حظــور فيلكــا كسيــاجٍ حــامٍ لتاريخنــا: نظــراتٌ قانونيّــةٌ في الموضــوع، و أشيــاءٌ أخــرى علــى أطرافــه

قياسي
1 حظرة بوربّاع، جنوب فيلكا 2016.jpg

حظرة بوربّاع، جنوب فيلكا

 

حظــور فيلكــا كسيــاجٍ حــامٍ لتاريخنــا:

نظــراتٌ قانونيّــةٌ في الموضــوع، و أشيــاءٌ أخــرى علــى أطرافــه[1]

 د. مشاعل عبد العزيز اسحق الهاجري

(نُشِر في: جريدة القبس، 9 إبريل 2018)

“جيس قبل تغيص. ما ينفع الجيس من بعد الغرق”.[2]

 – مَثـَل كويتيٌ بحريٌّ قديم.

9 الأختام البريدية لمكتب بريد فيلكا نادرة –

 عن الحظرة، و عن كائناتها

في طفولتي، عندما كان البحر أشد زرقةً و أكثر كرماً، مارست أنا و أقراني صوراً عديدة من الصيد البحري، من الميدار و السنارة السهلين إلى السالية الصعبة فالطاروف المُتعب ثم القنبار المثير. و رغم الشغف بالصيد بجميع صوره، لم يعلق بذاكرتي منه شيئاً مثلما علق صيدنا بداخل “الحظور” التي عشت بداخلها مغامراتٍ حقيقيّة، كثيراً ما رفعت من معدّل الأدرينالين في رأسي و أسالت الدماء من قدمي.

و “الحظور” هي جمع “حظرة”. و الحظرة – لمن لا يعرفها من أجيالنا الجديدة – هي تقنيّة شعبيّة قديمة لصيد السمك معروفة في دول الخليج العربي و منها الكويت، تتمثل في أخذ العيدان (المصنوعة من القصب سابقاً و المعدن لاحقاً) و نصبها بشكل شبه دائم في وسط البحر، ثم إحاطتها بأسلاكٍ حديديةٍ تعمل بمثابة شباكٍ ذات مداخلٍ ضيقة تسمح بدخول الأسماك فيها في حالة المدّ و تمنع خروجها منه عند الجزر. و تُنصب الحظرة بالقرب من الشاطئ أو في المناطق التي ينحسر عنها الماء، على أن تكون فتحتها باتجاه الساحل. و يتم صيد السمك من خلال الدخول إلى الحظرة مشياً، حيث يبلغ مستوى الماء فيها عند انحساره حتى الركبة أو يزيد أو ينقص، و لك أن تتخيّل ما يحمل الدخول فيها – و سط أسرابٍ من الكائنات البحرية الحائرة و المرتبكة – من مفاجآتٍ و إثارة، بل و خطورة أحياناً (ما زال مرأى منظر اللخمة المهيب و ألم ضربة الفريالة القاسي عالقين في ذاكرتي).

و لكن ما لنا و للضرب في شئون التعريف و الوصف في حين أن الباحث الألمعي المرحوم حمد السعيدان – الذي مرّ في تاريخ الكويت مثل شهابٍ خاطفٍ فغادرنا سريعاً و هو شاب – كفاناً مؤونة التعريف حين أدرج في موسوعته الكويتية المختصرة تعريفاً للحظرة و رسماً توضيحياً لها، أوردهما فيما يلي:

“حَظْرَة: حظيرة تُنصب من أعواد القصب لصيد الأسماك بالقرب من الساحل، تدخل فيها الأسماك و تتيه بين حواجزها و يصعب خروجها، و عندما ينحسر الماء يأتي الصياد و يلتقطها بيده. الجمع حظرات. و الحظرة بموقعها تُمتلك كقطعة الأرض، وعند صاحبها سند ملكيةٍ، و من امتدت يده إلى أسماك الحظيرة لقي الجزاء”.[1]

رسم توضيحي للحظرة-143647

رسم توضيحي للحظرة، الموسوعة الكويتية المختصرة، 1981

استحضرت كلّ ذلك و أنا أقرأ ما طالعتنا الصحف به بتاريخ 27 مارس 2018، إذ أوردت محضر اجتماع مجلس الوزراء الكويتي الأخير، الذي جاء فيه أنه تداول في جلسته لهذا الأسبوع توصية التقرير النهائي الشامل لفريق عمل تطوير جزيرة فيلكا و الإجراءات التي اتُخذت في هذا الخصوص، و أنه قد وجّه الجهات المعنيّة بالعمل على إزالة كافة المعوّقات التي تعترض مسار تنفيذ مشروع التطوير. و قد كان من جملة التدابير التي أوصى بها المجلس في محضر جلسته تلك “اتخاذ كافة الإجراءات القانونية و العملية اللازمة لإزالة الحظور المقامة في جزيرة فيلكا”.

في خضمّ الحديث عن مشروعٍ ضخمٍ مثل مشروع تطوير جزيرة فيلكا، قد يبدو الحديث في موضوع إزالة الحظور أمراً ثانوياً لا يستدعي التوقف. و لكن المشكلة تكمن دائماً في التبسيط: فنعم؛ كل نقاشٍ يجب أن يُطرح في أبسط أشكاله، و لكن لا؛ لا ينبغي أن يُعرض الأمر دائماً و كأنه أبسط مما هو عليه في الواقع. فللأمر أبعادٌ كبرى تتعلّق باتفاقياتٍ دوليةٍ لليونسكو ارتبطت بها دولة الكويت، و بقوانين وطنيةٍ ملزمةٍ أصدرها المجلس التشريعي للبلاد.

و الأهم، هو ان الأمر يتعلق بجزيرتنا الوحيدة المأهولة – أو على الأقل التي كانت كذلك إلى عهدٍ قريب – فالجزر تقع وسط البحر، و البحر يفصل و يصل، على عكس الصحراء التي تفصل بين الحضارات.

سأبين المقصود فيما يلي، و أنا أحذّر مسبقاً: من الناس من يحبّذ الخيالي، و الميتافيزيقي، و ألعاب المرايا. أما أنا، فلا أستطيع المساهمة إلا في كل ما كان موضوعه عقلانياً و قابلاً للاستدلال.

لأشرح.

3 قرار مجلس الوزراء بإزالة حظور فيلكا 55.png

قرار مجلس الوزراء بإزالة حظور فيلكا
27 مارس 2018

البدايات – اليونسكو و الفهم المادي لفكرة التراث الثقافي

تُعنى أدبيات منظمة الأمم المتحدة للتربية و العلوم و الثقافة (يونسكو UNESCO) بحماية التراث الثقافي، و تدور حوله العديد من الاتفاقيات الدولية. و تاريخياً، بدأ الحديث عن الملكية الثقافية التي تمثل فرعًا من التراث بمعناه العام. و في هذا النطاق، تشير “الملكية الثقافية”  (cultural property) إلى نوعٍ محددٍ من الملكية التي تعزّز الهوية، التفهّم، و تقدير الثقافة التي أنتجت هذه الملكية بالتحديد.

و قد كان تعبير “الملكية الثقافية” أكثر المصطلحات شيوعًا في الأدبيات القانونية، إذ كان يستخدم في معرض رد الفعل الدفاعي على تدمير الأشياء و المباني و الواقعة في مناطق النزاعات المسلحة، كما كانت الحال عليه إبّان الحرب العالمية الأولى. إلا أن هذا المصطلح سرعان ما أصبح قاصراً عن التعبير عن نطاق الحماية المطلوب، لأنه فشل في احتواء القيمة غير الماديّة للثقافة من حيث أنه كان ينصبّ على الحيازة الماديّة وحدها.

و في عام 1995 صدر عن اللجنة العالمية للثقافة و التنمية (World Commission on Culture and Development – WCCD) تقريرٌ بعنوان “تنوّعنا الخلّاق” (Our Creative Diversity)،[2] أشار إلى هذا الجانب من عدم التوازن عندما أورد إن الأشياء المادية – أى المبانى الأثرية الكبرى و الأعمال الفنية و الحرفية – كانت المستفيد الأول من مفهوم المحافظة على التراث. كما جاء في هذا التقرير أن نشاطات اليونسكو لتحديد المقاييس المعيارية قد ظلت تركز على حماية التراث الملموس على مدى أربعة عقود تقريباً.[3]

و بذلك، أصبح هناك إدراكٌ بأن النظام القانونى الدولي لحماية التراث الثقافى العالمي كان لا يرى إلا التراث الملموس، و من ثم يسبغ الحماية عليه وحده، حارماً عداه من الصور الأخرى للتراث من مظلة الحماية.

التطوّر – اتساع عدسة اليونسكو الثقافية

و بانتصاف القرن العشرين، تغيّر الأمر من قصر الثقافة على الفنون و الآداب و ما يتصل بهما، ليتجاوز ذلك إلى التوسعة من نسقها و اعتبارها أسلوباً متكاملاً فى العيش و منظوراً إلى الوجود. لقد أصبحت الإشارات العامة الدولية لموضوعات الثقافة تشمل الأدب و الفنون الموسيقى و الرقص و المسرح و التشكيل و الشعر و الآثار و التاريخ و الدراسات المجتمعية و عداها، فدخل إلى الحياة الفكرية و الثقافية مفهومٌ جديدٌ للثقافة، أوسع أفقاً و أكثر شمولاً. إن نظرةً إلى تنوع أوجه هذا المفهوم الجديد و خصوبتها تكشف عن منظورٍ متطوّر، يرى أن الثقافة لا تتعلّق بالقراءة و الكتابة قتنحصر في أوساط الدارسين من النخبة الاجتماعية فقط، و إنما تتجاوزهما إلى كل ما له علاقةٌ باكتناز التجارب و الوعى بنتائجها، الأمر الذي يعنى أن لغير الدارسين من شرائحٍ كالمزارعين و الحرفيين و العمّال و عداهم من الأميين الواعين لثقافاتهم التي يبدعون بها و يمارسون فنونهم من خلالها و ينقلونها إلى أجيالهم الجديدة، فهي بذلك جديرةٌ بالاحترام و الحماية أيضاً.[4]

و هكذا، فالثقافة – وفق هذا المنظور الإنسانى – هى “منظومةٌ من السمات التى تسم جماعاتٍ من الجماعات البشرية، تتجلى فيها طريقة هذه الجماعة فى الحياة، و تتحدّد أنساقها القيمية و المعتقدية و المعرفية و الجمالية، التى تُعبّر عن نظرتها للوجود الاجتماعى و الطبيعى”،[5] بذلك، فهذا يشمل الطيف الواسع من الممارسات و المعارف و العادات و القيم و الأساليب الاقتصادية للعمل و الإنتاج، بالإضافة إلى كل ما قد يُزاد على ذلك من قدراتٍ مكتسبةٍ ينقلها المجتمع إلى أفراده.

من هنا، ففي السنوات الأخيرة أصبح مصطلح التراث الثقافي (cultural heritage) أكثر ذيوعًا، رغم أنه لم يكن خاليًا من المشكلات أيضاً.[6] و تتضمن اتفاقية اليونسكو لحماية التراث الثقافي و الطبيعي 1972 (UNESCO Convention Concerning the Protection of the World Cultural and Natural Heritage)[7] أول إشارةٍ يتم فيها إيراد تعريفٍ للتراث الثقافيّ، حيث ورد فيها أنه يتمثل في الصروح، المباني، والمواقع “التي لها قيمةٌ عالميةٌ استثنائيةٌ من وجهة النظر التاريخية أو الجمالية، أو الإثنولوجية، أو الأنثروبولوجية”.[8] الأمر الذي يعني أنه رغم أن الاتفاقية قد قصرت حمايتها على ما هو ماديٌّ فقط، إلا أنها ربطت قيمته المادية بالتصورات غير الماديّة عنه.

و تدريجياً، بدأ الاعتداد بالجوانب غير المادية للثقافة، إلى أن قامت اليونسكو بأخذ موقفٍ واضحٍ في أدبياتها و ممارساتها الحمائية، فبادرت بإطلاق منظومة “الكنوز الإنسانية الحية” (World Treasures) عام 1993،[9] و اتبعت ذلك بـ “إعلان روائع تراث الإنسانية الشفهى و غير المادى” (Proclamation of the Masterpieces of the Oral and Intangible Heritage of Humanity) الصادر عام 1998، ثم توّجت هذه الجهود بإصدار “اتفاقية بشأن حماية التراث الثقافى غير المادى” عام 2003 (Convention for the Safeguarding of the Intangible Cultural Heritage)، التي مثلت قفزة حقيقية في مجال الاعتراف بالتراث الثقافى غير الماديّ و حمايته، و اعتبار عناصره – بما هي تقاليدٌ ثقافيةٌ حيّةٌ و مستمرة – جديرة بالتقدير و الاعتبار.[10]

جدليّة التفرقة بين التراث الثقافي الماديّ و التراث الثقافي غير الماديّ في منظور اليونسكو

رغم التطور الذي لحق مفهوم “التراث الثقافي” كما تقدم، إلا أن اعتبارات العولمة و التداخل الحضاري الواسع و المعقّد الذي وضع بصمته على القرن العشرين و منه إلى الواحد و العشرين (نظم استعمار، حركات تحرّر، تعاون دولي، وسائل مواصلات و اتصالات، حركة نشر، إعلام و عداها)، أدت جميعها إلى تثاقفٍ واضحٍ، سرّع – في جانبيه السلبي و الإيجابي معاً – في المضيّ بفكرة التراث إلى مدىً أبعد من التعريف السابق، فأصبح للتراث معنىً عالميّاً الآن، كما صار يُسبغ قيمةً خاصةً على جماعاتٍ ثقافيةٍ معيّنة.

فتعبير “التراث” صار يشير – بشكلٍ أوسع – ليس فقط إلى المواقع و الأشياء، و إنما يتجاوزه أيضاً إلى القيمة المُدمَجة في هذه الأشياء و التي تضفي عليها جملةٌ من الاعتقادات المعاصرة و الممارسات الحيّة، من تلك المقرّر لها أن تنتقل إلى الأجيال المستقبلية. وهكذا، صار مفهوم “التراث الثقافيّ” يتألف الآن من المواقع و المواد التي و عناصر القيمة التي أُسبغت عليها، و إن كان ذلك من خلال أهميتها لجماعاتٍ معينةٍ من البشر.[11] 

و هنا، تجدر الإشارة إلي الطبيعة المزدوجة للتراث الثقافيّ كما صار ينظر إليه الآن، فعلماء الاجتماع كثيرًا ما يصنّفون هذا التراث بأنه أما “ثراثٌ ماديّ” (tangible) أو “تراثُ غير ماديّ” (intangible):

فمصطلح “التراث الثقافي الماديّ” (tangible cultural heritage) صار يشير إلى الملكية الثقافيّة المشار إليها فيما تقدّم، و التي تتكون من الأموال العقارية و المنقولة من التراث الثقافيّ، أي الأشياءٌ التي تتمثل بهيئة مواقع و نُصب و معالم و عداها مما يمكن التعاطي معه من خلال حاستي النظر أو و اللمس (أي رؤيتها بصرياً أو لمسها يدوياً).

و على خلاف ذلك، فإن التراث الثقافيّ غير الماديّ (intangible cultural heritage) هو مجموعة العادات، و المعتقدات، و الطقوس، و الممارسات، و التصورات، و القيم ذات الارتباط بجماعةٍ بشريّةٍ معيّنة، بما يعني أنه ينصب على الموضوعات ذات طبيعة الذهنية أو الوجدانية. و بذلك، فإن التراث الثقافي غير المادي هو أمرٌ يمكن مشاهدته أو ممارسته، و لكن لا يمكن لمسه باليد، و من هنا جاء وصفه بأنه “غير ماديّ” أو “غير ملموس” أو “معنويّ”.

و في الحقيقة، فإن هذين أمرين لا يمكن الفصل بينهما، “فالتراث لا يكون تراثاً إلا إذا صار يمكن التعرّف عليه من خلال منظومةٍ من القيم الثقافيّة أو الاجتماعيّة، هي بحد ذاتها لها طبيعةٌ غير مادية”.[12] وبذلك، فإن ثنائية جانبيّ التراث الثقافي – أي الجانب الماديّ و الجانب غير الماديّ – هي سِمةٌ مدمجة في التراث لا تسمح بالعزل بين الإثنين، فهما يغذيان بعضها البعض.

لقد كان الأركيولوجي الشهير Folorunso يؤكد أن التراث الماديّ لا يعني شيئًا من دون اعتبارٍ إلى ما يرتبط به من قيمٍ ثقافيّة، فالماديّ لا يستمد قيمته إلا من غير الماديّ، فيعمل الأوّل كوسيطٍ ملموسٍ يكشف الثاني عن نفسه من خلاله.[13]

أياً ما كان الأمر، فإن عناصر التراث الثقافي غير المادي – كما استقرّت عليها صكوك اليونسكو و أدبياتها حالياً – تتمثّل في التقاليد و اللغات و عداها من أشكال التعبير الشفاهيّ، فنون أداء العروض و تقاليدها، الممارسات الاجتماعية و الاحتفالات و الطقوس، المعارف و الممارسات ذات العلاقة بالطبيعة و بالكون، و المهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية.

4 من الحياة الفطرية في جزيرة فيلكا

من الحياة الفطرية في جزيرة فيلكا

و لكن، ما علاقة كلّ ذلك بحظور فيلكا؟

بصفتها عضواً في منظمة الأمم المتحدة، و من ثم عضواً في الأجهزة التابعة لها و من ضمنها اليونسكو، صدّقت دولة الكويت على العديد من اتفاقيات هذه المنظمة،[14] و من ضمن الاتفاقيات التي صدّقت عليها الكويت و التي تعنينا لأغراض هذا النقاش هي:

(1) اتفاقية اليونسكو بشأن حماية التراث الثقافي و الطبيعي 1972 (UNESCO Convention Concerning the Protection of the World Cultural and Natural Heritage).[15]

(2) اتفاقية اليونسكو بشأن حماية الممتلكات الثقافية المغمورة بالمياه 2001 (UNESCO Convention on the Protection of the Underwater Cultural Heritage).[16]

(3) اتفاقية اليونسكو بشأن حماية التراث الثقافى غير المادى 2003 (Convention for the Safeguarding of the Intangible Cultural Heritage).

(4) اتفاقية اليونسكو بشأن حماية و تعزيز تنوّع أشكال التعبير الثقافي 2005 (Convention on the Protection and Promotion of the Diversity of Cultural Expressions). الثقافي

و تبسط هذه الاتفاقيات – في مجموعها – مظلةً واسعةً من الحماية تكاد تشمل كل ما في الآن في جزيرة فيلكا من التراث الماديّ و غير الماديّ:

فأولاً، إن فيلكا مليئةً بعناصر التراث الثقافيّ الماديّ مما تغطيه اتفاقية اليونسكو لحماية التراث العالمي الثقافي و الطبيعي 1972 (Convention concerning the Protection of the World Cultural and Natural Heritage)، و التي، في الفقرة الثالثة من المادة 1 منها، تناولت بالحماية “أعمال الإنسان، أو الأعمال المشتركة بين الإنسان و الطبيعة، و كذلك المناطق بما فيها المواقع الأثرية، التي لها قيمة عالمية استثنائية من وجهة النظر التاريخية أو الجمالية، أو الإثنولوجية،[17] أو الأنثروبولوجية”.[18] و هكذا، فإن طيف الحماية واسع،[19] و لا شك أن ما في الجزيرة من من مواقعٍ و هياكلٍ و قطعٍ أثريةٍ يندرج تحت هذه الاتفاقية، و توجد في متحف الكويت الوطني الكثير من الشواهد الآثارية على ذلك.

و ثانياً، في فيلكا ممتلكاتٌ ثقافيةٌ ماديّةٌ مغمورةٌ بالمياه، تعود لعصور ما قبل الإسلام، على شكل مصائدٍ حجريّةٍ للأسماك (و قد سبق أن وثّقت البعثة الآركيولوجية البولندية هذه المصائد في الجزيرة؛[20] التي ربما مثلت النموذج البدائيّ الأول للحظرة)، و هي مما تنطبق عليها الحماية المقرّرة في اتفاقية اليونسكو بشأن الممتلكات الثقافية المغمورة بالمياه 2001 باعتبارها جزءٌ من التاريخ الإنسانيّ لا شكّ، إذ عرّفت المادة 1 من الاتفاقية “التراث الثقافي المغمور بالمياه” بأنه جميع آثار الوجود الإنساني التي تتسم بطابع ثقافي و تاريخي أو أثري، و التي ظلت مغمورة بالمياه جزئياً أو كلياً، بصورة دورية أو متواصلة، لمدة مائة عام على الأقل …”. و لا شك أن الحكومية الكويتية قد أبدت اهتماماً خاصاً بالموضوع، ففي اجتماع لجنة الشؤون الخارجية المنعقد لمناقشة مشروع القانون بالموافقة على هذه الاتفاقية، أبدت الحكومة الرأي التالي:

“إن الاتفاقية – و قد تمّت إحالتها إلى المجلس بالمرسوم المشار إليه – تكون قد جاءت بعد دراساتٍ أكّدت أهمية التوقيع عليها من دولة الكويت كعضوٍ فاعلٍ فى الأمم المتحدة، خاصةً و أن دولة الكويت تعد أحد الدول التى تذخر مساحات كبيرة من البحر الإقليمى المتمثل فى الخليج، الأمر الذى يتطلّب المحافظة على تراثها البحرى المغمور بالمياه، مع مشاركة الدول الأخرى ذات العلاقة فى هذا الخصوص، بما يحقق المصالح العليا لدولة الكويت عن المستويين الإقليمي و الدولي”.[21]

و ثالثاً، في الجزيرة حظورٍ خشبية تقليدية لصيد السمك (و هي ليست كثيرة، عددها حوالي ستة أو سبعة فيما أظن)، و بعضها له من العمر ما يجاوز الـمائة عامٍ بكثير (إذ تُجدّد الحظرة باستمرار لأن المياه المالحة تؤدي إلى تآكلها بمرور الزمن)، فصيد الأسماك و ما يدور في فلكه من حرفٍ موازيةٍ هي ممارساتٌ قديمةٌ في فيلكا – فغالبية الأهالي “كانوا يعملون فى صيد الأسماك” –[22] إلا أن مهارة تشييد الحظور لا زالت تُمارس، بما يعني أنها تُصنف كتراثٍ ثقافيٍّ حيّ. نتيجة لذلك، فإن هذه الحظور – بما يرتبط بها من معارفٍ و ممارساتٍ حيّة – تصلح محلاً للحماية التي تسبغها اتفاقية اليونسكو بشأن حماية التراث الثقافي غير الماديّ 2003، حيث ورد في المادة 2 من هذه الاتفاقية أن عبارة “التراث الثقافي غير المادي” تعني “الممارسات والتصورات و أشكال التعبير و المعارف و المهارات – و ما يرتبط بها من آلاتٍ و قطعٍ و مصنوعاتٍ و أماكن ثقافية – التي تعتبرها الجماعات و المجموعات، و أحيانا الأفراد، جزءً من تراثهم الثقافيّ”.[23]

بل أن قرار إزالة الحظور هو مما ينبغي دراسته أيضاً ضمن نطاق اتفاقية اليونسكو لحماية و تعزيز تنوّع أشكال التعبير الثقافي 2005، التي تقرر المادة 8 منها أنه “يجوز لأيّ طرفٍ تحديد ما إذا كانت هناك أوضاعٌ خاصةٌ تكون فيها أشكال التعبير الثقافي الموجودة على أراضيه معرّضة لخطر الاندثار أو لتهديدٍ خطيرٍ أو تتطلّب بصورةٍ ما صوناً عاجلاً”، إذ عندها “يجوز للأطراف أن تتخذ جميع التدابير الملائمة لحماية و صون أشكال التعبير الثقافي في الأوضاع المشار إليها في الفقرة 1 طبقاً لأحكام هذه الاتفاقية”.

و بطبيعه الحال، فإن “التنوع الثقافي” قد تم تعريفه في هذه الاتفاقية بأنه يعني “تعدّد الأشكال التي تعبّر بها الجماعات و المجتمعات عن ثقافاتها …”.[24] كما عرّفت الاتفاقية “أشكال التعبير الثقافي” بأنها “أشكال التعبير الناشئة عن إبداع الأفراد و الجماعات و المجتمعات و الحاملة لمضمون ثقافي”،[25] و هذه تتعلق بـ “الأنشطة و السلع و الخدمات التي يتبيّن، لدى النظر في صفتها أو أوجه استعمالها أو غايتها المحددة، أنها تجسد أو تنقل أشكالاً للتعبير الثقافي، بصرف النظر عن قيمتها التجارية …”. [26]

و في الحقيقة، فإن فنون صناعة الحظور الخشبية، و إلى جانبها صناعة القراقير و أدوات صيد السمك و طرق تجفيفها، و وسائل تخزينها و الحلويات التقليدية و الخبز و العادات و التقاليد كالزواج و المولد والوفاة و الأعياد و المعتقدات المرتبطة بالطبيعة و الشعر و أهازيج و مفردات اللهجة المحلية لأهالي فيلكا هي جميعها مما يندرج ضمن إطار اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي 2003.[27]

و من أسفٍ أنه نظرًا للقرارات الحكومية السابقة بالقاضية بإجلاء أهالي فيلكا و توطينهم في الكويت، و التي أدّت إلى إخلاء الجزيرة من أهلها، فقد فقدت فيلكا تراثها الثقافيّ غير الماديّ – المكوّن من هذه العناصر و عداها – برمّته، لأن مجتمع الجزيرة قد هُجّر بالكامل، فلم يبقَ أحداً من الأهالي موجوداً فيها لممارسة هذه العناصر المذكورة.

5 حظرة بوربيع غرب فيلكا 2016

حظرة بوربيّع
غرب فيلكا، 2016

فما هو المطلوب من الحكومة إذاً؟

من جميع ما تقدّم، يترتب أنه يقع على الحكومة واجبٌ مختلفٌ تماماً – حقيقة – عما هي بصدد عمله و مضادٌ له بالاتجاه: إن الإلتزام الحقيقيّ للحكومة يتمثّل في حماية حظور جزيرة فيلكا، لا في إزالتها. يقال أن هذه الحظور لا ترخيص لها فهي بالتالي مخالفة، و أن هناك قرارٌ حكوميٌّ قديمٌ بإزالتها. و أنا، رغم بحثي، لم أرَ هذا القرار فلا أعرف مضمونه، ولا أعلم لماذا لم تتم الإزالة في السابق، و لكن إن كان ما نسمعه من وجوده صحيح فالأولى الآن هو إصدار قرارٍ جديدٍ بحماية هذه الحظور، و تعهّدها بالصون و الرعاية التي تشير إليهما الاتفاقيات موضوع المقال، باعتبار أنها اتفاقياتٌ ملزمةٌ لدولة الكويت.

إن المادة 70 من الدستور الكويتي تعطي السلطة التنفيذية سلطة إبرام المعاهدات شريطة عرضها على مجلس الأمة لاحقاً بحيث يقوم بالموافقة عليها، باعتباره السلطة التشريعية، و إصدارها كقانون. و فيما يتعلق باتفاقية حماية التراث الثقافي غير المادي” 2003 المشار إليها أعلاه، فقد كان في موقف الحكومة المتمثل في التوقيع على هذه الاتفاقية ثم سعيها لاستصدار قانونٍ داعمٍ لذلك من مجلس الأمة حرصٌ واضح على اعتبارات الالتزام.[28]

أما الجدل حول مدى انطباق هذه النصوص على الحظور تحديداَ فهي مسألة يمكن النقاش فيها لا شك، بل ربما كان ذلك مُحبّذاً لأغراض التداول الصحيّ للأمر، و لكن عقدة النقاش هنا هو أن هذه زاويةٌ هامةٌ تصلح مدخلاً للفت النظر إلى خطورة مثل هذه الخطوات العجِلة و لرفع آفاق النقاش حول أبعاد نظرتنا القيمية لهذه الجزيرة.

و مع ذلك، فإن كل هذا لا جدوي حقيقيّة تُرتجى منه ما لم يُعهد بالأمر فيه للجهة الإدارية المعنيّة ابتداءً، فينعقد الاختصاص لها دون سواها. إذ من الملفت حقاً أن قرار مجلس الوزارء قد خاطب في هذا الشأن كل من الهيئة العامة لشؤون الزراعة و الثروة السمكية و الهيئة العامة للبيئة و بلدية الكويت و وزارة المالية، و لكنه أغفل الطرف الأصيل المناط به تحديد الشروط الفنيّة لما يُعتبر من الآثار محل الحماية و ما لا يُعتبر منها، و هذا الطرف هنا هو دائرة المعارف في البلاد – بموجب المادة 2 من المرسوم الأميري رقم 11 لسنة 1960 بقانون الآثار – الذي تم تغييرها فيه إلى المجلس الوطنيّ للثقافة و الفنون و الآداب، حيث تناط بهذا الأخير وحده مهمة تقدير الصفة الأثريّة و التاريخيّة للأشياء و المواقع و المباني، ثم تقرير مدى الحاجة إلى  تسجيلها و صيانتها،[29] باعتبار أن العمل “على صيانة التراث” هو واحدٌ من أهم المهام التي عهد بها إليه مرسوم إنشائه.[30]

6 حظرة على الساحل الشمالي

حظرة على الساحل الشمالي
إلى الشرق من قرية القرينية
فيلكا، 2013

عقيدتنا المعمارية، عقيدة الخرسانة

و في الحقيقة، و رغم شبكة الإلتزامات هذه خارجياً (اتفاقيات) و داخلياً (قوانين)، أتساءل: هل يتطلّب الأمر فعلاً الدخول في معاهداتٍ دوليةٍ و إصدار تشريعاتٍ وطنيةٍ كي نعي أهمية الحفاظ على (القليل جداً) مما تبقى من شواهد تاريخنا الكويتي؟

إن حقبة الخمسينات التي أتت على كل ما هو تاريخيٌ و أثريٌّ ليست منا ببعيد، و هي ما زلت تشغل في الذاكرة الكويتية خانةً استثنائية خاصة، تملؤها فترة الطفرة التي تمّ فيها الانتقال الحاد من مرحلة اقتصاد الكفاف (التي ما زلت اعتقد أنها لم يُؤرّخ لها كما ينبغي) إلى مرحلة اقتصاد البترول، بثمنِ فادحٍ خٌصم من تاريخنا، تمثّل في شراء الحاضر بالماضي بعملة باهظة القيمة، هي مسح المشهد العمراني الكويتي القديم بأكمله و تسويته بالأرض تماماً. أما القليل مما نراه حولنا من آثارٍ معماريةٍ تعود إلى الكويت القديمة، فإن الفضل في الإبقاء عليه ربما كان لا يُنسب إلى رؤىً سياساتيةٍ أو استشرافاتٍ حكوميةٍ بقدر ما يعود إلى مساعٍ فرديةٍ قصدت، لحسن حظنا التاريخي، إلى الإبقاء على بعض المعالم – لدوافع لا نعرف (و لا يهمّ) ما إذا كانت متجرّدة أو مصلحيّة – بقدر ما ينبغي أن نسجّل أنها، رغم امتناننا، متناثرةٌ و خاليةٌ من المنهجية: ديوانٌ عائليٌ هنا و “عَمارةٌ”[31] بحريةٌ هناك.

و لعل في شهادات المعماريين – العرب منهم و الأجانب – التي عملوا في الكويت آنذاك، فعاصروا فترة التحوّل تلك، منظوراً ملفتاً لهذا الميل الكويتي غير المفهوم إلى الهدم و الإحلال العَجِلَيْن. ففي عام 1963، كتب المعماري جورج سابا شبر:

“و إذا ما راقب المرء عن كثب أعمال التنظيم في الكويت فإنه سيدهش فعلاً – إذا لم يذهل – للسرعة التي يتم بها البناء هنا. فما أن يتم إعداد المخططات المعنية حتى تكون أعمال الهدم و الإنشاء قد بدأت فوراً، إذ يرسم المهندس شكلاً على الورق و لا يمضي أكثر من أسبوعين حتى يرى، وهو في طائرة هليكوبتر، الخطوط التي رسمها وقد تحولت إلى أساسات للبناء أو ساحات و ميادين ويرى البنايات في ارتفاع. إن مدينة الكويت تتطور باستمرار و تجري فيها عملية تحول سريع”.[32]

إلا أنني أجد أن واحدةً من أكثر تلك الشهادات إثارةً للاهتمام هي شهادة المهندس السويسري جون هنري ميلر (John Henri Miller) الذي جاء إلى الكويت عام 1958 ليعمل في شركة بومروي الأمريكية التي عهد إليها ببناء ميناء الشويخ. فيما يلي تعليق ميلر (المندهش) على ما شهده خلال مرحلة التحديث العمراني المحموم التي مرّت بها الكويت آنذاك:

“هات الجرافة! اهدم! انسف الأسوار! افسح المكان لمدينة جديدة … للتقدّم … طرقٌ مزدوجة الاتجاه لا بدّ من أن تُشق هنا … مواقف سيارات … أما أماكن تجمّع القوافل، البيوت الأرستقراطية، مساجد، مدارس قرآن، فبُعداً لكل ذلك، بُعداً لتلك الخرائب! نريد حديداً و إسمنتاً! أبواباً و نوافذاً معدنية. نريد طابوقاً! إخلط خرسانة… المزيد من الخرسانة … خرسانة.”[33]

أخيراً، ها قد وضعنا أيدينا على تلك النقطة الحزينة من الزمن التي اعتنق فيها الكويتيون تلك العقيدة المعمارية البائسة: عقيدة الخرسانة.

و لكن يبدو أن الأمر لم يكن محض سمةٍ مميزةٍ لتلك المرحلة فقط. كنت في زيارةٍ لجزيرة فيلكا منذ بضعة أسابيع، و عندما تمر في ذهني صور الخراب الحزينة التي رأيتها هناك، ثم أضيف لهذه الصور المؤلمة تلك المنهجيّة الحكوميّة القاسية في التعاطي مع بيوت تلك الجزيرة و معالمها القديمة، و قبلها العديد من المباني التاريخيّة داخل الكويت العاصمة (كان آخرها مسجد الشملان الذي تم هدمه مؤخراً رغم المناشدات، و بيت لوذان الذي دُرٍست آثاره فمُحيت تماماً بإغفالٍ تامٍ للاحتجاجات، و ما تتهامس به بعض الدوائر الحكومية الآن من وجود خطةٍ لا يعرف عنها الناس بعد من اعتزام هدم المدرسة القبليّة للبنات – هذا المبني الجميل الذي درست فيه والدتي ضمن أجيالٍ رائدةٍ من فضليات الكويت – و الذي كان الصرح الأول للتعليم النظامي الحديث في البلاد)، عندما استجمع كل ذلك، فأنا لا أملك إلا الشعور بأن عقيــدة الخرسانـة هذه ما زالت مستقرّة في عقلنا الجمعيّ بعنادٍ أسطوري.

أنا، مهما حاولت، يستغلق عليّ دائماً فهم ما يشوب سلوكنا من تناقض: كل هذا الاستحضار للماضي في خطابنا العام، مقابل كل هذا العداء لشواهِده في سلوكنا العمليّ؟ أجد في الأوّل تطرفاً و في الثاني تطرفٍ نظير، و الإثنان مُدعاة للأسى.

استحضر كل ذلك، و ألتفت إلى مفارقةٍ أخرى، و لكنها حديثةٌ هذه المرة، تتمثّل في كون الكويت قد فازت مؤخراً (عام 2015) بمقعدٍ في لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية و العلوم و الثقافة (يونسكو UNESCO) لمدة أربعة سنوات، بما يعني أن عضويتها في هذه اللجنة ما زالت مستمرّة حتى عام 2019 (بل أن الكويت هي نائب رئيس اللجنة حالياً).[34]

ألا يضاعف هذا من وجوب إظهار شكلٍ مسئولٍ من الإلتزام الجادّ في هذا الصدد؟

7 المهندس جون هنري ميلر

المهندس جون هنري ميلر
أواخر الخمسينات
ميناء الشويخ، الكويت

ذاكرتنا الكويتية: جزءٌ حرِجٌ من ذاكرةٍ عربيّةٍ متشظيّة؟

بين أوراقي المتناثرة، أجد أنني نقلت بخط اليد – منذ سنين و بالقلم الرصاص – ما كتبه إدوارد سعيد مرة، لا أعرف أين، عن الذاكرة المتشظيّة للعالم العربي. أورده هنا لأنني أجد أنه ينطبق على نهجنا الكويتيّ في التعاطي الفوضويّ مع التاريخ:

“… ذلك الجزء الكبير من حياتنا في تلك البقعة من العالم الذي ينقضي من دون تسجيل أو حفظ … ولا يقتصر هذا النقص على حياة و اعمال الافراد، لان كل البلاد العربية التي أعرف لا تملك دوائر حقيقية للمحفوظات او مكاتب للسجلات العامة أو مكتبات رسمية، كما ليست لها سيطرة كافية على معالمها و آثارها و تواريخ مدنها و الأعمال الفنية المعمارية فيها مثل الجوامع و القصور و المدارس … نشعر أن تاريخاً متدفقاً غنياً يبقى خارج الصفحة، بعيداً عن الأعين والمسامع، بعيداً عن التناول، حيث يتعرض أكثره للضياع … ذلك أن معظم تاريخنا من كتابة الأجانب و الباحثين الزائرين و عملاء الاستخبارات، فيما نكتفي بالعيش معتمدين في تقدمنا نحو المستقبل على ذاكرةٍ شخصيةٍ و عامةٍ يعتريهما الغموض و الاضطراب”.

صحيحٌ ما كتب سعيد، و لكنه ناقصٌ. فعندما يتعلق الأمر بالحالة الكويتية، فالفداحة أكبر لأنها متعمّدة. أنا، مثلاً، مواطنة كويتية في الأربعينيات من عمري. و رغم أنني أنتمي إلى الكويت، هذا البلد الصغير الذي لا تزيد مساحته عن 17 ألف كيلومتراً مربعاً، إلا أنني لم أزر أياً من جزره من قبل، إلا فيلكا، لمرةٍ واحدة، و لنصف يوم، عندما كنت في المرحلة الابتدائية (ما زلت أتذكر حماسي لزيارة هذه الجزيرة التي ما كنت أعرف عنها إلا صورها على طوابع البريد). كان ينبغي أن يكون ذلك الاطمئنان المتراخي جزءً من حقوق المواطَنَة خاصتي، “ففيلكا ستكون دائمأً هناك”، كما كانوا يقولون لي، وفقاً لمنطق الديمومة الجغرافي. و لكن الآن، مع كل هذه الخطط المحمومة التي تجري الآن على قدمٍ و ساق، و الرامية الى مسح الجزيرة و تسوية كلّ ما عليها بالأرض – بما في ذلك حتى حظورها الوادعة – فأغلب الظن أن فيلكا “لن تكون هناك” بعد اليوم. و هكذا، فالأمر ما عاد يتعلّق بذاكرةٍ متشظّية – فالذاكرة الموجودة يمكن دائماً استرجاعها و تركيبها، و إن تشظّت – و إنما بإلغاءٍ لهذه الذاكرة: فقدانٌ تامٌ لها.

يبدو أننا بصدد الدخول المتأخر في السباقات المحمومة بين دول الخليج المتنافسة في بناء أعلى الأبراج، أكبر البحيرات، و أفخم الفنادق. أن تبني مرفقاتٍ (كان ينبغي أن تبنيها منذ عقود) فلا بأس؛ عافاك. و لكن أن يأخذك الحماس العَجِل في معرض ذلك، فتمسح كل ما هو أمامك من معمارٍ و ذاكرةٍ و تاريخٍ ، فهو أمرٌ يبعث على الحزن.

عندما تنحدر المواقف العامة حسنة النيّة و غير المتبصّرة إلى درك الخطأ الفاحش، يحضرني دائماً الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة عندما قال “كنا نحن الأعداء / كنا غزاة مدينتنا”.

الدور الحقيقي للحكومة

في كتابه الهام و الممتع “الكويت و جاراتها”، كتب هارولد ديكسون، الوكيل السياسي لبريطانيا العظمى في الكويت في الفترة من 1929 إلى 1936، عن جزيرة “فيلجه” كما أسماها:[35]

“و أغلبية سكان الجزيرة يؤمنون بوجود شيطانٌ شريرٌ يدعى بودريا، الذى يقال أنه يجوب البحر حول الجزيرة، و خاصة بينها و بين مسجان، فيستدرج من لا حمىّ لهم إلى الأعماق و يُغرقهم”.[36]

كان المسئولون “يقطّبون جباههم” انزعاجاً من هذه الخرافات، كما يستدرك الكاتب. أما انا، فلا أدري عما إذا كانت هذه محض أسطورة، إذ أجد أن هذا الشيطان الذي أشار له ديكسون ما زال يجوب البحر – بهَوَس – حول هذه الجزيرة الجميلة، المسكينة؛ كل ما في الأمر هو أنه صار يأخذ الآن أشكالاً أخرى مُخاتلة، و لكنها تظهر للمتأمّل – بوضوح – على صورة نزعاتٍ استثماريةٍ محمومة، مأخوذة بالربح وحده، فلا ترى في ما يُحيط بنا إلا فرصاً ماليةً و عوائد تجاريّة، ثم تعمى عن كل ما عداها.

ليس فيما تقدّم دعوة لوقف تطوير الجزيرة. الأمر على العكس من ذلك، تماماً. فالتطوير مطلبٌ قديمٌ و مستمرٌ، بل هو تأخّر كثيراً. و لكنها بالتأكيد دعوة للاضّطلاع الجاد بالمسئوليات التي ترتبط بذلك، كما يليق بدولةٍ ذات وعيٍّ حضاريٍ بتاريخها. فقد تكون جزيرة فيلكا أكثر بقعةٍ مثقلةٍ بالتاريخ في كامل جغرافيّة بلادنا. هذا يعني أن كل ما في هذه الجزيرة، و ما عليها، و ما حولها يتطلب عنايةً خاصة، تتضافر فيها اعتبارات رسم السياسات العامة و صيانة الآثار و الحفاظ على الهوية الوطنية و دعم الاقتصاد و الحفاظ على الأمن. المهمة ليست سهلة، و لكن الحكومات ما وُجِدَت إلا لمثل هذه التحديات.

بعد عقودٍ طويلةٍ من الإهمال، من المُعيب حقاً أن لا يتم الإلتفات إلى فيلكا إلا بمنظور المال وحده. بل أن منظور المال ذاته يتطلب شيئاً من الخيال و سعة الأفق. تعي الدول الآن أهمية الإلتفات إلى الآثار و حمايتها باهتمام، لا لاقتناعٍ ساسييها بالاعتبارات التاريخية و الحضارية بالضرورة، و إنما لادراكٍ واعٍ منهم بأن مثل هذه المواقع هي عاملٌ استثماريٌّ حرج و مُدرٌ للأموال إذا ما استُثمِر بحصافة.

هناك الآن ما يعرف بـ “الاقتصاد الخلّاق” (creative economy)، و هو علمٌ استُغلت فنونه مؤخراً – بذكاء – من قبل دولٍ صاعدةٍ عديدة، مثل أذربيجان و كرواتيا و جنوب أفريقيا و البحرين و قطر، للاستفادة من التراث الثقافيّ و الاستثمار الماليّ فيه – مع حمايته في الآن ذاته – بما يدرّ العوائد الوفيرة، و الأمثلة كثيرة.

و بعد، فهذه الحظور تمثل مدخلاً هاماً للنقاش حول رؤيتنا لتطوير هذه الجزيرة التي تمثل ذاكرتنا الأبعد: ربما صار ينبغي أن نتعاطى مع حظــور فيلكــا باعتبارها سيــاجاً حــامياً لتاريخنــا.

الأمر لا يتطلب حكومةً بميزانياتٍ بتروليّة و مؤسّساتٍ بأحجام ماموثية للنجاح في جني الأموال من مشروعاتٍ ذات جوهرٍ بسيط – و إن تعقّدت آليات إدارتها – كالمطاعم و المنتجعات و الفنادق و مراكز التسوّق، فحتى شبابنا الصغار من رياديّي الأعمال ينجحون في ذلك هنا يومياً.

التحديّ الحقيقي هو إدراك أن دور الحكومات أعمق من مجرد تحصيل الأموال.

أو، هكذا ينبغي أن يكون.

[1] حمد محمد السعيدان، الموسوعة الكويتية المختصرة الجزء الأول (الكويت: وكالة المطبوعات للنشر، 1981)، ص. 447-448.

[2] ‘Our Creative Diversity’, Report of the World Commission on Culture and Development – WCCD, 1995.

[3] عبد الحميد حواس، “التراث الثقافى غير المادى فى الوطن العربى من منظور عربى”، المجلة العربية للثقافة (تونس)، العدد 52، المجلد 26، ص. 121.

[4] عبد الحميد حواس، “التراث الثقافى غير المادى فى الوطن العربى من منظور عربى”، المجلة العربية للثقافة (تونس)، العدد 52، المجلد 26، ص. 122.

[5] عبد الحميد حواس، “التراث الثقافى غير المادى فى الوطن العربى من منظور عربى”، المجلة العربية للثقافة (تونس)، العدد 52، المجلد 26، ص. 122.

[6] كلمة “تراث” هي المصطلح الذي تواضعت الترجمات العربية لصكوك اليونسكو على اعتمادها كمقابلٍ لكلمة (Heritage) حيثما وردت في تلك الصكوك.

[7] دخلت هذه الاتفاقية حيّز النفاذ في 17 ديسمبر 1975، و صدّقت عليها دولة الكويت في 6 يونيو 2002.

[8] Art. 1 para. 3 of the Convention concerning the Protection of the World Cultural and Natural Heritage (adopted by the General Conference of UNESCO in 1972): “sites: works of man or the combined works of nature and man, and areas including archaeological sites which are of outstanding universal value from the historical, aesthetic, ethnological or anthropological point of view”.

[9]  لبعض الدول سجّل ممتازٌ في هذا الصدد من حيث إبداء الحماس لتطبيقه و خلق البنية اللازمة لانجاحه من تسجيلٍ و نظم و تشريع، لعل منها اليابان و كوريا الجنوبية و فرنسا و رومانيا و مالي.

[10] رغم كونها قد قصرت فهمها فيما يبدو ضمن الحدود الضيّقة للتراث الشعبى (الفولكلور)، إلا أن الأوساط المعنيّة فى البلاد العربية قد استقبلت اتفاقية سنة 2003 بترحابٍ طيّب، و بادرت كثير منها فى تنفيذ الإجراءات اللازمة لتنفيذها (الجرد، التقييد، الدورات التثقيفية، اصدار التشريعات الحمائية، و عداها). و تلعب المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم – أليكسو (ALECSO) دوراً معتبراً في ذلك، و هو دورُ قديم في الحقيقة، ربما كان يعود إلى بدايات تكوّنها كإدارةٍ للثقافة ضمن الهيكل الإداريّ للجامعة العربية، و الذي تطوّرت منه إلى منظمةٍ عربية.

[11] في عام 2005 أطلق الاتحاد الأوروبي The Council of Europe اسمًا محددًا على هذه الجماعات، فقد أسماها “مجتمعات التراث” (heritage communities). انظر:

Brittany Neihardt, ‘The Intentional Destruction of Cultural Heritage as a Tool for Ethnocide: The Case of Kuwait’, Georgetown University, Spring 2017, p. 5.

[12] Laurajane Smith & Natsuko Akagawa, ‘Introduction’, in: Intangible Heritage, edited by Laurajane Smith and Natsuko Akagawa (New York: Rutledge, 2009), p. 6.

[13] Caleb Folorunso, ‘Heritage Resources and Armed Conflicts: An African Perspective’, in Cultural Heritage, Ethics, and the Military, edited by Peter G. Stone (Woodbridge: The Boydell Press, 2011), p. 169.

[14] كان انضمام دولة الكويت إلى منظمة اليونسكو في 18 نوفمبر 1960. و تباعاً، صدّقت الكويت على العديد من اتفاقيات هذه المنظمة، و هي في مجملها تقصد إلى صون التراث وحمايته. و هذه الاتفاقيات هي: اتفاقية التراث العالمي الثقافي والطبيعي 1972، اتفاقية حماية أنواع التعبير و التشكيل الثقافي (التنوع الثقافي) 2005، اتفاقية حماية الممتلكات الثقافية خلال النزاع المسلح 1954، اتفاقية منع التصدير و الاستيراد غير المشروع للممتلكات الثقافية (منع التهريب) 1970، اتفاقية حماية التراث الثقافي غير المادي 2003،  اتفاقية حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه 2001. انظر: وليد حمد السيف، “التشريعات الكويتية لصون التراث الثقافي غير المادي”، ورقة عمل مقدمة للدورة الثالثة لبناء القدرات في مجال التراث الثقافي غير المادي، مسقط، سلطنة عمان، 8-10 سبتمبر 2014.

[15] دخلت هذه الاتفاقية حيّز النفاذ في 17 ديسمبر 1975، و صدّقت عليها دولة الكويت في 6 يونيو 2002. و قد وافق مجلس الأمة على هذه الاتفاقية بالقانون رقم 10 لسنة 2001 في شأن الموافقة على انضمام الكويت إلى اتفاقية لحماية التراث الثقافي و الطبيعي، و المنشور في الجريدة الرسمية الكويت اليوم، ملحق العدد 552، السنة 48، 12 فبراير 2002، ص. 307.

[16] وافق مجلس الأمة على هذه الاتفاقية بالقانون رقم 10 لسنة 2017 في شأن حماية التراث الثقافيّ المغمور بالمياه، و المنشور في الجريدة الرسمية الكويت اليوم، العدد 1339، السنة 63، 7 مايو 2017، ص. 15.

[17] الإثنولوجيا (Ethnology) هى الدراسة المقارنة لأوجه الاختلاف و الاتفاق بين الحضارات، لاستنباط تعميماتٍ حول أصولها و تطورها و تنوعها. و في السنوات الأخيرة، أضحت أغلب الموضوعات التى كانت تعالجها الإثنولوجيا تقع ضمن اختصاص علومٍ أخرى، مثل الأنثروبولوجيا. انظر: شاكر مصطفى سليم، قاموس الأنثروبولوجيا (الكويت: جامعة الكويت، 1981)، ص. 304-305.

[18] الأنثربولوجيا (Anthropology) هي علم دراسة الانسان طبيعياً و اجتماعياً و حضارياً. و المصطلح منحوت من كلمتين يونانيتين هما Anthropos (إنسان) و Lagos (علم)، و تعنيان معاً “علم الانسان”. انظر: شاكر مصطفى سليم، قاموس الأنثروبولوجيا (الكويت: جامعة الكويت، 1981)، ص. 56.

[19] Art. 1 para. 3 of the Convention concerning the Protection of the World Cultural and Natural Heritage (adopted by the General Conference of UNESCO in 1972): “sites: works of man or the combined works of nature and man, and areas including archaeological sites which are of outstanding universal value from the historical, aesthetic, ethnological or anthropological point of view”.

[20] الآركيولوجيا (Archaeology) هو علم الآثار القديمة، و هو يهدف إلى إعادة بناء تاريخ الحضارات السالفة لدراسة تطور الحضارات البشرية. انظر: شاكر مصطفى سليم، قاموس الأنثروبولوجيا (الكويت: جامعة الكويت، 1981)، ص. 62.

[21] مجلس الأمة، “التقرير رقم 21 للجنة الشؤون الخارجية عن مشروع قانون بالموافقة على اتفاقية بشأن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه”، ص. 3 (نظرته اللجنة باجتماعها المنعقد بتاريخ 6 أكتوبر 2016).

[22] هـ. ر. ب. ديكسون، الكويت و جاراتها، ط. 2 (الكويت: صحارى للطباعة و النشر، 1990)، ص. 38.

[23] Art. 1: “For the purposes of this Convention, 1. The “intangible cultural heritage” means the practices, representations, expressions, knowledge, skills – as well as the instruments, objects, artefacts and cultural spaces associated therewith – that communities, groups and, in some cases, individuals recognize as part of their cultural heritage”.

[24] المادة 3 من اتفاقية اتفاقية اليونسكو لحماية و تعزيز تنوّع أشكال التعبير الثقافي 2005.

[25] المادة 3 من اتفاقية اتفاقية اليونسكو لحماية و تعزيز تنوّع أشكال التعبير الثقافي 2005.

[26] المادة 3 من اتفاقية اتفاقية اليونسكو لحماية و تعزيز تنوّع أشكال التعبير الثقافي 2005.

[27] د. وليد السيف، اتصال شخصي، 28 مارس، 2018.

[28] المرسوم رقم 176 لسنة 2014.

[29] المادة 2 من المرسوم الأميري رقم 11 لسنة 1960 بقانون الآثار: “تناط مهمة المحافظة على الآثار بالمجلس الوطني للثقافة والفنون و الآداب، و يعود إلى هذه الوزارة وحدها مسؤولية تقدير الصفة الأثرية و التاريخية للأشياء و المواقع والمباني، والحكم بأهمية كل أثر و تقرير الآثار و الواجب تسجيلها و صيانتها و دراستها و الانتفاع بها”.

[30] المادة 2 من المرسوم الأميري بإنشاء المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب، كما نشر في الجريدة الرسمية ” الكويت اليوم ، العدد 141،  22 يوليو 1973.

[31] “العَمارة”، بفتح العين، و جمعها “عماير”، هي مخازن كانت تُبنى على ساحل البحر (السيف) في الكويت القديمة، تُباع فيها لوازم السفن الشراعية، كالأخشاب و المسامير و الحبال و الزيوت (دهن الصِلْ)، وقد تباع فيها أيضاً أدوات البناء و المعمار كالجندل و الباسجيل و الحديد و عداها. و قد أزيلت جميع العماير من ساحل البحر في حركة التنظيم المعماري التي مرت فيها الكويت الحديثة حتى لم يبقَ منها الآن إلا واحدة أو إثنتان على حدّ علمي، مثل عمارة الخالد الكائنة في منطقة القبلة، على شارع الخليج مقابل قصر السيف، و التي يعود تاريخ بناؤها إلى ما قبل قبل عام 1915، أي قبيل عهد الشيخ مبارك الصباح (مبارك الكبير).

[32] سابا جورج شبر، “علم التنظيم و تطوّر الكويت” (الكويت: بلدية الكويت، 1963).

[33] جون هنري ميلر، كاديلاك و كوكاكولا، ترجمة محمد بن عصام السبيعي (الكويت: هكسوس للإعلام و النشر، 2009)، ص. 61.

[34]  تم انتخاب الكويت بالاجماع لمقعد نائب رئيس الدورة السادسة للجمعية العامة للدول الأطراف في حماية وصون التراث الثقافي غير المادي. انظر: جريدة النهار، 1 يونيو 2016.

[35] إثر تقاعده، عُيّن ديكسون بمنصبٍ رفيعٍ في شركة نفط الكويت، و توفي في الكويت عام 1959.

[36] هـ. ر. ب. ديكسون، الكويت و جاراتها، ط. 2 (الكويت: صحارى للطباعة و النشر، 1990)، ص. 42.

 

 

 

 

About redab70

Eltibas ... I am a Law Professor at Kuwait University School of Law. This page was initiated due to popular demand (ie pressure exerted on me by my students at Kuwait University School of Law!). The philosophy behind this page is to serve as an extension to my classroom. Most of what you read here is based on / a follow-up of topics previously discussed in my lectures. Academically speaking, my blog posts are my ‘footnotes’.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s