Category Archives: مشاعل الهاجري

التحــرّك المدنــيّ الناشــط: عشــرُ دروس، و تنبيــهٌ واحــد

قياسي

– –

the-end-of-bureaucracy-e1545610555753-1568x737[1]

التحــرّك المدنــيّ الناشــط:

عشــرُ دروس، و تنبيــهٌ واحــد[1]

– 

بقلــم: د. مشاعــل عبــد العزيــز الهاجــري

ترجمــة: لولــوة الكنــدري

محاضـرة قُدّمـت بالإنجليزيــة لمنتـدىDialogue X

كليـة العِمـارة، جامعـة الكويـت، 20 نوفمبـر 2017

كانت لي تجربة متواضعة في العمل المدني، يبدو أن المهتمين في كلية العمارة وجدوا أنها تستحق المشاركة باعتبارها نموذجاً يمكن أن يُحتذى، فكانوا من اللطف بحيث استضافوني أنا و بعض الأصدقاء للحديث عنها.

هنا بعض الدروس التي تعلّمتها من خلال تجربتي تلك، و التي نقلتها للحاضرين من خلال جلسة خصبة، دار الحديث فيها بتوسّعٍ و استفاضةٍ ممتعين.

في كلية العمارة أساتذة قديرون، و طلبة رائعون.

– شكرا لولوة على الترجمة إلى العربية.

******

  • عشــر دروس:

(1) ماسورة مكسورة؟ عشبٌ سُوّي بطريقة سيئة؟ لوحاتُ مرورٍ مهترئة؟ بغض النظر عن حجم المشكلة، تذّكر القاعدة الأساسية لأمّنا الطبيعة: الأشياء الصغيرة تكبر، دائمًا (و لأحجامٍ عملاقة، أحيانًا). لا تكن سلبيًا، تكلّم، قبل أن يفوت الأوان.

(2) ليس أن التذمّر يخلق طاقة سلبية فقط، بل إنه لا يحقق أية نتائج. تصرّف، و إلا فإنك سوف تخسر حقك في أن تكون مسموعًا ( و في الحقيقة، فإن أحداً لا يريدُ الاستماع إلى متذمرٍ سلبيٍ آخر).

(3) لا تعمل وحيدًا، جِدْ (أو – إن استلزم الأمر – أوجد) مجموعة صغيرة من الأفراد المتفقين فكريًا، ثم تجمعوا حول قضيتكم المختارة.

(4) كلما كانت الجماعة أصغر، كلما كان التواصل فيما بين أعضائها أفضل (ديناميكيات الجماعة، الوظائف اللوجستية، آليات صنع القرارات، الخ). تذكّر: الأرقام لا تعني شيئا؛ الأمر يتعلق بالجودة و ليس بالكميّة. حتى القطار الطويل ذي العشرين مقصورة لا يتحرّك، في حقيقته، إلا بفضل مقصورةٍ واحدةٍ هي تلك ذات المحرّك.

(5) إلزم التحضّر في سلوكك، ليس هناك من داعِ للتهويل أو للدّراما.

(6) انتبه إلى لغتك، الغضب ليس مبررًا لخطاب التشهير أو التعنيف. استخدم الكلمات العدوانية و المسيئة و ستندهش عند مشاهدتك لآلة القانون التي لم تكن تتوقعها تتحرّك بسرعة – بل و بكفاءةٍ أكبر – من نظيرتها الإدارية التي كنت تأمل بتحريكها (لا سيّما تلك الخاصة بالجهاز الذي كنت تعمل ضده طوال الوقت).

(7) مارس الأحكام الرشيدة و الأخلاقيّة. حتى الحروب، حين تُشنّ، تكون مقيّدة بالمروءة و الفروسية. النزاهة مطلبٌ أساسي.

(8) ثقِف نفسك حول موضوع قضيتك من حيث:

  • التاريخ الإجتماعي.
  • الخطط الإدارية.
  • أفضل الممارسات.
  • المتطلبات التنظيمية.
  • القوانين المقارنة، الخ.

(9) اجعل رسائلك قصيرة، مختصرة و محدّدة. المنصّات العامة ينبغي أن تُستغلّ لتحقيق النتائج، و ليس لفرد عضلاتك التعبيرية و الفكرية.

(10) العمل الإداري، حول العالم، هو مصنعٌ للوعود الخاوية و الآمال المُهدرة. و مع ذلك، تذّكر: هذا أمرٌ طبيعي. فما العمل الإداري إلا مجرّد لوحة خلفيّة للسياسة. لذلك، لا تعلق آمالاً كبرى على التراتبيات الإدارية التقليدية (البيروقراطيات)، فهذه مجرد هياكل، و هي لا تكون فعالة إلا عندما تقطنها “روح” حقيقيّة (شخصٌ مؤمنٌ بالقضية، مواطن غاضب، أشخاص مدفوعون بالشغف، مطالباتٌ مجتمعية أو رفضٌ مجتمعي، و عدا ذلك).

  • تنبيــهٌ واحــد:

رغم جميع ما تقدم، تبقى الفرصة قائمة دائماً لأن لا يؤتي عملك المدنيّ الشغوف ثماره. في الحقيقة، بل إحصائيًا، لعل فرص أن يكون هناك إحباطٌ وخيبة هي أكثر من فرص تحقيق أيّة نتائج ملموسة مُرضية.و لكن هذا لا يهم أبدأ. فليس الأمر بالمشكلة للأسباب التالية:

  1. انت لست وحيدًا، إنه سباق تتابع. هناك دائمًا من سيأتي بعدك ليُكمل المسير من حيث توقفت أنت؛ الزمن عنصر أساسي في استمرارية العملية. لعل هذه الاستمرارية هي، في حقيقة الأمر، أجمل ما في العمل المجتمعيّ.
  2. و الأهم من كل ذلك هو أنه سوف تُتاح لك فرصة إظهار معدنك الحقيقيّ … للعالم : )

[1] Mashael Alhajeri, ‘Engaged Civic Activism: Ten Lessons and One Caveat’, A Talk delivered at the ‘Dialogue X’ forum, Faculty of Architecture, Kuwait University, 20 November 2017.

 

أناتــول فرانــس – القانــون ميّــت و لكــن القاضــي حــيّ

قياسي

1111111111111111111111

 

القانــون ميّــت و لكــن القاضــي حــيّ[1]

أناتــول فرانــس[2]

 

ترجمــة

د. مشاعــل عبد العزيــز الهاجــرى

23 أغسطس، 2017

 

“منذ بضعة أيام”، قال السيد مارتو، “صادف أننى كنت مستلقياً على أجمة فى غابة فيسين”.[3]

“لم آكل شيئاً منذ ستٍ و ثلاثين ساعة”. مسح السيد جوبان نظارتيه، كانت له عينان طيبتان، و لكن بنظراتٍ تشعّ اهتماماً. نظر إلى جان مارتو بتركيز و قال له بنبرةٍ فيها شيءٌ من الملامة:

“ماذا؟ ألمرةٍ أخرى لم تأكل شيئاً منذ أربع ٍو عشرين ساعة؟”

“لمرةٍ أخرى” أجاب مارتو،” لم آكل شيئاً منذ أربع و عشرين ساعة. و لكننى كنت مخطئاً. لا يصحّ للمرء أن يمضى من دون طعام. هذا ليس صحيحاً. ينبغي أن يعتبر الجوع جريمة، مثله كمثل التشرّد. و لكن هاتان الجريمتان، في حقيقة الأمر، يُنظر لهما كشئٍ واحدٍ بالنهاية، فالمادة 269 تعاقب بالسجن لمدةٍ تتراوح من ثلاثة إلى ستة أشهر كل من يفتقر إلى وسائل العيش. التشرّد، وفقاً للقانون، هو سمة الجوّابين، شذّاذ الآفاق، الأشخاص الذين لا مسكن ثابت لهم أو مواردٍ للرزق، و الذين لا يمارسون صنفاً محدداً من التجارة أو المهنة؛ إنهم مجرمون من الطراز الأول”.

“أنه أمرٌ مثيرٌ للاهتمام” قال السيد بيرجيريه، “أن حالة التشرّد التى تُعاقب بستة أشهرٍ من الحبس و عشر سنواتٍ من رقابة الشرطة هى تحديداً الحالة التى كان القدّيس فرانسيس[4] قد جعل عليها رفاقه في كل من سلك القدّيسة مريم ذات الملائكة[5] و بنات القديّسة كلارا.[6] لو كان القدّيس فرانسيس الأسيزي و القدّيس أنطونيو اللشبوني[7] قد حضرا إلى باريس لإلقاء المواعظ اليوم فإنهما كانا سيخاطران بأن يوثقا و يرميا فى عربة السجن ثم يساقا إلى محكمة الشرطة. ليس الأمر هو أنني أروم التنديد أمام السلطات بالرهبان المتسوّلين الذين يجولون بيننا الآن، فلهؤلاء مصادرٌ للرزق؛ إنهم يمارسون جميع أصناف التجارة”.

“إنهم محترمون لأنهم أغنياء”، قال جان مارتو. “الفقراء فقط هم من يُمنعون من الاستجداء. لو كان قد تم إكتشافى تحت شجرتى لكان قد أُلقي بى فى السجن، و كان ذلك سيُكون عدلاً. لأننى لا أمتلك شيئاً، سأُعتبر عدواً للملكيّة؛ فالأمر بالنهاية يتعلق بحماية الملكيّة ضد أعدائها. إن أجلّ مهامّ القاضى هى أن يضمن لكل شخصٍ ما يعود له، للغنىّ غناه و للفقير فقره”.

“لقد فكّرت فى فلسفة القانون”، قال السيد بيرجيريه، “و وجدت أن هيكل العدالة الإجتماعية بأكمله يقوم على مسلّمتين: إدانة السرقة، مع احترام نتيجتها. هذان هما المبدآن اللذان يضمنان أمان الأفراد و يحفظان النظام فى الدولة. لو أن واحداً من هذين المبدئين الوصائيّين تم خرقه فإن بناء المجتمع بأكمله سيتداعى. هذان مبدآن وُضعا منذ بدء الزمان. هناك زعيم قبيلةٍ ما – متدثراً برداءٍ من جلد دبٍ و مسلحاً بفأسٍ من الصوّان و سيفٍ من البرونز – عاد مع رفاقه إلى حصنهم الصخرى، حيث كان أطفال القبيلة مودَعين و معهم كتائبٍ من النساء و حيوانات الرنّة، فجلبوا معهم بعض الفتية و الفتيات من أبناء القبائل المجاورة و شيء من الحجارة المتساقطة من السماء، التى اعتبرت ثمينةً لأنهم كانوا يصنعون منها السيوف التى لا تنثنى. تسلّق الزعيم تلةّ صغيرةّ فى الجوار، و قال “هؤلاء العبيد و هذا الحديد، الذين أخذتهم من رجاٍل ليني العريكة و محتقرين، هم لى. كل من تُسوّل له نفسه أن يضع يده عليهم سوف أضربه بفأسي”؛ هذا هو أصل القانون. إن روحه قديمةٌ و بربرية، و الناس لا يجدون الطمأنينة فى العدالة إلا من حيث هى تصديقٌ لكل ما سبقها من المظالم”.

“يمكن أن يكون القاضى مُحسناً، فليس جميع الرجال أشرار؛ أما القانون فلا يمكن أن يكون كذلك لأنه سابقٌ على جميع أفكار الإحسان. أن التغييرات التى لحقت به على مرّ الأزمنة لم تغيّر فى طبيعته الأصلية. جعل الفقهاء منه هادئاً، و لكنهم أبقوا عليه بربرياً. أن وحشيته هى ما يجعل منه محترماً و ومرهوب الجانب. لقد اعتاد الناس على عبادة الآلهة الشريرة، أما ما خلا من القسوة فلا يبدو لهم مستحقاً للعبادة. و المحكوم عليه يؤمن بعدالة القانون، إذ أن مرجعيّته الأخلاقية هى ذات مرجعيّة القضاة، فالكل يؤمن بأن جزاء التصرف المُجرَّم هو العقاب. فى كلٍ من مخفر الشرطة و المحكمة كان يؤثّر بى أن أرى كيف أن كلاً من المتهم و القضاة كانوا يتفقون بشكلٍ عامٍ في أفكارهم حول الخير و الشر؛ فلديهم جميعاً نفس التحيّزات و يشتركون فى ذات المنظومة الأخلاقية.

“الأمر لا يمكن أن يكون على خلاف ذلك”، قال جان مارتو. “إن مخلوقاً فقيراً سرق من نافذة دكّانٍ ما قطعة سجقٍّ أو زوجٍ من الأحذيةٍ ما كان ليبحث فى هذا الصدد فى أصل القانون و أساس العدالة بعمقٍ و فطنة، أما هؤلاء الذين على شاكلتنا ممن لا يتهيّبون من أن يروا فى أصول التشريعات رخصةً بالعنف و الإثم، فهم لا يستطعون حتى سرقة نصف قرش”.

“و لكن و رغم كل شئ”، قال السيد جوبان، “هناك قوانينٌ منصفة”.

“هل تعتقد ذلك؟” تساءل جان مارتو.

“السيد جوبان محق”، قال السيد بيرجيريه. “هناك قوانينٌ عادلة. و لكن لما كان القانون قد نشأ لحماية المجتمع، فهو فى روحه لا يمكن أن يكون أكثر عدلاً من المجتمع الذي ما وضع إلا لحمايته. ما دام المجتمع قد تأسّس على الظلم فإن وظيفة القوانين ستكون حماية هذا الظلم و دعمه. و كلما كانت القوانين أكثر ظلماً كلما ظهرت أكثر استحقاقاً للاحترام. لاحظ أيضاً أنه لما كانت أكثر هذه القوانين قديمة، فإنها لا تمثل حالة الإثم الحالى بل الإثم القديم الذى يتّسم بأنه أكثر فجاجةً و بلادة. إنها أنصبةٌ تذكاريةٌ للعصور المظلمة التى دامت إلى أن جاءت الأيام الأكثر أستنارة”.

“و لكنها في طور التحسّن”، قال السيد جوبان.

“إنها في طور التحسّن”، قال السيد بيرجيريه. “البرلمان و مجلس الشيوخ يعملون عليها عندما لا يكون أمامهم شيئٌ آخرٌ يفعلونه. و لكن قلب هذه القوانين كما هو، و هو مرّ. و حتى أكون صريحاً، فأنا لا أخاف من القوانين السيئة مادامت تُطبّق على يد قضاةٍ صالحين، القانون لا ينحنى، كما يُقال، و لكنى لا أصدّق ذلك. ليس هناك نصٌ لا يمكن تفسيره على أكثر من وجه. القانون ميّت، و لكن القاضى حىّ: أن له سلطاناً عظيماً على القانون. لسوء الحظ فإنه نادراً ما يستخدمه. إنه يدرّب نفسه عادةً على أن يكون بارداً، أقل إحساساً، و أكثر موتاً من القانون الذى يطبّقه. إنه ليس بشراً؛ فلا يعرف الشفقة، لأن روح الطبقة التي بداخله تخنق كل عاطفةٍ إنسانية.

“أنا اتحدث الآن عن القضاة النزيهين فقط”.

“إنهم الغالبية”، قال السيد جوبان.

ردّ السيد بيرجيريه “إنهم الغالبية، إذا ما كنا نقصد النزاهة الاعتيادية و الأخلاق اليومية. و لكن هل مقاربة الأمانة الشائعة تعتبر كافيةً لرجلٍ مكلّفٍ بممارسة سلطة العقاب المهولة، من دون الوقوع فى الخطأ أو التعسف؟ أن القاضى الجيد ينبغي أن يكون له فى الآن ذاته قلبٌ طيبٌ و عقلٌ فلسفى. و لكن هذا مطلبٌ كبيرٌ من شخصٍ يُفترض به أن يشقّ طريقه فى الحياة و ذو تصميمٍ على التطوّر في مهنته، هذا إذا ما استبعدنا أنه إن أظهر حساً أخلاقياً رفيعاً متعالٍ على زمنه فإنه سوف يُلاقى الكره من قبل زملائه و سوف يثير استنكاراً عاماً، لأننا ندين كلّ حسٍ يخالف حسّنا فنصمه بأنه لا أخلاقيّ. إن كل من قدّم شيئاً طيباً جديداً إلى هذا العالم جوبه بسخرية الناس الطيّبين. هذا ما حدث للرئيس مانيو.”[8]

“لدىّ أحكامه هنا، مجمّعةً فى مجلّدٍ صغير مع تعليقاتٍ وضعها هنري ليريه. عندما تمّ النطق بهذه الأحكام، أثار الأمر استنكار القضاة المتزمّتين و المشرّعين المتسامين. لقد كانت هذه الأحكام مزدحمةً بالأفكار النبيلة و العاطفة الرقيقة، و كانت ملأى بالشفقة، إنسانيّة، و تنحو نحو الفضيلة. و لكن فى محاكم القانون كان يُنظر إلى الرئيس مانيو باعتباره شخصٌ ذو عقلٍ غير قانونىّ، كما أن أصدقاء السيد ميلين[9] اتهموه بعدم احترام فكرة الملكيّة. و الحق أن الاعتبارات التى استندت إليها أحكام الرئيس مانيو لها طبيعةٍ فرديّة، ففى كل سطرٍ يلتقى المرء بأفكار عقلٍ مستقلٍ و عواطف قلبٍ كريمٍ”.

تناول السيد بيرجيريه مجلداً قرمزياً من المنضدة، و بدأ يقلّب صفحاته، و يقرأ:

– “الأمانة و الدقة هى فضيلتان من السهل على المرء أن يمارسهما إلى ما لا نهاية عندما لا يكون مفتقراً إلى شئ، بالمقارنة بما إذا كان محروماً من كل شئ”.

– “ما لا يمكن تجنّبه لا يستقيم توقيع العقاب عنه”.

– “حتى يمكن أن يحكم على الجريمة أو على الفقير بعدالة، على القاضى أن ينسى وضعه المريح للحظة، ليضع نفسه ما استطاع فى الموضع الحزين لهذا الذى هجره الجميع”.

– “فى تفسيره للقانون، على القاضى ألا يحصر تفكيره فى الحالة الخاصة المعروضة عليه، بل أن يأخذ فى الاعتبار النتائج الأوسع لحكمه و ما يمكن أن ينطوي عليه من الآثار الخيرةٍ و السيئة”.

– “العامل وحده هو من ينتج و من يخاطر بصحته أو بحياته لتحقيق ربحٍ يؤول حصراً إلى رب عمله، الذى لا يخاطر بدوره بشئٍ سوى رأسماله”.

“لقد سردتُ هذه الأقوال بشكلٍ اعتباطىّ”، أضاف السيد بيرجيريه، و هو يغلق الكتاب. “هذه كلماتٌ جديدة. إنها أصداء روحٍ عظيمة”.

[1] المصدر:

Anatole France, Crainquebille, Putois, Riquet et plusieurs autres récits profitables.

[2] أناتول فرانس Anatole France (1844-1924): كاتب و ناقد فرنسي، تميز بالكتابة الساخرة. كان عضواً بالأكاديمية الفرنسية، و حاصل على جائزة نوبل  في الآداب.

[3] غابة فيسين Bois de Vicennes: أكبر غابة في العاصمة الفرنسية باريس، تقع في شرق المدينة.

[4] القدّيس فرانسيس الأسيزي Saint Francis of Assisi (1181-1226): راهب كاثوليكي، كان ينبذ اعتزال الرهبنة فأسس السلك الفرنسيكاني (Franciscan Order) للدعوة بين الناس و البشارة بالبساطة و حب الله و جميع المخلوقات من بشرٍ و حيوان. يقال أنه وقع في أسر المسلمين أثناء الحملة الصليبية الخامسة، فأكرموه و أعادوه إلى جماعته.

[5] سلك القدّيسة مريم سيدة الملائكة (Saint Mary of the Angels): سلك ديني يتبع القدّيس فرانسيس الأسيزي، معقله هو كنيسة Basilica of Santa Maria degli Angeli في مدينة Assisi في إيطاليا.

[6] القديّسة كلارا الأسيزية Saint Clare of Assisi (1194-1253): راهب كاثوليكية، نادت بالتزهد و العيش من دون امتيازات.

[7] القدّيس أنطونيو اللشبوني Saint Anthony of Padua (1195-1231): راهب كاثوليكي برتغالي الأصل ينتمي للسلك الفرنسيكاني. كان يعرف بـ “مطرقة الهراطقة” لشدته في نشر العقيدة الكاثوليكية في أوساط المنشقين عن الإيمان.

[8] الرئيس مانيو President Magnaud (1848-1926): قاضي فرنسي يعرف بـ “القاضي الطيب” لأحكامه التي كان يتحرّى فيها الأنصاف للفئات الضعيفة رغماً عن التفسيرات التقليدية للقانون. كانت له شعبية كبيرة، و قد جمع H. Leyret أحكامه و نشرها في مجلد عام 1900.

[9] فيليكس ميلين Félix Méline (1838-1925): سياسي فرنسي كان رئيساً لوزار الجمهورية.

 

“مراحــل الفهــم”، ترجمة لأطروحة بيير دي كوبرتان

قياسي

 

Stages of Understanding

Pierre de Coubertin

“مراحــل الفهــم”

ترجمــة لأطروحــة بييــر دي كوبرتــان

(Pierre de Coubertin, Essais de psychologie sportive, 1913)

 

ترجمــة:

د. مشاعــل عبـد العزيـز الهاجــري

4 سبتمبر 2014

 999

 

 

كان البارون فرنسي بيير دي كوبيرتان (Pierre de Coubertin (1937-1863) عسكرياً و منظراً رياضياً، و هو صاحب فكرة إحياء البطولات الاولمبية القديمة و مُطلق الألعاب الأولمبية الحديثة.

كان ينادي بالسلام العالمي و يسوّق لدور المواجهات الرياضية في خلق فرص التعارف بين الشباب و تدريبهم على الأسس النبيلة للمنافسة الشريفة. و لذلك، وجد في الموروث الأولمبي اليوناني ضالته، لا سيما في بعده القيمي (المساواة و الشرف و الاستقلالية و عدم التبعية و روح الهواية)، فجعل منه عقيدةً حقيقية.

حتى اليوم، يستذكر العالم مساعي البارون دي كوبيرتان الحثيثة في هذا الصدد و سعيه الدؤوب لاقناع الرأي العام الأوروبي و العالمي بالفكرة “المجنونة” آنذاك.

ترك دي كوبرتان الكثير من الكتابات – نصوصاً و مقالات و نظريات أفكار – حول التربية الرياضية، و كان من أهم منظريها. في هذه الأطروحة، يتحدث عن رؤيته لمراحل إيمان الناس بالأفكار الكبرى، مستنداً إلى تجربته الأولمبية كمثال.

لا يزال عزم دي كوبرتان مضرب مثلٍ في مدى تأثير إيمان فردٍ واحدٍ بقضيةٍ كبرى.

__________________________________________

 

 

هؤلاء الذين لاحظوا ظاهرة الحياة المشتركة – عن قربٍ و بتمعّن – لن يفوتهم كيف أن بعض الأفكار تتغلغل في الرأي ببطءٍ و إثر مرحلةٍ تمهيديةٍ طويلة، لتأتي بعدها المرحلة الثانية بصورةٍ سريعةٍ إلى درجةٍ مدهشة في أغلب الاحيان، و هي المرحلة التي تلاقي فيها هذه الأفكار انتشاراً واسعاً.

و هنا، نحن نتحدث عن الأفكار (ideas) و ليس عن الصرعات (fashions)، فالأخيرة لا يوجد بصددها ما يقال مما قد يثير الاهتمام. إن مسائل الصرعة، سواء تعلقت بالملابس أو بالحركات أو بالعادات، لا تكشف إلا عن ميولٍ “بانورجسمية” (panurgism)؛[1] إي روح التقليد التي توجد عادةً بداخل كل ما هو محدودٍ و متواضع.

إن الظروف المواتية، او الحظ السعيد، تكفي احياناً لخلق النجاح. و لكن عندما يتعلق الأمر بالأفكار – لا سيما الجديد منها – أو بالإصلاح، فإن الظاهرة تستحق الملاحظة، من حيث ان تطورها يصلح موضوعاً لاكتشافاتٍ تستأهل الاهتمام.

على وجه العموم، مثل هذه الأفكار لا “يُطلق” (launched)، لأنها في حالاتٍ كهذه تختفي لوحدها خلال مدة معينة. إنها، عوضاً عن ذلك، “تُكشَف” (exposed)، بدرجاتٍ متفاوتة من الاحتفاء، فيكون من المناسب استقبالها بشكلٍ إيجابيّ، و لكن مع الاحتفاظ بمسافةٍ منها دائماً.

إن من يتفقون مع تلك الأفكار الجديدة سوف يكتفون بانتاج الملاحظات الأفلاطونية و الوعود، أما الجمهور فسوف يعيرها اهتماماً لا بأس به، إلا أنه لن يقوم بأي مبادرةٍ تجاهها. هنا، يمكن القول بأن شيئاً من العجز الفيزيائي (physical incapacity) يفصل ما بين قبول الفكرة و وضعها موضع التنفيذ.

سيُعجب كثيرٌ من الناس بالفكرة الجديدة، و سيودون لو تحرّكوا بصددها، و لكنهم لن يتمكنوا من ذلك. و حتى لو تمكنوا – بفضل الحظ – من تنظيم شكلٍ ما من أشكال الفعل (action)، فإنه سوف ينهار بسرعة، كما لو كان قد استُنفِذ. سيُظن أن هذا فشل، و سيرين الصمت. و مع ذلك، فالأمر ليس كما يبدو أبداً، فبعد مضيّ زمنٍ قصير، ستطفو الفكرة إلى السطح مرةً أخرى، لأنها صارت تتمتع الآن بقوةٍ كامنةٍ كانت تعوزها قبل ذلك. لقد تحوّلت – وفق تعبير الفيلسوف الفرنسي “فوييه” (Fouillée) إلى “الفكرة-القوة” (an idea-force).[2]

و لدى الفحص الدقيق، و في أغلب الحالات، يتبين أن الفكرة لم تمر بأي تغيير، كما أنها لم تكتسب وزناً، و لا حتى أسبغ عليها الناس أو الأحداث شيئاً جديداً. و مع ذلك، فهي تجد نفسها تواجه موقفاً متحولاً: لقد صارت الآن تُستقبل بطريقةٍ مختلفةٍ.

ربما كانت الفكرة، في البداية، لم تُفهم جيداً، إذن؟ لا، ليس الأمر كذلك، لقد كانت الفكرة مفهومة “نظرياً” (in theory)؛ لقد فُهِمَت على بُعْدٍ واحد (one dimension). أما الآن، فقد صرنا نفهمها كما لو كانت “موشوراً” (prism).[3] في الحقيقة، لكل الأفكار طبيعةٌ موشورية.

من أين جاء هذا التحول؟ هل كانت مجرد مسألة وقت، أم هل كانت عمليةً ذهنيةً غير واعية؟ إن التحول لا يمكن أن يُعزى إلى الزمن وحده؛ إن حِسّنا السليم يؤكد ذلك. ينبغي، إذن، قبول نظرية العملية الذهنية. و لكن هذه العملية، رغم ذلك، تتطلب الوقت، و هي كثيراً ما تحدث بمعزلٍ عن أي فعلٍ من طرف من يدعمون الفكرة. و كثيراً، أيضاً، ما تحدث بصورةٍ غير واعية، من دون أن يتم تضخيم الفكرة أو إعادة فحصها. و لذلك، يمكن القول أن الأمر يتعلق بمسألة تفكيرٍ آليّ (mechanical reflection). إنها بذرةٌ غُرِسَت في أرضٍ مناسبة، فأثمرت بفضل الجلال البطيء، المَلَكيّ، و المتأصّل في هذه العملية الغامضة: من دون إدراكٍ منه، إنه العقل من حضّر الفكرة.

تُقدم اللغة الشعبية عبارةً جِدّ معبرةٌ لوصف هذه الظاهرة: “إن الفكرة تتشكّل” (it takes form)؛ هذا بالضبط ما تفعله. و لكن في الحقيقة، ليست الفكرة هي ما تغيّر، إن من تغيّر هو من تبناها. لقد صار قادراً على إدراك شكلها، هويّتها. حتئذٍ، هو لم يكن يرَ سوى صورة عنها، و ما دام المرء لا يرى إلا صورة الفكرة عوضاً عن إدراك شكلها، فإنها لا يمكن ان تتحول إلى “الفكرة- القوة”. يمكن تقديم العديد من الأمثلة في مجال التربية البدنية (physical education): من ذلك، التطور العضلي لدى يان و اتباعه،[4] في إنجلترا مع أرنولد،[5] في السويد و في الولايات المتحدة الأمريكية؛ في كل هذه الحالات مرّت التربية البدنية تماماً بالمراحل التي أشرنا إليها. و بنفس الطريقة، فإن مقترح إعادة تنظيم الألعاب الأولمبية قد تم تقريظه بل و حتى دعمه من قبل أناسٍ أقرّوا الفكرة من خلال شعورٍ غريزيّ، من دون أن يفهموها. كانوا لم يروا “الموشور” بعد. و إلى فترةٍ قريبة، فإن الفكر الشمولي (utilitarian doctrine) – كما كشف عن نفسه رسمياً في ثلاث مناسباتٍ في باريس خلال ربيع 1901 و شتاء 1902 – هذا الفكر ظلّ راقداً ثم، فجأةً، أخذ زخماً يكاد يكون عالمياً. إن هذا لمَثَلٌ واضحٌ على صحّة النظرية التي قدمناها.

ما هي النتيجة العملية التي يمكن استخلاصها من ذلك؟ في أية مقتطفاتٍ (anthology) من هذا القبيل، تكون مكرّسة لتقريظ “الفعل” (action)، فإن تنظيراتٍ من هذه الطبيعة يمكن ان تُعتمد فقط إذا كانت تنطوي على قيمةٍ ذات فائدةٍ للقاريء. في هذه المناسبة، فإن القيمة واضحة تماماً، و هي أن المرء عندما يكون بصدد خلق واقعٍ جديدٍ أو إطلاق عمليةٍ إصلاحيةٍ يتعيّن عليه عدم إبخاس عنصر الوقت قيمته أبداً، و تحت أيّ ظرفٍ من الظروف. من دون مرور الزمان، لا يمكن لأيّ شيءٍ دائمٍ أن يُؤسّس أو أن يُستعاد.

إن هذا الضرب من التنظير قد يُفسّر لمصلحة فكر “بول بورجيه” (Paul Bourget)،[6] و لكنه أصحّ فكرياً (intellectually) ألف مرّة منه اجتماعياً (sociologically). إن هذا الروائي الشهير لم يُثبت – بخلاف التاريخ – استحالة تجاوز بعض المراحل الاجتماعية، فيما الخبرة اليومية تبيّن لنا أنه يستحيل تجاوز مراحل الفهم، لا سيما الفهم الجمعي اللازم للإصلاح أو للتطوير.

 

 

[1] التعبير يفيد معنى الميل إلى التقليد، و هو مستوحىً من الرواية الشهيرة “حياة غارغانتوا و بانتاغرويل” (La vie de Gargantua et de Pantagruel) للكاتب الفرنسي الساخر فرانسوا رابليه (François Rabelais) 1483-1553. (- المترجم).

[2]  ألفريد فوييه (Alfred Fouillée) 1838-1912: فيلسوف فرنسي اشتهر بنظرياته حول “الأفكار الفاعلة”. (- المترجم).

[3]  الموشور (prism) هومجسمٌ مصنوعٌ من البلور، قاعدته مثلثة الأضلاع، يُستخدم لتشتيت الضوء، بحيث يتحلّل إلى عناصره الطيفيّة. (- المترجم).

[4]  فريدريك لودفيج يان (Friedrich Ludwig Jahn)، 1778-1852: منظّرٌ رياضيّ و مؤسس أول نادٍ لتدريب الجمباز في برلين، إبان عهد الدولة البروسية. (- المترجم).

[5] توماس أرنولد (Thomas Arnold) 1795- 1842: أحد رواد التعليم العام في العصر الفيكتوري في إنجلترا القرن التاسع عشر. (- المترجم).

[6] بول بورجيه (Paul Bourget) 1852-1935: روحاني و روائي فرنسي، اشتهر بفكرته القائلة بأن أفعالنا تتبعنا. (- المترجم).

في رثاء علي طارق الريحان: أحــزان النحاتيــن

قياسي

في رثاء “علي طارق الريحان”:

أحــزان النحاتيــن

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

جريدة القبس، 12 مارس 2014

http://www.alqabas.com.kw/node/846536

Ali Alraihan

قال تعالى: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ}.

أكتب الآن، و نحن في صباح اليوم الأول لوفاة طالبي النجيب، الخلوق، المرح، و العزيز “علي طارق الريحان”، عندما دخلت قاعة المحاضرة، لأجد أصحابه، و لا أجده.

في قصيدةٍ شهيرةٍ له، قال الشاعر العباسيّ ابن النبيه:

الناس للموت كخيلِ الطراد / فالسابقُ السابقُ منها الجوادِ

والله لا يدعو إلى داره / إلا من استصلح من ذي العبادِ

و الموت نقادٌ على كفه / جواهرُ، يختار منها الجيــادِ

يقولون أعذبُ الشعر أكذبه. لا أظنّ ذلك. ها قد كتب ابن النبيه شعراً عذباً، و ها هو قد صدق فيه، و ها هو رحيل عزيزنا الغالي “علي طارق الريحان” يأتي مفاجئاً، مخاتلاً، موجعاً، فقط ليُبَرْهِنَ على صِدْقُ الشاعِرِ فيما نَظَمَ عن الموت، و عن معاييره الانتقائيةِ العالية.

عندما يرحل شابٌ في ريعان الشباب، فإن الوالدينِ ينعيان ابناً، و الأصدقاء يفتقدون صديقاً، و بذلك فإن ما يخسرونه برحيل عزيزهم هو الماضي، و ذكرياتهم معه فيه. أما الأستاذ، المؤمن بتلميذه، المُتبنّي له، و الذي كان يُحضّره لأمورٍ كبيرة، فهو – و إن كان لا يُزايد على هؤلاء في حزنهم الصادق – إلا أن خسارته لا تشبه خسارتهم، من حيث انها لا تتمثل في الماضي، و إنما في المستقبل؛ فهو – مع التسليم بقضاء الله و أمره – لا ينعِ ما كان، بل ما كان يمكن أن يكون. و بذلك فإن الأستاذ يتوحّد، من دون رفيق، في فقدٍ مؤلمٍ من نوعٍ خاصٍ جداً؛ شيءٌ ما يقارب في فداحته فَقْدَ قطعةٍ فنيةٍ جميلة و استثنائية، آمن بمادتها الخام، و انتقاها انتقاءً، فعمل عليها سنوات، ليضع فيها قِطعاً من وقته و علمه و عمله بل و روحه، مثل نحّات. من يقرأ في تاريخ الفنون يعرف أن للنحّاتين ذوي المشروعات غير المكتملة أحزانٌ من طبيعةٍ مختلفة؛ لا تشبه الأحزان، لأن خسائرهم لا تتمثل بذكرياتٍ مضت و انقضت، بل برُؤىً مستقبليةٍ ابتُسِرَت من قبل أن تبدأ.

في كل عامٍ درّسته خلاله، وجدت علياً يتصدى دائماً – مُلحّاً و متطوعاً – لمهامٍ أكاديميةٍ كثيرة، لا تُعدُ و لا تُحصى، لا يرى منها الآخرون إلا شيئاً واحداً، هو أبسَطُها، ممثلاً في  تجهيز آلة العرض في بداية كل محاضرة. كانت مهمةُ عليٍ تلك مهمةً مملةً، مزعجةً، و متطلبة. و لكن زملاءُه ما كانوا يشهدون ذلك، فما كانوا يرون إلا علياً و هو يشغّل الجهاز ثم علياً وهو يُطْفِئُه، فلا يظهر لهم ما بين التشغيل و الإطفاء من أعطالٌ دائمة، تعقيداتٌ فنية، حجوزاتٌ إدارية، تنسيقٌ مستمر و انشغالٌ متكرر. كان عليٌّ يخوض في كل ذلك، و أكثر، بجهدٍ حقيقيٍّ، لا يدفعه إليه إلا شغفه بالخدمة العامة.

و بذلك، فإن محاضراتنا الهامةِ في مواد أصول القانون و الإلتزامات المدنية و قواعد الإثبات و قاعات البحث ما كان لها أن تُعقد – حقيقةً – من دون عليٍ و جهوده المخلصة، المتبّلة دائماً بابتسامته الشهيرة.

كلما تذكرت علياً، تذكّرت له هذا الفضل، و أشياءٌ أخرى، ثم استحضرتُ معها ما حدّثنا به رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الثلاثِ الباقياتِ من عمل المرء بعد موته، و على رأسها العِلْمُ الذي يُنتفع به. بذلك، أنا الآن أدعو جميعَ طلبتي ممن زاملوا علياً في المواد التي درّستُها لهم في السنتين الأخيرتين لأن يتذكروا دائماً أن لعليٍ – بطريقة خاصةٍ ما –  فضلٌ كبيرٌ في معارفهم الحقوقية: لولا عليٌّ ما تعلّمتُم ما تعلّمتُموه.

أما و قد اختار المولى عزّ و جلّ علياً الى جواره الكريم، فإنه – و لحُزنِنا العميق – لن يتخرّج كطالبٍ حقوقيٍ فرد، و لكنه رغم ذلك، و لفضله هذا، سيتخرّج و هو دفعةُ كاملة؛ جزءٌ أصيلٌ من بنية التكوين المعرفيّ لكل من درسوا معه عندي من الحقوقيين. و هكذا، ففي المستقبل، سيكون بداخل كل قاضٍ من زملائه هؤلاء، كل محامٍ، كل وكيل نيابة، و كل خادمٍ فخورٍ في محراب العدالة المهيب، سيكون بداخله جزءٌ من عليّ، و دينٌ لا يتقادم تجاهه. سيَكبُرون و سيشيخون، و لكنهم سيَظلّون – رغم ذلك – مدينين دائماً لهذا الفتى الطيب، الذكيّ، بطل الكاراتيه ذي النظارات السوداء الكبيرة التي تغطي نصف وجهه فلا تظهر منه إلا ابتسامةٌ واسعةٌ، و الذي سيبقى، رغم الزمن، شاباً نضراً له من العمر تسعة عشر ربيعاً، لا يزيدون، حتى عندما يغزو الشيبُ مفارقَ أصحابه.

مضت كلمة ربك. لم يبق لنا من عزاءٍ، الآن، إلا أن نتذكّرَ ما يُقالُ من أن “لكل امرءٍ من اسمه نصيب”. يقيني أنه لم يغادرنا من “عليٍ” إلا اسمُهُ الأولَ فقط، إذ سيبقي لنا منه دائماً اسمه الأخير، “الريحان”، بل و جميع مرادفاته العَطِرة؛ المشموم و الحَبَقُ و الخُزامى معاً.

 ورد في الحديثِ الشريف: “إِذا أُعْطِيَ أَحَدُكُم الرَّيْحانَ فلا يَرُدَّه”. و نحن جميعاً – و قد عرفنا علياً لسنوات – ينبغي أن نُدرِك أننا إنما أُعطينا ريحاناً عَطِراً، فدعونا لا نَرُدّه: لنُبقِ على ذِكرى عليٍ حيةً، فلا ننساه.

عن نفسي، دائماً، و مثل نحاتٍ بوغِتَ بفَقْدِ مادته الأوّلية الجميلة الواعِدة، سأتذكر علياً – هذا الحبيب، سليلُ الريحانِ و قلبُه – و أستَحضِرَه في كلِّ ما هو زكيٌّ، شذيٌّ، فواحٌ، و عاطرٌ.

في علّيين يا علي.

_________________

جريدة القبس، 12 مارس 2014

http://www.alqabas.com.kw/node/846536