Category Archives: القضاء

حقوق الدفاع في قضية تفجير مسجد الصادق في الكويت: الاختبار الحقيقي لمصداقية قناعاتنا الدستورية؟

قياسي

 

حقــوق الدفــاع في قضيــة تفجيــر مسجــد الصــادق فــي الكويــت:

الاختبار الحقيقي لمصداقية قناعاتنا الدستورية؟

 

د. مشاعل عبد العزيز اسحق الهاجري

(مقال منشور في : جريدة القبس، 12 أغسطس 2015)

http://www.alqabas.com.kw/Articles.aspx?ArticleID=1081149&CatID=488

 11831783_10153461145211071_5527646639533534404_n[1]

طالعتنا الصحف هذا الصباح بخبر عزوف عدد كبير من المحامين عن تمثيل المتهمين في قضية تفجير مسجد الصادق في الكويت، خشية منهم من التعرض لنقمة الرأي العام الشعبي. و أجد أن الموضوع يستأهل وقفة مستحقة باعتباره تمريناً لازماً في النقاش المجتمعي العام، المتعلق بنظرتنا لأنفسنا كمجتمع، و للوقوف على الفروقات الفاصلة بين شكل مؤسسة العدالة كما نمارسها عملاً و كما نبتغيها أملاً.

و أطروحة السؤال هي الآتي:

من المنظورين القانوني و الأخلاقي، هل يُقبل من المحامي إظهار التردّد بشأن حق متهمٍ ما بالحصول على محامٍ يمثله أمام القضاء، فقط لكون هذا المتهم مُدانٌ – سلفاً – من قبل الرأي العام الشعبي باعتبار أن جريمته ذات طبيعة بشعة، عامة الضرر، و يكاد الجرم يكون ثابتاً فيها؟

ابتداءً، من حق كل متهم، مهما بلغت بشاعة تهمته، أن تُوفّر له الترسانة الدستورية الكاملة من الضمانات القانونية و الإجرائية الأصيلة فيما يتعلق بحق التقاضي و توفير مكنة الدفاع، مع التشديد على استقلال المحامي في هذا الشأن. و هو مبدأ حقوقي ترسخ في الإعلان العالمي حول استقلال العدالة الذي تبنته الدورة العامة الختامية لمؤتمر مونتريال حول استقلال العدالة عام 1982 و الذي أكد على استقلال المحاماة، و كذلك  المؤتمرات الدولية منذ مؤتمر ميلانو 1985 و توجيهات المجلس الاقتصادي و الاجتماعي في الأمم المتحدة و المبادئ الأساسية المقرة في المؤتمر الثامن للأمم المتحدة لمنع الجريمة المنعقد في هافانا (كوبا) و التي كان على رأسها المبدأ الخاص بحماية استقلال المحاماة و تعيين المعايير المعززة لهذا الاستقلال، كما أن اتفاقية محاميي العالم 2008 التي كان وراءها الاتحاد الدولي للمحامين قد نصت في مادتها الأولى على أن الاستقلالية و حرية ضمان الدفاع و الاستشارة للموكل تعد من أولى دعامات مهنة المحاماة.

و لعل القوانين العربية المقارنة لا تقل وضوحاً بشأن الدور المحوري للمحامين في هذا الصدد، فقد نصت المادة 1 من قانون المحاماة المصري رقم 17 لسنة 1983 على أن “المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية تحقيق العدالة و في تأكيد سيادة القانون و في كفالة حق الدفاع عن حقوق المواطنين و حرياتهم، و يمارس المحاماة المحامون وحدهم في استقلال، و لا سلطان عليهم في ذلك إلا لضمائرهم و أحكام القانون”،  كما أن المادة 1 من قانون تنظيم مهنة المحاماة السوري رقم 39 لسنة 1981 و المادة 1 من قانون مهنة المحاماة اللبناني رقم 8/70 و المادة 2 من قانون المحاماة التونسي رقم 37 لسنة 58 والمادة 1 من قانون تنظيم نقابات المحامين و مزاولة مهنة المحاماة في المغرب رقم 79/19 تقرر جميعها أن المحامون جزء من أسرة القضاء، و أن مهنتهم حرة و مستقلة.

أما في الكويت، و حول ارتباط استقلال المحاماة بحق الدفاع للمتهم تحديداً، فإن المادة رقم 34 من دستور الدولة تنص على أن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع”. كما أن القانون الكويتي رقم 17 لسنة 1960 بإصدار قانون الإجراءات و المحاكمات الجزائية يتضمن نصاً هاماً بهذا الصدد، هو المادة رقم 120، و الني تقرر أن “للمتهم في جناية الحق في أن يوكل من يدافع عنه، و على المحكمة أن تنتدب من المحامين من يقوم بهذه المهمة إذا لم يوكل المتهم أحداً”.

و لكن هذا كله يتعلق بالهيكل النظري للإشكالية موضوع النقاش، فماذا عن الخيارات الواقعية؟ كيف يُفترض بالمحامين التصرف و هم بين مطرقة القانون الذي يعطى المتهم الحق في وجود محامٍ يمثله في الدعوى المنظورة أمام المحكمة، و سندان استنكار المجتمع الموتور الذي فُجع ببشاعة الجريمة، و نظرته الغاضبة للمحامي الذي يقبل بتمثيل المتهم في قضية مثل هذه؟

من المؤسف أن عدداً من نواب مجلس الأمة – و هم مشرعينا الذين أقسموا على حماية الدستور – عوضاً أن يدعموا الأوضاع الدستورية الأوليّة التي تقرر حقوق الدفاع و استقلال المحاماة، قد استنكروا قبول المحامين بهذه القضايا (هذا، علماً بأن نواب هذا المجلس هم من تقدم باقتراح بقانون لتنظيم مهنة المحاماة تنص المادة الثانية منه على أن “يمارس مهنة المحاماة المحامون وحدهم و في استقلال تام … و لا سلطان عليهم إلا لضمائرهم و أحكام القانون”).

ولكن إذا كان السياسيون أحراراً في منطلقاتهم المرنة (براغماتية، عاطفة، ملائمة، توقيت، أولويات)، فعلى الحقوقيين أن يتذكروا دائماً أن هناك قيماً لا ينبغي التنازل عنها مطلقاً من منطلقٍ قانوني مبدئي (دستور، نظام، عدالة، مساواة)، من حيث أن القانون – بالمقارنة بالمرجعيات الأخلاقية و الدينية و الاجتماعية – هو المسطرة الوحيدة التي تحقق اعتبارات الوضوح، الانضباط و الموضوعية، و التي يمكن أن نحتكم إليها في فوضى المنظور الشخصي للأمور، و الذي يختلف من زاوية رؤية إلى أخرى، و من مرجعية إلى مرجعية.

كحقوقيين، قد يحدث، واقعاً، أن نجد في أنفسنا شيئاً من التفهّم لعاطفة شعبية لا عقلانية و لكن عارمة. عندها، من الأفضل دائماً أن ندع الأمر في دواخل أنفسنا فلا نسوّق له، و لا نعلنه. إذا لم نستطع أن نعوّد أنفسنا على الاستنكار الموضوعي الواجب في مواجهة كل صوتٍ يجرؤ على المطالبة بحرمانٍ من حقٍ دستوريّ أصيل، فأقل ما ينبغي علينا – ضميرياً – هو ألا نُخرج مشاعرنا الشخصية الملتبسة إلى العلن، فلا نشوّش على الآخرين بدعوى “التفهّم” الذي من شأن صدوره عن الحقوقيين تحديداً أن يربك فكرة الناس عن الوظيفة الراسخة للقانون.

للعدل مؤسساته النظامية المستقرة (مشترعين، جهات ضبط و تحقيق، نيابة، محاكم، و محامين)؛ العدل لا يُعهد به إلى كياناتٍ انفعالية غير منضبطة مثل الشارع أو الرأي العام، مهما بلغ مقدار الضرر الواقع عليها، و مهما بلغ بنا التعاطف معها. في أجواء الألم العام و الهستيريا المجتمعية، يحدث أن تتساقط الحصون العقلية (بل و المؤسسية) واحداً تلو الآخر، و لا بأس، إذ يثبت التاريخ أنه من الممكن للمجتمع دائماً العيش – و إن بصعوبة – من دون مؤسساتٍ كانت تبدو له حيوية، إلا مؤسسة القضاء، الجالس منه و الواقف، فهذه هي المؤسسة الوحيدة التي لا تملك ترف إغفال العقل و الاستكانة إلى العاطفة طرفة عين.

قرأت مرة بحثاً كتبه غوستافو زاغروبلسكي الذي كان رئيساً للمحكمة الدستورية الإيطالية و القاضي الآن في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قال فيه أن المحاكم هي “أرستقراطيات علم” من حيث أنها مدعوة لإيقاف انحدار الديمقراطية و تحولها إلى ديماغوجية، و إلى تحديد نقطة حازمة للتطور العقلاني للمجتمع، و بذلك فالقضاء (بقضاته و بأعوانه و بمحاميه) ينبغي أن يكون جزيرة للعقل وسط فوضى الآراء. كان مما قاله أيضاً أن المحاكم (و منتسبيها) ينبغي أن تكون الطليعة الأخلاقية للمجتمع؛ فهي في ذلك أشبه ما تكون بموسى العهد القديم، الذي تمثل قدره في اخراج شعبه من تيه الصحراء و قيادته نحو أرض ميعاد الحياة الدستورية. قدر القضاء – و العاملين في منظومته و معها –  قدرهم أن يكونوا دائماً خصوماً للعاطفة؛ هم معقل الرشد و حصنه الأخير.

حتى  نحافظ على الدولة المدنية التي لا يمكن أن تقوم لها قائمة من دون اعتناق عقيدة الذود عن الضمانات الدستورية للجميع، فإن الدفاع عن المتهمين – حتى و إن غلبت بشأنهم مظنة ارتكاب الجرم – ليس خياراً، بل واجبٌ لازم. و ضمان حق المحاكمة العادلة لهؤلاء يعنى تمكينهم من جميع أدوات حق الدفاع التي توفرها مؤسسة العدالة الجنائية، و على رأس هذه الأدوات أن يقف إلى جانب كل متهم محامٍ يمثله أمام المحكمة، و لا أبالغ إن قلت أن هذا الأمر يتعلق بقدس أقداس دولة المؤسسات.

الدفاع عن متهمٍ في جريمة بشعة مثل تفجير مسجد الصادق هو أمرٌ لا شك صعب. و مع ذلك، فلنتذكر دائماً أننا لسنا قضاة؛ القضاة هم فقط من خولهم القانون بالجلوس على منصة القضاء. أما نحن، فينبغي أن يكون فينا دائماً من يقوم بمهمة الدفاع التي و إن كانت جالبة لنقمة الناس على المدى القصير إلا أنها دعامة لازمة للأعمدة الأساسية للنظام الدستوري على المدى البعيد. اللحظة التي سيجد فيها مجتمعٌ ما نفسه و قد انتهى الأمر بجميع أفراده إلى الإمتناع عن توفير مثل هذه الضمانات الدستورية لمتهمٍ ما بدعوى الاستنكاف العاطفي هي اللحظة التي ستبدأ فيها بنيته الأساسية العدلية بالتآكل و الاضمحلال.

نعم، المحامون مسئولون عن خياراتهم القيمية. و مع ذلك، فلا ينبغي أن نتعسف في هذا المطلب بما يرتب إرهاب المحامين معنوياً إلى حدٍ يمس بحق المتهم في وجود محامٍ بجانبه. نحن أمام مسلمة عدلية لا تقبل النقاش، قد يُقبل من المجتمع أن يظهر صعوبةً في استيعابها، و لكن ذلك لا يُقبل أبداً من المحامين. لذلك، فما إظهار بعض المحامين التردد في قبول الدفاع عن المتهمين خشيةً من الرأي العام إلا إضعافٌ لصورتهم أمام ذات الرأي العام الذي يخشونه.

نحن، ككويتيين، موجوعون: فقدنا شهداءنا و هم راكعون يصلون. من هنا، فتمسكنا بعدم مساءلة الضمانات الدستورية التي نصر على توفرها في هذه القضية الحزينة لا يتعلق فقط بحقوق المتهمين، بل يتعلق قبل ذلك بحق الكويت علينا بأن نجتاز بها هذا الاختبار الحرج لصدقية قناعاتنا بما نتنادى به دائماً من دورٍ رفيعٍ لمؤسساتها العدلية.

هكذا فقط نثبت لأنفسنا – و للعالم – أن الأمر يتطلب أكثر من حفنة من معتوهي الإرهاب حتى نفقد الثقة بمؤسساتنا الدستورية القيمية، و هكذا فقط نجعل لتلك الدماء الزكية التي سالت في المساجد قيمةً و معنى.

في رثاء علي طارق الريحان: أحــزان النحاتيــن

قياسي

في رثاء “علي طارق الريحان”:

أحــزان النحاتيــن

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

جريدة القبس، 12 مارس 2014

http://www.alqabas.com.kw/node/846536

Ali Alraihan

قال تعالى: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ}.

أكتب الآن، و نحن في صباح اليوم الأول لوفاة طالبي النجيب، الخلوق، المرح، و العزيز “علي طارق الريحان”، عندما دخلت قاعة المحاضرة، لأجد أصحابه، و لا أجده.

في قصيدةٍ شهيرةٍ له، قال الشاعر العباسيّ ابن النبيه:

الناس للموت كخيلِ الطراد / فالسابقُ السابقُ منها الجوادِ

والله لا يدعو إلى داره / إلا من استصلح من ذي العبادِ

و الموت نقادٌ على كفه / جواهرُ، يختار منها الجيــادِ

يقولون أعذبُ الشعر أكذبه. لا أظنّ ذلك. ها قد كتب ابن النبيه شعراً عذباً، و ها هو قد صدق فيه، و ها هو رحيل عزيزنا الغالي “علي طارق الريحان” يأتي مفاجئاً، مخاتلاً، موجعاً، فقط ليُبَرْهِنَ على صِدْقُ الشاعِرِ فيما نَظَمَ عن الموت، و عن معاييره الانتقائيةِ العالية.

عندما يرحل شابٌ في ريعان الشباب، فإن الوالدانِ ينعيان ابناً، و الأصدقاءُ يفتقدون صديقاً، و بذلك فإن ما يخسرونه برحيل عزيزهم هو الماضي، و ذكرياتهم معه فيه. أما الأستاذ، المؤمن بتلميذه، المُتبنّي له، و الذي كان يُحضّره لأمورٍ كبيرة، فهو – و إن كان لا يُزايد على هؤلاء في حزنهم الصادق – إلا أن خسارته لا تشبه خسارتهم، من حيث انها لا تتمثل في الماضي، و إنما في المستقبل؛ فهو – مع التسليم بقضاء الله و أمره – لا ينعِ ما كان، بل ما كان يمكن أن يكون. و بذلك فإن الأستاذ يتوحّد، من دون رفيق، في فقدٍ مؤلمٍ من نوعٍ خاصٍ جداً؛ شيءٌ ما يقارب في فداحته فَقْدَ قطعةٍ فنيةٍ جميلة و استثنائية، آمن بمادتها الخام، و انتقاها انتقاءً، فعمل عليها سنوات، ليضع فيها قِطعاً من وقته و علمه و عمله بل و روحه، مثل نحّات. من يقرأ في تاريخ الفنون يعرف أن للنحّاتين ذوي المشروعات غير المكتملة أحزانٌ من طبيعةٍ مختلفة؛ لا تشبه الأحزان، لأن خسائرهم لا تتمثل بذكرياتٍ مضت و انقضت، بل برُؤىً مستقبليةٍ ابتُسِرَت من قبل أن تبدأ.

في كل عامٍ درّسته خلاله، وجدت علياً يتصدى دائماً – مُلحّاً و متطوعاً – لمهامٍ أكاديميةٍ كثيرة، لا تُعدُ و لا تُحصى، لا يرى منها الآخرون إلا شيئاً واحداً، هو أبسَطُها، ممثلاً في  تجهيز آلة العرض في بداية كل محاضرة. كانت مهمةُ عليٍ تلك مهمةً مملةً، مزعجةً، و متطلبة. و لكن زملاءُه ما كانوا يشهدون ذلك، فما كانوا يرون إلا علياً و هو يشغّل الجهاز ثم علياً وهو يُطْفِئُه، فلا يظهر لهم ما بين التشغيل و الإطفاء من أعطالٌ دائمة، تعقيداتٌ فنية، حجوزاتٌ إدارية، تنسيقٌ مستمر و انشغالٌ متكرر. كان عليٌّ يخوض في كل ذلك، و أكثر، بجهدٍ حقيقيٍّ، لا يدفعه إليه إلا شغفه بالخدمة العامة.

و بذلك، فإن محاضراتنا الهامةِ في مواد أصول القانون و الإلتزامات المدنية و قواعد الإثبات و قاعات البحث ما كان لها أن تُعقد – حقيقةً – من دون عليٍ و جهوده المخلصة، المتبّلة دائماً بابتسامته الشهيرة.

كلما تذكرت علياً، تذكّرت له هذا الفضل، و أشياءٌ أخرى، ثم استحضرتُ معها ما حدّثنا به رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الثلاثِ الباقياتِ من عمل المرء بعد موته، و على رأسها العِلْمُ الذي يُنتفع به. بذلك، أنا الآن أدعو جميعَ طلبتي ممن زاملوا علياً في المواد التي درّستُها لهم في السنتين الأخيرتين لأن يتذكروا دائماً أن لعليٍ – بطريقة خاصةٍ ما –  فضلٌ كبيرٌ في معارفهم الحقوقية: لولا عليٌّ ما تعلّمتُم ما تعلّمتُموه.

أما و قد اختار المولى عزّ و جلّ علياً الى جواره الكريم، فإنه – و لحُزنِنا العميق – لن يتخرّج كطالبٍ حقوقيٍ فرد، و لكنه رغم ذلك، و لفضله هذا، سيتخرّج و هو دفعةُ كاملة؛ جزءٌ أصيلٌ من بنية التكوين المعرفيّ لكل من درسوا معه عندي من الحقوقيين. و هكذا، ففي المستقبل، سيكون بداخل كل قاضٍ من زملائه هؤلاء، كل محامٍ، كل وكيل نيابة، و كل خادمٍ فخورٍ في محراب العدالة المهيب، سيكون بداخله جزءٌ من عليّ، و دينٌ لا يتقادم تجاهه. سيَكبُرون و سيشيخون، و لكنهم سيَظلّون – رغم ذلك – مدينين دائماً لهذا الفتى الطيب، الذكيّ، بطل الكاراتيه ذو النظارات السوداء الكبيرة التي تغطي نصف وجهه فلا تظهر منه إلا ابتسامةٌ واسعةٌ، و الذي سيبقى، رغم الزمن، شاباً نضراً ذي تسعة عشر ربيعاً، حتى عندما يغزو الشيبُ مفارقَ أصحابه.

مضت كلمة ربك. لم يبق لنا من عزاءٍ، الآن، إلا أن نتذكّرَ ما يُقالُ من أن “لكل امرءٍ من اسمه نصيب”. يقيني أنه لم يغادرنا من “عليٍ” إلا اسمُهُ الأولَ فقط، إذ سيبقي لنا منه دائماً اسمه الأخير، “الريحان”، بل و جميع مرادفاته العَطِرة؛ المشموم و الحَبَقُ و الخُزامى معاً.

 ورد في الحديثِ الشريف: “إِذا أُعْطِيَ أَحَدُكُم الرَّيْحانَ فلا يَرُدَّه”. و نحن جميعاً – و قد عرفنا علياً لسنوات – ينبغي أن نُدرِك أننا إنما أُعطينا ريحاناً عَطِراً، فدعونا لا نَرُدّه: لنُبقِ على ذِكرى عليٍ حيةً، فلا ننساه.

عن نفسي، دائماً، و مثل نحاتٍ بوغِتَ بفَقْدِ مادته الأوّلية الجميلة الواعِدة، سأتذكر علياً – هذا الحبيب، سليلُ الريحانِ و قلبُه – و أستَحضِرَه في كلِّ ما هو زكيٌّ، شذيٌّ، فواحٌ، و عاطرٌ.

في علّيين يا علي.

_________________

جريدة القبس، 12 مارس 2014

http://www.alqabas.com.kw/node/846536