذة. أن مجرد تخيّل آراءٍ و مواقفٍ تحيد عن “الوسط” هو أمرٌ يتم تجنّبه.

و يتم تحييد العقل (الروح) من خلال جملةٍ من الكلمات الوسطيّة، بما فى ذلك الحوكمة (governance)، و هى أحدى أهم الكلمات الدارجة هذه الأيام. فتحت رعاية التفاهة، يشنق الشعراء أنفسهم، يُجنّ العلماء ذوي الشغف، و يهيم المهندسون الصناعيون فى التنبؤات، فيما الأفكار السياسيّة الكبرى تناجى أنفسها فى أقبية الكنائس. إن هذا النظام الوسطيّ المتطرّف قاسٍ و مميت، و مع ذلك، فإن تطرّفه الذى يظهره هذا يُخفى نفسه تحت صورة “الطريق الوسط”، فيحملنا على أن ننسى أن التطرّف لا يُعنى بحدود الطيف السياسيّ لليسار و اليمين بقدر ما يُعنى بكلّ لا ينتمى له: فلا حق لهم بالتعليق على هذا النمط المسخ، الرماديّ، الذى يغيب فيه التفكير و الذى يُفترض إعادة إنتاجه. سوف نكسو كل هذه الأخطاء بكلماتٍ و جملٍ فارغة. أسوأ من ذلك، فإن النظام سوف يستخدم ذات التعابير التى تفضح مخاوفه: الابتكار، التعاون، الاستحقاق، و الالتزام.

أن المفكّرين الأحرار الذين لا يشاركون فى هذا الدجل و هذه الخديعة سوف يتم نبذهم، و هذا – بطبيعة الحال – يتمّ بطريقةٍ مبتذلةٍ تقوم على الإنكار، الخيانة، و الرفض، و هو عنفٌ رمزيٌّ يوضع قيد الاختبار.

إن لفظ التفاهة (médiocratie) كان يستخدم فى السابق للتعبير عن قوّة الطبقة الوسطى، و لكنه فقد معناه الأصلى، فما عدنا نستطيع تعيينه كشرطٍ لتسيّد التافه، و إنما أصبح يميل أكثر لأن يعني علاقات السيطرة التى تمارسها الشروط التافهة ذاتها. يمكننا تصنيفه كشكلٍ من أشكال العُملة للمعنى (تبادل المعنى) و أحياناً كمفتاحٍ للنجاة، إلى الحدّ الذى يدفع من يطمحون لتعديل أوضاعهم إلى الامتثال لمتطلباته.

[1] إشارة إلى صعود هتلر إلى سدّة الحكم في ألمانيا النازيّة.

[2] إشارة إلى الحرب الروسية-اليابانية التي وقعت في الفترة من 1904 إلى 1905.

[3] جان دي لابرويير (Jean de La Bruyère) أديب و كاتب فرنسيّ، ولد عام 1645.

[4] لورنس ج. بيتر (Laurence J. Peter) و ريموند هال (Raymond Hull) هما كاتبان وضعا عام 2011 كتاباً شهيراً بعنوان The Peter Principle: Why Things Always Go Wrong.

[5] ماكس فيبر، العلم و السياسة بوصفهما حرفة، ترجمة جورج كتورة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011). عنوان الكتاب في نسخته الإنجليزية هو Science as a Vocation.

[6]  نسبة إلى عالم الاجتماع ماكس فيبر (Max Weber).