Category Archives: معاجم

المعاجم كمرايا مجتمعية

قياسي

26731514_10155838161476071_7984263043270286784_n[1]المعاجم كمرايا مجتمعية

د. مشاعل الهاجري

Mashael.alhajeri@ku.edu.kw

18 يناير 2018

 

أن لا نشجّع المثليّة الجنسية هو شيء، و أن ندعو للكراهية و القسوة بل و القتل كلما ظهرت بيننا – كحقيقةٍ من الحقائق الفسيولوجية و النفسية للحياة – هو شيءٌ آخر، لا سيّما و أن الأمر يتعلق بخياراتٍ شخصيّةٍ حميمة، لا بأفعالٍ مُهددةٍ للغير في المال أو النفس.

في الخلط دائماً أساسٌ لسوء الفهم، و من ثمّ لفداحة القرار.

من هنا، ربما كانت التسمية هي نقطة البداية لهذا المبحث:

المعاجم العربية تسمي من يتصف بالمثلية “شاذٌ جنسياً”، فتقطع مسبقاً بأنه مخالفٌ للطبيعة و تُعرِّفه للعالم بذلك، أي أنها تتجاوز التسمية، فتتعداها إلى الحكم و التصنيف.

هذا، فيما يترجم لفظ “gay” بالإنجليزية إلى “مثليّ الجنس”، و ليس شاذه، و هي كلمةٌ تجد أصلها المعجمي في كلمة “gaiety” التي تعني البهجة، و التي اسم الصفة منها هو “gay” أي “أَزْهَر؛ بَشوش؛ بَهِيج؛ زاهٍ؛ ضَحُوك؛ طَرُوب؛ فَرِح؛ فَرْحان”.

أما السبب وراء كل هذه المعاني الجذلة للكلمة الإنجليزية، فهو أمرٌ ثقافيٌ خاص بذلك المجتمع، و شأن يتعلق بالشخص المعنيّ. بذلك، فالأمر و إن كان لا يعجبنا، إلا أنه لا يعنينا.

شيئاً فشيئاً، بدأت هذه الترجمات تتراجع من معاجمنا، فأصبحت الترجمة العربية الأولى التي تظهر للباحث عن معنى لفظ “gay” هي “الشاذ جنسيا”، لتصير هي المعنى الوحيد المعروف لنا. لقد استغرق المعنى اللفظ، فوارى كل ما عداه من معانٍ أخرى.

لا أعرف السبب وراء ذلك، و لكن قد يكون من المناسب استحضار البعد الديني هنا، باعتبار أننا عادة ما نبني بناءنا القيمي على أساسات دينية كلما تعلق الأمر بأحكام القيمة.

فهل أثر الدين في اللغة، أم أنها اللغة هي من أثر في الدين؟

لا أدري، و لكن ما هو واضحٌ بجلاءٍ هنا هو أن في مواقفنا الحادة تجاه المثلية الجنسية أصلٌ ثقافيّ(cultural) ما، يشتد أو يضعف تبعاً لقوة الموجات الفكرية التي تضرب شواطئنا الثقافية.

أما تصنّع البراءة الحضارية، و لزم المسلك التطهريّ (Catharsis) الذي يظهر ثقافتنا و كأنها ثقافةٌ أحادية مسلكياً لم يظهر بها المختلفون، فهو أمرٌ يكفي لدحضه الاطلاع على قصائد أبي نواس و الخرَّاز و ابن الرومي، و كتابات الجاحظ و الطبري و السيوطي و الذهبي و المسعودي، و كثير عداهم.

هذا، بالنهاية، هو جزءٌ من تراثنا، الذي و إن كنا لا نفخر به، فعلى الأقل لا يصحّ أن نتظاهر بأنه لم يوجد قط.

أما إن اعترفنا به في ماضينا الحضاري، ثم أردنا أن نجهد لتغييره في واقعنا المعاصر، لاننا نحرص على أولادنا و بناتنا – فنحن آباءٌ و أمهاتٌ في النهاية – فنفعل حسناً إن جدّدنا في طرقنا لحمايتهم، فأدركنا أن الكراهية و القسوة و القتل لم تكن – أبداً – أدوات ناجعة لأيّ تغييرٍ إيجابي.