Category Archives: المحاماة

أناتــول فرانــس – القانــون ميّــت و لكــن القاضــي حــيّ

قياسي

1111111111111111111111

 

القانــون ميّــت و لكــن القاضــي حــيّ[1]

أناتــول فرانــس[2]

 

ترجمــة

د. مشاعــل عبد العزيــز الهاجــرى

23 أغسطس، 2017

 

“منذ بضعة أيام”، قال السيد مارتو، “صادف أننى كنت مستلقياً على أجمة فى غابة فيسين”.[3]

“لم آكل شيئاً منذ ستٍ و ثلاثين ساعة”. مسح السيد جوبان نظارتيه، كانت له عينان طيبتان، و لكن بنظراتٍ تشعّ اهتماماً. نظر إلى جان مارتو بتركيز و قال له بنبرةٍ فيها شيءٌ من الملامة:

“ماذا؟ ألمرةٍ أخرى لم تأكل شيئاً منذ أربع ٍو عشرين ساعة؟”

“لمرةٍ أخرى” أجاب مارتو،” لم آكل شيئاً منذ أربع و عشرين ساعة. و لكننى كنت مخطئاً. لا يصحّ للمرء أن يمضى من دون طعام. هذا ليس صحيحاً. ينبغي أن يعتبر الجوع جريمة، مثله كمثل التشرّد. و لكن هاتان الجريمتان، في حقيقة الأمر، يُنظر لهما كشئٍ واحدٍ بالنهاية، فالمادة 269 تعاقب بالسجن لمدةٍ تتراوح من ثلاثة إلى ستة أشهر كل من يفتقر إلى وسائل العيش. التشرّد، وفقاً للقانون، هو سمة الجوّابين، شذّاذ الآفاق، الأشخاص الذين لا مسكن ثابت لهم أو مواردٍ للرزق، و الذين لا يمارسون صنفاً محدداً من التجارة أو المهنة؛ إنهم مجرمون من الطراز الأول”.

“أنه أمرٌ مثيرٌ للاهتمام” قال السيد بيرجيريه، “أن حالة التشرّد التى تُعاقب بستة أشهرٍ من الحبس و عشر سنواتٍ من رقابة الشرطة هى تحديداً الحالة التى كان القدّيس فرانسيس[4] قد جعل عليها رفاقه في كل من سلك القدّيسة مريم ذات الملائكة[5] و بنات القديّسة كلارا.[6] لو كان القدّيس فرانسيس الأسيزي و القدّيس أنطونيو اللشبوني[7] قد حضرا إلى باريس لإلقاء المواعظ اليوم فإنهما كانا سيخاطران بأن يوثقا و يرميا فى عربة السجن ثم يساقا إلى محكمة الشرطة. ليس الأمر هو أنني أروم التنديد أمام السلطات بالرهبان المتسوّلين الذين يجولون بيننا الآن، فلهؤلاء مصادرٌ للرزق؛ إنهم يمارسون جميع أصناف التجارة”.

“إنهم محترمون لأنهم أغنياء”، قال جان مارتو. “الفقراء فقط هم من يُمنعون من الاستجداء. لو كان قد تم إكتشافى تحت شجرتى لكان قد أُلقي بى فى السجن، و كان ذلك سيُكون عدلاً. لأننى لا أمتلك شيئاً، سأُعتبر عدواً للملكيّة؛ فالأمر بالنهاية يتعلق بحماية الملكيّة ضد أعدائها. إن أجلّ مهامّ القاضى هى أن يضمن لكل شخصٍ ما يعود له، للغنىّ غناه و للفقير فقره”.

“لقد فكّرت فى فلسفة القانون”، قال السيد بيرجيريه، “و وجدت أن هيكل العدالة الإجتماعية بأكمله يقوم على مسلّمتين: إدانة السرقة، مع احترام نتيجتها. هذان هما المبدآن اللذان يضمنان أمان الأفراد و يحفظان النظام فى الدولة. لو أن واحداً من هذين المبدئين الوصائيّين تم خرقه فإن بناء المجتمع بأكمله سيتداعى. هذان مبدآن وُضعا منذ بدء الزمان. هناك زعيم قبيلةٍ ما – متدثراً برداءٍ من جلد دبٍ و مسلحاً بفأسٍ من الصوّان و سيفٍ من البرونز – عاد مع رفاقه إلى حصنهم الصخرى، حيث كان أطفال القبيلة مودَعين و معهم كتائبٍ من النساء و حيوانات الرنّة، فجلبوا معهم بعض الفتية و الفتيات من أبناء القبائل المجاورة و شيء من الحجارة المتساقطة من السماء، التى اعتبرت ثمينةً لأنهم كانوا يصنعون منها السيوف التى لا تنثنى. تسلّق الزعيم تلةّ صغيرةّ فى الجوار، و قال “هؤلاء العبيد و هذا الحديد، الذين أخذتهم من رجاٍل ليني العريكة و محتقرين، هم لى. كل من تُسوّل له نفسه أن يضع يده عليهم سوف أضربه بفأسي”؛ هذا هو أصل القانون. إن روحه قديمةٌ و بربرية، و الناس لا يجدون الطمأنينة فى العدالة إلا من حيث هى تصديقٌ لكل ما سبقها من المظالم”.

“يمكن أن يكون القاضى مُحسناً، فليس جميع الرجال أشرار؛ أما القانون فلا يمكن أن يكون كذلك لأنه سابقٌ على جميع أفكار الإحسان. أن التغييرات التى لحقت به على مرّ الأزمنة لم تغيّر فى طبيعته الأصلية. جعل الفقهاء منه هادئاً، و لكنهم أبقوا عليه بربرياً. أن وحشيته هى ما يجعل منه محترماً و ومرهوب الجانب. لقد اعتاد الناس على عبادة الآلهة الشريرة، أما ما خلا من القسوة فلا يبدو لهم مستحقاً للعبادة. و المحكوم عليه يؤمن بعدالة القانون، إذ أن مرجعيّته الأخلاقية هى ذات مرجعيّة القضاة، فالكل يؤمن بأن جزاء التصرف المُجرَّم هو العقاب. فى كلٍ من مخفر الشرطة و المحكمة كان يؤثّر بى أن أرى كيف أن كلاً من المتهم و القضاة كانوا يتفقون بشكلٍ عامٍ في أفكارهم حول الخير و الشر؛ فلديهم جميعاً نفس التحيّزات و يشتركون فى ذات المنظومة الأخلاقية.

“الأمر لا يمكن أن يكون على خلاف ذلك”، قال جان مارتو. “إن مخلوقاً فقيراً سرق من نافذة دكّانٍ ما قطعة سجقٍّ أو زوجٍ من الأحذيةٍ ما كان ليبحث فى هذا الصدد فى أصل القانون و أساس العدالة بعمقٍ و فطنة، أما هؤلاء الذين على شاكلتنا ممن لا يتهيّبون من أن يروا فى أصول التشريعات رخصةً بالعنف و الإثم، فهم لا يستطعون حتى سرقة نصف قرش”.

“و لكن و رغم كل شئ”، قال السيد جوبان، “هناك قوانينٌ منصفة”.

“هل تعتقد ذلك؟” تساءل جان مارتو.

“السيد جوبان محق”، قال السيد بيرجيريه. “هناك قوانينٌ عادلة. و لكن لما كان القانون قد نشأ لحماية المجتمع، فهو فى روحه لا يمكن أن يكون أكثر عدلاً من المجتمع الذي ما وضع إلا لحمايته. ما دام المجتمع قد تأسّس على الظلم فإن وظيفة القوانين ستكون حماية هذا الظلم و دعمه. و كلما كانت القوانين أكثر ظلماً كلما ظهرت أكثر استحقاقاً للاحترام. لاحظ أيضاً أنه لما كانت أكثر هذه القوانين قديمة، فإنها لا تمثل حالة الإثم الحالى بل الإثم القديم الذى يتّسم بأنه أكثر فجاجةً و بلادة. إنها أنصبةٌ تذكاريةٌ للعصور المظلمة التى دامت إلى أن جاءت الأيام الأكثر أستنارة”.

“و لكنها في طور التحسّن”، قال السيد جوبان.

“إنها في طور التحسّن”، قال السيد بيرجيريه. “البرلمان و مجلس الشيوخ يعملون عليها عندما لا يكون أمامهم شيئٌ آخرٌ يفعلونه. و لكن قلب هذه القوانين كما هو، و هو مرّ. و حتى أكون صريحاً، فأنا لا أخاف من القوانين السيئة مادامت تُطبّق على يد قضاةٍ صالحين، القانون لا ينحنى، كما يُقال، و لكنى لا أصدّق ذلك. ليس هناك نصٌ لا يمكن تفسيره على أكثر من وجه. القانون ميّت، و لكن القاضى حىّ: أن له سلطاناً عظيماً على القانون. لسوء الحظ فإنه نادراً ما يستخدمه. إنه يدرّب نفسه عادةً على أن يكون بارداً، أقل إحساساً، و أكثر موتاً من القانون الذى يطبّقه. إنه ليس بشراً؛ فلا يعرف الشفقة، لأن روح الطبقة التي بداخله تخنق كل عاطفةٍ إنسانية.

“أنا اتحدث الآن عن القضاة النزيهين فقط”.

“إنهم الغالبية”، قال السيد جوبان.

ردّ السيد بيرجيريه “إنهم الغالبية، إذا ما كنا نقصد النزاهة الاعتيادية و الأخلاق اليومية. و لكن هل مقاربة الأمانة الشائعة تعتبر كافيةً لرجلٍ مكلّفٍ بممارسة سلطة العقاب المهولة، من دون الوقوع فى الخطأ أو التعسف؟ أن القاضى الجيد ينبغي أن يكون له فى الآن ذاته قلبٌ طيبٌ و عقلٌ فلسفى. و لكن هذا مطلبٌ كبيرٌ من شخصٍ يُفترض به أن يشقّ طريقه فى الحياة و ذو تصميمٍ على التطوّر في مهنته، هذا إذا ما استبعدنا أنه إن أظهر حساً أخلاقياً رفيعاً متعالٍ على زمنه فإنه سوف يُلاقى الكره من قبل زملائه و سوف يثير استنكاراً عاماً، لأننا ندين كلّ حسٍ يخالف حسّنا فنصمه بأنه لا أخلاقيّ. إن كل من قدّم شيئاً طيباً جديداً إلى هذا العالم جوبه بسخرية الناس الطيّبين. هذا ما حدث للرئيس مانيو.”[8]

“لدىّ أحكامه هنا، مجمّعةً فى مجلّدٍ صغير مع تعليقاتٍ وضعها هنري ليريه. عندما تمّ النطق بهذه الأحكام، أثار الأمر استنكار القضاة المتزمّتين و المشرّعين المتسامين. لقد كانت هذه الأحكام مزدحمةً بالأفكار النبيلة و العاطفة الرقيقة، و كانت ملأى بالشفقة، إنسانيّة، و تنحو نحو الفضيلة. و لكن فى محاكم القانون كان يُنظر إلى الرئيس مانيو باعتباره شخصٌ ذو عقلٍ غير قانونىّ، كما أن أصدقاء السيد ميلين[9] اتهموه بعدم احترام فكرة الملكيّة. و الحق أن الاعتبارات التى استندت إليها أحكام الرئيس مانيو لها طبيعةٍ فرديّة، ففى كل سطرٍ يلتقى المرء بأفكار عقلٍ مستقلٍ و عواطف قلبٍ كريمٍ”.

تناول السيد بيرجيريه مجلداً قرمزياً من المنضدة، و بدأ يقلّب صفحاته، و يقرأ:

– “الأمانة و الدقة هى فضيلتان من السهل على المرء أن يمارسهما إلى ما لا نهاية عندما لا يكون مفتقراً إلى شئ، بالمقارنة بما إذا كان محروماً من كل شئ”.

– “ما لا يمكن تجنّبه لا يستقيم توقيع العقاب عنه”.

– “حتى يمكن أن يحكم على الجريمة أو على الفقير بعدالة، على القاضى أن ينسى وضعه المريح للحظة، ليضع نفسه ما استطاع فى الموضع الحزين لهذا الذى هجره الجميع”.

– “فى تفسيره للقانون، على القاضى ألا يحصر تفكيره فى الحالة الخاصة المعروضة عليه، بل أن يأخذ فى الاعتبار النتائج الأوسع لحكمه و ما يمكن أن ينطوي عليه من الآثار الخيرةٍ و السيئة”.

– “العامل وحده هو من ينتج و من يخاطر بصحته أو بحياته لتحقيق ربحٍ يؤول حصراً إلى رب عمله، الذى لا يخاطر بدوره بشئٍ سوى رأسماله”.

“لقد سردتُ هذه الأقوال بشكلٍ اعتباطىّ”، أضاف السيد بيرجيريه، و هو يغلق الكتاب. “هذه كلماتٌ جديدة. إنها أصداء روحٍ عظيمة”.

[1] المصدر:

Anatole France, Crainquebille, Putois, Riquet et plusieurs autres récits profitables.

[2] أناتول فرانس Anatole France (1844-1924): كاتب و ناقد فرنسي، تميز بالكتابة الساخرة. كان عضواً بالأكاديمية الفرنسية، و حاصل على جائزة نوبل  في الآداب.

[3] غابة فيسين Bois de Vicennes: أكبر غابة في العاصمة الفرنسية باريس، تقع في شرق المدينة.

[4] القدّيس فرانسيس الأسيزي Saint Francis of Assisi (1181-1226): راهب كاثوليكي، كان ينبذ اعتزال الرهبنة فأسس السلك الفرنسيكاني (Franciscan Order) للدعوة بين الناس و البشارة بالبساطة و حب الله و جميع المخلوقات من بشرٍ و حيوان. يقال أنه وقع في أسر المسلمين أثناء الحملة الصليبية الخامسة، فأكرموه و أعادوه إلى جماعته.

[5] سلك القدّيسة مريم سيدة الملائكة (Saint Mary of the Angels): سلك ديني يتبع القدّيس فرانسيس الأسيزي، معقله هو كنيسة Basilica of Santa Maria degli Angeli في مدينة Assisi في إيطاليا.

[6] القديّسة كلارا الأسيزية Saint Clare of Assisi (1194-1253): راهب كاثوليكية، نادت بالتزهد و العيش من دون امتيازات.

[7] القدّيس أنطونيو اللشبوني Saint Anthony of Padua (1195-1231): راهب كاثوليكي برتغالي الأصل ينتمي للسلك الفرنسيكاني. كان يعرف بـ “مطرقة الهراطقة” لشدته في نشر العقيدة الكاثوليكية في أوساط المنشقين عن الإيمان.

[8] الرئيس مانيو President Magnaud (1848-1926): قاضي فرنسي يعرف بـ “القاضي الطيب” لأحكامه التي كان يتحرّى فيها الأنصاف للفئات الضعيفة رغماً عن التفسيرات التقليدية للقانون. كانت له شعبية كبيرة، و قد جمع H. Leyret أحكامه و نشرها في مجلد عام 1900.

[9] فيليكس ميلين Félix Méline (1838-1925): سياسي فرنسي كان رئيساً لوزار الجمهورية.

 

Advertisements

حقوق الدفاع في قضية تفجير مسجد الصادق في الكويت: الاختبار الحقيقي لمصداقية قناعاتنا الدستورية؟

قياسي

 

حقــوق الدفــاع في قضيــة تفجيــر مسجــد الصــادق فــي الكويــت:

الاختبار الحقيقي لمصداقية قناعاتنا الدستورية؟

 

د. مشاعل عبد العزيز اسحق الهاجري

(مقال منشور في : جريدة القبس، 12 أغسطس 2015)

http://www.alqabas.com.kw/Articles.aspx?ArticleID=1081149&CatID=488

 11831783_10153461145211071_5527646639533534404_n[1]

طالعتنا الصحف هذا الصباح بخبر عزوف عدد كبير من المحامين عن تمثيل المتهمين في قضية تفجير مسجد الصادق في الكويت، خشية منهم من التعرض لنقمة الرأي العام الشعبي. و أجد أن الموضوع يستأهل وقفة مستحقة باعتباره تمريناً لازماً في النقاش المجتمعي العام، المتعلق بنظرتنا لأنفسنا كمجتمع، و للوقوف على الفروقات الفاصلة بين شكل مؤسسة العدالة كما نمارسها عملاً و كما نبتغيها أملاً.

و أطروحة السؤال هي الآتي:

من المنظورين القانوني و الأخلاقي، هل يُقبل من المحامي إظهار التردّد بشأن حق متهمٍ ما بالحصول على محامٍ يمثله أمام القضاء، فقط لكون هذا المتهم مُدانٌ – سلفاً – من قبل الرأي العام الشعبي باعتبار أن جريمته ذات طبيعة بشعة، عامة الضرر، و يكاد الجرم يكون ثابتاً فيها؟

ابتداءً، من حق كل متهم، مهما بلغت بشاعة تهمته، أن تُوفّر له الترسانة الدستورية الكاملة من الضمانات القانونية و الإجرائية الأصيلة فيما يتعلق بحق التقاضي و توفير مكنة الدفاع، مع التشديد على استقلال المحامي في هذا الشأن. و هو مبدأ حقوقي ترسخ في الإعلان العالمي حول استقلال العدالة الذي تبنته الدورة العامة الختامية لمؤتمر مونتريال حول استقلال العدالة عام 1982 و الذي أكد على استقلال المحاماة، و كذلك  المؤتمرات الدولية منذ مؤتمر ميلانو 1985 و توجيهات المجلس الاقتصادي و الاجتماعي في الأمم المتحدة و المبادئ الأساسية المقرة في المؤتمر الثامن للأمم المتحدة لمنع الجريمة المنعقد في هافانا (كوبا) و التي كان على رأسها المبدأ الخاص بحماية استقلال المحاماة و تعيين المعايير المعززة لهذا الاستقلال، كما أن اتفاقية محاميي العالم 2008 التي كان وراءها الاتحاد الدولي للمحامين قد نصت في مادتها الأولى على أن الاستقلالية و حرية ضمان الدفاع و الاستشارة للموكل تعد من أولى دعامات مهنة المحاماة.

و لعل القوانين العربية المقارنة لا تقل وضوحاً بشأن الدور المحوري للمحامين في هذا الصدد، فقد نصت المادة 1 من قانون المحاماة المصري رقم 17 لسنة 1983 على أن “المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية تحقيق العدالة و في تأكيد سيادة القانون و في كفالة حق الدفاع عن حقوق المواطنين و حرياتهم، و يمارس المحاماة المحامون وحدهم في استقلال، و لا سلطان عليهم في ذلك إلا لضمائرهم و أحكام القانون”،  كما أن المادة 1 من قانون تنظيم مهنة المحاماة السوري رقم 39 لسنة 1981 و المادة 1 من قانون مهنة المحاماة اللبناني رقم 8/70 و المادة 2 من قانون المحاماة التونسي رقم 37 لسنة 58 والمادة 1 من قانون تنظيم نقابات المحامين و مزاولة مهنة المحاماة في المغرب رقم 79/19 تقرر جميعها أن المحامون جزء من أسرة القضاء، و أن مهنتهم حرة و مستقلة.

أما في الكويت، و حول ارتباط استقلال المحاماة بحق الدفاع للمتهم تحديداً، فإن المادة رقم 34 من دستور الدولة تنص على أن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع”. كما أن القانون الكويتي رقم 17 لسنة 1960 بإصدار قانون الإجراءات و المحاكمات الجزائية يتضمن نصاً هاماً بهذا الصدد، هو المادة رقم 120، و الني تقرر أن “للمتهم في جناية الحق في أن يوكل من يدافع عنه، و على المحكمة أن تنتدب من المحامين من يقوم بهذه المهمة إذا لم يوكل المتهم أحداً”.

و لكن هذا كله يتعلق بالهيكل النظري للإشكالية موضوع النقاش، فماذا عن الخيارات الواقعية؟ كيف يُفترض بالمحامين التصرف و هم بين مطرقة القانون الذي يعطى المتهم الحق في وجود محامٍ يمثله في الدعوى المنظورة أمام المحكمة، و سندان استنكار المجتمع الموتور الذي فُجع ببشاعة الجريمة، و نظرته الغاضبة للمحامي الذي يقبل بتمثيل المتهم في قضية مثل هذه؟

من المؤسف أن عدداً من نواب مجلس الأمة – و هم مشرعينا الذين أقسموا على حماية الدستور – عوضاً أن يدعموا الأوضاع الدستورية الأوليّة التي تقرر حقوق الدفاع و استقلال المحاماة، قد استنكروا قبول المحامين بهذه القضايا (هذا، علماً بأن نواب هذا المجلس هم من تقدم باقتراح بقانون لتنظيم مهنة المحاماة تنص المادة الثانية منه على أن “يمارس مهنة المحاماة المحامون وحدهم و في استقلال تام … و لا سلطان عليهم إلا لضمائرهم و أحكام القانون”).

ولكن إذا كان السياسيون أحراراً في منطلقاتهم المرنة (براغماتية، عاطفة، ملائمة، توقيت، أولويات)، فعلى الحقوقيين أن يتذكروا دائماً أن هناك قيماً لا ينبغي التنازل عنها مطلقاً من منطلقٍ قانوني مبدئي (دستور، نظام، عدالة، مساواة)، من حيث أن القانون – بالمقارنة بالمرجعيات الأخلاقية و الدينية و الاجتماعية – هو المسطرة الوحيدة التي تحقق اعتبارات الوضوح، الانضباط و الموضوعية، و التي يمكن أن نحتكم إليها في فوضى المنظور الشخصي للأمور، و الذي يختلف من زاوية رؤية إلى أخرى، و من مرجعية إلى مرجعية.

كحقوقيين، قد يحدث، واقعاً، أن نجد في أنفسنا شيئاً من التفهّم لعاطفة شعبية لا عقلانية و لكن عارمة. عندها، من الأفضل دائماً أن ندع الأمر في دواخل أنفسنا فلا نسوّق له، و لا نعلنه. إذا لم نستطع أن نعوّد أنفسنا على الاستنكار الموضوعي الواجب في مواجهة كل صوتٍ يجرؤ على المطالبة بحرمانٍ من حقٍ دستوريّ أصيل، فأقل ما ينبغي علينا – ضميرياً – هو ألا نُخرج مشاعرنا الشخصية الملتبسة إلى العلن، فلا نشوّش على الآخرين بدعوى “التفهّم” الذي من شأن صدوره عن الحقوقيين تحديداً أن يربك فكرة الناس عن الوظيفة الراسخة للقانون.

للعدل مؤسساته النظامية المستقرة (مشترعين، جهات ضبط و تحقيق، نيابة، محاكم، و محامين)؛ العدل لا يُعهد به إلى كياناتٍ انفعالية غير منضبطة مثل الشارع أو الرأي العام، مهما بلغ مقدار الضرر الواقع عليها، و مهما بلغ بنا التعاطف معها. في أجواء الألم العام و الهستيريا المجتمعية، يحدث أن تتساقط الحصون العقلية (بل و المؤسسية) واحداً تلو الآخر، و لا بأس، إذ يثبت التاريخ أنه من الممكن للمجتمع دائماً العيش – و إن بصعوبة – من دون مؤسساتٍ كانت تبدو له حيوية، إلا مؤسسة القضاء، الجالس منه و الواقف، فهذه هي المؤسسة الوحيدة التي لا تملك ترف إغفال العقل و الاستكانة إلى العاطفة طرفة عين.

قرأت مرة بحثاً كتبه غوستافو زاغروبلسكي الذي كان رئيساً للمحكمة الدستورية الإيطالية و القاضي الآن في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قال فيه أن المحاكم هي “أرستقراطيات علم” من حيث أنها مدعوة لإيقاف انحدار الديمقراطية و تحولها إلى ديماغوجية، و إلى تحديد نقطة حازمة للتطور العقلاني للمجتمع، و بذلك فالقضاء (بقضاته و بأعوانه و بمحاميه) ينبغي أن يكون جزيرة للعقل وسط فوضى الآراء. كان مما قاله أيضاً أن المحاكم (و منتسبيها) ينبغي أن تكون الطليعة الأخلاقية للمجتمع؛ فهي في ذلك أشبه ما تكون بموسى العهد القديم، الذي تمثل قدره في اخراج شعبه من تيه الصحراء و قيادته نحو أرض ميعاد الحياة الدستورية. قدر القضاء – و العاملين في منظومته و معها –  قدرهم أن يكونوا دائماً خصوماً للعاطفة؛ هم معقل الرشد و حصنه الأخير.

حتى  نحافظ على الدولة المدنية التي لا يمكن أن تقوم لها قائمة من دون اعتناق عقيدة الذود عن الضمانات الدستورية للجميع، فإن الدفاع عن المتهمين – حتى و إن غلبت بشأنهم مظنة ارتكاب الجرم – ليس خياراً، بل واجبٌ لازم. و ضمان حق المحاكمة العادلة لهؤلاء يعنى تمكينهم من جميع أدوات حق الدفاع التي توفرها مؤسسة العدالة الجنائية، و على رأس هذه الأدوات أن يقف إلى جانب كل متهم محامٍ يمثله أمام المحكمة، و لا أبالغ إن قلت أن هذا الأمر يتعلق بقدس أقداس دولة المؤسسات.

الدفاع عن متهمٍ في جريمة بشعة مثل تفجير مسجد الصادق هو أمرٌ لا شك صعب. و مع ذلك، فلنتذكر دائماً أننا لسنا قضاة؛ القضاة هم فقط من خولهم القانون بالجلوس على منصة القضاء. أما نحن، فينبغي أن يكون فينا دائماً من يقوم بمهمة الدفاع التي و إن كانت جالبة لنقمة الناس على المدى القصير إلا أنها دعامة لازمة للأعمدة الأساسية للنظام الدستوري على المدى البعيد. اللحظة التي سيجد فيها مجتمعٌ ما نفسه و قد انتهى الأمر بجميع أفراده إلى الإمتناع عن توفير مثل هذه الضمانات الدستورية لمتهمٍ ما بدعوى الاستنكاف العاطفي هي اللحظة التي ستبدأ فيها بنيته الأساسية العدلية بالتآكل و الاضمحلال.

نعم، المحامون مسئولون عن خياراتهم القيمية. و مع ذلك، فلا ينبغي أن نتعسف في هذا المطلب بما يرتب إرهاب المحامين معنوياً إلى حدٍ يمس بحق المتهم في وجود محامٍ بجانبه. نحن أمام مسلمة عدلية لا تقبل النقاش، قد يُقبل من المجتمع أن يظهر صعوبةً في استيعابها، و لكن ذلك لا يُقبل أبداً من المحامين. لذلك، فما إظهار بعض المحامين التردد في قبول الدفاع عن المتهمين خشيةً من الرأي العام إلا إضعافٌ لصورتهم أمام ذات الرأي العام الذي يخشونه.

نحن، ككويتيين، موجوعون: فقدنا شهداءنا و هم راكعون يصلون. من هنا، فتمسكنا بعدم مساءلة الضمانات الدستورية التي نصر على توفرها في هذه القضية الحزينة لا يتعلق فقط بحقوق المتهمين، بل يتعلق قبل ذلك بحق الكويت علينا بأن نجتاز بها هذا الاختبار الحرج لصدقية قناعاتنا بما نتنادى به دائماً من دورٍ رفيعٍ لمؤسساتها العدلية.

هكذا فقط نثبت لأنفسنا – و للعالم – أن الأمر يتطلب أكثر من حفنة من معتوهي الإرهاب حتى نفقد الثقة بمؤسساتنا الدستورية القيمية، و هكذا فقط نجعل لتلك الدماء الزكية التي سالت في المساجد قيمةً و معنى.

في رثاء علي طارق الريحان: أحــزان النحاتيــن

قياسي

في رثاء “علي طارق الريحان”:

أحــزان النحاتيــن

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

جريدة القبس، 12 مارس 2014

http://www.alqabas.com.kw/node/846536

Ali Alraihan

قال تعالى: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ}.

أكتب الآن، و نحن في صباح اليوم الأول لوفاة طالبي النجيب، الخلوق، المرح، و العزيز “علي طارق الريحان”، عندما دخلت قاعة المحاضرة، لأجد أصحابه، و لا أجده.

في قصيدةٍ شهيرةٍ له، قال الشاعر العباسيّ ابن النبيه:

الناس للموت كخيلِ الطراد / فالسابقُ السابقُ منها الجوادِ

والله لا يدعو إلى داره / إلا من استصلح من ذي العبادِ

و الموت نقادٌ على كفه / جواهرُ، يختار منها الجيــادِ

يقولون أعذبُ الشعر أكذبه. لا أظنّ ذلك. ها قد كتب ابن النبيه شعراً عذباً، و ها هو قد صدق فيه، و ها هو رحيل عزيزنا الغالي “علي طارق الريحان” يأتي مفاجئاً، مخاتلاً، موجعاً، فقط ليُبَرْهِنَ على صِدْقُ الشاعِرِ فيما نَظَمَ عن الموت، و عن معاييره الانتقائيةِ العالية.

عندما يرحل شابٌ في ريعان الشباب، فإن الوالدانِ ينعيان ابناً، و الأصدقاءُ يفتقدون صديقاً، و بذلك فإن ما يخسرونه برحيل عزيزهم هو الماضي، و ذكرياتهم معه فيه. أما الأستاذ، المؤمن بتلميذه، المُتبنّي له، و الذي كان يُحضّره لأمورٍ كبيرة، فهو – و إن كان لا يُزايد على هؤلاء في حزنهم الصادق – إلا أن خسارته لا تشبه خسارتهم، من حيث انها لا تتمثل في الماضي، و إنما في المستقبل؛ فهو – مع التسليم بقضاء الله و أمره – لا ينعِ ما كان، بل ما كان يمكن أن يكون. و بذلك فإن الأستاذ يتوحّد، من دون رفيق، في فقدٍ مؤلمٍ من نوعٍ خاصٍ جداً؛ شيءٌ ما يقارب في فداحته فَقْدَ قطعةٍ فنيةٍ جميلة و استثنائية، آمن بمادتها الخام، و انتقاها انتقاءً، فعمل عليها سنوات، ليضع فيها قِطعاً من وقته و علمه و عمله بل و روحه، مثل نحّات. من يقرأ في تاريخ الفنون يعرف أن للنحّاتين ذوي المشروعات غير المكتملة أحزانٌ من طبيعةٍ مختلفة؛ لا تشبه الأحزان، لأن خسائرهم لا تتمثل بذكرياتٍ مضت و انقضت، بل برُؤىً مستقبليةٍ ابتُسِرَت من قبل أن تبدأ.

في كل عامٍ درّسته خلاله، وجدت علياً يتصدى دائماً – مُلحّاً و متطوعاً – لمهامٍ أكاديميةٍ كثيرة، لا تُعدُ و لا تُحصى، لا يرى منها الآخرون إلا شيئاً واحداً، هو أبسَطُها، ممثلاً في  تجهيز آلة العرض في بداية كل محاضرة. كانت مهمةُ عليٍ تلك مهمةً مملةً، مزعجةً، و متطلبة. و لكن زملاءُه ما كانوا يشهدون ذلك، فما كانوا يرون إلا علياً و هو يشغّل الجهاز ثم علياً وهو يُطْفِئُه، فلا يظهر لهم ما بين التشغيل و الإطفاء من أعطالٌ دائمة، تعقيداتٌ فنية، حجوزاتٌ إدارية، تنسيقٌ مستمر و انشغالٌ متكرر. كان عليٌّ يخوض في كل ذلك، و أكثر، بجهدٍ حقيقيٍّ، لا يدفعه إليه إلا شغفه بالخدمة العامة.

و بذلك، فإن محاضراتنا الهامةِ في مواد أصول القانون و الإلتزامات المدنية و قواعد الإثبات و قاعات البحث ما كان لها أن تُعقد – حقيقةً – من دون عليٍ و جهوده المخلصة، المتبّلة دائماً بابتسامته الشهيرة.

كلما تذكرت علياً، تذكّرت له هذا الفضل، و أشياءٌ أخرى، ثم استحضرتُ معها ما حدّثنا به رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الثلاثِ الباقياتِ من عمل المرء بعد موته، و على رأسها العِلْمُ الذي يُنتفع به. بذلك، أنا الآن أدعو جميعَ طلبتي ممن زاملوا علياً في المواد التي درّستُها لهم في السنتين الأخيرتين لأن يتذكروا دائماً أن لعليٍ – بطريقة خاصةٍ ما –  فضلٌ كبيرٌ في معارفهم الحقوقية: لولا عليٌّ ما تعلّمتُم ما تعلّمتُموه.

أما و قد اختار المولى عزّ و جلّ علياً الى جواره الكريم، فإنه – و لحُزنِنا العميق – لن يتخرّج كطالبٍ حقوقيٍ فرد، و لكنه رغم ذلك، و لفضله هذا، سيتخرّج و هو دفعةُ كاملة؛ جزءٌ أصيلٌ من بنية التكوين المعرفيّ لكل من درسوا معه عندي من الحقوقيين. و هكذا، ففي المستقبل، سيكون بداخل كل قاضٍ من زملائه هؤلاء، كل محامٍ، كل وكيل نيابة، و كل خادمٍ فخورٍ في محراب العدالة المهيب، سيكون بداخله جزءٌ من عليّ، و دينٌ لا يتقادم تجاهه. سيَكبُرون و سيشيخون، و لكنهم سيَظلّون – رغم ذلك – مدينين دائماً لهذا الفتى الطيب، الذكيّ، بطل الكاراتيه ذو النظارات السوداء الكبيرة التي تغطي نصف وجهه فلا تظهر منه إلا ابتسامةٌ واسعةٌ، و الذي سيبقى، رغم الزمن، شاباً نضراً ذي تسعة عشر ربيعاً، حتى عندما يغزو الشيبُ مفارقَ أصحابه.

مضت كلمة ربك. لم يبق لنا من عزاءٍ، الآن، إلا أن نتذكّرَ ما يُقالُ من أن “لكل امرءٍ من اسمه نصيب”. يقيني أنه لم يغادرنا من “عليٍ” إلا اسمُهُ الأولَ فقط، إذ سيبقي لنا منه دائماً اسمه الأخير، “الريحان”، بل و جميع مرادفاته العَطِرة؛ المشموم و الحَبَقُ و الخُزامى معاً.

 ورد في الحديثِ الشريف: “إِذا أُعْطِيَ أَحَدُكُم الرَّيْحانَ فلا يَرُدَّه”. و نحن جميعاً – و قد عرفنا علياً لسنوات – ينبغي أن نُدرِك أننا إنما أُعطينا ريحاناً عَطِراً، فدعونا لا نَرُدّه: لنُبقِ على ذِكرى عليٍ حيةً، فلا ننساه.

عن نفسي، دائماً، و مثل نحاتٍ بوغِتَ بفَقْدِ مادته الأوّلية الجميلة الواعِدة، سأتذكر علياً – هذا الحبيب، سليلُ الريحانِ و قلبُه – و أستَحضِرَه في كلِّ ما هو زكيٌّ، شذيٌّ، فواحٌ، و عاطرٌ.

في علّيين يا علي.

_________________

جريدة القبس، 12 مارس 2014

http://www.alqabas.com.kw/node/846536