Category Archives: Uncategorized

Engaged Civic Activism: Ten Lessons and One Caveat

قياسي

tree-596x510[1].png 

Engaged Civic Activism:

Ten Lessons and One Caveat

 Dr. Mashael Alhajeri

 A Talk delivered at the ‘Dialogue X’ forum

Faculty of Architecture, Kuwait University, 20 November 2017

 

(A) Lessons:

(1) A broken pipe? A badly loaned grass? Tattered street signs? No matter how small the problem is, remember Mother Nature’s basic rule: the little ones always grow up (sometimes to gigantic proportions, even). Do not be passive. Speak up, before it’s too late.

(2) Not only does complaining create bad energy, it leads to nowhere. Act, or you lose all right to be heard (and honestly: nobody wants to listen to another grumbler).

(3) Do not work alone. Find (or create) a small cohort of like-minded people, and gather around your chosen common cause.

(4) The smaller the group, the better the interaction (group dynamics, logistics, decision-making patterns etc). Remember: numbers do not mean anything. It is qualitative, not quantitative; even a train of 20 compartments is driven by one small engine-equipped locomotive.

(5) Be civilized. Do not dramatize.

(6) Mind your language. Anger is not an excuse for defamatory rhetoric. Use offensive, obscene words, and you will be amazed to witness the law machine moving faster, and more efficiently, than its administrative counterpart, ie the one you have been struggling against all the time!

(7) Practice sound, moral judgments. Even wars, when waged, are salvaged by ethics and chivalry. Integrity is key.

(8) Educate yourself about your topic, eg:

– Social history

– Administrative plan

– Civil experiences

– Best practices

– Regulatory requirements

– Comparative law, etc.

(9) Keep your messages short, concise, and well-defined. Result-oriented public platforms are not meant to be arenas for intellectual muscle-flexing.

(10) Administrivia, all over the world, is a factory of vain hopes and meaningless promises. However, remember: this is only natural, as administrivia is merely the backdrop of politics. So, do not have great faith in classical administrative hierarchies (ie bureaucracies). These are merely structures; they only function when inhabited by a ‘soul’ (a believer, an angry citizen, a driven group, community demands / rejections etc).

(B) Caveat:

 

Despite all the above, there is always a good chance that your passionate civic endeavors will not necessarily be fruitful. In fact, and statistically speaking, there will be frustrations and defeats more than there would be satisfactory, tangible results.

But that’s absolutely fine. The reasons for this being:

– You are not alone. It is a relay race. Somebody else will always pick up right where you stopped. This is what is particularly beautiful about community work.

– Most importantly, you get to show the world what you’re made of 🙂

Advertisements

حظــور فيلكــا كسيــاجٍ حــامٍ لتاريخنــا: نظــراتٌ قانونيّــةٌ في الموضــوع، و أشيــاءٌ أخــرى علــى أطرافــه

قياسي
1 حظرة بوربّاع، جنوب فيلكا 2016.jpg

حظرة بوربّاع، جنوب فيلكا

 

حظــور فيلكــا كسيــاجٍ حــامٍ لتاريخنــا:

نظــراتٌ قانونيّــةٌ في الموضــوع، و أشيــاءٌ أخــرى علــى أطرافــه[1]

 د. مشاعل عبد العزيز اسحق الهاجري

(نُشِر في: جريدة القبس، 9 إبريل 2018)

“جيس قبل تغيص. ما ينفع الجيس من بعد الغرق”.[2]

 – مَثـَل كويتيٌ بحريٌّ قديم.

9 الأختام البريدية لمكتب بريد فيلكا نادرة –

 عن الحظرة، و عن كائناتها

في طفولتي، عندما كان البحر أشد زرقةً و أكثر كرماً، مارست أنا و أقراني صوراً عديدة من الصيد البحري، من الميدار و السنارة السهلين إلى السالية الصعبة فالطاروف المُتعب ثم القنبار المثير. و رغم الشغف بالصيد بجميع صوره، لم يعلق بذاكرتي منه شيئاً مثلما علق صيدنا بداخل “الحظور” التي عشت بداخلها مغامراتٍ حقيقيّة، كثيراً ما رفعت من معدّل الأدرينالين في رأسي و أسالت الدماء من قدمي.

و “الحظور” هي جمع “حظرة”. و الحظرة – لمن لا يعرفها من أجيالنا الجديدة – هي تقنيّة شعبيّة قديمة لصيد السمك معروفة في دول الخليج العربي و منها الكويت، تتمثل في أخذ العيدان (المصنوعة من القصب سابقاً و المعدن لاحقاً) و نصبها بشكل شبه دائم في وسط البحر، ثم إحاطتها بأسلاكٍ حديديةٍ تعمل بمثابة شباكٍ ذات مداخلٍ ضيقة تسمح بدخول الأسماك فيها في حالة المدّ و تمنع خروجها منه عند الجزر. و تُنصب الحظرة بالقرب من الشاطئ أو في المناطق التي ينحسر عنها الماء، على أن تكون فتحتها باتجاه الساحل. و يتم صيد السمك من خلال الدخول إلى الحظرة مشياً، حيث يبلغ مستوى الماء فيها عند انحساره حتى الركبة أو يزيد أو ينقص، و لك أن تتخيّل ما يحمل الدخول فيها – و سط أسرابٍ من الكائنات البحرية الحائرة و المرتبكة – من مفاجآتٍ و إثارة، بل و خطورة أحياناً (ما زال مرأى منظر اللخمة المهيب و ألم ضربة الفريالة القاسي عالقين في ذاكرتي).

و لكن ما لنا و للضرب في شئون التعريف و الوصف في حين أن الباحث الألمعي المرحوم حمد السعيدان – الذي مرّ في تاريخ الكويت مثل شهابٍ خاطفٍ فغادرنا سريعاً و هو شاب – كفاناً مؤونة التعريف حين أدرج في موسوعته الكويتية المختصرة تعريفاً للحظرة و رسماً توضيحياً لها، أوردهما فيما يلي:

“حَظْرَة: حظيرة تُنصب من أعواد القصب لصيد الأسماك بالقرب من الساحل، تدخل فيها الأسماك و تتيه بين حواجزها و يصعب خروجها، و عندما ينحسر الماء يأتي الصياد و يلتقطها بيده. الجمع حظرات. و الحظرة بموقعها تُمتلك كقطعة الأرض، وعند صاحبها سند ملكيةٍ، و من امتدت يده إلى أسماك الحظيرة لقي الجزاء”.[1]

رسم توضيحي للحظرة-143647

رسم توضيحي للحظرة، الموسوعة الكويتية المختصرة، 1981

استحضرت كلّ ذلك و أنا أقرأ ما طالعتنا الصحف به بتاريخ 27 مارس 2018، إذ أوردت محضر اجتماع مجلس الوزراء الكويتي الأخير، الذي جاء فيه أنه تداول في جلسته لهذا الأسبوع توصية التقرير النهائي الشامل لفريق عمل تطوير جزيرة فيلكا و الإجراءات التي اتُخذت في هذا الخصوص، و أنه قد وجّه الجهات المعنيّة بالعمل على إزالة كافة المعوّقات التي تعترض مسار تنفيذ مشروع التطوير. و قد كان من جملة التدابير التي أوصى بها المجلس في محضر جلسته تلك “اتخاذ كافة الإجراءات القانونية و العملية اللازمة لإزالة الحظور المقامة في جزيرة فيلكا”.

في خضمّ الحديث عن مشروعٍ ضخمٍ مثل مشروع تطوير جزيرة فيلكا، قد يبدو الحديث في موضوع إزالة الحظور أمراً ثانوياً لا يستدعي التوقف. و لكن المشكلة تكمن دائماً في التبسيط: فنعم؛ كل نقاشٍ يجب أن يُطرح في أبسط أشكاله، و لكن لا؛ لا ينبغي أن يُعرض الأمر دائماً و كأنه أبسط مما هو عليه في الواقع. فللأمر أبعادٌ كبرى تتعلّق باتفاقياتٍ دوليةٍ لليونسكو ارتبطت بها دولة الكويت، و بقوانين وطنيةٍ ملزمةٍ أصدرها المجلس التشريعي للبلاد.

و الأهم، هو ان الأمر يتعلق بجزيرتنا الوحيدة المأهولة – أو على الأقل التي كانت كذلك إلى عهدٍ قريب – فالجزر تقع وسط البحر، و البحر يفصل و يصل، على عكس الصحراء التي تفصل بين الحضارات.

سأبين المقصود فيما يلي، و أنا أحذّر مسبقاً: من الناس من يحبّذ الخيالي، و الميتافيزيقي، و ألعاب المرايا. أما أنا، فلا أستطيع المساهمة إلا في كل ما كان موضوعه عقلانياً و قابلاً للاستدلال.

لأشرح.

3 قرار مجلس الوزراء بإزالة حظور فيلكا 55.png

قرار مجلس الوزراء بإزالة حظور فيلكا
27 مارس 2018

البدايات – اليونسكو و الفهم المادي لفكرة التراث الثقافي

تُعنى أدبيات منظمة الأمم المتحدة للتربية و العلوم و الثقافة (يونسكو UNESCO) بحماية التراث الثقافي، و تدور حوله العديد من الاتفاقيات الدولية. و تاريخياً، بدأ الحديث عن الملكية الثقافية التي تمثل فرعًا من التراث بمعناه العام. و في هذا النطاق، تشير “الملكية الثقافية”  (cultural property) إلى نوعٍ محددٍ من الملكية التي تعزّز الهوية، التفهّم، و تقدير الثقافة التي أنتجت هذه الملكية بالتحديد.

و قد كان تعبير “الملكية الثقافية” أكثر المصطلحات شيوعًا في الأدبيات القانونية، إذ كان يستخدم في معرض رد الفعل الدفاعي على تدمير الأشياء و المباني و الواقعة في مناطق النزاعات المسلحة، كما كانت الحال عليه إبّان الحرب العالمية الأولى. إلا أن هذا المصطلح سرعان ما أصبح قاصراً عن التعبير عن نطاق الحماية المطلوب، لأنه فشل في احتواء القيمة غير الماديّة للثقافة من حيث أنه كان ينصبّ على الحيازة الماديّة وحدها.

و في عام 1995 صدر عن اللجنة العالمية للثقافة و التنمية (World Commission on Culture and Development – WCCD) تقريرٌ بعنوان “تنوّعنا الخلّاق” (Our Creative Diversity)،[2] أشار إلى هذا الجانب من عدم التوازن عندما أورد إن الأشياء المادية – أى المبانى الأثرية الكبرى و الأعمال الفنية و الحرفية – كانت المستفيد الأول من مفهوم المحافظة على التراث. كما جاء في هذا التقرير أن نشاطات اليونسكو لتحديد المقاييس المعيارية قد ظلت تركز على حماية التراث الملموس على مدى أربعة عقود تقريباً.[3]

و بذلك، أصبح هناك إدراكٌ بأن النظام القانونى الدولي لحماية التراث الثقافى العالمي كان لا يرى إلا التراث الملموس، و من ثم يسبغ الحماية عليه وحده، حارماً عداه من الصور الأخرى للتراث من مظلة الحماية.

التطوّر – اتساع عدسة اليونسكو الثقافية

و بانتصاف القرن العشرين، تغيّر الأمر من قصر الثقافة على الفنون و الآداب و ما يتصل بهما، ليتجاوز ذلك إلى التوسعة من نسقها و اعتبارها أسلوباً متكاملاً فى العيش و منظوراً إلى الوجود. لقد أصبحت الإشارات العامة الدولية لموضوعات الثقافة تشمل الأدب و الفنون الموسيقى و الرقص و المسرح و التشكيل و الشعر و الآثار و التاريخ و الدراسات المجتمعية و عداها، فدخل إلى الحياة الفكرية و الثقافية مفهومٌ جديدٌ للثقافة، أوسع أفقاً و أكثر شمولاً. إن نظرةً إلى تنوع أوجه هذا المفهوم الجديد و خصوبتها تكشف عن منظورٍ متطوّر، يرى أن الثقافة لا تتعلّق بالقراءة و الكتابة قتنحصر في أوساط الدارسين من النخبة الاجتماعية فقط، و إنما تتجاوزهما إلى كل ما له علاقةٌ باكتناز التجارب و الوعى بنتائجها، الأمر الذي يعنى أن لغير الدارسين من شرائحٍ كالمزارعين و الحرفيين و العمّال و عداهم من الأميين الواعين لثقافاتهم التي يبدعون بها و يمارسون فنونهم من خلالها و ينقلونها إلى أجيالهم الجديدة، فهي بذلك جديرةٌ بالاحترام و الحماية أيضاً.[4]

و هكذا، فالثقافة – وفق هذا المنظور الإنسانى – هى “منظومةٌ من السمات التى تسم جماعاتٍ من الجماعات البشرية، تتجلى فيها طريقة هذه الجماعة فى الحياة، و تتحدّد أنساقها القيمية و المعتقدية و المعرفية و الجمالية، التى تُعبّر عن نظرتها للوجود الاجتماعى و الطبيعى”،[5] بذلك، فهذا يشمل الطيف الواسع من الممارسات و المعارف و العادات و القيم و الأساليب الاقتصادية للعمل و الإنتاج، بالإضافة إلى كل ما قد يُزاد على ذلك من قدراتٍ مكتسبةٍ ينقلها المجتمع إلى أفراده.

من هنا، ففي السنوات الأخيرة أصبح مصطلح التراث الثقافي (cultural heritage) أكثر ذيوعًا، رغم أنه لم يكن خاليًا من المشكلات أيضاً.[6] و تتضمن اتفاقية اليونسكو لحماية التراث الثقافي و الطبيعي 1972 (UNESCO Convention Concerning the Protection of the World Cultural and Natural Heritage)[7] أول إشارةٍ يتم فيها إيراد تعريفٍ للتراث الثقافيّ، حيث ورد فيها أنه يتمثل في الصروح، المباني، والمواقع “التي لها قيمةٌ عالميةٌ استثنائيةٌ من وجهة النظر التاريخية أو الجمالية، أو الإثنولوجية، أو الأنثروبولوجية”.[8] الأمر الذي يعني أنه رغم أن الاتفاقية قد قصرت حمايتها على ما هو ماديٌّ فقط، إلا أنها ربطت قيمته المادية بالتصورات غير الماديّة عنه.

و تدريجياً، بدأ الاعتداد بالجوانب غير المادية للثقافة، إلى أن قامت اليونسكو بأخذ موقفٍ واضحٍ في أدبياتها و ممارساتها الحمائية، فبادرت بإطلاق منظومة “الكنوز الإنسانية الحية” (World Treasures) عام 1993،[9] و اتبعت ذلك بـ “إعلان روائع تراث الإنسانية الشفهى و غير المادى” (Proclamation of the Masterpieces of the Oral and Intangible Heritage of Humanity) الصادر عام 1998، ثم توّجت هذه الجهود بإصدار “اتفاقية بشأن حماية التراث الثقافى غير المادى” عام 2003 (Convention for the Safeguarding of the Intangible Cultural Heritage)، التي مثلت قفزة حقيقية في مجال الاعتراف بالتراث الثقافى غير الماديّ و حمايته، و اعتبار عناصره – بما هي تقاليدٌ ثقافيةٌ حيّةٌ و مستمرة – جديرة بالتقدير و الاعتبار.[10]

جدليّة التفرقة بين التراث الثقافي الماديّ و التراث الثقافي غير الماديّ في منظور اليونسكو

رغم التطور الذي لحق مفهوم “التراث الثقافي” كما تقدم، إلا أن اعتبارات العولمة و التداخل الحضاري الواسع و المعقّد الذي وضع بصمته على القرن العشرين و منه إلى الواحد و العشرين (نظم استعمار، حركات تحرّر، تعاون دولي، وسائل مواصلات و اتصالات، حركة نشر، إعلام و عداها)، أدت جميعها إلى تثاقفٍ واضحٍ، سرّع – في جانبيه السلبي و الإيجابي معاً – في المضيّ بفكرة التراث إلى مدىً أبعد من التعريف السابق، فأصبح للتراث معنىً عالميّاً الآن، كما صار يُسبغ قيمةً خاصةً على جماعاتٍ ثقافيةٍ معيّنة.

فتعبير “التراث” صار يشير – بشكلٍ أوسع – ليس فقط إلى المواقع و الأشياء، و إنما يتجاوزه أيضاً إلى القيمة المُدمَجة في هذه الأشياء و التي تضفي عليها جملةٌ من الاعتقادات المعاصرة و الممارسات الحيّة، من تلك المقرّر لها أن تنتقل إلى الأجيال المستقبلية. وهكذا، صار مفهوم “التراث الثقافيّ” يتألف الآن من المواقع و المواد التي و عناصر القيمة التي أُسبغت عليها، و إن كان ذلك من خلال أهميتها لجماعاتٍ معينةٍ من البشر.[11] 

و هنا، تجدر الإشارة إلي الطبيعة المزدوجة للتراث الثقافيّ كما صار ينظر إليه الآن، فعلماء الاجتماع كثيرًا ما يصنّفون هذا التراث بأنه أما “ثراثٌ ماديّ” (tangible) أو “تراثُ غير ماديّ” (intangible):

فمصطلح “التراث الثقافي الماديّ” (tangible cultural heritage) صار يشير إلى الملكية الثقافيّة المشار إليها فيما تقدّم، و التي تتكون من الأموال العقارية و المنقولة من التراث الثقافيّ، أي الأشياءٌ التي تتمثل بهيئة مواقع و نُصب و معالم و عداها مما يمكن التعاطي معه من خلال حاستي النظر أو و اللمس (أي رؤيتها بصرياً أو لمسها يدوياً).

و على خلاف ذلك، فإن التراث الثقافيّ غير الماديّ (intangible cultural heritage) هو مجموعة العادات، و المعتقدات، و الطقوس، و الممارسات، و التصورات، و القيم ذات الارتباط بجماعةٍ بشريّةٍ معيّنة، بما يعني أنه ينصب على الموضوعات ذات طبيعة الذهنية أو الوجدانية. و بذلك، فإن التراث الثقافي غير المادي هو أمرٌ يمكن مشاهدته أو ممارسته، و لكن لا يمكن لمسه باليد، و من هنا جاء وصفه بأنه “غير ماديّ” أو “غير ملموس” أو “معنويّ”.

و في الحقيقة، فإن هذين أمرين لا يمكن الفصل بينهما، “فالتراث لا يكون تراثاً إلا إذا صار يمكن التعرّف عليه من خلال منظومةٍ من القيم الثقافيّة أو الاجتماعيّة، هي بحد ذاتها لها طبيعةٌ غير مادية”.[12] وبذلك، فإن ثنائية جانبيّ التراث الثقافي – أي الجانب الماديّ و الجانب غير الماديّ – هي سِمةٌ مدمجة في التراث لا تسمح بالعزل بين الإثنين، فهما يغذيان بعضها البعض.

لقد كان الأركيولوجي الشهير Folorunso يؤكد أن التراث الماديّ لا يعني شيئًا من دون اعتبارٍ إلى ما يرتبط به من قيمٍ ثقافيّة، فالماديّ لا يستمد قيمته إلا من غير الماديّ، فيعمل الأوّل كوسيطٍ ملموسٍ يكشف الثاني عن نفسه من خلاله.[13]

أياً ما كان الأمر، فإن عناصر التراث الثقافي غير المادي – كما استقرّت عليها صكوك اليونسكو و أدبياتها حالياً – تتمثّل في التقاليد و اللغات و عداها من أشكال التعبير الشفاهيّ، فنون أداء العروض و تقاليدها، الممارسات الاجتماعية و الاحتفالات و الطقوس، المعارف و الممارسات ذات العلاقة بالطبيعة و بالكون، و المهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية.

4 من الحياة الفطرية في جزيرة فيلكا

من الحياة الفطرية في جزيرة فيلكا

و لكن، ما علاقة كلّ ذلك بحظور فيلكا؟

بصفتها عضواً في منظمة الأمم المتحدة، و من ثم عضواً في الأجهزة التابعة لها و من ضمنها اليونسكو، صدّقت دولة الكويت على العديد من اتفاقيات هذه المنظمة،[14] و من ضمن الاتفاقيات التي صدّقت عليها الكويت و التي تعنينا لأغراض هذا النقاش هي:

(1) اتفاقية اليونسكو بشأن حماية التراث الثقافي و الطبيعي 1972 (UNESCO Convention Concerning the Protection of the World Cultural and Natural Heritage).[15]

(2) اتفاقية اليونسكو بشأن حماية الممتلكات الثقافية المغمورة بالمياه 2001 (UNESCO Convention on the Protection of the Underwater Cultural Heritage).[16]

(3) اتفاقية اليونسكو بشأن حماية التراث الثقافى غير المادى 2003 (Convention for the Safeguarding of the Intangible Cultural Heritage).

(4) اتفاقية اليونسكو بشأن حماية و تعزيز تنوّع أشكال التعبير الثقافي 2005 (Convention on the Protection and Promotion of the Diversity of Cultural Expressions). الثقافي

و تبسط هذه الاتفاقيات – في مجموعها – مظلةً واسعةً من الحماية تكاد تشمل كل ما في الآن في جزيرة فيلكا من التراث الماديّ و غير الماديّ:

فأولاً، إن فيلكا مليئةً بعناصر التراث الثقافيّ الماديّ مما تغطيه اتفاقية اليونسكو لحماية التراث العالمي الثقافي و الطبيعي 1972 (Convention concerning the Protection of the World Cultural and Natural Heritage)، و التي، في الفقرة الثالثة من المادة 1 منها، تناولت بالحماية “أعمال الإنسان، أو الأعمال المشتركة بين الإنسان و الطبيعة، و كذلك المناطق بما فيها المواقع الأثرية، التي لها قيمة عالمية استثنائية من وجهة النظر التاريخية أو الجمالية، أو الإثنولوجية،[17] أو الأنثروبولوجية”.[18] و هكذا، فإن طيف الحماية واسع،[19] و لا شك أن ما في الجزيرة من من مواقعٍ و هياكلٍ و قطعٍ أثريةٍ يندرج تحت هذه الاتفاقية، و توجد في متحف الكويت الوطني الكثير من الشواهد الآثارية على ذلك.

و ثانياً، في فيلكا ممتلكاتٌ ثقافيةٌ ماديّةٌ مغمورةٌ بالمياه، تعود لعصور ما قبل الإسلام، على شكل مصائدٍ حجريّةٍ للأسماك (و قد سبق أن وثّقت البعثة الآركيولوجية البولندية هذه المصائد في الجزيرة؛[20] التي ربما مثلت النموذج البدائيّ الأول للحظرة)، و هي مما تنطبق عليها الحماية المقرّرة في اتفاقية اليونسكو بشأن الممتلكات الثقافية المغمورة بالمياه 2001 باعتبارها جزءٌ من التاريخ الإنسانيّ لا شكّ، إذ عرّفت المادة 1 من الاتفاقية “التراث الثقافي المغمور بالمياه” بأنه جميع آثار الوجود الإنساني التي تتسم بطابع ثقافي و تاريخي أو أثري، و التي ظلت مغمورة بالمياه جزئياً أو كلياً، بصورة دورية أو متواصلة، لمدة مائة عام على الأقل …”. و لا شك أن الحكومية الكويتية قد أبدت اهتماماً خاصاً بالموضوع، ففي اجتماع لجنة الشؤون الخارجية المنعقد لمناقشة مشروع القانون بالموافقة على هذه الاتفاقية، أبدت الحكومة الرأي التالي:

“إن الاتفاقية – و قد تمّت إحالتها إلى المجلس بالمرسوم المشار إليه – تكون قد جاءت بعد دراساتٍ أكّدت أهمية التوقيع عليها من دولة الكويت كعضوٍ فاعلٍ فى الأمم المتحدة، خاصةً و أن دولة الكويت تعد أحد الدول التى تذخر مساحات كبيرة من البحر الإقليمى المتمثل فى الخليج، الأمر الذى يتطلّب المحافظة على تراثها البحرى المغمور بالمياه، مع مشاركة الدول الأخرى ذات العلاقة فى هذا الخصوص، بما يحقق المصالح العليا لدولة الكويت عن المستويين الإقليمي و الدولي”.[21]

و ثالثاً، في الجزيرة حظورٍ خشبية تقليدية لصيد السمك (و هي ليست كثيرة، عددها حوالي ستة أو سبعة فيما أظن)، و بعضها له من العمر ما يجاوز الـمائة عامٍ بكثير (إذ تُجدّد الحظرة باستمرار لأن المياه المالحة تؤدي إلى تآكلها بمرور الزمن)، فصيد الأسماك و ما يدور في فلكه من حرفٍ موازيةٍ هي ممارساتٌ قديمةٌ في فيلكا – فغالبية الأهالي “كانوا يعملون فى صيد الأسماك” –[22] إلا أن مهارة تشييد الحظور لا زالت تُمارس، بما يعني أنها تُصنف كتراثٍ ثقافيٍّ حيّ. نتيجة لذلك، فإن هذه الحظور – بما يرتبط بها من معارفٍ و ممارساتٍ حيّة – تصلح محلاً للحماية التي تسبغها اتفاقية اليونسكو بشأن حماية التراث الثقافي غير الماديّ 2003، حيث ورد في المادة 2 من هذه الاتفاقية أن عبارة “التراث الثقافي غير المادي” تعني “الممارسات والتصورات و أشكال التعبير و المعارف و المهارات – و ما يرتبط بها من آلاتٍ و قطعٍ و مصنوعاتٍ و أماكن ثقافية – التي تعتبرها الجماعات و المجموعات، و أحيانا الأفراد، جزءً من تراثهم الثقافيّ”.[23]

بل أن قرار إزالة الحظور هو مما ينبغي دراسته أيضاً ضمن نطاق اتفاقية اليونسكو لحماية و تعزيز تنوّع أشكال التعبير الثقافي 2005، التي تقرر المادة 8 منها أنه “يجوز لأيّ طرفٍ تحديد ما إذا كانت هناك أوضاعٌ خاصةٌ تكون فيها أشكال التعبير الثقافي الموجودة على أراضيه معرّضة لخطر الاندثار أو لتهديدٍ خطيرٍ أو تتطلّب بصورةٍ ما صوناً عاجلاً”، إذ عندها “يجوز للأطراف أن تتخذ جميع التدابير الملائمة لحماية و صون أشكال التعبير الثقافي في الأوضاع المشار إليها في الفقرة 1 طبقاً لأحكام هذه الاتفاقية”.

و بطبيعه الحال، فإن “التنوع الثقافي” قد تم تعريفه في هذه الاتفاقية بأنه يعني “تعدّد الأشكال التي تعبّر بها الجماعات و المجتمعات عن ثقافاتها …”.[24] كما عرّفت الاتفاقية “أشكال التعبير الثقافي” بأنها “أشكال التعبير الناشئة عن إبداع الأفراد و الجماعات و المجتمعات و الحاملة لمضمون ثقافي”،[25] و هذه تتعلق بـ “الأنشطة و السلع و الخدمات التي يتبيّن، لدى النظر في صفتها أو أوجه استعمالها أو غايتها المحددة، أنها تجسد أو تنقل أشكالاً للتعبير الثقافي، بصرف النظر عن قيمتها التجارية …”. [26]

و في الحقيقة، فإن فنون صناعة الحظور الخشبية، و إلى جانبها صناعة القراقير و أدوات صيد السمك و طرق تجفيفها، و وسائل تخزينها و الحلويات التقليدية و الخبز و العادات و التقاليد كالزواج و المولد والوفاة و الأعياد و المعتقدات المرتبطة بالطبيعة و الشعر و أهازيج و مفردات اللهجة المحلية لأهالي فيلكا هي جميعها مما يندرج ضمن إطار اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي 2003.[27]

و من أسفٍ أنه نظرًا للقرارات الحكومية السابقة بالقاضية بإجلاء أهالي فيلكا و توطينهم في الكويت، و التي أدّت إلى إخلاء الجزيرة من أهلها، فقد فقدت فيلكا تراثها الثقافيّ غير الماديّ – المكوّن من هذه العناصر و عداها – برمّته، لأن مجتمع الجزيرة قد هُجّر بالكامل، فلم يبقَ أحداً من الأهالي موجوداً فيها لممارسة هذه العناصر المذكورة.

5 حظرة بوربيع غرب فيلكا 2016

حظرة بوربيّع
غرب فيلكا، 2016

فما هو المطلوب من الحكومة إذاً؟

من جميع ما تقدّم، يترتب أنه يقع على الحكومة واجبٌ مختلفٌ تماماً – حقيقة – عما هي بصدد عمله و مضادٌ له بالاتجاه: إن الإلتزام الحقيقيّ للحكومة يتمثّل في حماية حظور جزيرة فيلكا، لا في إزالتها. يقال أن هذه الحظور لا ترخيص لها فهي بالتالي مخالفة، و أن هناك قرارٌ حكوميٌّ قديمٌ بإزالتها. و أنا، رغم بحثي، لم أرَ هذا القرار فلا أعرف مضمونه، ولا أعلم لماذا لم تتم الإزالة في السابق، و لكن إن كان ما نسمعه من وجوده صحيح فالأولى الآن هو إصدار قرارٍ جديدٍ بحماية هذه الحظور، و تعهّدها بالصون و الرعاية التي تشير إليهما الاتفاقيات موضوع المقال، باعتبار أنها اتفاقياتٌ ملزمةٌ لدولة الكويت.

إن المادة 70 من الدستور الكويتي تعطي السلطة التنفيذية سلطة إبرام المعاهدات شريطة عرضها على مجلس الأمة لاحقاً بحيث يقوم بالموافقة عليها، باعتباره السلطة التشريعية، و إصدارها كقانون. و فيما يتعلق باتفاقية حماية التراث الثقافي غير المادي” 2003 المشار إليها أعلاه، فقد كان في موقف الحكومة المتمثل في التوقيع على هذه الاتفاقية ثم سعيها لاستصدار قانونٍ داعمٍ لذلك من مجلس الأمة حرصٌ واضح على اعتبارات الالتزام.[28]

أما الجدل حول مدى انطباق هذه النصوص على الحظور تحديداَ فهي مسألة يمكن النقاش فيها لا شك، بل ربما كان ذلك مُحبّذاً لأغراض التداول الصحيّ للأمر، و لكن عقدة النقاش هنا هو أن هذه زاويةٌ هامةٌ تصلح مدخلاً للفت النظر إلى خطورة مثل هذه الخطوات العجِلة و لرفع آفاق النقاش حول أبعاد نظرتنا القيمية لهذه الجزيرة.

و مع ذلك، فإن كل هذا لا جدوي حقيقيّة تُرتجى منه ما لم يُعهد بالأمر فيه للجهة الإدارية المعنيّة ابتداءً، فينعقد الاختصاص لها دون سواها. إذ من الملفت حقاً أن قرار مجلس الوزارء قد خاطب في هذا الشأن كل من الهيئة العامة لشؤون الزراعة و الثروة السمكية و الهيئة العامة للبيئة و بلدية الكويت و وزارة المالية، و لكنه أغفل الطرف الأصيل المناط به تحديد الشروط الفنيّة لما يُعتبر من الآثار محل الحماية و ما لا يُعتبر منها، و هذا الطرف هنا هو دائرة المعارف في البلاد – بموجب المادة 2 من المرسوم الأميري رقم 11 لسنة 1960 بقانون الآثار – الذي تم تغييرها فيه إلى المجلس الوطنيّ للثقافة و الفنون و الآداب، حيث تناط بهذا الأخير وحده مهمة تقدير الصفة الأثريّة و التاريخيّة للأشياء و المواقع و المباني، ثم تقرير مدى الحاجة إلى  تسجيلها و صيانتها،[29] باعتبار أن العمل “على صيانة التراث” هو واحدٌ من أهم المهام التي عهد بها إليه مرسوم إنشائه.[30]

6 حظرة على الساحل الشمالي

حظرة على الساحل الشمالي
إلى الشرق من قرية القرينية
فيلكا، 2013

عقيدتنا المعمارية، عقيدة الخرسانة

و في الحقيقة، و رغم شبكة الإلتزامات هذه خارجياً (اتفاقيات) و داخلياً (قوانين)، أتساءل: هل يتطلّب الأمر فعلاً الدخول في معاهداتٍ دوليةٍ و إصدار تشريعاتٍ وطنيةٍ كي نعي أهمية الحفاظ على (القليل جداً) مما تبقى من شواهد تاريخنا الكويتي؟

إن حقبة الخمسينات التي أتت على كل ما هو تاريخيٌ و أثريٌّ ليست منا ببعيد، و هي ما زلت تشغل في الذاكرة الكويتية خانةً استثنائية خاصة، تملؤها فترة الطفرة التي تمّ فيها الانتقال الحاد من مرحلة اقتصاد الكفاف (التي ما زلت اعتقد أنها لم يُؤرّخ لها كما ينبغي) إلى مرحلة اقتصاد البترول، بثمنِ فادحٍ خٌصم من تاريخنا، تمثّل في شراء الحاضر بالماضي بعملة باهظة القيمة، هي مسح المشهد العمراني الكويتي القديم بأكمله و تسويته بالأرض تماماً. أما القليل مما نراه حولنا من آثارٍ معماريةٍ تعود إلى الكويت القديمة، فإن الفضل في الإبقاء عليه ربما كان لا يُنسب إلى رؤىً سياساتيةٍ أو استشرافاتٍ حكوميةٍ بقدر ما يعود إلى مساعٍ فرديةٍ قصدت، لحسن حظنا التاريخي، إلى الإبقاء على بعض المعالم – لدوافع لا نعرف (و لا يهمّ) ما إذا كانت متجرّدة أو مصلحيّة – بقدر ما ينبغي أن نسجّل أنها، رغم امتناننا، متناثرةٌ و خاليةٌ من المنهجية: ديوانٌ عائليٌ هنا و “عَمارةٌ”[31] بحريةٌ هناك.

و لعل في شهادات المعماريين – العرب منهم و الأجانب – التي عملوا في الكويت آنذاك، فعاصروا فترة التحوّل تلك، منظوراً ملفتاً لهذا الميل الكويتي غير المفهوم إلى الهدم و الإحلال العَجِلَيْن. ففي عام 1963، كتب المعماري جورج سابا شبر:

“و إذا ما راقب المرء عن كثب أعمال التنظيم في الكويت فإنه سيدهش فعلاً – إذا لم يذهل – للسرعة التي يتم بها البناء هنا. فما أن يتم إعداد المخططات المعنية حتى تكون أعمال الهدم و الإنشاء قد بدأت فوراً، إذ يرسم المهندس شكلاً على الورق و لا يمضي أكثر من أسبوعين حتى يرى، وهو في طائرة هليكوبتر، الخطوط التي رسمها وقد تحولت إلى أساسات للبناء أو ساحات و ميادين ويرى البنايات في ارتفاع. إن مدينة الكويت تتطور باستمرار و تجري فيها عملية تحول سريع”.[32]

إلا أنني أجد أن واحدةً من أكثر تلك الشهادات إثارةً للاهتمام هي شهادة المهندس السويسري جون هنري ميلر (John Henri Miller) الذي جاء إلى الكويت عام 1958 ليعمل في شركة بومروي الأمريكية التي عهد إليها ببناء ميناء الشويخ. فيما يلي تعليق ميلر (المندهش) على ما شهده خلال مرحلة التحديث العمراني المحموم التي مرّت بها الكويت آنذاك:

“هات الجرافة! اهدم! انسف الأسوار! افسح المكان لمدينة جديدة … للتقدّم … طرقٌ مزدوجة الاتجاه لا بدّ من أن تُشق هنا … مواقف سيارات … أما أماكن تجمّع القوافل، البيوت الأرستقراطية، مساجد، مدارس قرآن، فبُعداً لكل ذلك، بُعداً لتلك الخرائب! نريد حديداً و إسمنتاً! أبواباً و نوافذاً معدنية. نريد طابوقاً! إخلط خرسانة… المزيد من الخرسانة … خرسانة.”[33]

أخيراً، ها قد وضعنا أيدينا على تلك النقطة الحزينة من الزمن التي اعتنق فيها الكويتيون تلك العقيدة المعمارية البائسة: عقيدة الخرسانة.

و لكن يبدو أن الأمر لم يكن محض سمةٍ مميزةٍ لتلك المرحلة فقط. كنت في زيارةٍ لجزيرة فيلكا منذ بضعة أسابيع، و عندما تمر في ذهني صور الخراب الحزينة التي رأيتها هناك، ثم أضيف لهذه الصور المؤلمة تلك المنهجيّة الحكوميّة القاسية في التعاطي مع بيوت تلك الجزيرة و معالمها القديمة، و قبلها العديد من المباني التاريخيّة داخل الكويت العاصمة (كان آخرها مسجد الشملان الذي تم هدمه مؤخراً رغم المناشدات، و بيت لوذان الذي دُرٍست آثاره فمُحيت تماماً بإغفالٍ تامٍ للاحتجاجات، و ما تتهامس به بعض الدوائر الحكومية الآن من وجود خطةٍ لا يعرف عنها الناس بعد من اعتزام هدم المدرسة القبليّة للبنات – هذا المبني الجميل الذي درست فيه والدتي ضمن أجيالٍ رائدةٍ من فضليات الكويت – و الذي كان الصرح الأول للتعليم النظامي الحديث في البلاد)، عندما استجمع كل ذلك، فأنا لا أملك إلا الشعور بأن عقيــدة الخرسانـة هذه ما زالت مستقرّة في عقلنا الجمعيّ بعنادٍ أسطوري.

أنا، مهما حاولت، يستغلق عليّ دائماً فهم ما يشوب سلوكنا من تناقض: كل هذا الاستحضار للماضي في خطابنا العام، مقابل كل هذا العداء لشواهِده في سلوكنا العمليّ؟ أجد في الأوّل تطرفاً و في الثاني تطرفٍ نظير، و الإثنان مُدعاة للأسى.

استحضر كل ذلك، و ألتفت إلى مفارقةٍ أخرى، و لكنها حديثةٌ هذه المرة، تتمثّل في كون الكويت قد فازت مؤخراً (عام 2015) بمقعدٍ في لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية و العلوم و الثقافة (يونسكو UNESCO) لمدة أربعة سنوات، بما يعني أن عضويتها في هذه اللجنة ما زالت مستمرّة حتى عام 2019 (بل أن الكويت هي نائب رئيس اللجنة حالياً).[34]

ألا يضاعف هذا من وجوب إظهار شكلٍ مسئولٍ من الإلتزام الجادّ في هذا الصدد؟

7 المهندس جون هنري ميلر

المهندس جون هنري ميلر
أواخر الخمسينات
ميناء الشويخ، الكويت

ذاكرتنا الكويتية: جزءٌ حرِجٌ من ذاكرةٍ عربيّةٍ متشظيّة؟

بين أوراقي المتناثرة، أجد أنني نقلت بخط اليد – منذ سنين و بالقلم الرصاص – ما كتبه إدوارد سعيد مرة، لا أعرف أين، عن الذاكرة المتشظيّة للعالم العربي. أورده هنا لأنني أجد أنه ينطبق على نهجنا الكويتيّ في التعاطي الفوضويّ مع التاريخ:

“… ذلك الجزء الكبير من حياتنا في تلك البقعة من العالم الذي ينقضي من دون تسجيل أو حفظ … ولا يقتصر هذا النقص على حياة و اعمال الافراد، لان كل البلاد العربية التي أعرف لا تملك دوائر حقيقية للمحفوظات او مكاتب للسجلات العامة أو مكتبات رسمية، كما ليست لها سيطرة كافية على معالمها و آثارها و تواريخ مدنها و الأعمال الفنية المعمارية فيها مثل الجوامع و القصور و المدارس … نشعر أن تاريخاً متدفقاً غنياً يبقى خارج الصفحة، بعيداً عن الأعين والمسامع، بعيداً عن التناول، حيث يتعرض أكثره للضياع … ذلك أن معظم تاريخنا من كتابة الأجانب و الباحثين الزائرين و عملاء الاستخبارات، فيما نكتفي بالعيش معتمدين في تقدمنا نحو المستقبل على ذاكرةٍ شخصيةٍ و عامةٍ يعتريهما الغموض و الاضطراب”.

صحيحٌ ما كتب سعيد، و لكنه ناقصٌ. فعندما يتعلق الأمر بالحالة الكويتية، فالفداحة أكبر لأنها متعمّدة. أنا، مثلاً، مواطنة كويتية في الأربعينيات من عمري. و رغم أنني أنتمي إلى الكويت، هذا البلد الصغير الذي لا تزيد مساحته عن 17 ألف كيلومتراً مربعاً، إلا أنني لم أزر أياً من جزره من قبل، إلا فيلكا، لمرةٍ واحدة، و لنصف يوم، عندما كنت في المرحلة الابتدائية (ما زلت أتذكر حماسي لزيارة هذه الجزيرة التي ما كنت أعرف عنها إلا صورها على طوابع البريد). كان ينبغي أن يكون ذلك الاطمئنان المتراخي جزءً من حقوق المواطَنَة خاصتي، “ففيلكا ستكون دائمأً هناك”، كما كانوا يقولون لي، وفقاً لمنطق الديمومة الجغرافي. و لكن الآن، مع كل هذه الخطط المحمومة التي تجري الآن على قدمٍ و ساق، و الرامية الى مسح الجزيرة و تسوية كلّ ما عليها بالأرض – بما في ذلك حتى حظورها الوادعة – فأغلب الظن أن فيلكا “لن تكون هناك” بعد اليوم. و هكذا، فالأمر ما عاد يتعلّق بذاكرةٍ متشظّية – فالذاكرة الموجودة يمكن دائماً استرجاعها و تركيبها، و إن تشظّت – و إنما بإلغاءٍ لهذه الذاكرة: فقدانٌ تامٌ لها.

يبدو أننا بصدد الدخول المتأخر في السباقات المحمومة بين دول الخليج المتنافسة في بناء أعلى الأبراج، أكبر البحيرات، و أفخم الفنادق. أن تبني مرفقاتٍ (كان ينبغي أن تبنيها منذ عقود) فلا بأس؛ عافاك. و لكن أن يأخذك الحماس العَجِل في معرض ذلك، فتمسح كل ما هو أمامك من معمارٍ و ذاكرةٍ و تاريخٍ ، فهو أمرٌ يبعث على الحزن.

عندما تنحدر المواقف العامة حسنة النيّة و غير المتبصّرة إلى درك الخطأ الفاحش، يحضرني دائماً الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة عندما قال “كنا نحن الأعداء / كنا غزاة مدينتنا”.

الدور الحقيقي للحكومة

في كتابه الهام و الممتع “الكويت و جاراتها”، كتب هارولد ديكسون، الوكيل السياسي لبريطانيا العظمى في الكويت في الفترة من 1929 إلى 1936، عن جزيرة “فيلجه” كما أسماها:[35]

“و أغلبية سكان الجزيرة يؤمنون بوجود شيطانٌ شريرٌ يدعى بودريا، الذى يقال أنه يجوب البحر حول الجزيرة، و خاصة بينها و بين مسجان، فيستدرج من لا حمىّ لهم إلى الأعماق و يُغرقهم”.[36]

كان المسئولون “يقطّبون جباههم” انزعاجاً من هذه الخرافات، كما يستدرك الكاتب. أما انا، فلا أدري عما إذا كانت هذه محض أسطورة، إذ أجد أن هذا الشيطان الذي أشار له ديكسون ما زال يجوب البحر – بهَوَس – حول هذه الجزيرة الجميلة، المسكينة؛ كل ما في الأمر هو أنه صار يأخذ الآن أشكالاً أخرى مُخاتلة، و لكنها تظهر للمتأمّل – بوضوح – على صورة نزعاتٍ استثماريةٍ محمومة، مأخوذة بالربح وحده، فلا ترى في ما يُحيط بنا إلا فرصاً ماليةً و عوائد تجاريّة، ثم تعمى عن كل ما عداها.

ليس فيما تقدّم دعوة لوقف تطوير الجزيرة. الأمر على العكس من ذلك، تماماً. فالتطوير مطلبٌ قديمٌ و مستمرٌ، بل هو تأخّر كثيراً. و لكنها بالتأكيد دعوة للاضّطلاع الجاد بالمسئوليات التي ترتبط بذلك، كما يليق بدولةٍ ذات وعيٍّ حضاريٍ بتاريخها. فقد تكون جزيرة فيلكا أكثر بقعةٍ مثقلةٍ بالتاريخ في كامل جغرافيّة بلادنا. هذا يعني أن كل ما في هذه الجزيرة، و ما عليها، و ما حولها يتطلب عنايةً خاصة، تتضافر فيها اعتبارات رسم السياسات العامة و صيانة الآثار و الحفاظ على الهوية الوطنية و دعم الاقتصاد و الحفاظ على الأمن. المهمة ليست سهلة، و لكن الحكومات ما وُجِدَت إلا لمثل هذه التحديات.

بعد عقودٍ طويلةٍ من الإهمال، من المُعيب حقاً أن لا يتم الإلتفات إلى فيلكا إلا بمنظور المال وحده. بل أن منظور المال ذاته يتطلب شيئاً من الخيال و سعة الأفق. تعي الدول الآن أهمية الإلتفات إلى الآثار و حمايتها باهتمام، لا لاقتناعٍ ساسييها بالاعتبارات التاريخية و الحضارية بالضرورة، و إنما لادراكٍ واعٍ منهم بأن مثل هذه المواقع هي عاملٌ استثماريٌّ حرج و مُدرٌ للأموال إذا ما استُثمِر بحصافة.

هناك الآن ما يعرف بـ “الاقتصاد الخلّاق” (creative economy)، و هو علمٌ استُغلت فنونه مؤخراً – بذكاء – من قبل دولٍ صاعدةٍ عديدة، مثل أذربيجان و كرواتيا و جنوب أفريقيا و البحرين و قطر، للاستفادة من التراث الثقافيّ و الاستثمار الماليّ فيه – مع حمايته في الآن ذاته – بما يدرّ العوائد الوفيرة، و الأمثلة كثيرة.

و بعد، فهذه الحظور تمثل مدخلاً هاماً للنقاش حول رؤيتنا لتطوير هذه الجزيرة التي تمثل ذاكرتنا الأبعد: ربما صار ينبغي أن نتعاطى مع حظــور فيلكــا باعتبارها سيــاجاً حــامياً لتاريخنــا.

الأمر لا يتطلب حكومةً بميزانياتٍ بتروليّة و مؤسّساتٍ بأحجام ماموثية للنجاح في جني الأموال من مشروعاتٍ ذات جوهرٍ بسيط – و إن تعقّدت آليات إدارتها – كالمطاعم و المنتجعات و الفنادق و مراكز التسوّق، فحتى شبابنا الصغار من رياديّي الأعمال ينجحون في ذلك هنا يومياً.

التحديّ الحقيقي هو إدراك أن دور الحكومات أعمق من مجرد تحصيل الأموال.

أو، هكذا ينبغي أن يكون.

[1] حمد محمد السعيدان، الموسوعة الكويتية المختصرة الجزء الأول (الكويت: وكالة المطبوعات للنشر، 1981)، ص. 447-448.

[2] ‘Our Creative Diversity’, Report of the World Commission on Culture and Development – WCCD, 1995.

[3] عبد الحميد حواس، “التراث الثقافى غير المادى فى الوطن العربى من منظور عربى”، المجلة العربية للثقافة (تونس)، العدد 52، المجلد 26، ص. 121.

[4] عبد الحميد حواس، “التراث الثقافى غير المادى فى الوطن العربى من منظور عربى”، المجلة العربية للثقافة (تونس)، العدد 52، المجلد 26، ص. 122.

[5] عبد الحميد حواس، “التراث الثقافى غير المادى فى الوطن العربى من منظور عربى”، المجلة العربية للثقافة (تونس)، العدد 52، المجلد 26، ص. 122.

[6] كلمة “تراث” هي المصطلح الذي تواضعت الترجمات العربية لصكوك اليونسكو على اعتمادها كمقابلٍ لكلمة (Heritage) حيثما وردت في تلك الصكوك.

[7] دخلت هذه الاتفاقية حيّز النفاذ في 17 ديسمبر 1975، و صدّقت عليها دولة الكويت في 6 يونيو 2002.

[8] Art. 1 para. 3 of the Convention concerning the Protection of the World Cultural and Natural Heritage (adopted by the General Conference of UNESCO in 1972): “sites: works of man or the combined works of nature and man, and areas including archaeological sites which are of outstanding universal value from the historical, aesthetic, ethnological or anthropological point of view”.

[9]  لبعض الدول سجّل ممتازٌ في هذا الصدد من حيث إبداء الحماس لتطبيقه و خلق البنية اللازمة لانجاحه من تسجيلٍ و نظم و تشريع، لعل منها اليابان و كوريا الجنوبية و فرنسا و رومانيا و مالي.

[10] رغم كونها قد قصرت فهمها فيما يبدو ضمن الحدود الضيّقة للتراث الشعبى (الفولكلور)، إلا أن الأوساط المعنيّة فى البلاد العربية قد استقبلت اتفاقية سنة 2003 بترحابٍ طيّب، و بادرت كثير منها فى تنفيذ الإجراءات اللازمة لتنفيذها (الجرد، التقييد، الدورات التثقيفية، اصدار التشريعات الحمائية، و عداها). و تلعب المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم – أليكسو (ALECSO) دوراً معتبراً في ذلك، و هو دورُ قديم في الحقيقة، ربما كان يعود إلى بدايات تكوّنها كإدارةٍ للثقافة ضمن الهيكل الإداريّ للجامعة العربية، و الذي تطوّرت منه إلى منظمةٍ عربية.

[11] في عام 2005 أطلق الاتحاد الأوروبي The Council of Europe اسمًا محددًا على هذه الجماعات، فقد أسماها “مجتمعات التراث” (heritage communities). انظر:

Brittany Neihardt, ‘The Intentional Destruction of Cultural Heritage as a Tool for Ethnocide: The Case of Kuwait’, Georgetown University, Spring 2017, p. 5.

[12] Laurajane Smith & Natsuko Akagawa, ‘Introduction’, in: Intangible Heritage, edited by Laurajane Smith and Natsuko Akagawa (New York: Rutledge, 2009), p. 6.

[13] Caleb Folorunso, ‘Heritage Resources and Armed Conflicts: An African Perspective’, in Cultural Heritage, Ethics, and the Military, edited by Peter G. Stone (Woodbridge: The Boydell Press, 2011), p. 169.

[14] كان انضمام دولة الكويت إلى منظمة اليونسكو في 18 نوفمبر 1960. و تباعاً، صدّقت الكويت على العديد من اتفاقيات هذه المنظمة، و هي في مجملها تقصد إلى صون التراث وحمايته. و هذه الاتفاقيات هي: اتفاقية التراث العالمي الثقافي والطبيعي 1972، اتفاقية حماية أنواع التعبير و التشكيل الثقافي (التنوع الثقافي) 2005، اتفاقية حماية الممتلكات الثقافية خلال النزاع المسلح 1954، اتفاقية منع التصدير و الاستيراد غير المشروع للممتلكات الثقافية (منع التهريب) 1970، اتفاقية حماية التراث الثقافي غير المادي 2003،  اتفاقية حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه 2001. انظر: وليد حمد السيف، “التشريعات الكويتية لصون التراث الثقافي غير المادي”، ورقة عمل مقدمة للدورة الثالثة لبناء القدرات في مجال التراث الثقافي غير المادي، مسقط، سلطنة عمان، 8-10 سبتمبر 2014.

[15] دخلت هذه الاتفاقية حيّز النفاذ في 17 ديسمبر 1975، و صدّقت عليها دولة الكويت في 6 يونيو 2002. و قد وافق مجلس الأمة على هذه الاتفاقية بالقانون رقم 10 لسنة 2001 في شأن الموافقة على انضمام الكويت إلى اتفاقية لحماية التراث الثقافي و الطبيعي، و المنشور في الجريدة الرسمية الكويت اليوم، ملحق العدد 552، السنة 48، 12 فبراير 2002، ص. 307.

[16] وافق مجلس الأمة على هذه الاتفاقية بالقانون رقم 10 لسنة 2017 في شأن حماية التراث الثقافيّ المغمور بالمياه، و المنشور في الجريدة الرسمية الكويت اليوم، العدد 1339، السنة 63، 7 مايو 2017، ص. 15.

[17] الإثنولوجيا (Ethnology) هى الدراسة المقارنة لأوجه الاختلاف و الاتفاق بين الحضارات، لاستنباط تعميماتٍ حول أصولها و تطورها و تنوعها. و في السنوات الأخيرة، أضحت أغلب الموضوعات التى كانت تعالجها الإثنولوجيا تقع ضمن اختصاص علومٍ أخرى، مثل الأنثروبولوجيا. انظر: شاكر مصطفى سليم، قاموس الأنثروبولوجيا (الكويت: جامعة الكويت، 1981)، ص. 304-305.

[18] الأنثربولوجيا (Anthropology) هي علم دراسة الانسان طبيعياً و اجتماعياً و حضارياً. و المصطلح منحوت من كلمتين يونانيتين هما Anthropos (إنسان) و Lagos (علم)، و تعنيان معاً “علم الانسان”. انظر: شاكر مصطفى سليم، قاموس الأنثروبولوجيا (الكويت: جامعة الكويت، 1981)، ص. 56.

[19] Art. 1 para. 3 of the Convention concerning the Protection of the World Cultural and Natural Heritage (adopted by the General Conference of UNESCO in 1972): “sites: works of man or the combined works of nature and man, and areas including archaeological sites which are of outstanding universal value from the historical, aesthetic, ethnological or anthropological point of view”.

[20] الآركيولوجيا (Archaeology) هو علم الآثار القديمة، و هو يهدف إلى إعادة بناء تاريخ الحضارات السالفة لدراسة تطور الحضارات البشرية. انظر: شاكر مصطفى سليم، قاموس الأنثروبولوجيا (الكويت: جامعة الكويت، 1981)، ص. 62.

[21] مجلس الأمة، “التقرير رقم 21 للجنة الشؤون الخارجية عن مشروع قانون بالموافقة على اتفاقية بشأن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه”، ص. 3 (نظرته اللجنة باجتماعها المنعقد بتاريخ 6 أكتوبر 2016).

[22] هـ. ر. ب. ديكسون، الكويت و جاراتها، ط. 2 (الكويت: صحارى للطباعة و النشر، 1990)، ص. 38.

[23] Art. 1: “For the purposes of this Convention, 1. The “intangible cultural heritage” means the practices, representations, expressions, knowledge, skills – as well as the instruments, objects, artefacts and cultural spaces associated therewith – that communities, groups and, in some cases, individuals recognize as part of their cultural heritage”.

[24] المادة 3 من اتفاقية اتفاقية اليونسكو لحماية و تعزيز تنوّع أشكال التعبير الثقافي 2005.

[25] المادة 3 من اتفاقية اتفاقية اليونسكو لحماية و تعزيز تنوّع أشكال التعبير الثقافي 2005.

[26] المادة 3 من اتفاقية اتفاقية اليونسكو لحماية و تعزيز تنوّع أشكال التعبير الثقافي 2005.

[27] د. وليد السيف، اتصال شخصي، 28 مارس، 2018.

[28] المرسوم رقم 176 لسنة 2014.

[29] المادة 2 من المرسوم الأميري رقم 11 لسنة 1960 بقانون الآثار: “تناط مهمة المحافظة على الآثار بالمجلس الوطني للثقافة والفنون و الآداب، و يعود إلى هذه الوزارة وحدها مسؤولية تقدير الصفة الأثرية و التاريخية للأشياء و المواقع والمباني، والحكم بأهمية كل أثر و تقرير الآثار و الواجب تسجيلها و صيانتها و دراستها و الانتفاع بها”.

[30] المادة 2 من المرسوم الأميري بإنشاء المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب، كما نشر في الجريدة الرسمية ” الكويت اليوم ، العدد 141،  22 يوليو 1973.

[31] “العَمارة”، بفتح العين، و جمعها “عماير”، هي مخازن كانت تُبنى على ساحل البحر (السيف) في الكويت القديمة، تُباع فيها لوازم السفن الشراعية، كالأخشاب و المسامير و الحبال و الزيوت (دهن الصِلْ)، وقد تباع فيها أيضاً أدوات البناء و المعمار كالجندل و الباسجيل و الحديد و عداها. و قد أزيلت جميع العماير من ساحل البحر في حركة التنظيم المعماري التي مرت فيها الكويت الحديثة حتى لم يبقَ منها الآن إلا واحدة أو إثنتان على حدّ علمي، مثل عمارة الخالد الكائنة في منطقة القبلة، على شارع الخليج مقابل قصر السيف، و التي يعود تاريخ بناؤها إلى ما قبل قبل عام 1915، أي قبيل عهد الشيخ مبارك الصباح (مبارك الكبير).

[32] سابا جورج شبر، “علم التنظيم و تطوّر الكويت” (الكويت: بلدية الكويت، 1963).

[33] جون هنري ميلر، كاديلاك و كوكاكولا، ترجمة محمد بن عصام السبيعي (الكويت: هكسوس للإعلام و النشر، 2009)، ص. 61.

[34]  تم انتخاب الكويت بالاجماع لمقعد نائب رئيس الدورة السادسة للجمعية العامة للدول الأطراف في حماية وصون التراث الثقافي غير المادي. انظر: جريدة النهار، 1 يونيو 2016.

[35] إثر تقاعده، عُيّن ديكسون بمنصبٍ رفيعٍ في شركة نفط الكويت، و توفي في الكويت عام 1959.

[36] هـ. ر. ب. ديكسون، الكويت و جاراتها، ط. 2 (الكويت: صحارى للطباعة و النشر، 1990)، ص. 42.

 

 

 

 

كاليدوسكــوب أكاديمــي: خمســون شــذرةً إلــى المقبليــن علــى الدراســات العليــا (طلبتــي حاضــراً، و زملائــي مستقبــلاً)

قياسي

29d3ccf1c1d5cb914d58b5724a9a6885--mandala-meditation-mandala-art

 

كاليدوسكــوب أكاديمــي:

خمســون شــذرةً إلــى المقبليــن علــى الدراســات العليــا:

طلبتــي حاضــراً، و زملائــي مستقبــلاً

  _

مشاعــل الهــاجرى

13/3/2018

 

أكتب هنا، هنا بمنظورٍ حرٍ ملون، بعض الأفكار حول ما أظنّه لازماً للنجاح الأكاديمي، من واقع تجربتي الشخصية المتواضعة، و انطباعاتي الأكثر شخصيةً و تواضعاً، فأسجّلها لطلبتي و لعداهم من الدارسين، لا سيما المقبلين منهم على الدراسات العليا: زملائي في المستقبل.

واحدٌ من أهم الأسباب وراء ذلك هو تعاظم قلقي من انتشار الكتب الأمريكية المترجمة – و الضحلة – التي لا تمت إلي تحدياتنا العربية بصلة، و التي تسوّق و كأنها الحلول العامة لمشكلاتنا الخاصة.

 هذا، و أنا أتردّد كثيراً في أن أسمي ما يلي نصائحاً؛ لعلها إلى الشذرات الفكريّة أقرب.

************

(1) إقرأ. هناك فكرة شائعة – قديمة و راسخة – تذهب إلى أن المرء لا ينبغي له أن يقرأ إلا ما هو مفيدٌ له. لا أجد ما هو أبعد عن الصحة من ذلك. إقرأ، في كل شيء و في أيّ شيء، جاداً كان أم تافها. السر لا يكمن في “نوعية” ما تقرأه، بل في “تنوّعه”: ما تقرأه لن يضرك إن كان متنوعاً؛ في الحقيقة هو سيفيدك. من هنا، فأنت تجد أناساً كبعض المتمذهبين الدينيين أو الآيديولوجيين السياسيين يعرفون كل شيء عن مذهبهم أو آيديولوجيتهم، و لكن معارفهم فيما عدا ذلك فقيرة. في الأمر ما يذّكر بسجناء الزازين الانفرادية الصغيرة في قلاع القرون الوسطى، الذين كانوا – جرّاء حبسهم فيها لعقودٍ طويلة – يعرفون كل حجرٍ من أحجار الزنزانة و يصفونه وصفاً (حتى أن بعضهم كان، من فرط الوحدة، يطلق الأسماء على هذه الأحجار)، و لكنهم، في المقابل، لا يعرفون أي شيءٍ عن القلعة الكبيرة التي قضوا جلّ سِنيّ حيواتهم فيها، و التي لا تشكل زنزانتهم الضيّقة هذه إلا زاويةً صغيرةً من قبوها. كما أن دعوى القراءة في التخصّص فقط هي وهمٌ آخر، العالم مليء بالمهندسين و المحامين و الأطباء “المتخصصين”؛ ما ينقصه هو المهندسون و المحامون و الأطباء ذوي الآفاق الواسعة، الذين يتجاوزون تخصّصهم الضيق فيربطون بينه بين عداه من العلوم. إقرأ، في كل شيءٍ و في أيّ شيء. إقرأ، و لا تخف.

(2) نحن نحضر المحاضرات للتعلّم، لا لأخذ الاختبارات. اجتياز الاختبارات قد يضمن الدرجة العلمية، و لكنه لا يضمن العلم. كما أن هدف الحضور هو أن نتعلم من منهجية الأساتذة، لا لنعيد تلاوة ما فى الكتب. الكتب فى المكتبات، أما المحاضرات فللمحاضرين.

(3) فترة السنوات الجامعية الأربعة هى الفترة الذهنية الوحيدة فى حياتك التى سيتاح لك فيها التمتّع بالرفاهية الفكرية: ستكون محاطاً بعلماء فى مجالهم (الأساتذة)، و زملاء يشاركونك نفس الاهتمام (الطلبة)، و عاملين مُكرّسين لخدمة اهتماماتك الفكرية (موظفي الجامعة)، و موارد موقوفة على خدمة فكرك (المكتبات و المختبرات و قواعد البيانات و الدوريات الأكاديمية). استغلّها، لأنك بعد انتهاء سنوات هذه اليوتوبيا الفكرية سوف تخرج من جنّة الفكر هذه إلى دوّامة الواقع: عمل، خدمة عسكرية، زواج، أسرة، التزامات اجتماعية إلخ.

(4) إقرأ، أي شئ.

(5) صور المعرفة كثيرة، و الإضافة إلى البنية المعرفية هي عمل تراكميّ، فلا تستهن بنفسك و بما يمكن لك أن تقدمه إلى مجال تخصصك متى ما أخذت نفسك بعزمٍ و بجدّية. في مقدمة كتابه الجبر و المقابلة يقول الخوارزمي: “و لم تزل العلماء في الأزمنة الخالية و الأمم الماضية يكتبون الكتب بما يصنعون من صنوف العلم ووجوه الحكمة احتساباً للأجر بقدر الطاقة، و يبقى لهم من لسان الصدق ما يصغر في حينه كثير مما كانوا يتكلّفونه و يحملونه من المشقة في كشف أسرار العلم وغامضه. و هم إما رجلٌ سبق إلى ما لم يكن مستخرجاً من قبله، و إما رجلٌ شرح مما أبقى الأولون ما كان غامضاً و مستغلقاً فأوضح طريقه و سهّل مسلكه و قرّب مأخذه، و إما رجلٌ وجد في بعض الكتب خللاً فلمّ شعثه و أقام أوده و أحسن الظن بصاحبه غير رادٍ و لا مفتخر بذلك”. شخصياً، أرى أن الدور الأساسي للأكاديمي هو أقرب ما يكون إلى دور شيطان ماكسويل Maxwell’s demon (مخلوق خيالي شرح من خلاله العالم الاسكتلندي جيمس مكاسويل النتائج المربكة لتجاربه الفيزيائية): الفرز و التصنيف.

(6) لدى كل محاضِرٍ – مهما كان مملاً – ما يضيفه لك، و إن كان ذلك مجرد تعليمك على الصبر من خلال احتمالك لمحاضراته الطويلة، التي تبدو و كأنها تدوم دهراً.

(7) قم بإعداد سيرة ذاتية تراكميّة (CV)؛ اعتبرها مشروعاً لا ينتهى: مفتوحٌ و مستمر. كلما حضرت مؤتمراً، أو شاركت بمشروع تطوعيّ، أو تدربت فى شركة ما سجل بيانات هذه التجربة، فوراً (اسم الجهة، المكان، المدة، التاريخ، طبيعة النشاط). هكذا، لن يكون اعداد سيرتك الذاتية عبئاً ثقيلاً، و ستكون دائماً جاهرة.

(8) إقرأ، أى شئ.

(9) يطلب منى كثيرٌ من الطلبة كتابة رسائل التوصية لهم لدى تقديمهم طلبات الالتحاق ببرامج الدراسات العليا، فأطلب منهم سيرهم الذاتية. عندها، أفاجئ أن سير الغالبية منهم عبارة عن صفحاتٌ تليها صفحاتٌ أخرى من الدورات، و هذا كل شئ. يحضرون كل هذه الدورات و هم يحسبون أنهم يحسنون عملاً، و لكنني أخشى أنه لا قيمة حقيقية لكل هذه الدورات، كما أنه ليس من الطبيعى أن يقتصر كل نشاط الطالب عليها (لي بهذا الشأن مقالٌ هنا، على هذه المدونة، بعنوان “دورات القيادة و تطويــر الــذات: ما لن يقوله لك المدربون المعتمدون“، ربما كان من المفيد لك الاطلاع عليه). ما هو طبيعيّ بالمقابل هو أن تتكوّن السيرة الذاتية من عناصر متوازنة: بضع دورات (أربع أو خمسٍ منها يبدو لي عددٌ أكثر من كافٍ)، ثم تدريب مهنيّ internship لدى جهةٍ مُعتبرةٍ ما (مؤسسة حكومية / شركة تجارية / مكتب مهني)، و بضع كتاباتٍ منشورة (يفضّل أن يكون ذلك فى دوريات أكاديمية محكمة، فإن لم يكن ذلك ممكناً فعلى الأقل في منشوراتٍ عامةٍ جادة)، و شيءٌ من العمل التطوعيّ، و إشاراتٍ إلى الهوايات و الرياضات، بالإضافة إلى أعمالٍ تُرجميةٌّ ما.

(10) ترجِم. اختر مقالاتٍ أجنبيةً تراها ذات فائدة في مجال تخصّصك، و ربما من قراءاتك الحرة التي تعجبك أيضاً، و ترجِمها إلى العربية. أُصرّ دائماً على أن يجرّب طلبتي أيديهم في الترجمة، فيخوضوا غمارها مهما كان مستواهم اللغويّ من البساطة. فردياً، ليس كمثل الترجمة شيءٌ في نحت اللغة و شحذ الأفكار و التعليم على النزاهة العلمية و الانضباط و الصبر (و التواضع أيضاً؛ إذ أن الترجمة تحملك على أن تتحكّم بغرورك فتقف عند حدود صياغات الكاتب، لا صياغاتك، مهما بلغت قناعتك بتفوّق الأخيرة على الأولى). أما مجتمعياً، فالترجمة – بما هي جسرٌ ناقلٌ للمعارف – هي رافعة الحضارة، فلولا الجهود الترجميّة القابعة في خلفية التاريخ لمترجمينا القدماء من أمثال الرهاوي و ابن جبرائيل و ابن ماسويه و الكوفي و ثابت بن قرة و عبد الله بن المقفع و أبناء خالد و الحسن بن سهل و قبل هؤلاء جميعاً شيخهم حنين بن إسحق، لما قامت لدينا البِنى الأساسية للمعارف التي تعاطاها علماونا الذين تفخر بهم حضارتنا العربية الإسلامية كالرازي و ابن سينا و ابن رشد و البيروني و الخوارزمي و ابن النفيس و الإدريسي و جابر بن حيان وعداهم كثير. هذا، ناهيك عن ما اراه من أن الترجمة هي زكاة العالِم بلغةٍ أجنبيةٍ ما عن علمه (لديّ عقيدةٌ شخصيةٌ قديمةٌ في ذلك، تُشعرني دائماً بأن هناك مكانٌ خاصٌ في الجحيم لمن يجيدون لغةً أجنبية، فلا يترجمون للناس جانباً مما يقرأون).

(11) التبعية اللغوية هي أوضح علامات الهزيمة الحضارية. في مقدمته، كان ابن خلدون أول من نبّه إلى ولع المغلوب باتباع الغالب، و اتبع ملاحظته تلك بوصفٍ محزن، إذ قال: “يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء”. اللغة هي جزءٌ حيويٌ من حزمة هويتك، و هويتك عربية، فلغتك هي اللغة العربية، و إن درست في المدارس الأجنبية أو تخرّجت من جامعات الخارج. مهما بلغت طلاقتك في الإنجليزية أو الفرنسية فأنت – ما لم تتجنّس بالجنسية – لن تكون إنجليزياً أو أمريكياً أو فرنسياً قط، و إن اجتهدت بالتشبّه. فقدان اللغة الأم يعني فقدان الهوية، و فقدان الهوية يجعل منك مسخاً ثقافياً، و إن بُهِر بك البسطاء. يحقّ للمرء أن “يسعد” بمعرفته للغة أجنبية، و لكن لا يحقّ له أن “يفخر” إلا بإجادته للغته الأم. ضائعون، حقيقةّ، من يطاردون النوافل و يقصرون عن الفرض.

(12) لا تقع فى فخ الدورات و كل هذه الكتب المترجمة اللامعة من نوع “كيف تستثمر طاقاتك”، “كيف تصبح قائداً، “اكتشف شخصيتك”، “إدارة الوقت”، إلخ. هذه الدورات هي في حقيقتها فوّهة كبيرة لحفرةٍ تجاريةٍ عميقة: من يكتبون هذه الكتب – التي كثيراً ما تكون خالية من القيمة و الفائدة (و أغلبها مترجمٌ و منقولٌ على فكرة) – هم من يسوّقون لهذه الدورات، و من يحاضرون فيها كثيراً ما يكونون ملّاكاً لشركات التدريب أو شركاء فيها. الأمر يتعلق بصناعةٍ فارغةٍ تدر الكثير من الأموال، و هى تزدهر دائماً بأزدهار الجهل، حقيقة، و بعزوف الناس عن القراءة الجادة (هذه النصائح التي تقرأها الآن مثلاً كتبتُ جانباً كبيراً منها في واحدةٍ من تلك الدورات التي دُعيت لحضورها من قبل جهةٍ ما، و قد بلغ من الفراغ الفكري فيها أنني تحقق لي من صفو الذهن هناك ما لم يتحقق لي في أماكن أخرى، مما أتاح لي الكتابة بسلاسة، رغم الأكروبات اللفظية المثيرة للشفقة التي كان المحاضر يقوم بها حتى يوهم الحضور بأنه إنما يقدم دورةً ذكية).

(13) إقرأ، أى شئ.

(14) لدى التقدم للدراسات العليا، يستحسن – ما أمكن – أن لا تطلب رسائل التزكية إلا من:

  • أستاذ درّسك،
  • حصلت في مادته على تقدير عال،
  • في مادة التخصص الذي تنوي الدراسة فيه،
  • كتب لك رسالة تزكية شخصية من واقع معرفته بك و من واقع السيرة الذاتية التي – يُفترض أنه – طلبها منك.

(15) السنة الجامعية الأولى ليست امتداداً للسنة الأخيرة في الثانوية و إنما قطيعةً تامةً عنها (فنحن في الثانويات نتعلم القواعد لنتبعها، بينما في الجامعات نتعلم القواعد لنقيّمها و نرى كيف يمكن تعديلها – أو حتى تحطيمها – للخروج بقواعدٍ أفضل)، كما أن الكتاب الجامعي المقرّر ليس سورة الرحمن؛ هو أرضيةٌ تقف عليها و ليس سقفاً تصطدم به. لذلك، لا تشعر نفسك بالتقييد. إن كان أستاذك تقليدياً و لا يسمح لك بحرية التعبير و النقاش، فكن على الأقل حراً بداخل عقلك و لا تخشَ من التفكير بينك و بين نفسك. الاستقلالية الفكرية ينبغي أن تكون هاجسك الأول، بشرط العمل على تدعيمها فكراً و قراءةً، و إلا كانت محض دجلٍ و استعراض.

(16) خاطيءٌ جداً ما يحدث في بعض الكليات من وجود نموذجٍ مكتوبٍ وجاهزٍ لرسائل التزكية، بحيث لا يتبقى للاستاذ فيه إلا التوقيع عليه كما هو. في الأمر ما يمسّ مصداقية المؤسسة، الأستاذ، و الطالب معاً، فوجب التنبيه. هذه ليست مبالغة؛ بل هو لفتٌ للنظر لوجوب أن تكون لمسيرتك الأكاديمية بداية رفيعة: وحدها المقدمات الصحيحة تقود إلى نتائج صحيحة. مسلسل التنازلات القيمية و المعايير المتدنية إن بدأ الآن فسيستمر معك دائماً.

(17) إقرأ، أى شئ.

(18) لاختيار جامعتك للدراسات العليا:

  1. ادرس قوائم الجامعات المصنفة .
  2. لا يشترط ان تكون جامعتك ذات اسم رنان .
  3. عينّ منطقتك البحثية، و لا يشترط أن تكون قد حددت العنوان الدقيق لرسالتك في هذه المراحل الاولى.
  4. اصنع قائمةً من أربع أوخمس جامعات تجدها مناسبة لك. ربما كانت أهم المعايير التي يجب أن تتحراها هي: تصنيف الجامعة، موقعها الجغرافي، قربها من وسائل المواصلات، شراكاتها الاستراتيجية مع جامعات و مؤسسات الأخرى، و برامج الدعم الطلابي التي تقدمها.
  5. ادخل على مواقع هذه الجامعات على الإنترنت و تعرّف على أعضاء هيئة التدريس في مجال منطقتك البحثية، و تعرف على أبحاثهم و كتاباتهم و اطلع عليها (هناك مثلٌ لاتينيٌ قديم يقول “يُستدل على الأسد من مخالبه” ex ungue leonem، لذلك ففي الأكاديميا لا يُنبئك عن الأكاديميين مثل إنتاجهم العلمي). افعل ذلك، لأن أغلب الظن أن أحد هؤلاء سيكون هو المشرف على أطروحتك للدراسات العليا.
  6. ارسل لهم رسائل الكترونية تعريفية، قدّم فيها نفسك و حدثهم عن خططك بشكل عام. افتح معهم حواراً.

(19) انضبط. فرغم أن السنوات الجامعية هى سنوات التكوين (formative years) إلا أن الإنضباط لم يكن هاجسٌ قطٌ فى نظام التربية لدينا عموماً، فاستدرك ما فاتك، و تعلّمه.

(20) توقّف – فوراً – عن ترديد نشيدة “ما أعرف، ما علّمونا”. هذا العذر يُقبل من الصغارإلى سن 14 أو 15 سنة، ربما، و لكن بعد أن يتحوّل المرء من طور الطفولة إلى طور الشباب فإن ترديد نشيد الخيبة هذا يصبح معيباً، حقيقة. مادمت قد انتبهت إلى أنهم “ما علّموك” فهذا يعني انك قد صرت الآن “واعياً”. أما و قد وعيت، فماذا أنت فاعلٌ بشأن هذا الفراغ المعرفيّ الذى صرت الآن تستشعره في داخلك؟ للأمر اسم؛ إنه يسمى “مسئولية”.

(21) إقرأ، أى شئ.

(22) فى رواية “صباح الليلة الأولى بعد الألف” للكاتب الفرنسى أندريه ميكيل، تقول شهرزاد: “كل ما يفهمه العقل الأصيل يجب أن يكون شائعاً، فالمعرفة تُنكر وجودها إن لم تُقتسَم”. انشر المعارف؛ لا تكن بخيلاً بها.

(23) في المجال الأكاديمي تحديداً، تكون الأبحاث المحكّمة المنشورة هي نواة التخصّص بالدرجة الأولى، و كل ما عدا ذلك يجب أن يكون نتاجاً لها (محاضرات / مؤلفات / مشاريع / مقابلات). أما الجوائز العالمية، فهي مجرد نتيجة طبيعية لهذه الأنشطة. و لذلك، ينبغي أن نكون حذرين ممن يكثرون من التصدي لموضوعاتٍ أكاديمية دون أن يكون في ترسانتهم العلمية أبحاثٌ منشورةٌ تعمل كأساس قاعديّ لمعارفهم (وهذا ينطبق حتى على الأكاديميين ذوي النشاط اللفظيّ/الشفاهيّ المحموم).

(24) للعمل الأكاديمي كيمياءٌ ممتعةٌ جداً، و لكن مركّباتها، لسبب ما، لا تتفاعل إلا بعد أن تضيف لها مادة حفازة تسمي القلق”، و هي مادة تصنعها – بجودة عالية – آلة شيطانية تسمى “الساعة”. بعضٌ من القلق لا يضر. في الحقيقة – و على خلاف ما تم إفهامك – هو مفيد، جداً

(25) منذ سنين طويلة، كتب شيخ المحققين محمود شاكر ما يلي عن الشهادة الجامعية: “و الشَّهادةُ ما هي إلا إجازة الدَّولةِ لأحدٍ من الناسِ أنَّهُ قد تحرَّر من طلبِ العلمِ والأدبِ على القيودِ الَّتي تتقيَّدُ بها المدارسُ و الجامعاتُ في أنواعٍ بعينِها من الكلامِ، و أنَّهُ قد حصَّلَ في ورقةِ الامتحانِ ما فُرِضَ عليهِ تحصيلُهُ بالذَّاكرةِ، ثمَّ ترفعُ الشَّهادةُ يدَها عن معرفةِ ما وراءَ هذا التحصيلِ و ما بعدَه و ما يصير إليه من الإهمالِ أو النسيانِ أو الضعفِ أو الفسادِ. فحينَ يُغادِرُ أحدُهم الجامعةَ حاملاً شهادتَهُ مُندَمِجًا في زحمةِ الجماعةِ تفقدُ الشَّهادةُ سلطانَها الحكوميَّ – أو هكذا يجبُ أنْ يكونَ – و لا يبقى سلطانٌ إلا للرجلِ، و أينَ يقعُ هو من العلمِ أو الأدبِ أو الفنِ؟ و هل أصابَ أو أخطأَ؟ و هل أجادَ أو أساءَ؟ وهكذا، فهو لا يُنظرُ إليهِ إلا مَغسولاً غُفْلًا من “مكياجِ” الدبلومِ و الليسانسِ و الماجستيرِ و الدكتوراه و ما إليها. و إذنْ، فالأَوْلَى ألا يُنْظَرَ إليه عن شهادةِ قومٍ لم يكُنْ سبيلُهم إلى التَّحَكُّمِ في أسواقِ العلمِ والأدبِ إلا الشَّهاداتِ المُستحدَثَةَ، و الشُّهرةَ النَّابغةَ على حينِ فترةٍ و ضعفٍ و اختلاطٍ و جهلٍ كانَ في الأمَّةِ حين كان أقل العلم و أشَفُّ الأدبِ يرفعانِ صاحبهما درجاتٍ من التقدير و الإجلال و الإكرام”. الشهادة الجامعية العليا التي لا تُؤَطّر بشخصيةٍ سويةٍ و علمٌ عميقٌ هي زائدةٌ لا تدعو للإعجاب، بل قد يثير السخرية.

(26) الأستاذ في القاعة يهابه الطلاب من دون أن يعلموا أنه هو من يهاب موقفه أمامهم، فهو بذلك كما قال علي بن أبي طالب: “كراكب الأسد، يهابه الناس و هو لما يركب أهيَب”.

(27) انشر المعارف. عندما تقع على قراءاتٍ مهمة، انشرها: إطبعها، و وزّعها (إرمي بهدوء – و كأنك لا تدري – نسخة في عيادة الطبيب، و نسخة في قاعة المحاضرات، و أخرى في غرفة الاجتماعات، و رابعة على طاولة الكافيتيريا. ها أنت قد فهمت الخطة) إفعل ذلك. من يدري؟ لعلك – بشيءٍ من حظٍ و بعضٍ من توفيق – ستتسبب في إصابة أحدهم بجرثومة مرض التفكير، و هو العفيّ الذي لم يصب بعدوى هذا المرض طوال حياته. في هذه الظروف التي تمر بها أمتنا، و مع ما كشفت عنه التحولات الراهنة من جهلٍ مفزعٍ في أغلب من يحيطون بنا ممن كنا نتوسم بهم إدراكاً، أعتقد أنها ستكون صدقة جارية: هذا علمٌ (حقيقي) يُنتفع به.

(28) تاريخياً و حتى اليوم – رغم كل ما يقال و يسوّق من قبل الشركات التي ربطت مصالحها العملية بتمويل الجامعات عبر العالم (على النمط الأمريكي) – ما أنتج أرسخ الأطروحات الأكاديمية و أكثرها خلوداً إلا الرسائل العلمية التنظيرية، لا التطبيقية (حتى في مجال العلوم البحتة)؛ فالخريطة قبل المبنى و النظرية قبل التطبيق. استثمر في التنظير و ستكون قد استثمرت في نفسك، و في تطبيقاتٍ مستقبليةٍ كثيرةٍ لاحقة.

(29) إقرأ، أى شئ.

(30) في وسطنا الأكاديمي، اعتدنا – أنا و زملائي و طلبتنا و زوارنا – أن نتناقش و نتحاور و نستحضر نقاشات ماضية ثم تعلو أصواتنا و نشير بأيدينا و نقوم إلى الرفوف و نتناول الكتب و نفتح الصفحات و نستشهد بالسطور – بانفعالٍ احياناً – و لكننا نضحك بعدها دائماً، و ينتهي الأمر، لنعيد ذات الدائرة في اليوم التالي. النقاش الحاد أمرٌ معتادٌ جداً و صحيٌ جداً في البيئات الأكاديمية، فلا تأخذ الأمور بشخصية أو حساسية، لأن الأمر يتعلق بالموضوع، لا بك.

(31) عندما يتعلق الأمر بالدراسات العليا، فإن في التوجّه المحموم للتسجيل في أعلى الجامعات تقييماً سمةً استهلاكيةً ما، لا تنتمي – للعلم – إلى الثقافة الأكاديمية “العميقة”. الأمر لا يتعلق بالجامعة و إن تميزت، فالجامعات الشهيرة تخرج آلافاً من الطلبة كل عام، أما المتميّزون من هؤلاء فندرة، لأن الطالب هو من يسبغ القيمة و المعنى – الحقيقيين – على تعليمه. بطبيعة الحال، جِدْ جامعة جيدة، و لكن عوضاً عن إضاعة الوقت و الجهد في المبالغة في مطاردة أرقام التصنيفات المؤسسية للجامعات، كرّسهما للبحث عن الخلفيات البحثيّة لأعضاء هيئة التدريس و للوقوف على إنشغالاتهم الكتابية و منشوراتهم العلمية. هذا ليس تقليلاً من شأن الجامعات الشهيرة، و لكن اعادةً للاعتبار الى الكثير من الجامعات الممتازة الأخرى، لأن التصنيفات التجارية صارت تعمينا عن رؤيتها. هناك فرصٌ رائعةٌ تُهدر و جامعاتٍ ممتازة تُغفل، فقط تدافعاً للانضمام إلى المجاميع العالمية الكثيرة المتحلّقة حول بوابة “الجامعة الأولى” في التخصّص، و التي لن تقبل من كل هؤلاء المتقدمين لها أصلاً إلا أفراداً محدودين. علماً بأن من يقبلون في الجامعات الشهيرة لا يُنتقون جميعهم بناء على معايير جميعها أكاديمية بالضرورة (عند قبول الطلبة، تطبق كثير من هذه الجامعات معايير أخرى موازية: كوتا جندرية / انتماء جغرافي / رسائل تزكية من أسماء كبيرة في المجال إلخ). الأساتذة؛ انتبه للأساتذة. لا المباني و لا البرامج و لا الأنشطة، الأساتذة هم جامعتك الحقيقية: سيفتحون لك أبواباً لم تكن تعرف بوجودها، أصلا.

(32) مع ظهور الإنترنت، ما عاد أحدٌ معذوراً؛ صار كل شيءٍ متاحٌ معرفياً. فما هو دور الاستاذ إذن؟ إن دور الأستاذ لن يكون له أى معنىً إن لم يكن قد سبقك في تطبيق القاعدة التى أكرّرها هنا، و هى القراءة. ينبغي أن يكون الأستاذ قارئاً حقيقياً حتى يمثل وجوده قيمةً مضافةً لطلبته. في هذا الزمان الذي يفيض معرفياً و معلوماتياً، سيربط الأستاذ الحقيقي بين كل هذه المعلومات التي تبدو محيطة بنا في فوضىً مربكة، و سيجهد لأن يعطيك خارطة الملاحة، لتجد أنت طريقك وسطها. الأساتذة الذين لا ينتبهون إلى دورهم الجديد هذا سوف تتلاشى الحاجة لهم شيئاً فشيئا، إلى أن يتحولون ليس فقط إلى عنصرٍ غير مفيد، بل قد يكون معيقاً أيضاً.

(33) إقرأ، أى شئ.

(34) اضفِ شيئاً من الإخلاص الإنسانيّ على علاقتك بأستاذك. لا الحصول على الجوائز العلمية، و لا الترفيع في الترقيات الأكاديمية، ولا العمل في الجامعات الأجنبية، و لا المشاركة في المؤتمرات المهنية، و لا الدعوة للاجتماعات الوزارية، و لا عقد المقابلات الصحفية … لا شيء – لا شيء – يجعل الأساتذة يشعرون بالقيمة الحقيقية لعملهم الجامعي مثلما تفعل الرسائل الورقية المخلصة الخجولة التي يرسلها لهم طلبتهم إلى بريدهم، أو يتركونها على مكاتبهم، أو يدسّونها خفيةً في قبضات أبواب سياراتهم.

(35) عند الكتابة، من المفيد ان يكون لك “تقنية”. كان فالتر بينجامين مفكراً و فيلسوفاً ألمانياً مقلاً إلا أنه مؤثر جداً و صاحب بصمة فكرية كبيرة. و السبب في ندرة كتاباته يعود إلى كونه مات في سنٍ مبكرةٍ نسبياً (48 عاماً) أثناء محاولته الهرب من القوات النازية مع مجموعة من الأصدقاء عن طريق الحدود الفرنسية-الأسبانية. هناك، قيل له أنه لن يستطيع عبور الحدود، فتناول القلم و كتب بضع صفحات أخيرة في نظريته حول تطور التاريخ، ثم انتحر بعدها بجرعة عالية من المورفين كان يحملها معه كضمانة لعدم وقوعه حياً بأيدي النازيين. المفارقة الحزينة هي أنه في اليوم التالي لانتحاره مباشرة فتحت الحدود، و نجا جميع من كان معه. ما يلي هو تلخيصي لمنهج الفيلسوف الألماني فالتر بينجامين في الكتابة، و هو المنهج الذي أسماه “تقنية الكاتب في ثلاث عشرة أطروحة”:

  1. على من يعتزم كتابة عمل ضخم، أن يتمهل وألا يضن على نفسه فور أن يكتمل الواجب الكتابي الثقيل، بكل ما لا يعوق استمرار العمل.
  2. تحدث إذا شئت عما اكتمل، لكن لا تقرأ أي مقطع منه للآخرين أثناء استمرار العمل. فكل شعور بالرضا ستناله بهذه الطريقة سيبطئ من إيقاعك. و باتباع هذا النظام ستصبح رغبة التواصل التي تتصاعد دون توقف دافعا على إنجاز العمل في نهاية المطاف.
  3. حاول أن تتجنب، في ظروف عملك، ابتذال الحياة اليومية، فشبه الاسترخاء على خلفية من الاصوات التافهة يحط من قدر المرء. وعلى النقيض، فإن مصاحبة دراسة موسيقية أو أصوات مشوشة يمكن أن تصبح من الأهمية للعمل قدر أهمية سكون الليل المحسوس. وإذا كان هذا الأخير يرهف الأذان الداخلية، فإن تلك الأولى تصبح الحجر السحري لأسلوب يكون من الثراء بحيث تنطمر فيه حتى الضوضاء الغريبة.
  4. تجنب استخدام أي أدوات كتابية دون تمييز .فالتعلق الاستحواذي بأنواع معينة من الأوراق، والأقلام، والأحبار، أمر مفيد. وما لا غنى عنه هنا ليس فخامة هذه الأدوات، بل وفرتها.
  5. لا تدع أية فكرة تمر مجهولة واحتفظ بمفكرة ملاحظاتك بنفس الصرامة التي تحفظ بها السلطات بسجل الأجانب.
  6. اجعل قلمك يترفع عن الإلهام، وسوف يجذبه نحوه بقوة مغناطيس. وبقدر ما تتيح من التأني في تسجيل فكرة عرضت لك، بقدر ما تكون أشد نضجاً حين تسلم نفسها إليك، عن طيب خاطر. الكلام يهزم الفكرة، لكن الكتابة تسيطر عليها بمهارة.
  7. لا تتوقف أبدا عن الكتابة بدعوى أن الأفكار فرغت منك. فالشرف الأدبي يملي عليك ألا تقطع الكتابة إلا لاحترام توقيت معين (مثل وجبة طعام، أو موعد) أو حين يكتمل العمل.
  8. إملأ فترات إنقطاع الإلهام بنسخ و تبييض ما انتهيت منه فعلاً، وسوف يصحو الإلهام في هذه الأثناء.
  9. لا تدع يوماً يمر يوم بدون سطر Nulla dies sine linea.
  10. لا تعتبر أي عمل مكتملاً أبدا ما لم تنكب على العمل فيه مرة من المساء حتى الصباح التالي.
  11. لا تكتب خاتمة عمل ما في الغرفة التي تعمل بها عادة. فلن تواتيك هناك الشجاعة الكافية.
  12. مراحل التأليف هي: الفكرة – الأسلوب – الكتابة . ويتمثل معنى النسخة المضبوطة في أنها، أثناء العمل الذي تتطلبه، توجه الانتباه إلى الخط وحده. الفكرة تقتل الإلهام، و الأسلوب يقيد الفكرة، و الكتابة تعوض الأسلوب.
  13. العمل هو القناع الجنائزي للفكرة الأصلية.

(36) استراتيجياً، خبرتي في التعليم الجامعي و إعطاء المحاضرات و وضع المناهج هي مثل خبرة نابليون بونابرت في الحرب: لم أتعلّم شيئاً جديداً منذ سنتي الأولي، لأنني لم استغرق في التفاصيل و إنما تعرّفت على النسق (الارتباطات، الأساسات، الفرص، الحدود، إلخ). قال نابليون عن تجربته العسكرية: “شهدت ستين معركة و لم أتعلم شيئاً غير الذي أيقنته في المعركة الأولى؛ كمثل يوليوس قيصر الذي خاض معركته الأخيرة كما خاض الأولى”. و لكن هذا استراتيجياً، أما تكتيكياً، فأنا أتعلم ألف شئٍ كل يوم. أعرف أن النظام التعليمي يجرك إلى التفاصيل جراً، و مع ذلك، كن واعياً لأن لا تنغمس فيها.

(37) إقرأ، أى شئ.

(38) الدور الحقيقي (“الحقيقي”) للأستاذ هو أن يقودك إلى المناطق الجديدة و الأراضي غير المكتشفة فكرياً، و هذا سيزعج أفكارك المطمئنة، المستقرة، من دون شك. في كتابه “الأخلاق البروتستانتية و روح لبرأسمالية”، كتب عالم الاجتماع ماكس فيبر: “إن المهمة الأولى للأستاذ الكفؤ هي تعليم تلاميذه الإقرار بوجود وقائعٍ غير مريحة؛ أعني بذلك وقائع مزعجة للرأي الشخصي للفرد. بالفعل، هناك وقائع مزعجة جداً لكل رأي، بما في ذلك رأيي الخاص. إنني أعتقد أن أستاذاً يُجبر تلاميذه على الاعتياد على هذا النوع من الأمور لينجز أكثر من عملٍ فكريٌ خالص؛ لا أتردد في أن أصفه بأنه عملٌ أخلاقيّ، رغم أن هذا التعبير يمكن أن يبدو – ربما – شاعرياً جداً للإشارة الى بديهيّةٍ بمثل هذا الابتذال”. ليس من الضروريّ أن تقبل الأفكار الجديدة، و لكن ما هو ضروريٌّ بالمقابل هو أن تعوّد نفسك على تداولها بأريحيّة.

(39) لا يكون المرء مجدداً إلا إذا تعلّم القواعد أولاً، ثم، إن شاء، حَطّمها بعد ذلك. و لكنه إن فعل، فسيكون قد حطّمها عن ادراكٍ تدفعه تصوراتٍ بديلة، لا عن جهلٍ فارغ.

(40) لا تنخدع بما يحيط بنا من الرواتب و الوظائف و البعثات و الكادرات والمنح و الإعانات و التموين و الدعم و الخدمات المجانية. هذه السياسات الريعية لا يمكن أن تدوم، مهما خلصت الآمال و احتدت المطالبات. اعمل على أن تنمّي في داخلك ما أسميه “أخلاق العمل الكوزموبوليتانية” (العالمية). إن كان لك من العمر أقل من ثلاثين عاماً، فأغلب الظن أنه لن يمرّ كثيرٌ من الوقت قبل أن تبدأ في البحث عن عملٍ في الخارج. ينبغي أن تكون جاهزاً للمنافسة.

(41) الجامعات مؤسساتٌ طليعية، مهمتها هي استكشاف فرص المستقبل لا الركون إلى أمان الماضي. من المحزن أننا كلما التفتنا حولنا في الجامعة وجدنا مَعارضاً بعناوين حزينة من قبيل:”عتيج الصوف”، كويت الماضي”، “من تراثنا”، الخ). في الجامعات و المعاهد، هناك اتحاداتٌ للطلاب و جمعياتٌ علمية؛ تقدّم لها باقتراحات تساعدهم فيها على التركيز على ما هو آتٍ من مستقبل، إذ ينبغي أن يتدارس الطلبة و الطالبات في أوساطهم الخاصة اقتراحاتٌ من قبيل: إمكانية عقد معارض حول فرص العمل فى الخارج، مجالات العمل خارج الحكومة، عقد اجتماعات مع مسئولي الموارد البشرية فى الشركات، تقديم مقترحات بشأن ادراج مواد حديث فى لائحة المقررات، مد جسور التعاون مع جمعيات النفع العام – على اختلافها – و بحث الفرص و الإمكانات للتعاون، الاتصال بالملحقيات الثقافية في السفارات المخنلفة، استكشاف المؤسسات الأجنبية التي يمكن أن يكون لديها ما تقدمه لطلبة الجامعات: منح، فرص دراسية، تبادل طلابي)، الفرص كثيرة، و أنا أرى منها يومياً ما يضيع أمام ناظري، رغم إلحاحي المستمر. تحرّك. محزنٌ جداً كمّ الفرص الذي يسقط في هاوية الركود و قلة الهمة.

(42) في جميع جامعات العالم، هناك أساتذةٌ بعقلية وظيفية، و هناك أساتذةٌ آخرين بعقلية أكاديمية. اقضِ وقتاً أقل مع الأوائل، و أطول مع الأخيرين. اشترك مع الأساتذة “الأكاديميين” في مشروعاتهم البحثية، و اقبل الدور الذي سيكله إليك الأستاذ فيها أياً ما بلغت بساطته (طباعة، تصوير، ترجمة، جمع معلومات)؛ فالأستاذ لا يحتاجك – لأن حوله معيدين للمهام الأكاديمية و سكرتارية للأعمال الإدارية – و لكن أنت من يحتاج الفرص التي يخلقها لك مجرد وجودك معه و حوله و في دوائره، فلا تُضِعها. الأمر يبدأ دائماً بالمهام البسيطة، ثم يتطوّر إلى أنشطة أكاديمية أكثر عمقاً. هذه هي فقط الأشياء التي ستسبغ على سيرتك الذاتية القيمة.

(43) إقرأ، أى شئ.

(44) يبدو أن هناك جيلاً مُضيَّعاً من الأكاديميين العرب الرائعين: يَدرسون و لا جدوى، و يُدرّسون و لا جدوى، و يقرأون و لا جدوى، و يكتبون و لا جدوى، و ينشرون الأبحاث و لا جدوى، و يدبّجون الكتب و لا جدوى، و يُحاضرون و لا جدوى، و يُستشارون و لا جدوى. مع هؤلاء، يسود الشعور بأنهم إنما يبنون بقوالب الهواء أو يحفرون بمياه البحر، فتهتز الرؤوس أسفاً لحالهم. و مع ذلك، فهم مستمرون؛ مستمرون دائماً، لا لأنهم يؤمنون بصلاحية ظرف الزمان الذى وضعتهم الصدفة التاريخية فيه – هم أدرى الناس برداءته – و إنما لأنهم مهمومون دائماً بتحسين ظرف المكان من خلال خلق الوعى و نقل المعارف. هم يعرفون أنك إذا استثمرت هنا في المرحلة، ربحت هناك في المستقبل. هؤلاء الممسوسون يدركون تماماً أنهم حلقةٌ فى سلسلةٍ تاريخيةٍ طويلةٍ و عتيقةٍ من تاريخ الوجود العربى بل و الإنساني؛ لولاهم لما كان لهذه الأمة، بل للبشرية، وجود. فضل هؤلاء لن يدركه معاصروهم من أبناء المرحلة؛ من سيحمد سيرتهم هم من سيأتي بعد أولئك. لم يحتاجوا مساعدة أحدٍ قط، و لا يعوّلون عليها، أصلاً. إن لم تدعم مساعيهم، فلا أقل من أن تدعهم و شأنهم. و بعد، فبلى: هناك دائماً جدوى.

(45) اضبط مصطلحاتك. كثيرًا ما يعود أصل الخلاف الفكري إلى أسباب لفظية أو اصطلاحية. و قد لفت الفقيه ابن حزم الظاهرى الأنباه الى ذلك بقوله: “و الأصل في كل بلاءٍ و عماءٍ و تخليطٍ و فساد (هو) اختلاط الأسماء، و وقوع اسمٍ واحدٍ على معانٍ كثيرة، فيخبر المخبر بذلك الاسم، و هو يريد أحد المعاني التي تحته، فيحمله السامع على غير ذلك المعنى الذي أراد المخبر، فيقع البلاء و الإشكال”.

(46) الأستاذ، مهما بلغ من إخلاصه، لا يمكنه أبداً مساعدة من لا يساعد نفسه.

(47) في الأكاديميا، الحقيقة/القيمة هي – أو ينبغي أن تكون – رائد الجميع. يُعرف الأكاديميّ الحقيقيّ من مدى انشغاله بالبحث عنها.

(48) إقرأ، أى شئ.

(49) إقرأ، أى شئ.

(50) إقرأ، أى شئ.

… أما هذه، فإضافة من خارج القائمة: إقرأ، أى شئ.

عن حياتنا، التي سلّمناها للتفاهة و التافهين: ترجمةٌ لمقطعٍ مختارٍ من كتاب آلان دينو

قياسي

mediocratie 

التفاهــة La médiocratie

بقلم: آلان دينو Alan Denneault

ترجمة: مشاعل الهاجرى

10 مارس 2018

 –

 –

ما يلي هو ترجمتي لصفحاتٍ مختارةٍ من كتابٍ بعنوان “التفاهة” (La médiocratie) للفيلسوف ألان دونو (Alain Deneault) أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية في كيبيك الكندية، و الذي صدر عام 2017 باللغة الفرنسية.

أطروحة هذا الكتاب الصغير و لكن العميق هو لفت الأنظار إلى ما صار يحيط بنا من تسيّد للتفاهة و التافهين، حيث أدى انخفاض المعايير و تغييب منظومات المبادئ الرفيعة و و المفاهيم العليا إلى تسهييل صعود البسطاء فكرياً و الخليّين أخلاقياً و وصولهم الى مفاصل الدولة و الإدارة و التجارة و الأكاديميا، في سابقةٍ تاريخيةٍ لم تشهدها أية مرحلةٍ حضاريةٍ أخرى.

 –

ضع كتبك المعقّدة جانباً، فكتب المحاسبة صارت الآن أكثر فائدة. لا تكن فخوراً، و لا روحانياً أكثر من اللازم، و لا مرتاحاً، لأن ذلك يمكن أن يظهرك بمظهر المغرور، خفف من شغفك، لأنه مخيف. و قبل كل شئ، لا تقدم لنا “فكرة جيدة” من فضلك، لأن آلة تمزيق الأوراق ملأى بها سلفاً: وسّع من حدقة عينيك، لأن هذه النظرة الثاقبة فى عينيك مقلقة للبعض. أرخٍ من شفاهك و فكّك، إذا ينبغي أن تكون للمرء أفكاراً رخوةً و أن يُظهر ذلك. عندما تتحدث عن نفسك، قلّل من إحساسك بذاتك إلى شئٍ لا معنىً له. يجب أن نكون قادرين على تصنيفك. لقد تغير الزمان؛ فلم يعد هناك اقتحامٌ للباستيل، و لا شئ يقارن بحريق الرايخستاغ،[1] كما أن البارجة الروسية “أورورا” لم تطلق طلقةً واحدةً باتّجاه اليابان،[2] و مع ذلك، فقد تم شنّ الهجوم بنجاح: لقد تبوّأت التفاهات موقع السلطة.

ما هو جوهر كفاءة التفاهة؟ إنه القدرة على التعرّف على تفاهةٍ أخرى. معاً، هى تدعم بعضها، فتحدب على الجماعة التى تنمّيها، لأن الطيور على أشكالها تقع. أن ما يهم لا يتعلق بتجنّب الغباء الذي يحيط يتصوّرنا بالسلطة، فالتفاهة ليست مسألة انعدامٍ صرفٍ للكفاءة، فنحن لا نريد أشخاصاً غير مهرة، إذ ينبغى أن يكون المرء قادراً على تشغيل آلة التصوير، أن يفهم محتوى استمارةٍ ما، فيملأها من دون شكوى و أن يقول مرحباً فى الآن ذاته. إن التفاهة بالفرنسية (médiocratie) هو الاسم الذى يشير إلى ما هو عاديٌ، مثلما تشير كلمات supériorité و infériorité إلى ما هو أعلى و ما هو أدنى. ليس هنالك لفظٌ مثل moyenneté  (التوسّط) بالفرنسية، فالتفاهة هي المرحلة الوسطى فى الحركة؛ أعلى قليلاً مما ما هو عاديّ. إن التفاهة هي الدرجة الوسطى بعد رفعها إلى مصاف السلطة.

أنها خبيثةٌ و مثيرةٌ للشفقة، لأن التافه لا يجلس خاملاً؛ انهم يؤمنون أنهم يعملون بجهد، فالأمر يتطلب مجهوداً للخروج ببرنامجٍ تلفزيونيٍّ ضخم، أو لإكمال منحةٍ بحثيةٍ مموّلةٍ من وكالةٍ حكومية، أو لتصميم أكوابٍ صغيرةٍ و جذابةٍ للبن الرائب بشكل إيروديناميكى، أو لصياغة الأجندة المؤقتة لاجتماعٍ وزاريٍّ لرؤساء وفود ما. إن الطريقة الاعتيادية التى ينتجون فيها هذا الأشياء ليست طريقتهم، فالكمال الفنيّ يصبح أساسياً لتغطية الكسل الفكريّ غير المعقول الذى هو جوهر العقيدة الامتثاليّة للمهن.

كثيراً ما نصوّر التافه و كأنه عضو أقليّة. بالنسبة لجان دي لابرويير (Jean de La Bruyère)[3] فإن التافه، في كثير من الأحيان، يتمثل في مجموعةٍ من الأفراد الذين ينسحبون من اللعبة، بفضل معرفتهم بالأخبار الداخلية و دسائسهم التى يتقاسمها معهم من هم فى السلطة:

“كان سيلسوس (Celsus) جزءٌ من الطبقة التافهة، و لكن الناس فى المراتب الاجتماعية العليا كانوا يحتملونه: لم يكن عالماً و لكن ذي علاقةٍ بالعلماء، لم يكن ماهراً و لكنه كان ذي مهاراتٍ لغويةٍ تجعله مفيداً في العمل كمترجمٍ غير رسميّ. هو أيضاً سلس التحرّك و يتنقل بسهولة من مكانٍ لآخر”.

و الآن، فإن جانباً من الجماعة المسيطرة، “سيلسوسيو” العالم هؤلاء، لم يعد لديهم أحداً يحاكونه سوى أنفسهم. لقد تغلّبت قواهم تدريجياً، و من دون وعيٍ. و من خلال تطبيق أساليب القراصنة العاطفيين، أي باستخدام المحسوبية، الترضية و التواطؤ، فقد اكتسبوا سيطرةً ملاحيةً على القارب المؤسسيّ، إن صح التعبير.

كان لورنس ج. بيتر (Laurence J. Peter) و ريموند هال (Raymond Hull) أول من أرانا هذا الهيكل من خلال “مبدأ بيتر” (the Peter Principle).[4] كان جوهر محتوى أطروحتهما يتمثل فى أن جميع الموظفين يستمرون في الترقيّ حتى يصلون إلى مستوىً تنعدم فيه الكفاءة لديهم. بعبارةٍ أخرى فإن الجميع يترقّى حتى تقصّر مهارته و قوته عن التماهي مع موقعه الحالى. لدينا مثلٌ واضحٌ لذلك فى المدرّسين، فمن هؤلاء من يضربون صفحاً عن الجداول و لا يعرفون شيئاً البتة عن منهج المدرسة، و عمل هؤلاء لا يلقَ الموافقة، فنحن لا نحتمل المدرّس المستقل الذى يغير بروتوكول التدريس باستمرار من خلال منح الدرجات للتلاميذ الذين يعانون من الصعوبات فيصنّفهم كأفضل التلاميذ فى المدرسة.

إن استنتاج ماكس فيبر (Max Weber) يصل إلى نفس النتيجة عندما يناقش الجامعة، فالتفاهة فيها دارجة جداً إلى درجة أن الخيارات المؤسّسية تقع ضمن محيط كلٍ من “الحظ” و “الصدفة” العشوائيين. و هذه الأيام، فإن أسلوب المخاطر قد وجد طريقه إلى الإدارة و صار يلعب دوراً رئيسياً فيها. “إنه ليس من العدالة أن نسائل القصور الشخصي لأعضاء هيئة التدريس أو لوزارات التربية فنجعلهم مسئولين عن حقيقة أن هناك تفاهات عديدة تلعب دوراً مؤثراً فى الجامعات. إن شيوع التفاهة إنما يعزى إلى قوانين التعامل البشرى، لا سيما تعامل عدة أطراف معاً […]”، كما كتب فيبر فى كتابه “العلم بوصفه حرفة”،[5] الذى نُشر عام 1919.

إن تحليله هذا ما زال يثبت صحةً حتى اليوم، فأسلوب الإدارة بالمخاطر مازال مسيطراً على المؤسسة. فالباحث المقاد بشغفٍ مسيطر، حدسٍ قويّ، خيالٍ مُتملّك، و فهمٍ لطبيعة العمل لن يكون بوسعه النجاح إلا إذا حصل على منح، فذلك يمكنه من المناورة وسط التعقيدات المؤسسية، حيث تكون السيادة للمعايير الكمية و اعتبارات الرعاية. أن هذه لا تعدو أن تكون بعضاً فقط من “الظروف الخارجية لمهنة الرجل الأكاديمى”.

من هنا فإن التفاهة تحدد النظام التافه، الذى يتم الحفاظ عليه كنموذج. كان عالم المنطق أليكساندر زينوفييف (Alexander Zinoviev) يصف السمات العامة للنظام السوفيتى التى يبدو أنه يشترك فيها مع العديد من نظم الديموقراطية الليبرالية. و كان دوبر (Dauber) – إحدى شخصيات “المرتفعات المتثائبة” (The Yawning Heights) و هي الرواية الساخرة التى كتبها فى سيتينيات القرن الماضى سراً – كان يقول أن “الأشخاص التافهون إلى درجة ملحوظة يبلون بلاءً حسناً بالنهاية” و أن “للتفاهة فوائدها”. كانت فرضيته الأساسية هى “أنا اتحدّث عن التفاهة، كأمرٍ معتادٍ و عام، و الأمر لا يتعلق بالنجاح فى العمل، بل بالنجاح الاجتماعى. هذان أمران مختلفان تماماً […] فالمؤسسة التى تبدأ بالعمل بطريقة أفضل مما عداها سوف تستقطب الاهتمام بالضرورة، فإذا تأكد رسمياً أنها تلعب دوراً كهذا، فإنها سرعان ما تتحول إلى خدعةٍ بصريةٍ أو برنامج اختباريّ تجريبيّ. و بعدها تبدأ فى التراجع، حتى تنحدر إلى محض خدعةٍ بصريةٍ تجريبية […]. و بشكلٍ عام، فإن ذلك يقود إلى نزعةٍ انحداريةٍ فى مستوى النشاط يقل عما كان ممكناً من حيث الإمكانات الفنية”. ما يتبع ذلك إذن هو مجرد تقليدٌ للعمل، لا ينتج إلا نتائجاً موهومة. إن الخبرات المُختلقة هو دليلٌ حقيقىٌّ على ذلك. و هكذا، فإن التفاهة تقود الفرد و الجميع لتسليم ملكة الحكم السليم إلى نماذج تحكّمية و إلى سلطاتٍ موهومةٍ أو متخيلة. و العوارض عادةً هى: أن هذا الضرب من السياسة يحمل البعض على أن يحكون رؤسهم و يعبثون بنظاراتهم، مثلما رأووا فى الأفلام، كما هو الحال عندما يطلب استاذاً جامعياً من أحد طلبته أن يحرك قسماً من رسالته الدكتوراه من “الفصل الثالث إلى الفصل الثاني”، فى محاولةٍ منه لتبرير سلطته، أو مثلما يفعل منتجٌ ما عندما يصرّ على طريقةٍ معينةٍ لطباعة العناوين و الكادرات فى الفيلم، رغم أن لا علاقة له أو لها بالأمر، أو عندما يصيح اختصاصيٌّ ما بشأن النمو الاقتصادى فقط حتى يموضع نفسه أو تموضع نفسها بداخل وجهة النظر المنطقيّة.

إن البعض سوف يصيبهم الحزن الحقيقى عندما يرون هذه المساعى الحثيثة و هى تمحو بعضاً من أفضل العناصر الاجتماعية و الثقافية و العلمية للحياة، إن ذلك يتم مع نظرةٍ ذليلةٍ تبدو و كأنها تقول: أنا نفسى أؤمن بما تفعل، و لكن من المؤسف أن الجماعة المضحكة – التي ترى نفسها وفق ما يراها الآخرين – لا تفكر مثلى.

لا يتطلب تدريب الجسد الحيوية فقط للحفاظ على التفاهة، إنه يتطلب أيضاً سيطرةً نفسيةً على هيئة تدريبٍ للأفكار يقول زونوفييف: “إن التظاهر بالعمل لا يعنى سوى الرضاء بالتظاهر برؤية النتائج. و أكثر تحديداً، هو يمثل فرصةً لتبرير الوقت المقضى؛ فالتحقق من النتائج و تقييمها إنما يتم من قبل أشخاصٍ متورّطين فى هذا التظاهر، مرتبطين به، و ذوي مصلحةٍ فى استمراره”.

إن من يحتفظون بهذه السلطة فيتشبثون بها يُظهرون ذات الابتسامة النمطيّة، و هم راضون بترداد عباراتٍ عامةٍ مثل “عليك أن تلعب اللعبة”، بعبارةٍ أخرى، أن تلعب وفق القواعد الرسمية برضى، و أن تعمل لإنجاح التواطؤات العديدة التى تفسد مصداقية العملية، مع ممارسة التظاهر و خداع النفس بشكلٍ متزامن.

علينا أن تتظاهر بالخضوع للعبةٍ أعظم من أنفسنا، فيما نحن فى الحقيقة نوسّع من نطاق قواعدها طوال الوقت، أو أن نخترع قواعد جديدة حسب الحاجة.

بطبيعة الحال، فقد تم نصب “الخبير” كمثالٍ مركزيٍ للتفاهة. إن تفكيره لم يكن خاصٌ به قط، و إنما تفكيرٌ يميله منطقٌ يتجسّد فيه ويُقاد من خلال اعتباراتٍ آيديولوجية. إن الخبير يعمل لتحويل المقترحات إلى أشياءٍ معرفية، تبدو نقيةً من الظاهر، و هذا ما يميّز وظيفته. لهذا السبب، فلا يمكننا أن نتوقع منه أن يقدم لنا مقترحاً قوياً أو أصيلاً، و هذا ما يأخذه أدوارد سعيد عليه فى محاضرات Reith Lectures التى انتجتها قناة الـ BBC عام 1993. فالخبير – هذا السوفسطائى المعاصر الذى يُدفع له لكى يفكر بطريقة معينة – لا يستنير بأيّ نمطٍ من فضوليّة الهواة. بعبارةٍ أخرى، هو ليس مهتماً بما يتحدّث عنه، بل يتصرّف ضمن إطارٍ وظيفيٍّ بحت. “إن أكبر خطرٍ يتهدّد مثقف اليوم – فى الغرب كما فى بقية أنحاء العالم – ليس الجامعة، و لا تطوّر الأحياء المحيطة بالمدينة، و لا التسليع الشنيع للصحافة و النشر، و إنما موقفٌ عامٌ شاملٌ أنا أسمّيه بالمهنية”.

هذه الأيام، صارت المهنة بعيدةً كلياً عن الحرفة كما تُفهم بالمعنى الفيبرى.[6] لقد صارت تُقدّم إجتماعياً و كأنها اتفاقٌ ضمنيٌّ بين مستودعات المعرفة من جهة و بين القوى المهنيّة من جهة أخرى. فى ظلّ هذا العقد، فإن الفئة الأولى تقوم بتزويد الثانية بالمعلومات العلميّة أو النظريذة المطلوبة للعمل و لإضفاء الشرعيّة، و ذلك من دون بذل أيّ مجهودٍ أو أى التزامٍ روحيّ. أن أدوارد سعيد يتعرف بداخل الخبير دائماً على السمات التافهة التى تجعله – “يتبع المعطيات” مثلما “تستدعى الحاجة” – فيطبق القواعد السليمة للسلوك، من دون أيّ خلافٍ أو فضيحة، و دائماً ضمن نطاق الحدود المقرّرة، فى ذات الوقت الذى يبدو فيه “حياً” و صالحاً للظهور، غير سياسيّ، متحفّظ، و “موضوعيّ”. و هكذا، يصبح التافه إنساناً عادياً غرضه هو السلطة، و هدفه هو نقل أوامره و تطبيقها بحذافيرها.

إن هذه الحقيقة المترتبة عن هكذا موقفٍ تجعل من الرأى العام و الفكر الجماعيّ من دون رائدٍ للتفكير. و من المهم أن نتأمل كيف أنه – فى أهم مناطق السلطة كالسياسة و القانون و الاقتصاد و الإدارة العامة و الصحافة و البحث – سادت تعابير مثل “المقاربة المتوازنة”، “الوسط السعيد”، “المرونة” أو “المعتاد” – و هى التى كان يُنظر إليها بنظرة ازدراء فى السابق، فظهرت إلى الواجهة الآن و فرضت نفسها كإطارٍ للمرجعيّة الأخلاقيذة. أن مجرد تخيّل آراءٍ و مواقفٍ تحيد عن “الوسط” هو أمرٌ يتم تجنّبه.

و يتم تحييد العقل (الروح) من خلال جملةٍ من الكلمات الوسطيّة، بما فى ذلك الحوكمة (governance)، و هى أحدى أهم الكلمات الدارجة هذه الأيام. فتحت رعاية التفاهة، يشنق الشعراء أنفسهم، يُجنّ العلماء ذوي الشغف، و يهيم المهندسون الصناعيون فى التنبؤات، فيما الأفكار السياسيّة الكبرى تناجى أنفسها فى أقبية الكنائس. إن هذا النظام الوسطيّ المتطرّف قاسٍ و مميت، و مع ذلك، فإن تطرّفه الذى يظهره هذا يُخفى نفسه تحت صورة “الطريق الوسط”، فيحملنا على أن ننسى أن التطرّف لا يُعنى بحدود الطيف السياسيّ لليسار و اليمين بقدر ما يُعنى بكلّ لا ينتمى له: فلا حق لهم بالتعليق على هذا النمط المسخ، الرماديّ، الذى يغيب فيه التفكير و الذى يُفترض إعادة إنتاجه. سوف نكسو كل هذه الأخطاء بكلماتٍ و جملٍ فارغة. أسوأ من ذلك، فإن النظام سوف يستخدم ذات التعابير التى تفضح مخاوفه: الابتكار، التعاون، الاستحقاق، و الالتزام.

أن المفكّرين الأحرار الذين لا يشاركون فى هذا الدجل و هذه الخديعة سوف يتم نبذهم، و هذا – بطبيعة الحال – يتمّ بطريقةٍ مبتذلةٍ تقوم على الإنكار، الخيانة، و الرفض، و هو عنفٌ رمزيٌّ يوضع قيد الاختبار.

إن لفظ التفاهة (médiocratie) كان يستخدم فى السابق للتعبير عن قوّة الطبقة الوسطى، و لكنه فقد معناه الأصلى، فما عدنا نستطيع تعيينه كشرطٍ لتسيّد التافه، و إنما أصبح يميل أكثر لأن يعني علاقات السيطرة التى تمارسها الشروط التافهة ذاتها. يمكننا تصنيفه كشكلٍ من أشكال العُملة للمعنى (تبادل المعنى) و أحياناً كمفتاحٍ للنجاة، إلى الحدّ الذى يدفع من يطمحون لتعديل أوضاعهم إلى الامتثال لمتطلباته.

[1] إشارة إلى صعود هتلر إلى سدّة الحكم في ألمانيا النازيّة.

[2] إشارة إلى الحرب الروسية-اليابانية التي وقعت في الفترة من 1904 إلى 1905.

[3] جان دي لابرويير (Jean de La Bruyère) أديب و كاتب فرنسيّ، ولد عام 1645.

[4] لورنس ج. بيتر (Laurence J. Peter) و ريموند هال (Raymond Hull) هما كاتبان وضعا عام 2011 كتاباً شهيراً بعنوان The Peter Principle: Why Things Always Go Wrong.

[5] ماكس فيبر، العلم و السياسة بوصفهما حرفة، ترجمة جورج كتورة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011). عنوان الكتاب في نسخته الإنجليزية هو Science as a Vocation.

[6]  نسبة إلى عالم الاجتماع ماكس فيبر (Max Weber).

غوستاف رادبروخ: خمس دقائقٍ من فلسفة القانون – ترجمة د. مشاعل الهاجرى

قياسي

 

gustav-radbruch.jpg

 

غوستاف رادبروخ:

خمس دقائقٍ من فلسفة القانون

ترجمة د. مشاعل عبد العزيز الهاجرى

mashael.aljakeri@ku.edu.kw

 16 فبراير 2018

غوستاف رادبروخ (Gustav Radbruch)، الذي عاش في الفترة من 1878 إلى 1949، كان فقيهاً ألمانياً كبيراً في القانون الجزائي، برلمانياً و وزيراً للعدل فى جمهورية فايمار،[1] و لكنه كان معارضاً لفكر الحزب النازي الذي وصل إلى سدة الحكم في ألمانيا قبيل الحرب العالمية الثانية، فحُرم على يد هذا النظام من كرسى الأستاذية فى جامعة هايدلبرغ حيث كان يدرس، و إلا أنه حصل عليه بعد سقوط النظام إثر هزيمة ألمانيا في هذه الحرب و أصبح عميداً لكلية الحقوق في ذات الجامعة.

كأحد المنتمين إلى المدرسة القانونية الوضعية (positivist school) – التي لا تعترف بإلزامية أية قواعد مجتمعية إلا إذا كانت صادرة من سلطة دستورية مشروعة و مختصة – وضع رادبروخ مؤلفاتٍ متميزةٍ فى علم القانون و في فلسفته، و هو يرى أن “التغييرات السياسية العظيمة قد مُهد لها دائماً بنظرياتٍ فلسفيةٍ قانونية”، و أن للقانون دائماً بعدٌ معياريٌ لا ينبغي إغفاله، كما يرى أن العدالة هى المعيار الأسمى للقانون و غاية المشرع في دولة القانون (Rechtstaat).[2] و لكن ربما كان أكثر ما يذكر به رادبروخ هو تفرقته الواضحة بين القانون و الأخلاق و تأسيس كلٍ منها على أساسٍ مختلفٍ عن الآخر، إذ وفقاً له فإن الأخلاق تنتمي إلى عالم ما يجب أن يكون، فيما القانون ينتمي إلى عالم ما هو كائن.

بعدما ظهر له من فظاعات الحكم النازي، راجع رادبروخ رأيه في الوضعية القانونية، فوجد أنها ينبغي أن تحدّها دائماً حدودٌ أخلاقية تكبح من جماح المشرعين. من هنا، فقد كتب بعد الحرب العالمية الثانية عبارته المشهورة التى صارت تعرف بين علماء فلسفة القانون بـ “صيغة رادبروخ” (Radbruch formula)، و التي يقول فيها:[3]

“إن الصراع بين العدالة من جهة و موثوقية القانون من جهة ثانية ينبغي أن يُحسم لصالح القانون الوضعى، أي القانون الصادر من قبل السلطة المشروعة و المختصة، حتى في الحالات التي يكون فيها غير عادل من حيث المحتوى و الغرض، فيما عدا الحالات التي يصل فيها التناقض بين القانون الوضعي و العدالة إلى مستويات لا تُحتمل بحيث ينبغي عندها أن يخلى القانون مكانه للعدالة، و ذلك بوصفه قانوناً باطلاً. و من المستحيل رسم خطٍ فاصلٍ بين حالات عدم العدالة القانونية و بين التشريعات واجبة التطبيق رغم حمولتها الخاطئة، و مع ذلك فإن خطاً آخر يمكن رسمه بشكلٍ من أشكال التحديد: فعندما نكون بصدد قانون لا يتحرى العدالة، تم فيه إهدار المساواة – رغم كونها قلب العدالة – إثناء عمليه إصداره، فإنه لا يكون تشريعاً و أنما مجرد قانون خاطيء (erroneous law)؛ بل في الحقيقة فإن لا طبيعة قانونية له إطلاقاً. هذا، لأن القانون، بما في ذلك القانون الوضعي، لا يمكن تعريفه إلا بأنه قاعدة تهدف إلى خدمة العدالة تحديداً”.[4]

هذه صيغةٌ هامة؛ شكّلت دائماً مدخلاً أساسياً لمناقشة الموضوع موضوع القوانين الجائرة الشائك (unjust laws)، حتى من قبل معارضيها، باعتبار أنها بوابة فكرية مناسبة للخوض في هذه الإشكالية المعقدة دستورياً و المتعصيّة فلسفياً.

 ******

  –

خمس دقائقٍ من فلسفة القانون

غوستاف رادبروخ

الدقيقة الأولى

 “الأوامر هى الأوامر”، يُقال للجندى. “القانون هو القانون”، يقول الفقيه القانونى. و مع ذلك، فالجنديّ غير مجبر، لا وفقاً للواجب و لا بحكم القانون، على أن ينصاع إلى أمرٍ هو يعرف أن موضوعه ينطوى على جنايةٍ أو على جنحة، فيما الفقيه القانونى – باعتبار أن آخر محاميي القانون الطبيعى (natural law) قد انقرضوا منذ مائة سنة – لا يعرف هكذا استثناءاتٍ من صلاحية القانون (validity of the law) أو من متطلبات طاعته من قبل المُخاطَبين به. إن القانون نافذٌ لأنه قانون، و هو قانون لأنه، بشكلٍ عام، يتمتع بالقدرة على أن يسود.

إن هذه النظرة للقانون و لصلاحيته (و هو ما نسميه النظرية الموضوعية Positivistic theory) قد جعلت من كلٍ من الفقهاء و الناس معاً عديمى حيلة أمام القوانين الاعتباطيّة، القاسية، أو الإجرامية، مهما بلغت من التطرف. ففى النهاية، فإن النظرية الموضوعية تساوى بين القانون و السلطة؛ فهناك قانون فقط حيثما تكون هناك سلطة.

 

الدقيقة الثانية

لقد كانت هناك عدة محاولاتٍ لاستبدال هذه العقيدة أو لتكميلها بأخرى: و هي أن القانون هو ما يفيد الناس.

أن ذلك يعنى أن أمورٍ مثل التوجّهات الاعباطيّة، خرق العقد، و عدم المشروعية يمكن أن تعتبر قوانين، و ذلك شريطة أن تكون نافعةً للناس. و من ناحيةٍ عملية، فإن ذلك يعنى أن أياً ما وجدته سلطات الدولة نافعاً للناس فهو قانون، بما فى ذلك أية نزوةٍ أو رغبةٍ استبداديّة، أو عقوبةٍ غير مُقرّةٍ بقانونٍ أو بحكمٍ قضائى، أو القتل غير القانونى للمرضى. إن ذلك يمكن[4] أن يعنى أن المصلحة الخاصة لمن يُمسكون بزمام السلطة يُنظر لها كمصلحةٍ عامة. و فى الحقيقة، لقد كانت التسوية بين القانون و بين المنافع المُفترضة أو الظاهرية للناس هو ما حوّل دولة القانون (Rechtsstaat) إلى دولةٍ خارجةٍ عن القانون. و لا، فهذه العقيدة لا تعنى أن: كل ما يفيد الناس هو قانون. إن الأمر على العكس من ذلك: فقط ما هو قانونٌ مفيد الناس.

 

الدقيقة الثالثة

ان القانون هو إرادة العدالة. العدالة تعنى: الحكم دونما نظرٍ إلى الشخص، و قياس الجميع بالمقياس ذاته. لو كان المرء يصفّق لاغتيال الخصوم السياسين، أو يأمر بقتل الأشخاص المنتمين إلى عرقٍ مختلف، فى ذات الوقت الذى يوقِع فيه العقاب القاسى و الحاط من القيمة لنفس الأفعال إذا ما ارتكبت ضد أفراد من فريقه، فإن هذه ليست بعدالةٍ و لا بقانون.

إذا كانت القوانين تخون عمداً إرادة العدالة – من خلال البذل و المنع التحكمييّن لحقوق الإنسان على سبيل المثال – فإن ذلك يعني إذاً أن هذه القوانين فاقدةٌ للصلاحية، فلا يدين لها الناس بواجب الطاعة، كما أن على الفقهاء أيضاً أن يجدوا الشجاعة لكى ينفوا عنها الطابع القانونى.

 

الدقيقة الرابعة

إنه من الصحيحٌ طبعاً أن تحقيق الصالح العام، جنباً إلى جنبٍ مع تحقيق العدالة، هو هدفٌ يتحرّاه القانون. كما أنه من الأكيد أن للقوانين قيمةٌ فى ذاتها و لذاتها، بما في ذلك السيئ منها: و هى قيمةٌ تتمثّل بالدرجة الأولى فى تحصين القانون ضد الشك. كما أنه من الصحيحٌ طبعاً أنه – لسببٍ يُعزى إلى القصور البشريّ – فإن القيم الثلاثة للقانون – الصالح العام، الوضوح القانونيّ و العدالة – لا تتواجد بشكلٍ منسجمٍ دائماً فى بنية القوانين، فيكون الحل الوحيد، عندها، هو تقدير ما إذا كانت الصلاحية هو أمرٌ ينبغى أن يُعترف به حتى للقوانين السيئ، الضارة، أو غير العادلة فقط من أجل المحافظة على الموثوقية القانونية (legal certainty)، أو أن هذه الصلاحية ينبغي أن توقَف بسبب من عدم عدالة هذه القوانين أو ضررها الاجتماعى. هناك شيئٌ واحدٌ، مع ذلك، يجب أن يرسخ على نحوس ثابتٍ فى ضمير كلٍ من الناس و الفقهاء معاً: يمكن[5] أن تكون هناك قوانين تبلغ من الظلم و الضرر الاجتماعى مبلغاً ينبغى معه نزع الصلاحية – بل و الصّفة القانونية ذاتها – منها.

 

الدقيقة الخامسة

من هنا، فإن هناك مبادئٌ قانونيةٌ أثقل قيمةً من أىّ تشريعٍ قانونىّ، بحيث أن القانون الذى يتعارض معها ينبغي أن تُنزع منه الصلاحية. هذه المبادئ تعرف بـ “القانون الطبيعى” (natural law) أو “قانون العقل” (the law of reason). من المؤكد أن تفاصيل هذه المبادئ مازالت مفتوحةً للتساؤل، و مع ذلك فإن عمل القرون الماضية قد صنع لها نواةً صلبةً، بحيث أصبح عليها الآن إجماعٌ واسع من خلال ما يُعرف باعلانات حقوق الإنسان و الحقوق المدنيّة (declarations of human and civil rights)، بحيث أنه وحده المتشكّك الدوغمائى يمكن أن ننظر بريبةٍ غير واثقةٍ حول بعضٍ منها.

فى لغة الإيمان، فإن ذات الأفكار سبق و أن سُجلت فى آيتين من الإنجيل. إنه مكتوبٌ في الإنجيل أنك يجب أن تكون مطيعاً للسلطات التى لها نفوذٌ عليك، و لكنه مكتوبٌ فيه أيضاً أنك ينبغي أن تطيع الربّ لا البشر، و هذه ليست محض رغبةٍ تقيّةٍ فقط، و لكنها رؤيةٌ قانونيةٌ صالحةٌ أيضاً. إن الحلّ للتوتّر القائم بين هذين التوجيهين لا يمكن إيجاده من خلال اللجوء إلى توجيهٍ ثالث، مثل قاعدة “أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَ مَا للهِ للهِ” (Render to Caesar the things that are Caesar’s; and to God the things that are God’s)،.[6] هذا، لأن هذا التوجيه، أيضاً، يُبقي الحدّ الفاصل في خانة الشك، أو هو بالأحرى يترك الحلّ لصوت الربّ، الذى لا يتحدث إلى ضمير الفرد إلا فى الحالة الخاصة.

[1] جمهورية فايمار (Weimar) هي جمهورية تأسست في ألمانيا في الفترة من 1919 إلى 1933 إثر خسارة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، و قد سميت باسم المدينة التي انعقد بها مجلس ممثلي الشعب الألمانى لصياغة دستور هذه الجمهورية الجديدة عام 1919. انتهى وجود هذه الجمهورية ذات العمر القصير عندما وصل الرئيس الألماني النازي إدولف هتلر إلى السلطة فأحكم قبضة حكمه على ألمانيا بأكملها. – المترجمة.

[2] يمكن ترجمة مصطلح Rechtstaat الألماني إلى دولة القانون، بمعنى الدولة الدستورية التى يتم فيها إخضاع جميع السلطات لحكم القانون. ربما كان أقرب ترجمة تعادل هذا المصطلح في الأدبيات الإنجليزية هو Rule of law. – المترجمة.

[3] See generally: Brian Bix, ‘Radbruch’s Formula and Conceptual Analysis, American Journal of Jurisprudence, vol. 56, 2011, pp. 45-57

[4] “The conflict between justice and the reliability of the law should be solved in favour of the positive law, law enacted by proper authority and power, even in cases where it is injust in terms of content and purpose, except for cases where the discrepancy between the positive law and justice reaches a level so unbearable that the statute has to make way for justice because it has to be considered “erroneous law”. It is impossible to draw a sharper line of demarcation between cases of legal injustice and statutes that are applicable despite their erroneous content; however, another line of demarcation can be drawn with rigidity: Where justice is not even strived for, where equality, which is the core of justice, is renounced in the process of legislation, there a statute is not just ‘erroneous law’, in fact is not of legal nature at all. That is because law, also positive law, cannot be defined otherwise as a rule, that is precisely intended to serve justice”.

 

عن جدل “الوافدين”: الكويت بين رؤية الدولة المفتوحة و هواجس الغيتو المغلق

قياسي

indi38753[1].jpg

 

عن جدل “الوافدين”:

الكويت بين رؤية الدولة المفتوحة و هواجس الغيتو المغلق

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

26 يناير 2018

mashael.alhajeri@ku.edu.kw

أيها الماء: أين تجري ضَياعاً / و حواليك قاحلات البوادي؟

– الرصافي، مخاطباً نهر دجلة.

 

ثلاثة أرباع الجدل الدائر في الكويت حالياً عن الوافدين هو جدلً معيب، مهين، لا يليق بنا، و لا بجيراننا و أصدقاءنا و زملائنا العاملين معنا و حولنا من الأشخاص الكرام، المحترمين، المنضبطين، الذين لا يختلفون عنا في شيء: نفس الطموح و القلق و الخيال و الحاجات و الأخطاء و الأحلام و الخيبات و الضغوط و الآمال للنفس و الولد و الأسرة و المجتمع (قد أشير هنا و هناك إلى الوافدين من ذوي الحالة المادية المتواضعة، و لكن لنتذكر أن كثيرٌ منهم ليسوا كذلك، كما أن الشريحتين يتواجد نظير لهما في مجتمعنا بين مواطنينا الكويتيين؛ لا فرق، و لا يهم، أصلاً).

أما الربع الرابع من جدل الوافدين هذا، فيتضمن نقاشاً صحيحاً و قلقاً مشروعاً (تركيبة ديمغرافية / تكاليف مالية / اعتبارات أمنية)، كما أنه لا يقتصر على الكويت وحدها، بل هو موضوعٌ يدور الآن في العالم بأسره، لا سيّما مع حركة الهجرة السائلة، المتدفقة من الشرق الأوسط إلى أوروبا و أمريكا، و تزايدها إثر التقلّبات السياسية الأخيرة في المنطقة (في انتخابات الرئاسة الأمريكية و الفرنسية و الالمانية و الهولندية الأخيرة مادةٌ خصبةٌ للمهتمين في هذا الشأن، كما أن خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي BREXIT كان مدفوعاً – في جانبٍ معتبرٍ منه – بهذه الاعتبارات).

و مع ذلك، فالعقدة في هذا الربع الإشكاليّ لا تكمن في محتواه الموضوعي، و إنما في إطاره الأسلوبي أولاً (حِديّة / إهانة / معايرة / إذلال)، و في استغلاله السياسي ثانياً (تكسّب سياسي واضح، نبرة نيابية ديماغوجية، تضليل شعبي، و شوفينية عامة).

يُحاط كل ذلك بظرف زمانٍ ذي خصوصيّة، لأن التوقيت – أغلب الظن – ليس بريئاً، فالخلفية المرحليّة التي يدور فيها هذا الجدل ينبغي ألا تغيب عنا، لكونها تتعلق بنزعةٍ اجتماعيةٍ تمثل نمطاً تاريخياً معروفاً، هو ذاك الذي يرتبط دائماً بمراحل تدهور الاقتصادات و ارتفاع نسب البطالة، و ما يترتب عنهمن بحثٍ تلقائيٍّ عن الضحية المجتمعية الأكثر ضعفاً و هشاشة، و التي لا تملك للدفاع عن نفسها وسائل مكافئة للوسائل التي تُهاجَم بواسطتها (سلطة رسمية / قواعد شعبية / منصات إعلامية)، ثم إفراغ جميع الإحباطات الشعبية فيها و صبّ جام الغضب الجماهيري عليها (و هذه الضحية تتجسّد هنا بالوافدين و بالبدون، فالكويت ليست استثناء).

ثم يُستكمل الأمر بالهدف، الذي يبدو أنه يتمثل، غالباً، في صرف الأنظار عن الإشكاليات الحقيقية، وفق آليّة إلهاءٍ سياسية تكمن في إدخال الناس في دوامةٍ من الأعراض المَرَضيّة (النتائج)، لا العلل الباثولوجية (الأسباب). في رائعته الشهيرة “في انتظار البرابرة”، كتب الشاعر اليوناني كافافيس عن انتظار الناس في مدينة متخيلةٍ لكارثة هجومٍ وشيكةٍ ستقع على يد البرابرة المتربصين بالمدينة خارج البوابة، تتبدّد عند تبين “أنه لم يعد هناك برابرة”، فيقود هذا الكشف إلى عبارة أسىً فاجعة “فقد كان، هؤلاء القوم، نوعٌ من حل”. عبر التاريخ، مثّل الترهيب من “الآخر” وسيلةً فعّالة لتشتيت الأنظار و صرفها عن المشكلات الحقيقية.

بعد تفكيك الموقف إلى ما تقدّم من وسيلةٍ و هدف، يتبقى الإشارة إلى أن الهجرة و شئونها هي أمورٌ لا تترك لصراخ الشعبويين و تعليقات وسائل الاتصال الإجتماعي و استعراضات الإعلام و جلسات الدواوين كي توجّهها يميناً و شمالاً بمطالباتها المصلحية و ذخيرتها الآيديولوجية، بل للقرارات الرشيدة، المستنيرة، الصادرة عن جهات رسم السياسات العامة، التي – و إن كان يُفترض بها الاستماع الجاد لكل ما يُناقش و الوعي به و عدم الاستهانة بمنطلقاته – إلا أنها هي من تتوفّر تحت أيديها المعلومات و الأرقام و الإحصائيات و المعادلات، و التي يُناط بها ضبط التوازنات الدقيقة بين كل من توجّهات الاقتصاد و سعات المرافق و ضغوط البطالة و متطلبات الأمن و إملاءات السياسة. و قبل كل ذلك، التي تهتم بصورة الكويت كبلدٍ منفتح، و بصورتنا كشعبٍ مضياف.

هذا على المستوى الرسمي، أما على المستوى الشعبي فإن النقاش العام ينبغي أن يتضمن جرعاتٍ غنيةٍ حول أهمية اللقاء بالآخر، باعتباره شكلٌ من أشكال التقاطعات الحضارية. و التقاطعات – و إن كانت صغيرة – إلا أنها عواصمٌ حقيقيةٌ و خصبةٌ للتغيير: في التقاطعات ميزةٌ استثنائية، تسمح بالالتقاء و الافتراق و الاختلاف و الاتفاق معاً. فإذا ما استحضرنا أشياء مثل: طريق الحرير، الدراسات البينية، مدينة حلب، البلانكتون البحري (و مناطق تكاثره)، مغامرة هانزل و غريتيل، إشارات المرور، السلام (بعد الحرب)، الين يانغ، صراع الأجيال، تحويلات محطات السكك الحديدية، الثورات، روايات أمين معلوف، حركة الترجمة، وجدنا أنها جميعاً ما وجدت إلا كنتاجٍ للتقاطعات بأشكالها المختلفة. كما أن التقاطعات مقرونةً بالانفعال و الترقّب بالضرورة؛ لأنها تستتبع دائماً أخذ قرار: شمالٌ أم شرق؟ جنوبٌ أم غرب؟ و لكنه، على أية حال، قراراً مستنيراً، فالتقاطعات هي الطرق الوحيدة المصمّمة وظيفياً بحيث تسمح للمار فيها برؤية الجهات الأربع بوضوح، إذ في التقاطعات فقط يمكنك الاستدارة بزاوية 360 درجة لدراسة الموقف جيداً. إن كل ذلك لا يتأتّي من خلال الركون إلى مناطق الأمان المتمثلة في الأشخاص الذين يشبهوننا من أهلٍ و أصدقاء، بل فيما يهديه لنا القادمون من بعيد: الوافدون.

أما رؤيتنا للمستقبل، هذه العقدة التي لا تريد أن تنحل، و التي يبدو أن أحداً ما زال لا يلتفت إليها فهي الآتي:

تتحدّث الخطط الرسمية دائماً عن جعل الكويت محطة جذبٍ للاستثمارات العالمية عن طريق تحويلها إلى “مركزٍ ماليٍّ و اقتصادي”؛ و لكن أي مركزٍ ماليٍّ و اقتصاديٍّ هذا الذي – عوضاً عن تذليل الحواجز القانونية و الإدارية و المعلوماتية و قبلها البشرية – يبدأ مشروعه بخطاب الانغلاق و الإقصاء و ضيق الصدر؟ المراكز المالية هي نظامٌ بيئيٌّ متكامل: منظومةٌ تشريعيةٌ صديقةٌ و جهازٌ إداريٌ فعّالٌ و نظامٌ ضريبيٌّ عادل، ثم يتوّج كل ذلك بحركة مرورٍ بشريٍّ مُعولَمةٍ و انسيابيّة. من هنا، فالتحوّلات المالية و الاقتصادية الكبرى تبدأ دائماً بإسقاط الأسوار أمام الآخرين، لا إعلاؤها في مواجهتهم.

على جميع الأصعدة، للكويت تاريخٌ نبيل، كريمٌ، و مشرّف. كما أن بلادنا تسّوق لنفسها خارجياً دائماً كمركزٍ إنسانيّ، و قد حصل أميرنا مؤخراً على تقديرٍ هامٍ في هذا الشأن من الأمم المتحدة كأميرٍ للإنسانيّة و الأمر – لا شكّ – مصدر فخرٍ لنا. و لكن هذا كله على المستوى الخارجيّ أولاً و من خلال العطاء الماليّ ثانيا، أما عندما يتعلق الأمر بالشأن الداخليّ و بالعطاء غير الماليّ فمواقفنا الملتبسة داخلياً تضيّع دائماً ما حقّقناه خارجياً (و ما تردّدنا المُحزن عن استقبال اخواننا اللاجئين السوريين عنا ببعيد، في حين استقبلهم كلٌ من الأردن و لبنان – المُتعَبان و المثقلان بهمومها المعروفة – بأريحيّة، بل أن حتى ألمانيا و عداها من دولٍ أوروبيّة قد فتحت أذرعها واسعةً لهم). و لكن كل ذلك – عندما يتعلق الأمر بالوافدين الذين يأتون ليعملون في بلادننا فيفيدوننا و يستفيدون منا في الآن ذاته – ينبغي أن يفهم لا في إطار التفضّل، بل في إطار الواجب من جهة و مصلحة البلاد من جهةٍ أخرى.

من هنا، فإن الاتّساق بين مواقفنا الخارجية و نظيرتها الداخلية مفقود، و في ذلك إضاعةٌ أيّما إضاعةٍ لرأس مالٍ معنويِّ حقيقيِّ لبلادنا، فالأحرى بالكويت أن تُدار وفق رؤىً واضحةً و منفتحةً تليق بمؤسّساتٍ راسخةٍ لدولة، لا بإرباكات هواجسٍ متوجّسةٍ لسكّان غيتو مُغلق (الغيتو هو الحي المسوّر المعزول لخشية سكانه – المتجانسين – من جيرانهم)؛ الذين يرمون الخبز من فوق السور لمن يقصدونهم، و يقفلون البوابة حتى لا يدخل هؤلاء عليهم، ثم يعايرونهم العمر كله. سيأخذ الخبز من يحتاجونه – مثلما كنا سنفعل تماماً لو كنا محلهم، و هو أمرٌ واردٌ لأن الأيام دُوَل – و سيدخل مِعَدَهُم، لا قلوبهم. هذا، لأن للناس كرامة؛ لا أحد يُمتنّ لأكل خبزٍ مُغموسٍ بمذلّة، لا سيّما إن كان الأمر يتعلق بعملٍ مقابل أجر، لا بإحسانٍ يلحق تفضُّل.

لكل بلدٍ – ككيانٍ اجتماعيٍّ قبل أن يكون كياناً سياسياً – جوهر، قلب، آيديولوجية أو “إيثوس” (Ethos) يستمدّ منه الاستمرارية و الديمومة: شيءٌ ما يعمل كاليورانيوم المخضّب للدينامو المولّد للطاقة. يبدو لي أن دينامو الكويت كان دائماً هو “الاتصال”، ممثلاً بديناميكيات الارتحال القلِق، القاصد لبناء العلاقات مع الآخر، و ليس الاتصال السياحي العابر أو المُستكفي. كانت الكويت منطقية، قوية، و جميلة عندما كان أهلها سفّارة بحراً (غاصة، نواخذة، تجار) و رحّالة براً (بدوٍ رحّل). نتيجة لسياسات الرفاه، ركنّا إلى دِعة الاستقرار، فتعطل “الاتصال” و هو دينامو بلادنا. مع اضمحلال فلسفة “الاتصال” تقلصت شيئاً فشيئاً مساحة التعاطي مع الآخر – تبادلاً و تنافساً و تعلماً و تحدياً و غيرةً و احتياجاً – فانقطعنا عن العالم، و صرنا نعيش في وضعٍ من صنعنا؛ سرياليٌّ بامتياز، كل ما فيه عبثيّ لا يمت للواقعية بصلة. بسببٍ من غياب آليّات المقارنة – التي تتطلب، بداهةً، الحضور الكامل للآخر (الأجنبي / الوافد) – فقدنا الإحساس بمعنى العمل، بقيمة الوقت، بآليات السياسة، بموضوعيّة الأكاديميا، و بدور المؤسسات الدوليّة في التعريف بأفضل الممارسات.

صار الكويتيون يسافرون الآن أكثر من أجدادهم، و لكن السفر و الإقامة في أفخم فنادق العالم لا يعنيان شيئاً، إطلاقاً، ما لم تنضبط الحالة الذهنيّة الدافعة للسّفر: فكرياً، ما عدنا نذهب إلى العالم، و لكن ما هو أخطر من ذلك هو أننا صرنا الآن لا نريد للعالم أن يأتي إلينا (كان أحد وزراء القرون الوسطى ينصح مليكه قائلاً: “منفعة الأجانب و الضيوف تبلغ من العظمة حد أن يُمنحوا مكانة بين الحليّ الملكية … ذلك أن الضيوف، الذين يأتون من مناطق و مقاطعات شتى، يجلبون معهم شتى اللغات و العادات و المعارف و الأسلحة، و كلّ ذلك يزيّن البلاط الملكي، و يزيد بهائه و يرعب القوى الأجنبية المتغطرسة. ذلك أن بلداً موحّد اللغة و العادات هو بلدٌ هش و ضعيف”).

يبدو، من كل ذلك، أن قلب جدل “الوافدين” الدائر الآن هو الانعزال، المتولّد عن الشك من جهة و الإحساس الخادع بالاكتفاء من جهةٍ أخرى؛ أنا أعزو الجذر العميق للمشكلة إليه.

رغم الإلغاءات الصاخبة لكل رأيٍ مخالف، و التأكيدات الاقتلاعية المُخوّفة لكل صوتٍ يدعو إلى التفكير، ينبغي أن يكون فينا من ينبّه إلى أننا اليوم تسيطر علينا غيمةٌ انعزالية داكنة، و أن عزلتنا تأخذ ألف شكل و شكل: عزل الطلبة و الطالبات في الجامعة، عزل النساء و الرجال في غرف الانتظار، عزل اللغات الأجنبية، عزل العقائد المختلفة، عزل الأعراق المتباينة، عزل العلوم الجادة، عزل الأفكار المعارضة، و الآن صرنا نشهد حالياً مساعٍ حثيثةٍ و حزينةٍ نحو عزل الوافدين أيضاً (في كلية الحقوق، أدرّس مادة القانون المدني. و في موضوع الحقوق العينية الأصلية فإن المحاضرة التي أشدّد دائماً على دلالاتها العميقة – التي تتجاوز التطبيقات المالية – هي تلك الخاصة بـ “حق الإرتفاق”، لأنه حقٌ ذو طبيعة تشاركيّة، تقع فكرة الاتصال/الارتباط في قلبه).

أخشى أن هذا التوجّه العدواني المتزايد ضد الوافدين – و قد يكون في الأمر مدعاةً للاستياء – ليس جديداً، و أن له إرهاصاتٌ مسبّقةٌ حزينة، لا يصح النظر إليه بمعزلٍ عنها، فهو لا يعدو أن يكون تطوراً داروينياً طبيعياً لممارسةٍ كانت و مازالت تحدث أصلاً، تتمثل في ما يسمح به بعضنا لنفسه من معاملة العاملين في المنازل على نحو قاسٍ و مزر (حبس الحرية، منع الاتصال، منع التجمع، منع الإجازة، العنف الجسدي و اللفظي) بدعوى الحفاظ على الأخلاق. و لكننا في النهاية نحن من استدعاهم، مع علمنا بأنهم يأتون من ثقافاتٍ مختلفةٍ عن ثقافتنا، فبأيّ حقٍ نحاول تطويعهم؟ نحن ننسى أن هؤلاء عندما يتركون بلادهم فإنهم يغادرون ورائهم أوضاعاً معقّدة من الديون المالية و الأولاد المشتّتين بين الأزواج المرضى و الأمهات العجزة و الأقارب البعيدين. و بعد هذا كله، نمنعهم من الاتصال. أي قلقٍ و أي ألم نفسي نضعهم فيه؟ جثث الشباب و الصبايا من العاملين الآسيويين، المدلاّة من أشجار الطرق و مراوح الغرف الضيقة و تلك الممدّة في الشوارع إثر القفز من الشرفات العالية – سواءٌ انخفض عددها أو زاد – تعبّر عن أحوالٍ مرعبةٍ من الألم و اليأس سوف نسأل عنها جميعاً أمام الله، سواء من كان منا سبباً مباشراً لعذاب هؤلاء المساكين، أو من صمت على ضعف أحوالهم و تعاستها. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “الرحماء يرحمهم الله”، و بعدهما قال الإمام علي كرّم الله وجهه: “الناس على وجهين؛ أما أخٌ لك في الدين أو نظيرق لك في الخلق”. إنه الإنعزال – هذه المسافات النفسية الطويلة بيننا و بين “الآخر” رغم قربنا الجغرافي منه – مرةً أخرى.

من المحزن أن نجد مفارقة الإنعزال هذه تنتشر و تكبر في بلادنا. فرغم تراثها البحريّ المنفتح و الصحراويّ المتحرّك، الكويت الآن هي بلدٌ يسكنه شعبٌ منعزلٌ، تثير فيه كل إشارةٍ للآخر إحساساً تشيكوفياً بالإقليمية (فالأمر يذّكر بالهواجس القلقة لأبطال قصص أنطون تشيكوف الذي يعيشون دائماً في الأقاليم الطرفية البعيدة)؛ شيءٌ أقرب ما يكون إلى رهاب الأجانب (Xenophobia)، الذي هو سمة المجتمعات المنغلقة فكرياً و المنعزلة حضارياً، مهما بلغ عدد الطائرات التي تهبط في مطارات البلاد أو السفن التي ترسو في موانئها. هذا، لأن الأمر يتعلّق بدواخل العقول، لا بخارجيات المظاهر، و هو يقترن دائماً بالخوف و الشك و القلق من الآتي، و هذه جميعها نتيجةٌ طبيعيةٌ لغياب السياسات الواضحة المُطمئنة، التي تلعب دور بوصلة الاتّجاه للمستقبل.

و بعد،

فلنراجع قيمنا المبدئية، و لنفعّل أجهزة رسم السياسات، و لننتقِ من نضمّه إليها، ثم لنلتزم بما تضعه من خطط، فالأزمة – في عمقها – ليست أزمة وافدين، و لم تكن كذلك قط:

الأزمة أزمة انعزالٍ أولاً، و عدم ثقةٍ في سياساتنا العامة الرسمية ثانياً.

فأما الأولى فتتغيّر بتغييرنا لأنفسنا، و أما الثانية فتتغيّر بتغييرنا لراسميها.

نظرتان في النقاش، و وصفةٌ

قياسي
Horace_Vernet_-_Arab_Chieftains_in_Council_(The_Negotiator)_-_WGA24751

جلسةٌ نقاشيّةٌ لبعض زعماء القبائل العرب
لوحةٌ للفرنسي Horace Vernet، 1834

نظرتان في النقاش، و وصفةٌ

د. مشاعل الهاجري

Mashael.alhajeri@ku.edu.kw

18 يناير 2018

 

(1)

الحوار هو أن تتناقش، فتكون ممنوناً لمن تمكّن من إقناعك بتغيير رأيك، لأنه أهدى إليك معطياتٍ جديدة، لم تتنبّه لها من قبل، فصرت أكثر علما، و أعمق إدراكا. هو لا يتعلق بالكرامة، و لم يكن له شأن بها قط.

أما اللّدد هو أن تتناقش، و أنت تحمى رأيك كمن يذود عن قلعةٍ ورثها عن جدّه السابع، فتحنق على كل من اقترب منها.

للبقاء في سماء النقاش و عدم الانحدار منها إلى هاوية اللدد، ينبغي أن نذّكر أنفسنا دائماً بأن موضوع النقاش هو محض رأي، و الرأي لا يعدو أن يكون زاويةً للنظر نرقب الأمور منها، لا موقع عسكريّ نفديه فنقاتل من دونه.

‏بذلك، ينحدر النقاش من حوار إلى لدد عندما نخلط بين ما ينبغي من مرونة الرأي و ما يجب من ثبات الكرامة. و لكن حوار من يتحرون الحقيقة لا يتعلق بالكرامة، و لم يكن له شأن بها قط.

في الحقيقة، مجرد ربط النقاش بالكرامة هو دليل على أن مدار النقاش شخصي و ليس موضوعي، و هو مؤشر واضح على عدم التجرد، ابتداء.

و هذا، تحديدا ، هو اللدد، الذي – إضافة الى كونه لا يليق بالطرفين – هو محض تضييع للوقت و الطاقة.

 

(2)

النقاشات هي أداةٌ فعالةٌ لتوضيح الرؤى؛ توظيفها لضبط الفكرة هو واحد من أهم فوائدها.

ربما كان ذلك لأن للأفكار طبيعة عنقودية؛ هي تتوالى على إثر بعضها، أو ربما كان من الأدق القول بأنها ذات طبيعة “أميبية”: مثل الأميبا، هي تتكاثر بالإنقسام.

من هنا فإن أفكارنا المتولدة عن النقاشات – حتى العاصف منها – هي شيء أشبه ما يكون بقصائد الرحابنة التي كتبوها لفيروز.

لن نعرف قط ماذا كتب عاصي و ماذا أضاف منصور.

هذا سببٌ آخرٌ لكي أشكّ – أكثر فأكثر – في أسطورة “الملكية الفكرية”؛ هذه التي صدّقناها، فشرّعنا لها القوانين.

 

(3)

وصفةٌ للنّقاش الناجح:

  1. خذ 2 كيلو معلومات صحيحة.
  2. أضف عليها 4 كيلو رؤىً رشيدة.
  3. زِدْ عليها 6 كيلو تجرّد.
  4. ضعها بالثلاجة حتى تندمج المكوّنات.
  5. أخرجها من الثلاجة بعد ساعتين.
  6. تبّلها بـ 500 جرام هدوء، ثم زيّنها برشّة حُسْن نيّة، و رشّة سعة صدر.

صارت الوصفة جاهزةً للتقديم.

بالهناء و الشفاء : )