Category Archives: Uncategorized

عن الطرق، الشخص المعتاد، و العصير الذي لم يصنعه خلاط قط

قياسي

Road-works-image---hero

عن الطرق، الشخص المعتاد، و العصير الذي لم يصنعه خلاط قط

د. مشاعل الهاجري

16 أكتوبر، 2017

 

في طريقي إلى عملي و عودتي منه – مثلي في ذلك مثل الكثيرين في الكويت، و رغم أنني أعتبر نفسي سائقة جيدة – أخوض معركة بقاء حقيقية، أتعرض فيها لخطر الوفاة أو الإصابة في حادثٍ مروريٍ جادٍ بمعدل 2-3 مرات يوميا. و إذا ما نحينا أخلاقيات قادة المركبات جانباً، فالأمر في غالبيته يعود الى سوء تخطيط الشوارع و كثرة الأشغال فيها (حفريات، تغييرات اتجاهية مفاجئة، تبدل يومي لخارطة الطرق، قلة اللافتات، عمال يشتغلون في منتصف الطريق من دون علامات تحذيرية).

كيف، إذن، يُطبق عليّ قانون مرور يتضمن ذات القواعد التي تطبق على سائق سيارات في طوكيو أو لندن أو لوس أنجلوس، و المصممة لطرقاتها السلسة، المنظمة من قبل هيئات هندسية رفيعة؟ أي عدالةٍ هذه التي تخضع جميع الناس إلى ذات المسطرة، من قبل أن توفر لهم ذات الظروف، حتى يمكن القول بأن الجميع قد انطلق للسباق من النقطة ذاتها؟

و أنا لا أملك – جراء ذلك – إلا النظر في تصميم بنية النظام القانوني ككل، الذي قامت هذه المسئولية على أساسه. ففي المعطيات الأولية للقانون، يتم تحميل المسئولية المدنية عن حوادث السيارات، و من ثم الالتزام بالتعويض، على الشخص الذي انتهى القانون إلى كونه قد “أخطأ”. و مع ذلك فالسؤال الأول و الجوهري، الذي أكاد أقول أنه يمثل نواه القانون المدني و الذي تدور جميع مباحثه في فلكه هو: و ماذا نعني بـ “الخطأ”، أصلاً؟

في تحديد ما إذا كان الشخص قد “أخطا”، يعرف القانونيون أن القضاء يطبق ما يعرف بمعيار “الشخص المعتاد”. فعند تقييم التصرف لتحديد ما اذا كان يشكل خطاً (أي خروجا ً على السلوك المتوقع من الشخص المعتاد)، يقوم القضاء بتقييم الظروف الخارجية / الموضوعية للمدعى عليه (أي تلك الخارجة عن الشخص نفسه كظرف الزمان و المكان و الأجواء المناخية السيئة) دون تلك الداخلية اللصيقة بالشخص نفسه (كالسن و الصحة و الحالة الذهنية أو مستوى التعليم)، لأن تلك ظروف شخصية لا يعتد بها. فالسلوك المعياري الذي يعتبر الشخص المخالف له مخطئا ً خطأ ً تقصيريا ً في نظم القانون المدني هو سلوك الشخص العادي (و هو تحديداً “معيار الشخص المعتاد”)، و الشخص العادي هو شخص “افتراضي” يمثل أواسط الناس و غالبيتهم، و يقوم عادة بالأعمال المتوقعة منهم (و ليس هناك ما يمنع من أن يكون الشخص المعتاد “نسبياً”، أي يمثل فئة أو طائفة معينة من المجتمع، كالأطباء على سبيل المثال، بمراعاة ما تفرضه المهنة من فنٍ و حرص.).

و “معيار الشخص المعتاد” يستند إلى سلوك رب الأسرة الصالح، الذي يسميه الفقه الفرنسي bon père de famille ، مستنداً إلى التسمية اللاتينية bonus pater familias، المستقاة من القانون الروماني (كان نطاق الحالة العائلية status familias في هذا القانون يرتكز على السلطة الأبوية patria potestar و ما ينجم عنها من حقوق و واجبات أسرية و مالية معاً.

و في القانون الإنجليزي، فإن الشخص المعتاد في السوابق القضائية هناك يسمى “الرجل الذي يركب حافلة مدينة كلابام” (the man on the Clapham omnibus) كنية عن الوسطيّة و الاعتياد، فهو شخصٌ من أواسط الناس يتصرّف كما يتصرّف عامتهم و يمارس ما يمارسون (كان أول حكم قضائي إنجليزي ترد فيه هذه الإشارة إلى “رجل حافلة مدينة كلابام” هو الحكم في قضية McQuire v. Western Morning News.[1] و قد تطورت هذه التسمية الآن لتصبح the man in the street “رجل الشارع”، “الرجل العقلاني” the reasonable man، و “الشخص المعتاد” the average person.

أما موقف القضاء الكويتي بهذا الصدد فهو موقفٌ قديمٌ و ثابتٌ من حيث انتهائه إلى وجوب التجرّد من الظروف الذاتية لشخص المضرور و النظر فقط الى الظروف الموضوعية التي وجد فيها، قبل القول بتوافر عنصر الخطأ في طرفه من عدمه.

(في محاضراتي، ألفت نظر طلبتي دائماً أن أن “الشخص المعتاد” إنما هو شخص افتراضي محض، لأنه لا يوجد على سطح هذه البسيطة قاطبة شخص معتاد واحد، فنحن – ببساطة – مختلفون، جميعنا. فمن هو الشخص المعتاد إذن؟ ربما كان الحل الوحيد هو أن تعد في ذهنك خلاطاً إفتراضيا، فتأخذ جميع سكان هذا العصر في العالم بأكمله، ثم تضربهم معاً في خلاطك الذهني هذا، لتنتهي إلى ما أسميه “عصير الناس”؛ هذا العصير هو – تحديداً – شخصنا المعتاد الذي قضت المحاكم عمرها بحثاً عنه).

أكتب كل ما تقدم، لأنني لا أفهم:

يطلب منا القانون دائماً سلوك الشخص المعتاد لتقرير مدى تحقق الخطأ من جانبنا، فتطبق علينا إثر ذلك ذات القواعد القانونية المرورية التي صُمّمت لنظرائنا في أوروبا و أمريكا و اليابان، و لشوارعهم الواسعة، السلسة، المدارة من قبل إدارات هندسية مرورية حصيفة.

و أنا أستغرب، إن كان الأمر يتعلق بالاشتراطات الموضوعية، فلماذا نطلب من سائقي المركبات سلوك مسلك “الشخص المعتاد” من قبل أن نتساءل: و هل الشارع الذي نقود سياراتنا فيه “شارعٌ معتاد”، أصلاً؟

يا لهذه العدالة المساواتية إلى حد الظلم.

 

 

[1] McQuire v. Western Morning News [1903] 2 KB 100.

Advertisements

مــا هــي الجـامعــــــة؟ خطاب لرئيس أساقفة كانتربيري، ترجمة حمد سليمان الرومي

قياسي

 

“مــا هــي الجـامعــــــة؟”

خطاب ألقاه رئيس أساقفة كانتربيري في وهان، الصين

الجمعة 13 أكتوبر 2006

 

‘What is a University?

By: Rowan Williams

Archbishop of Canterbury

Friday 13th October 2006

ترجمة: حمد سليمان خالد صالح الحمد الرومي

مقرر الثقافة القانونية، صيف 2012

 حمد الرومي

 كأستاذٍ جامعيٍ في كلية حقوق جامعة الكويت، و في الفصل الدراسي لصيف عام 2012، كنت أحاضِر للطلبة غير الحقوقيين في مادة “الثقافة القانونية”، و هي مقررٌ اختياريٌ مطروحٌ للطلبة من جميع كلّيات الجامعة. بدأت محاضراتنا، و مع توالي الأيام لاحظت أنه كان ثمّة شاب يجلس في منتصف القاعة صامتاً، لا يتكلم، فإن تكلم، أصاب، و سدّد، ثم عاد إلى صمته الطويل. لفت الشاب نظري بهدوءه و سمته الرزين. كان يبدو أكبر من عمره، كثيراً. فيما بعد، و في الحوارات القليلة التي جمعتني به في مكتبي، عرفت منه أنه يدرس في كلية الآداب، و أن لديه شغفٌ في أن يتعرّف إلى القانون من خلال مادتي هذه. كان اسمه حمد.

عادةً ما أكلّف طلبتي بالقيام بتكاليفٍ متنوعةٍ ذات دورٍ “وظيفيّ”، يكون من شأنها أن تخدم المادة العلمية في المحصّلة (تطوير/ تصحيح / إضافة / تجديد)، و بذلك، فإن الجاد و الجيّد من هذه يمكن أن يُدرج في النسيج الموضوعيّ للمحتوى العلميّ لمقرري، مع الإسناد بطبيعة الحال. عندما أعلنت قائمة التكاليف المطروحة للتنفيذ، تسارع الطلبة إلى استباق المهام السهلة، إلا حمد. جاءني – مبادراً – يطلب ما كان زملاؤه يتهرّبون منه؛ المهمة الأثقل: ترجمة نصوصٍ إنجليزيةٍ مختارةٍ إلى العربية. اخترت له نصاً إنجليزياً كنت قد قرأته لتوي، هو محاضرةٌ ألقاها في جامعة وهان في الصين رئيس أساقفة كانتربيري الدكتور روان وليامز بتاريخ الثالث عشر من أكتوبر 2006، و وجدت فيها عمقاً و فائدة من حيث الوقوف على المنظور الذي تقدمه رؤية “الآخر” لمؤسسةٍ تعنينا جميعاً، هي الجامعة.[1] في محاضرته تلك، كانت أطروحة وليامز هي أن الجذور التاريخية للنظام الجامعي لم تقتصر أبداً على تطوير المهارات العقلية، و إنما تعدته دائماً إلى السعي النبيل نحو النضوج الروحي والأخلاقي، و أفاض في الحديث عن أثر ذلك. وجدت في محاضرته ما يفيد، فدفعتها إلى حمد. بعد بضعة أيام، عاد إلي حمد بترجمته الجيدة و المنضبطة للنص، مع تعبيرٍ واضحٍ و نادرٍ – و هو الشاب الرزين و المتحفّظ – كشف فيه عن اهتمامٍ متحمسٍ بالمحتوى و عن استمتاعٍ بالمهمة. انتهى الفصل الدراسي، و تفوّق حمد في مادتي.

ثم مرّت الأشهر، لأعرف بعدئذٍ – صدفةً – بوفاته المفاجئة في سبتمبر من نفس العام، إثر عارضٍ مفاجىٍ ألمّ به بعد ممارسته للرياضة. كان عمره تسعة عشر عاماً.

كان فصلاً قصيراً ذاك الذي درست حمداً فيه، لم تتح لي خلاله فرص عديدة للتواصل معه، فلا استطيع أن ادّعي أن لي معرفة عميقة به. و مع ذلك، و لسببٍ ما لا أفهمه، لا أستطيع نسيان هذا الشاب. عندما استحضر ذكراه، أستحضر معاني الاستغراق العلمي كاملة: في محاضراتي، لم يكن حمد يستمع، بل كان “ينصت”، بكامل جوارحه، و بتمام وعيه، و بزاوية جلسته. عرفت – فيما بعد – أن الفتى كان ألمعياً، كان رياضياً يمارس الفنون القتالية و الرماية و الغوص، حافظاً للقرآن الكريم، شاعراً و متذوقاً للشعر العربي الفصيح، و حاصلاً على شهادة مدرب معتمد في سِنّه الفتيّة تلك. و الأهم، هو أنني عرفت من بعض أقربائه، أن الشعور كان متبادلاً، “كان يتحدّث عنك، كثيراً”، قالوا لي.

عادة ما يكون قصدي من التكاليف الموكلة إلى طلبتي هو إيلاء دورٍ إيجابيٍ و فعّالٍ لهم في تطوير المقررات التي يدرسونها. هذه المرة، لن أكتفي بهذا الهدف؛ سأتجاوز حدود المقرر الدراسي، بل و أسوار الجامعة ذاتها – هذه التي ترجم حمد نصاً عنها – إيماناً مني بأن ما آخر ما عمل عليه طالبي العزيز هذا من إنتاجٍ أكاديميّ مميز ينبغي أن يظهر إلى جمهورٍ أوسع.

هذه تحيّتي لحمد سليمان خالد صالح الحمد الرومي، الذي رحل من دون أن يرحل، و الذي عرفته و ما عرفته.

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

كلية الحقوق – جامعة الكويت

__________________________________________

 

  

الصين – “ما هي الجامعة؟”[2]

خطاب ألقاه رئيس أساقفة كانتربيري في وهان، الصين

الجمعة 13 أكتوبر 2006

(ترجمة: حمد سليمان خالد صالح الحمد الرومي)[3]

 

ألقى رئيس الأساقفة الخطاب التالي في جامعة وهان، الصين، في يوم الجمعة بتاريخ الثالث عشر من أكتوبر 2006. و في خطاب هذا، بيّن أن جذور النظام الجامعي لم تقتصر على الرغبة في تطوير المهارات العقلية، و إنما تعدته دائماً إلى السعي النبيل نحو النضوج الروحي والأخلاقي، وهو يدعو إلى تعزيز هذا المنظور للدور الحقيقي الجامعات في المناقشات القائمة حول الأبعاد الأخلاقية للحياة العامة في كلٍ من الصين و في الغرب.

لقرونٍ مضت، كانت هناك العديد من الطرق المختلفة لفهم ما هو متوقع عن المؤسسة التي يتلقى فيها الشباب تعليمهم. إنني استخدم هذه الصيغة الخرقاء من الكلمات لأن كلمة “جامعة”- على الرغم من أنها أُطلقت على أغلب أو كل هذه المؤسسات – فهي مصطلحٌ أوربيٌ له تاريخٌ مميز. في هذا السياق خاصةً، أود أن أكون على بينة من التجربة غير الأوربية أيضاً، على الرغم من أن الكثير مما أقوله سوف يستند إلى التاريخ الأوربي كما هو معروفٌ لي. إنه من المهم، بالطبع، أن نعرف أن الأكاديمية الملكية المعروفة باسم “أبناء الأمة” (The Sons of the Nation) قد أُنشأت في الصين قبل قرنٍ من الميلاد، و أن الكلية الطبية الملكية (The Imperial Medical College) قد تبعتها في القرن الخامس من الميلاد. بعضٌ مما سأقوله عن التجربة الأوربية ستكون له بلا شكٍ أصداءٌ في التاريخ الصيني، و لكن مهما كانت دقة الاسم الذي نطلقه، فإن التركيز في هذه المناقشة سيكون على المؤسسة التي تعلّم ما يتجاوز المستوى الأساسي، التي تتعامل مع الناس في أواخر فترة المراهقة و العشرينات من أعمارهم بالنسبة للجزء الأكبر، و التي لها علاقاتٌ وثيقةٌ – و لكن غير متطابقة – مع عمليات التدريب لصورٍ معينةٍ في الحياة العامة.

في كل من الحضارتين الرومانية و اليونانية، كان التركيز على الحياة العامة مهمٌ بشكل حاسم، و هو أمر هام نميل إلى نسيانه بسهولة، لسوء الحظ. إن الشباب الذين كان يُرجّح أن يكون لهم مستقبلٌ في القانون أو الإدارة، أو الذين كان وضع عائلاتهم يكفل لهم شكلاً من الدور الأكيد في المجتمع، كان يقضي عدداً من السنين – في أكثر من مركزٍ، ربما – ليستوعب مهاراتٍ قد تبدو لنا خليطاً غريباً من الأدب و القانون و المنطق. أما من حيث المحتوي الكمي الذي كان ينبغي دراسته من تلك المواد فهو أمرٌ لم يكن منظماً في منهجٍ عامٍ واحد، بل كان يُترك لتقدير الأستاذ الذي يدرس الطالب على يديه. آنذاك، كنت ستتعلم كيف تقرأ نصوصاً كلاسيكيةً مختارةً من إبداعات حضارتك، و كيف تسأل أسئلةً عن النصوص كي تتمكن من فهمها بطريقة أفضل، حتى تطبق محتواها لفهم المواقع و المواقف ذات العلاقة. كنت ستتعلم قواعد الجدل، و لكنك ستتعلم أيضا كيف تتحدّث بطريقةٍ تجعل الناس يأخذونك على محمل الجد (كيف تبني الاستعارات و المناشدات للمشاعر، كيف تقترح بطريقةٍ غير مباشرةٍ ما كنت تريد أن تقوله بطريقة مباشرة). و إن كان لديك مزاجاً خاصاً، فقد ترغب أيضاً بتجاوز المستوى الأساسي و العملي، فتتأمل في حقائق الكون و في الطريقة المثلى للعيش. إن التعليم في العالم الكلاسيكي الغربي كان، و هو أمرٌ لا يثير الدهشة – مادةٌ للخلاف دائماً حول ما هو الأكثر أهمية: اكتشاف الحقيقة أو الفوز في الجدل و إقناع الناس؟ إنه الصراع – كما وُصف في كثيرٍ من الأحيان – بين الفصاحة و الفلسفة، و الفلسفة هنا لم تكن تحمل معنى الحقل المعرفي بل كان يُنظر إليها كمنهجٍ لتعليم الفضيلة.

إن الفرد نتاج التعليم الكلاسيكي يظهر عادةً كمؤدٍ مُدرَّب؛ شخصٌ يمكن الاعتماد عليه ليُأخذ على محمل الجد في الحياة العامة لأنه يعرف قواعد المحادثة الجيدة و النقاش المقنع. كما أنه قد يظهر كشخصٍ له بعض المعرفة بالتقنيّات التي يمكن للعقل البشري من خلالها التغلغل إلى ما يجاوز المظاهر و الوقوف على أنماط الحياة، المادي منها و المعنوي. ما نفهمه من البحث لم يكن جزءً من التوقعات، كما لم يكن هناك تقديرٌ كبيرٌ للتفكير الأصيل أو الخلاّق. و بشكل عام، فإن الأصالة كانت لتبدو و كأنها ثورةً حمقاء ضد الحكمة الراسخة. في أسوأ الفروض، فإن الشخص الذي مرّ في هذه العملية التعليمية يمكن أن يحوز مهارة التلاعب في آراء الآخرين و مشاعرهم، فتكون له قدرةٌ كبيرةٌ على استخدام مهاراته تلك في تحقيق الطموح الأناني. أما في أحسن الفروض، فإنه سيلعب دوراً هاماً في الحدّ من السلوك أو الحديث غير العقلانيّ أو المتطرف و المسبب للشقاق، و كذلك في صون العدالة و الاستقرار و النظام المجتمعي.

و مع انهيار الإمبراطورية الرومانية القديمة في القرنين الخامس و السادس بعد الميلاد، فإن النماذج التي تشكل مثالاً على هذا النوع من التعليم اختفت بصورةٍ عامة، على الأقل بالصورة التي أدركتها الأجيال السابقة. و في الواقع، فإن بعضٌ من هذا التعليم قد نجا في شرقيّ العالم المتوسطي، حيث استمر – لقرون – احتياج الإمبراطورية البيزنطية لموظفين متعلمين للعمل في مجال الخدمة العامة. أما في الغرب الأوربي، فإن الفئة الوحيدة التي بقيت تحوز المهارات اللازمة لإدارة مجتمعٍ يعيش في عصر عدم استقرارٍ سياسيٍ هم قساوسة الكنيسة المسيحية. لقد ظل اتباع بعض أوجه النظام التعليمي القديم مستمراً في المدارس التي استُحدثت حول أديرة الغرب الكبرى و كاتدرائياته، بغرض تدريب الكهنة و رجال الدين. و بذلك كان هؤلاء وحدهم الذين يجيدون قراءة النصوص و بناء الحجج و الحديث المقنع ، الأمر الذي اضّطلعوا معه بمهام التعليم في الكنيسة و إدارة أعمال الممالك الناشئة آنذاك.

و في أواخر القرن الرابع، أشار أعظم مفكّرى المسيحية في تلك الفترة، اﻠﻘﺪﻳﺲ ﺃﻏﺴﻄﻴﻨﻮﺱ ﺃﺳﻘﻒ ﻫﻴﺒﻮ في أفريقيا (Augustine of Hippo)، إلى أن المسيحيين صاروا في حاجةٍ إلى معرفة كيفية قراءة كتابهم المقدس بنفس الدرجة من المهارة و التطور الأدبي المتاحة لدارسي الآداب الكلاسيكية. و هكذا، أصبح تفسير الكتاب المقدس ذروة التعليم العالي و سنامه، فصار الطالب يدرس ما كان نظيره الروماني الوثني يدرسه من المنطق و الموسيقى و الرياضيات و الجدل و النسب و الانسجام في مختلف السياقات، إلا أنه عوضاً عن أن يرتقي بعدها إلى دراسة الفلسفة كان يدرس علم اللاّهوت بدلاً منها، فيتعلم علوم النِّسب و الانسجام بمنظور نصوص الكتاب المقدس، و حتى يساهم في الدّفاع عن المذاهب التي تُدرّس من قِبَل الكنيسة. و رغم أنه لم يكن جميع الدارسين يصلون إلى هذا المستوى، إلا أن النظام قد شُيّد على فرضية أن علم اللاّهوت سوف يعطيك المفتاح لفهم ارتباط الأمور ببعضها. إن كلمة “الجامعة” (University) تعود إلى العصور الوسطى؛ و هي تعني في الأصل دورةٌ شاملةٌ من الدراسات المُعترف بها في جميع أنحاء العالم المسيحي، بحيث أن أي شخصٍ يتخرّج من مؤسسة “الجامعة” كان سيُعتبر مؤهلاً للتعليم في أية مؤسسةٍ مماثلةٍ أخرى.

و كما أدى سقوط الإمبراطورية الرومانية إلى انهيار نمط التعليم القديم، فإن كل من الاضطرابات التي لحقت الكنيسة المسيحية في القرن السادس عشر و التغيرات السياسية العظيمة التي طرأت مع ظهور الدويلات الأوروبية الجديدة تسبب – تدريجياً – بتغيير الجامعات المسيحية التي ظهرت في العصور الوسطى إلى درجةٍ غيّرت من معالمها تماماً. و على الرغم من أن هذه الجامعات مازالت تحتفظ بأسلوب أسس التدريب لرجال الدين و بعض المهن القانونية، فقد تم توسعة نطاق الجامعة لتضم مرةً أخرى الشباب من “العائلات الطيبة” الذين يحتمل أن يلعبوا دوراً هاماً في الحياة العامة. و في أوربا القاريّة، أُنشأت العديد من الجامعات الجديدة، و غالباً ما تمّ ذلك على يد الحكام المحليين الراغبين في خلق طبقةٍ من الموظفين العموميين و البيروقراطيين و تدريبهم في ثقافةٍ مشتركة. و مع ذلك، فقد كان هناك اهتمامٌ متزايدٌ في البحث العلمي الصرف.

و في حين تطوّرت أوربا القاريّة على تلك المستويات، فإن الجامعات الإنجليزية مرّت بالقليل فقط من التغيير الهيكليّ؛ فقد استمرت على تركيزٍ ضيق على الرياضيات و العلوم الرومانية و اليونانية الكلاسيكية، و ذلك حتى أواخر القرن التاسع عشر، إلا أن دور الجامعات الإنجليزية في تشكيل روح الطبقة الحاكمة لم يكن أقل أهمية من دور نظيراتها الأوروبية. و مع تغيّر المناخ السياسي و الاجتماعي للمجتمعات الغربية، فقد كان محتماً و للمرة الأولى أن تنخرط المرأة في التعليم العالي ( مع تردّدٍ كبيرٍ في البدايات). و في كلٍ من بريطانيا و أوربا القاريّة، كانت أهمية الأبحاث فلي المجالات العلمية و الإنسانية تُدرَك أكثر و أكثر، و بذلك فإن هيكل الجامعة كان يتغيّر بما يستوعب ذلك.

و في أواخر القرن العشرين، بدأت الحكومات في حصر حريات الجامعات إلى حدٍ ما بواسطة الإصرار على الإنتاج الكميّ القابل للقياس من حيث البحوث (الأمر الذي أضرَّ ببعض أفرع العلوم التقليدية التي كانت كمية المطبوعات فيها قليلة و معدل تقدمها البحثي أبطأ) و بواسطة جعل التمويل مشروطاً أكثر فأكثر بهذا النوع من الإنتاج المعياريّ. و مع التوسع في إسباغ تسمية “الجامعة” على المعاهد المعاهد الفنية بطبيعتها و التساهل في ذلك، بدأت الحدود تختلط شيئاً فشيئاً بين الدراسة الجامعية بما هي هدفٌ في حدّ ذاته له معايير الجودة الخاصة به، و بين التدريب في مجال المهارات الأساسية. إن أصعب تحدٍ تواجهه جامعات العالم الغربي اليوم هو تجنيبها أن تكون تحت سيطرة الضغوط الخارجية القاصدة إلى حملها على عرض و تقديم التدريب المهني. و من المفيد هنا أن نلاحظ أن هذه ليست بالمشكلة الحديثة تماماً، فالقول المأثور الوارد في الكتاب الثامن من محاورات كونفوشيوس يتحدث عن ضغوطٍ مماثلة، إذ يقول الأستاذ: “ليس من السهل إيجاد رجلٍ يستطيع الدراسة لثلاثة سنوات من دون التفكير في كسب راتب”. إلا أن ذلك يثير سؤالاً أساسياً حول ما إذا كان الغرض الجوهري للجامعة اليوم يمكن أن يظل السعيّ نحو ما اعتبره الأستاذ دراساتٌ مناسبةٌ للحكمة العامة.

كان هذا مسحاً قصيراً و سطحياً حول ما كانت عليه الجامعات الأوربية و حول الأهداف الكامنة وراء الانماط المختلفة من المؤسسات المذكورة آنفاً، و قبل أن نكمل، قد يكون من المفيد أن نقول بتلخيصها. أولاً، و لعلّه مما يدعو إلى الدهشة، هناك عنصرٌ سياسيٌ عميقٌ يتخلّل الجامعة. إنه من المسلّم به أن ذوي النفوذ في المجتمع ينبغي أن يتم تكوينهم في ثقافة معينة، فعليهم كيف يتعلّموا فهم التفاعلات الاجتماعية و أن يقيّموا الدوافع وراء الأفعال و السياسات. و جزءٌ من ذلك التدريب كان يرتبط دائماً بالنصوص الأساسية للثقافة – المقدسةً منها و غير المقدس – و هي النصوص التي تقدم أنماطاً محددةً للحياة الإنسان و التي مازالت مفيدة للإسترشاد. إن التاريخ الصيني غنيٌ في الحثِّ على هذا المفهوم، أي بأهمية النصوص الكلاسيكية في خلق المعارف اللاّزمة للقيادة في الحياة العامة. و لما كل هذا التعرض للتقاليد الذي يقع في سياق العلاقة بين المعلم و الدارس يستمر – من حيث المبدأ على الأقل – لفترةٍ طويلةٍ من الزمن، فإن ذلك يعني أن بعض عناصر المحاورة و التفاعل عُرِفت كجزءِ من العملّية، حتى و لو كان ذلك يتم، في كثيرٍ من الأحيان، بصفةٍ رسميةٍّ و لا شخصيةٍّ تقريباً.

ثم هناك البحث العلمي. حتى الآن، يبدو أن مفهوم “الجامعة” محكوم تماماً بنموذج التدريب الذي نسمّيه نحن عليه في أوربا “الدراسات الإنسانية” (Humanistic study)، الأمر الذي يترك مساحةً ضئيلةً لما نعتبره حالياً سمةً مميزةً للحياة الجامعية في أفضل حالاتها؛ أي البحث العلمي الأصيل المتمثّل في اكتشاف حقائق جديدة و وجهات نظرٍ جديدة. تاريخياً، كان هذا هو ما حصل: مع تزايد فضول المجتمع الأوروبي حول بيئته المادية و تاريخه في الفترة التالية للنهضة (renaissance) و عصر الإصلاح الديني (reformation)، صار إمكان التباحث و النقاش حول هذه المسائل جزءً من توقّعات الشخص المتعلم. في البداية، لم تكن الجامعات على متابعةٍ جيدة، سواء في مجال العلوم أو الدراسات التاريخية أو الأدبية، و لكن كان من المستحيل أن تبقى على هذا الحال للأبد لأنها تخدم الطبقة السياسية. و لأن هذه الطبقة مهتمةٌ و على نحو متزايدٍ بمثل هذه المسائل، صارت هناك حركةً طبيعيةً لإدماج التجربة و الاستكشاف في روتين الجامعة. و مع ذلك، ينبغي الإشارة إلى ان الأمر في بدايته لم يكن يعني أن يُنظر إلى الجامعة – أو ان تنظر الجامعة لنفسها – كمختبراتٍ للحاجات المادية للدولة، بل كان الأمر يتعلق بحقيقة أنه في القرنين السابع عشر و الثامن عشر صارت سمة الرجل المتعلم أن يُسائل السلطة التقليدية على كل صعيد، و ان يكون عارفاً بمناهج تقييم الأدلة، التاريخيّ منها و العلميّ.

إن الجامعات الحديثة هي نتاج هذين العاملين معاً؛ ولكن هناك عوامل مهمة أخرى ينبغي أن تُذكر. لقد لاحظنا أهمية الحاجة لخلق إطارٍ مرجعيٍ مشتركٍ لهؤلاء الذين سوف يتحمّلون المسؤولية في المجتمع، و لاحظنا كذلك تطوّر الاهتمام الحداثيّ المبكّر في طرح الأسئلة “التخريبية” حول التقاليد و السعي نحو توسعة مجال ما يمكن أن يُعرف و أن يُفهم. إلا أن الحقيقة النسبية الجديدة للقرن العشرين هي أنه، مع انتشار الديمقراطية، صار يصعب الحديث عن “طبقةٍ حاكمةٍ” مستقرة؛ إن كل طالب يصبح – احتمالاً – شخصٌ ذا آراءٍ سياسيةٍ و قدراتٍ في النظام الديمقراطي، شخصٌ يحمل مسؤولية التصويت و المشاركة في إدارة مجتمعه بأية طريقةٍ مناسبةٍ كانت. و هكذا، يتزايد مجال التوقّعات بولوج التعليم العالي، و تصبح مسائل الإنخراط فيه أكثر أهميةً للجامعات من حيث التسويق و الترويج في بيئة تنافسية.

و لكن كلٌ من تلك العناصر يأتي محفوفاً بالمخاطر. فالجامعة التي تهتم فقط بتدريب الطبقة الحاكمة المستقرة وفق الكلاسيكيات المقبولة لن تنجح في تحضير دارسيها لعالمٍ تعدديّ، تتفاعل فيه الثقافات المختلفة في إطارٍ من الحيوية و التحدي. إنها، في الواقع، نقطةٌ لن يصعب على الصينيين فهمها. إن تقليداً للحكم قائم على التعليم في إطار الأسس الكلاسيكية قدّم للصين نخبةً سياسيةً ذات قدرةٍ محدودةٍ على التعاطي مع المتغيرات الاجتماعية و الدولية، و هي مشكلةٌ أدركها الإصلاحيون في الصين جيداً أواخر القرن التاسع عشر.

و بشكلٍ مماثل، فإن الجامعة التي تركّز على البحث العلميّ وحده تواجه عدّة صورٍ من المخاطر. فمن ناحية، فإن الجامعة قد تنسى تماماً وظيفتها الحتمية كمؤسسةٍ يُناط بها تشكيل الوعي النقديّ العام من خلال خلق ما يمكن تسميته بـ “الفضيلة الفكرية” التي تلعب دوراً هاماً في الحياة العامة. هناك كاتبٌ بريطانيٌ معاصر، هو ر. هـ. فرايز (R. H. Fryer)،[4] أشار إلى العلاقة بين الجامعات و المواطنة باعتبارها “البعد المنسيّ” للتعليم العالي، مجادلاً – مثل العديد من المعلقين المعتبرين – بأن الجامعة يجب أن تكرّس الموارد و الطاقة بجديةٍ لتشجيع العامّة على مناقشة القيم المشتركة في مجتمعهم. إن ذلك لا يعني أن الجامعة على هذا النحو ينبغي أن تكون حاضنة للأنشطة السياسة أو الانتقادية، بل هو يعني أن الجامعة الجيدة تبحث دائماً عن طرقٍ لإثارة النقاش الفكري العام حول الآمال و القيم المشتركة للمجتمع من حولها. إن الجامعة لم توجد لتحسين العمل التخصصيّ فقط.

و بالمقابل، هناك مخاطرةٌ أخرى تتعلق بمواقفٍ معينةٍ نحو البحث العلمي. إذا كانت الأبحاث بالجامعة توجّه بالمقام الأول من قِبَل من يموّلها، فإن الخطر سيكمن في أن الأقسام العلمية ستكون أداةً طيّعةً إما بيد الحكومة أو بيد القطاع الخاص، بما سيوجه تلك الأنشطة البحثية لخدمة الإستراتيجيات أو الاهتمامات التجارية لتلك الاطراف. لقد كان هذا الأمر مثار جدلٍ متكررٍ في أوروبا، عندما تم إرساء عقود للجامعات لإجراء البحوث المتعلقة بمسائل الدفاع مثلاً. إن الإلتزام بإجراء الأبحاث التي تُمليها المنطلقات الفكرية المستقلة عوضاً عن السياسات العامة أو التجارية هي – بالنسبة لأغلب الأكاديميين – سمةٌ أساسيةٌ للحياة الجامعية السويّة، حتى و لو وُجِدت تدخلاتٌ خارجيةٌ حتميةٌ، هنا و هناك، مما يؤثر بالتوازن بين كل من الجهود و المصادر. فقط في الأحوال التي تكون فيها حرّةً في طرح أسئلتها الخاصة، سوف تتمكن الجامعة من تحقيق وظيفتها المتمثلة في تمكين الناس في التحقّق من الأسس التي يأخذها الآخرون كأمورٍ مفروغٍ منها.

و أخيراً، هناك مخاطرة تتمثل في الحالة التي تكون فيها الجامعات مجرد مطيةٍ للحركات الجماهيرية و الاحتجاجات الشعبية لا أكثر. إن الجسد الطلابي كان – تاريخياً – متقلباً و عرضةً للنشاط السياسي، و هو أمرٌ كان واضحاً دائماً، لا سيما في روسيا إبّان القرن التاسع عشر و في فرنسا و أمريكا خلال ستينات و سبعينات القرن العشرين.

إن القول بأن الطلبة في جامعات المجتمعات الديمقراطية يكتشفون أنفسهم كـعناصرٍ سياسيةٍ (political agents) لا ينبغي أن يُأخذ بمعنى أن دورهم الأساسيّ يجب أن يتمثل في التحريض السياسيّ أو في تبني القضايا الشعبية. فما يميّز الجامعة، كما رأينا، هي أنها تعزّز القدرة على فهم العمليات السياسية و وزن حججها، عوضاً عن إبداء الولاء غير النقديّ لأي برنامج. إن الطالب الذي يدرك ماهية أن يكون “عاملٌ سياسيٌ” وفقاً للمعنى المذكور سيكتشف معنى ممارسة المسؤولية المدروسة في حياة المجتمع.

و هنا، فإن التعريف الضيق للعامل الاجتماعي و العامل السياسي ينبغي موازنته من المنظور التاريخي؛ إن الأمر في الحقيقة يتعلّق بالوقوف على مدى علاقة النصوص “الكلاسيكية” بالمجتمع (بالمعنى الواسع)، بحيث أن الجامعات الجيدة ستفسح المجال لطلّابها لاختبار المُثُل و المفاهيم الخاصة بهم في مواجهة التقليد التاريخيّ، ليس من خلال فرص النقاش فقط بل و حتى في المحافل العامة للجامعة و في معاييرها و في بروتوكولاتها الخاصة بالتبادلات الفكرية. حتى من حيث وجودها وحده، كثيراً ما عبّرت الجامعات الجيّدة عن بعض الإلتزامات الفلسفية، سواء تجاه الخطاب المدني، حرية التعبير، التحقّق الذاتي، أو خلق الثقة من خلال الجدل المنضبط و فحص الأدلة. و هنا، ينبغي عدم الانحدار بذلك إلى مستوى مناخ ضيق تخلقه جماعات الضغط. و هكذا، و من الناحية النموذجية، فإن عناصراً مثل المعرفة بالتاريخ و بالتقاليد، الانفتاح على الابتكار الفكريّ، الاهتمام بتحقيق أقصى مستوىً ممكن للإنخراط بالحياة العامة يجب أن تدمج جميعها من خلال الجامعة لتنشئة مواطنين راشدين و مسؤوليين.

و لكن بالنسبة لنا في أوربا، هناك بطبيعة الحال عاملان رئيسيّان يعقّدان مركز الجامعة. أحد هذين العاملين تم التلميح إليه سلفاً: أنه المناخٌ السياسي و الاقتصادي الذي تسود فيه التوقعات بضرورة تحقق نتائج عمليةٍ على المدى القصير، مما كان له آثاره الشديدة السلبيّة على المواقف الخاصة بالسلوكيّات الضامنة للمساعي الفكرية “الحرة”. إن اهتماماً مستحقاً باعتبارات المساءلة نجم عنه قلقٌ حقيقيٌ حول حجم العمل المُنتَج في الجامعة، و ازديادٌ حادٌ في روح المنافسة بين المؤسسات الجامعية. فعلى كل جامعةٍ إلتزامٌ بأن تسوّق لنفسها في اتجاهين؛ تجاه الجمهور أولاً لضمان التحاق الطلبة بها، ثم تجاه جهات التمويل لإقناعهم بربحيّة مساعيها (علماً بأن هذه الجهات عادة ما تكون تحت إشرافٍ حكوميٍ في كلٍ من بريطانيا و أغلب أوروبا القاريّة). إن هذا المناخ لن يختفي بين ليلةٍ و ضحاها؛ إنه جزءٌ من الطريقة التي سيطرت بها نماذج “السوق” لتهيمن على مجالاتٍ عديدةٍ من الحياة الاجتماعية و المؤسسية في مجتمعاتنا.

ثاني تلك التحديات هو التنوّع الهائل للمشهد الثقافيّ في الغرب الحديث، فالثقافة البريطانية، على سبيل المثال، قد فقدت درجةً من الارتباط – بل و الثقة – في التاريخ و الهويّة المشتركة بين المواطنين البريطانيين، إنها الآن تحتوي ثقافاتٌ مهاجرةٌ نشطةٌ و حيّة، إلا أنها ذات علاقاتٍ متوتّرةٍ مع الأغلبية. على خلفيةٍ كهذه، ما الذي يعنيه أن تقدّم الجامعة نوعاً من الثقافة المناسبة للأشخاص الذين سوف ينشأون في وسطٍ من المسؤوليّة العامة؟ ألن يكون أثر ذلك ذلك محدوداً بالضرورة بحقيقة وجود سيطرةٍ من طبقةٍ مهيمنةٍ أو ثقافةٍ معينةٍ أو جماعةٍ عرقيةٍ (كما هو الحال في بريطانيا؟)

من المنظورٍ الواسع لثقافات الصين المتنوعة، فإن أسئلة مماثلة لابد أن تُثار: ما هو دور الجامعة في تعزيز الاستقرار الاجتماعي و السياسي في سياقٍ يعتمد في الجانب الأكبر منه على قدرة الحكومة في الحفاظ على التماسك الوطنيّ و في نموذج عام للقانون، و للرعاية و الإنصاف؟ إن أية جامعة الآن تحاول أن تعزّز مصلحة عرقٍ أو طبقةٍ بالتمييز على الباقي سوف تخسر مصداقيتها و سلطتها. إلا أن البديل لا يتمثل في قبول تنوعٍ “ما بعد حداثيّ” خالص؛ أي فوضىً من الخطابات غير المترابطة لمجتمعاتٍ معزولةٍ عن بعضها. مرةٌ أخرى، فإن انضباط الحياة الجامعية التاريخية يفرض سلوكاً أخلاقياً معيناً. إن الجامعات منظمةٌ بطريقةٍ تقبل تعدّد الخطابات و تباينها؛ إن ما يشكل سؤالاً جيداً في الاقتصاد يختلف عما يشكل سؤالاً جيداً في الفيزياء، و ما يعتبر حلاً لمشكلةٍ في الرياضات يختلف عما يعتبر حلاً لمشكلة في النقد الأدبي أو حتى في علم اللاهوت. و بعبارةٍ أخرى، إن من طبيعة الجامعة أن أي شخصٍ يرتبط بها ينبغي أن يتوقع أنه سيتعلم أن سؤاله أو سؤالها ليس السؤال الوحيد الذي يمكن أن يُطرح، و أن حله أو حلها لا يُرجّح أن يقدم خلاصاً عالمياً. و هكذا فإن الجامعة، إذاً، ينبغي أن تحافظ على درجةٍ من التواضع المعرفيّ الذي يظهره منتسبوها تجاه أهمية حقولهم العلمية (تجدر الإشارة إلى أن الواقع العملي لا يكشف عن ذلك، فالأكاديمين لا يختلفون عنا في الضعف الإنساني). و لكن الجامعة الفعّالة – من خلال الحقول العلمية المختلفة – ستوجِد دائماً نماذجاً يمكن من خلالها أن تتعايش التقاليد الثقافية و و الولاءات الدينية و الهويات الإثنية، لا بمبالاةٍ متبادلة، و إنما في مناخٍ من التساؤلات المخلصة، حسنة النية، لا تتواجه فيها المجتمعات المختلفة، بل تثري بعضها البعض. إن الفرضية الما بعد-حداثية التي تقول أن التعددّية هي مجرد حقيقةٍ من حقائق الحياة التي لا ينبغي فحصها ستكون وصفةً لحياة قَبَليةٍ (من قبيلة) و جامدةٍ إلى درجةٍ كئيبة.

و هكذا، فإن الجامعة تحافظ بشكلٍ مستدامٍ على ثقافةٍ خاصة بها؛ ثقافةٌ للحوار و النقد المتبادل و التقدير، في سياقٍ يمكن للناس النمو من خلاله إلى فهمٍ أعمق لما يميّز البشر في تفاعلاتهم الاجتماعية. و هو فهمٌ يرتبط برؤية البشر مهمومون بالتعلّم بالدرجة الأولى، عن طريق توسعة عوالمهم العقلية و الخيالية، و من خلال التقارب من بعضهم البعض بفضول و كياسةٍ و صبر، و باعتبارهم ذوي حريةٍ في تصوّر كيف يسأل الآخرين أسئلةً عن العالم من حولهم.

من داخل تلك الثقافة المشتركة للـ “البشرية المتعلمة” (learning humanity)، يمكن للجامعة – كحقيقةٍ تاريخيةٍ – أن تحقّق حضوراً ثقافياً طاغياً. قد يكون هذا الحضور دينياً، كما كان الحال في أوروبا، أو قد يكون مرتبطاً بالهوية القومية و الاستقلال. و لكنها إذا كانت ستكون فعالةً كجامعة، فإن موروثها التاريخي ينبغي أن لا يُحيّد أو يُنكر، و إنما يفهم كموروثٍ يمكن أن يستخدم كتربةٍ ينمو فيها الحوار. إن تقاليد الجامعة – دينيةً كانت أو قوميةً أو عداها – ليست عقائد أصوليةٍ حتى تتشبّث بها (كما كان الحال مع الجامعات البريطانية حتى أوائل القرن التاسع عشر) و إنما ينبغي ان تكون مساحةً آمنةً تبدي الترحيب و الاحترام للأصوات الأخرى، و تسمح بتفاعل تلك الأصوات داخل المؤسسة من دون ان ينظر إلى ذلك في سياقٍ من الخصومة او السيطرة. في أحيانٍ كثيرة، تكون المؤسسات الواعية بتاريخها و تقاليدها مكاناً مضيافاً بسبب عدم حاجتها للصراع من أجل أن تضمن لنفسها صوتاً مهيمناً. و هكذا تلعب الجامعة دوراً أساسياً في الحياة العامة لمجتمعها. إن الطابع الأساسي لهذا الدور لا يتعلق بنجاح الجامعة في تحقيق الأهداف المادية للمجتمع (بمقياس و حجم عقودها الصناعية أو الدفاعية)، كما أنه لا يرتبط في تسويقها غير الناقد لدينٍ أو فلسفةٍ أو آيديولوجيةٍ سياسيةٍ بعينها. على العكس، إن الأمر يتعلق بقدرة الجامعة على خلق مواطنين ناضجين؛ أشخاصاً أحرار من التحامل و الخوف.

لقد صدر مؤخراً كتابٌ حول فلسفة المعلم (Philosophy of the Teacher)، وضعه نايجل تابس (Nigel Tubbs)، و هو يلخص بشكلٍ ممتازٍ الهدف الصحيح لأي معلم، إلا أن كلماته قد تكون أكثر انطباقاً على حالة المعلم الجامعي تحديداً، حيث يقول: “إن المعلم الذي يؤمن بالحرية لا يسعى إلى أن يكون سيداً على الطلاب، و لا سيداً بديلاً باسم الرب أو الطبيعة. على العكس، إن المعلم الناقد يقصد لخدمة عملية تحرّر الطلاب من جميع أشكال الوصاية – سواء تلك التي فرضوها هم على ذواتهم أو المفروضة عليهم من الخارج – و لخدمة تطوّرهم الفكري الحر، الخالي من الإكراه”.[5]

ولكن ذلك لا يعني أن المعلم لا يُعلّم شيئاً محدداً أو أنه لا يُعلّم إلا طرح الأسئلة السلبية و التخريبية. في إدارة التوتّرات والتناقضات التي تخالط دور المعلم – ناهيك عن التوازن الحتمي بين السلطة و بين نداء الواجب – فإن كلاً من المعلم و الطالب يكتشفان شيئاً حول طبيعة التعلم في حد ذاته و حول الحقيقة التي لا يحوزها أبداً أي فردٍ أو فصيلٍ أو طبقةٍ، لأن الحقيقة تهرب دائماً من من التعريف المفرد و النهائي. إنها تُكتشف دائماً في الإطار الصعب لعلاقة التعليم، و التي لا تقتصر أبداً على على نقل المعرفة من وعاءٍ إلى آخر.[6] إن “منتج” الجامعة إذاً ليس هو الشخص الذي اكتسب مهارات فنية أو بحثية جديدة، بل هو الشخص الذي اكتسب عادة التعلم و فضيلته، و الذي يرى العالم الاجتماعي كمكانٍ لا للنزاع و الصراع حول السلطة و لكن كسياقٍ يمكن من خلاله ممارسة الحوار المستمر المقرون بالصبر. و هذا الأمر في حقيقته هو مسألةٌ سياسيةٌ بامتياز، و بكل ما تحمل كلمة “سياسة” – هذه الكلمة التي أسيء دائماً استخدامها – من معنى. إنه يغيّر توقعاتنا من بعضنا البعض، يتحدى أي افتراضٍ لدينا يقوم على اعتبار الصراع هو الموقف الإنسانيّ الطبيعيّ عندما يكون هناك تعارضاً للمصالح، يعلمنا كيف نساؤل مسلماتنا حول ما يشكل مصالحنا الشخصية، و يشجعنا أن نسعى نحو الجديد الذي يتعدّى الفرد أو الطائفة. إن الجامعة تغذي “المدنية” (civility) بالمعنى الضيّق لمعاني الصبر و الكياسة في الخلاف، و بالمعنى الأوسع للقلق على الحياة العامة في “المدينة” (civitas)؛ مجتمع المواطنين.

و بالتأكيد، فإن الجامعات تعلم الناس وفقا لمذهب الإنسانية، حتى عندما تعلن عن هويتها كليبرالية، تعددّية، أو علمانية، لأن الجامعات – في عمق أغراضها – تشترك جميعها في أنها تقصد إلى تعريف الطلاب بطبيعة التعلم و تشجيعهم على رؤية الحقيقة كشيءٍ متطلبٍ، مراوغٍ، و مستعصٍ على التملك. إن فلسفةً مثل هذه قد تهدّد بعض أنواع المجتمعات السياسية التي تكون للسيطرة فيها الأهمية القصوى و التي يُنظر فيها إلى النِقاش العلني كعاملٍ تخريبيّ. و لكن كلما كان المجتمع أقوى – فكانت مشروعيته أوضح و التزامه بالقانون و حرصه على المصلحة العامة و الكرامة أعلى – كلما كانت قدرته على التأقلم على ما يسمّيه الغرب النظرة “الليبرالية” (the liberal vision)؛ أي فكرة الحوار، التعلم و التحفيز المتبادل.

إن الدور الناقد للجامعة في المجتمع لا يجعل منهاعنصراً سلبياً أو تخريبياً فيه. على العكس، إنه يوفّر نماذجاً للتفاوض حول الخلافات و الشكوك، و يعلمنا ان الصراع المفتوح ليس الحالة الطبيعية للحياة الإنسانية المشتركة. و بهذا الصدد، فإن الأصول الدينية للجامعة الأوروبية هو أمرٌ ذو علاقة بهذا الموضوع. إن وجود الكنائس والهيئات الدينية الأخرى المُعترف بها داخل المجتمع اليوم يمكن في كثير من الأحيان أن ينظر إليه كوجود “صديقٌ ناقدٌ” – إذا ما استخدنا المصطلح المحبّب – يراقب المعايير و التوقعات المختلفة بما يفضي إلى آفاقٍ أبعد للتجربة الإنسانية. إن هذه المؤسسات ليست متشابهة بالتأكيد، و سيكون من الخطأ أن نذهب إلى حد القول إلى أن جميع الجامعات ينبغي أن يكون لها أساسٌ دينيٌّ بطريقةٍ ما. و مع ذلك فإن كلاً من الجامعات والهيئات الدينية تشتركان في تحدّى فكرة أن الصراع أمرٌ طبيعي، فهذه المؤسسات تتحدث معاً عن الواقع من حولنا باعتباره منظمُ و غامضُ في الآن ذاته، فتدعو بذلك إلى الثقة و التواضع معاً. و بذلك، فهي تساعد في خلق ما أسميه المواطن الناضج. و بذلك، فكلتا المؤسستين – المؤسسة الجامعية و المؤسسة الدينية – ينبغي أن تكون موضع ترحيبٍ في المجتمع الذي يسعى لأن يكون مسئولاً ديمقراطياً، تسوده المشروعية، و يخلو من الفساد، لأنه بذلك يتيح لمواطنيه صوتاً حراً و يهتم بتغذية ذكائهم.

إن الجامعة هي مكان يمكن فيه متابعة “الدراسات الحرة” (liberal studies)، و هذا المصطلح القديم الطراز كان يعني التعليم الأدبي و الفلسفي من حيث الأصل، و إلا أنه يمكن إطلاقه على البحث العلميّ كذلك، و الأهم أنه يمكن أن يمتد ليشمل المناخ العام للجامعة. إن الأمر لا يتعلق بالترويج لما البعض الناس كليبرالية (أي كمبدأٍ دينيٍ أو سياسيٍ أو أخلاقيٍ ينطوي على ما يفترض أن يكون القيم الحديثة حول السلوك الأخلاقي و ما إلى ذلك)، بل يتعلق بالقيمة الشاملة المرتبطة بفهم أنه أن تكون إنساناً يعني أن تتعلم، و أن التعلم هو عملية تستمر مدى الحياة، و تتغذى بجميع أنواع الممارسات الفكرية والخيالية المتنوعة.

ربما كانت هناك فتراتٌ في تاريخ أي مجتمعٍ يكون فيه هذا المثل الأعلى و كأنه ضرب ٌ من الترف، لا سيما عندما تكون الأولويات هي توحيد الأمة أو التعامل مع الفقر أو التعاطي مع الركود الاقتصادي أو الدفاع عن الشعب ضد اعتداءٍ غاشم. و مع ذلك فإن ما يثير الدهشة في التاريخ الحديث تحديداً هو أن “الدراسات الحرة” (liberal studies) تنجو دائماً: إن الحياة الفكرية و الفنية تستمر دائماً في أزمنة الحروب، و الدول شديدة الفقر تجاهد لإنشاء معاهد الدراسات العليا (استحضر هنا زيارتي إلى جامعة بوجومبورا في بروندي، حيث تمت دعوتي للحديث عن دور الجامعة في أزمنة ما بعد الحرب)، والمجتمعات المتجاورة التي يعصف بها الصراع الرهيب تنجح دائماً على الحفاظ على شكلٍ من البروتوكولات المدنية حول تبادل المواد الفكرية و حتى الحوار (الجامعات الإسرائيلية و الفلسطينية). إن مجرد حقيقة إصرار مجتمعٍ ما على رفض أن تُترك الكلمة الأخيرة في العلاقات الإنسانية للصراعات غير القابلة للسيطرة هو أمرٌ يعني أن الأمر ليس ترفاً بالنسبة له. و في أوقات الشدة و الضيق، فإن عدداً مذهلاً من المجتمعات يدرك ذلك، إذ مهما كانت المتطلّبات الملحّة للحظة، هناك دائماً شكلٌ من أشكال الإدراك بأنه لن يكون هناك أي حلٍ دائمٍ لتلك المشكلات يمكن أن يقوم بمعزلٍ عن المساحة الواسعة التي تقدّمها الجامعة “الليبرالية”.

و بالعودة إلى كونفوشيوس، فهو يُعرّف الشخص “الخيّر” بأنه ذاك الذي يتسم بصفات “الاحترام، التسامح، الثقة بالحديث، سرعة التصرف، و السخاء” (Anal XVII.6). إن ما كنّا نناقشه حول دور الجامعة يبدو مرتبطاً إذاً بالتساؤل حول كيفية خلق المواطن “الخيّر”، أي تشكيل الأشخاص ذوي النوايا الحسنة تجاه الحياة المشتركة و ذوي القدرة على مسائلة غرائزهم الأنانية. إن تعريفي للجامعة كمؤسسة لتعليم الخير هو أمرُ قد يفاجئ بعض المنظّرين التربويين في كلٍ من أوروبا و الولايات المتحدة الأمريكية (و لا أدري عن الصين)، و على أية حال فإن النزعة الجدلية الشهيرة للأكاديميين ليست واعدة دائماً. لقد انصب نقاشي طوال الوقت حول حقيقة أن مؤسسةٍ كالجامعة – تفسح المجال للبحث ولفحص الماضي و الحاضر معاً و تغطّي جملة ً من الحقول المعرفية – إن مؤسسةً كهذه ترسل رسالةً معينةً للمجتمع من حولها. إنها تقدم مقترحاً حول السياق الأمثل الذي يمكن للسياسة من خلاله أن تتقدّم، لا سياسة السيطرة أو المنافسة الصِرفة، بل ولكن سياسة النقاش المدني حول أوجه الخير الجيّدة التي يمكننا اكتشافها في أجواء التعاون و التعاطف المتبادل. إن هذه الرؤية المتعلقة بالسياسة تتخلل التقاليد الفكرية العظيمة لهذه البلاد و تسود حضاراتها، إلى درجةٍ يمكن معها للجامعة الليبرالية أن تتوقّع أن تكون عنصراً حاسماً لا يُستغنى عنه في دعم استمرار التزام الشعب الصيني في خلق مجتمعٍ يتعهّد بالأمن الاقتصاديّ و بالمسؤولية الديمقراطية لجميع مواطنيه.

هذه الأفكار المطروحة هنا من قبل غربيٌّ مسيحيٌّ لا تعني أننا – نحن الغربيون – قد فهمنا تماماً أو مارسنا كل ما قيل في هذه المحاضرة؛ إنها تقصد فقط إلى عرض كلٍ من التاريخ والسياق الذي نحاول في إطاره التفكير حول مهمة تثقيف الشباب. إن الشعب الصيني له تاريخٌ طويلٌ من البحث عن الحكمة السياسيّة الساعية إلى فهم الطبيعة العميقة للأشياء، دون الاكتفاء بموازنات الترضيات الفردية البحتة أو بالتسويات المؤقتة بين المصالح المتناحرة. إن هذا لمما يشجّعني على الاعتقاد بأن المُثُل العليا التي تحدّثتُ عنها يمكن التعرّف عليها و تطويرها في إطارٍ من التعاون المشترك بين عوالمنا الفكرية المتنوّعة.

روان ويليامز، 2006

[1] روان ويليامز Rowan Williams (1950 – ) كان أستاذاً في اللاّهوت في جامعة كامبردج، ثم كبير أساقفة كانتربري و زعيم الكنيسة الأنجليكانية، الكنيسة الرسمية لإنجلترا. هو الآن عميد كلية ماجدلين في جامعة كامبردج، و هي الكلية العريقة التي أسست عام 1428  على يد الملك هنري السادس.

[2] النسخة الإنجليزية الأصلية على الإنترنت:

http://www.archbishopofcanterbury.org/articles.php/1468/china-universities-have-essential-role-in-public-life

[3] أنا ممتنة لطالباتي، “فجر الحوري”، التي تطوعت – مشكورة – للمساعدة في المراجعة الشاملة للترجمة ثم على نشر هذا المقال، و حصة مساعد بن راكب التي قامت بوضع لمساتها على الترجمة، بأستاذية.

[4][4]   R. H. Fryer, in: Values in Higher Education, ed. Simon Robinson and Clement Katulushi (Leeds: University of Leeds, 2005).

[5] ‘The teacher who believes in freedom seeks to be neither master over the students nor surrogate master on behalf of God or nature. Rather, the critical teacher aims to be servant to the emancipation of students from all forms of tutelage, self-incurred or externally imposed, and to their free and un-coerced development’, in: Nigel Tubbs, Philosophy of the Teacher (London: Blackwell Publishing, 2005), p.79.

[6] c.f. ibid. pp.102-107.

إيــان رانــد: أخلاقيــــــات الطــــــوارئ

قياسي

 

 

 

أخلاقيــــــات الطــــــوارئ

إيــان رانــد

 The Ethics of Emergencies

Ayn rand

 

ترجمة: د. مشاعـل عبد العزيز الهاجـري

6 أكتوبر 2017

 

052401RAND2.jpg

 

 آين راند Ayn Rand (1901-1985) هي فيلسوفة و روائية أمريكية من أصول روسية، و من أهم منظري الفكر الرأسمالي الامريكي. من أشهر كتبها و Atlas Shrugged و The Virtues of Selfishness. لها تأثيرٌ كبيرٌ في الفكر الفلسفي المعاصر من حيث دعوتها إلى الفكر الموضوعيّ الصرف الخالي من تأثيرات العاطفة و تحيّزاتها، و إعادة النظر في الأخلاق لعزل كل ما هو أجنبي عنها، و إن اختلط بها.

هنا، في هذه المقالة الفلسفية – الذي قد يجدها كثيرون قاسية نوعاً ما من حيث اصطدامها بأفكارنا القيمية الثابتة – تدعو راند إلى التخلي عن فكرة الإيثار (altruism) لما تحمله من معانٍ غير أخلاقية، على خلاف السائد عنها، فتفككها إلى عناصرها الأولية، ثم تصنفها وفق ما تراه أولى، لتنتهي بالدعوة إلى شيء أقرب ما يكون إلى الأنانية الأخلاقية (ethical egoism).

هنا وجهٌ من الأوجه غير الشعبيّة للفلسفة.

 –

تظهر النتائج السايكولوجية للإيثار (altruism) فى حقيقة أن عدداً كبيراً من الناس يقاربون موضوع الأخلاق من خلال طرح أسئلةٍ من قبيل: “هل ينبغى على المرء أن يخاطر بحياته لمساعدة شخصٍ a) يغرق b) محاطٌ بالنيران c) يعبر أمام شاحنة مسرعة d) معلقٌ من أطرافه على شفرة هاوية؟”

لنفكر فى آثار هذه المقاربة. إن المرء لو قبِل بأخلاقيات الإيثار، فإنه سوف يعانى من النتائج التالية:

(1) قلة احترامٍ للنفس – لأن همّه الأول فى نطاق القيم لن يتمثل فى أن يعيش حياته، و إنما فى كيفية التضحية بها.

(2) قلة احترام الآخرين – لانه ينظر إلى الجنس البشرى كقطيعٍ من الشحاذين الملعونين الذين يصيحون دائماً فى طلب النجدة.

(3) منظورٌ كابوسىٌّ للوجود – لأنه يؤمن بأن البشر محاصرين فى كونٍ شرّير، تكون فيه الكوارث هي الهمّ الأولى و المستمر الذي يقلق حياتهم.

(4) و من ناحيةٍ واقعية، لامبالاةٍ كسولةٍ تجاه القيم، لا أخلاقية يائسة و ساخرة – لأن أسئلته تتعلق بمواقفٍ من غير المحتمل أن تعرض له هو، و لا علاقة لها بمشاكله الواقعية التى تدور فى حياته هو، و بذلك تتركه يعيش من دون أية مبادئٍ أخلاقيةٍ كانت.

من خلال رفع موضوع مساعدة الأخرين إلى مصاف الأخلاق كموضوعٍ مركزي ّ و أوليّ، دمر الإيثار فكرة أى خيرٍ حقيقىّ أو نوايا طيبة بين البشر. لقد لقّن الناس فكرة أن تقدير إنسان آخر هو فعلٌ لا أنانىّ، مضمرٌ بذلك ضمناً أنه لا مصلحةٌ شخصيةٌ للمرء فى الآخرين – و أن تقدير قيمة الآخر يعنى التضحية بالنفس – و أن أىّ حب، احترامٍ أو اعجاب يمكن أن يشعر به المرء تجاه الأخرين ليس – و لا يمكن أن يكون – مصدراً لمتعته الشخصية، بل تهديدٌ لوجوده، صكّ تضحيةٍ على بياض تم الإمضاء عليه لمصلحة من يحبّ.

أن الأشخاص الذىن يقبلون هذه التفرقة و لكن يختارون الجانب الآخر لها، أي أقصى منتجات الإيثار التى تجرّد الإنسان من إنسانية، هم المرضى النفسييّن الذين لا يناقشون الفرضيات الأوليّة للإيثار، و إنما يعلنون تمرّدهم على التضحية بالنفس من خلال إعلان إنهم لا يبالون إطلاقاً لأىّ شئٍ حىّ و بأنهم لن يحركوا إصبعاً لمساعدة إنسان أو كلب مُزّق بحادثةٍ تسبّب بها سائقٌ صدمه و هرب (و هذا الأخيرعادة ما يكون من شريحتهم).

إن أغلب الناس لا يقبلون أو يمارسون أياً من وجهىّ هذه التفرقة المزيّفة و الوحشية للإيثار، إلا أن نتيجتها هى فوضى فكريّةٌ عارمةٌ على جبهة العلاقات الإنسانية السويّة و بأسئلة من قبيل طبيعة، هدف و نطاق المساعدة التى يمكن أن يقدمها المرء للآخرين. و اليوم، فإن الكثير من الأشخاص العاقلين ذوى النوايا الطيبة لا يعرفون كيف يدركون أو يتصوّرون المبادئ الأخلاقية الدافعة للحب، العاطفة أو النية الحسنة، و لا يجدون توجيهاً فى مجال الأخلاق، التى يسيطر عليها الابتذال الممجوج للإيثار.

و حول السؤال الذى يدور حول السبب وراء عدم كون الإنسان حيواناً إيثارياً (sacrificial animal) و لماذا كانت مساعدة الآخرين لا تعتبر واجباً أخلاقياً له، أُحيل إلى رواية Atlas Shrugged.[1] هذه المناقشة الحالية معنيّة بالمباديء المُدركة و المُقيّمة للحالات المتعلقة بمساعدة المرء للآخرين من دون تضحية.

و “التضحية” هى تسليم شئٍ ذى قيمةٍ كبيرةٍ مقابل شئٍ ذى قيمةٍ أقل أو من دون أية قيمة. و هكذا، فإن الإيثار يقيس فضيلة المرء من خلال درجة استسلامه، تنازله أو خيانته لمبادئه (من حيث أن مساعدة الغريب أو العدو يعتبر أمراً أكثر فضيلة و أقلّ أنانية من مساعدة من يحب). إن المبدأ العقلانى للسلوك هو على النقيض من ذلك تماماً: تصرّف دائماً وفق تراتبيّة مبادئك (hierarchy of your values)، و لا تضحّ أبداً بشئٍ ذى قيمةٍ كبيرةٍ مقابل شئٍ أقل منه قيمة.

أن هذا ينطبق على جميع الخيارات، بما فى ذلك تصرّفات المرء تجاه الآخرين. إنه يقتضي أن تكون للمرء تراتبيّة محدّدة من القيم العقلانية (قيمٌ اُختيرت و مُحّصت بمقياسٍ عقلانيّ). من دون تراتبيّةٍ كهذه، لا يكون فى الإمكان الوصول إلى سلوكٍ عقلانىّ، و لا أحكام قيمةٍ مدروسة، و لا خياراتٍ أخلاقيّة. أن الحب و الصداقة هى شئونٌ خاصةٌ إلى درجةٍ عميقة؛ قيمٌ أنانيّة: الحبّ هو تعبيرٌ عن تقدير الذات و تأكيدٌ عليه، استجابةٌ إلى القيم الذاتية للشخص ممثلة فى ذات شخصٍ آخر. يحصل المرء على متعةٍ شخصيةٍ و أنانية عظيمة من مجرّد وجود من يحب. إن السعادة الشخصية و الأنانية هى ما يبحث عنه المرء في الحب، فيكسبه و يستخلصه منه.

 ان حباً “غير أنانىّ” و “خالٍ من المصلحة” هو تناقضٌ اصطلاحىّ: إنه يعنى أن المرء غير مبالٍ تجاه ما يعتبره ثميناً.

إن اهتمام المرء بمصلحة من يحب هو جانبٌ منطقىٌ من المصلحة الأنانيّة للفرد. لو أن رجلاً شديد الحبّ لزوجته ينفق ثروةً لشفائها من مرضٍ خطير، فسيكون من السخف القول بأنه إنما فعل ذلك “تضحية” من أجلها، و ليس من أجله، و أن حياتها أو مماتها ليس بالأمر الفارق بالنسبة له شخصياً.

أن أى تصرّفٍ يقوم به المرء لمصلحة من يحبّهم لا يعتبر تضحيةّ اذا كان يحقّق له – وفق تراتبيّة قيمه الخاصة و فى إطار الخيارات  المتاحة له – اذا كان يحقّق أعلى قيمة شخصية (و عقلانية) هامة له. فى المثال الذى تقدّم، كانت نجاة الزوجة أعلى قيمة للزوج من كل شئٍ آخر يمكن أن يجلبه المال، إنها مسألةٌ ذات أهميةٌ عظمىٌ لسعادته هو الشخصيّة، و من هنا فإن تصرّفه لا يعتبر تضحية.

و لكن هَبْ أنه تركها تموت حتى ينفق نقوده على إنقاذ أرواح عشر نساءٍ أخريات، لا تعنى له أىٌ منهن شيئاً – كما تتطلب أخلاقيات الإيثار – عندئذٍ فإن هذا سوف يكون تضحية. هنا، يظهر الفارق بين الموضوعية و الإيثار بشكلٍ أكثر وضوحاً: لو كانت التضحية هي المبدأ الأخلاقى للتصرف، فإنه كان على الزوج أن يضحى بزوجته فى سبيل النساء العشر الأخريات. فما الذى يميّز الزوجة عن العشر الأخريات؟ لا شئ عدا قيمتها عند زوجها الذى كان عليه أن يختار–  لا شئ عدا حقيقة أن سعادته هو تتطلّب نجاتها.

أن القيم الموضوعية تخبره ما يلى: ان أعلى هدفٍ قيمىّ لديك هو تحقيق سعادتك الخاصة، إن مالك لك، فاستخدمه فى إنقاذ زوجتك، هذا هو حقك القيمىّ و خيارك العقلانى و القيمى.

و انظر إلى روح الإنسان الإيثاري (altruistic) الأخلاقىّ الذى هو على استعداد لأن يخبر هذا الزوج العكس (ثم اسأل نفسك عما إذا كان الإيثار مدفوعاً بالرغبة فى عمل الخير).

ان الطريقة المُثلى للحكم بشأن متى يكون على المرء مساعدة شخص آخر و ما اذا كان عليه القيام بذلك هى من خلال الإحالة إلى المصلحة الذاتيّة و العقلانيّة للفرد و إلى تراتبيّة قيمة الشخصية: إن الوقت، المال أو المجهود الذى يكرّسه المرء أو المخاطرة التى يأخذها ينبغي أن تتناسب مع قيمة الشخص الآخر فيما يتعلق بالسعادة الخاصة المتحققة من ذلك.

و لإيضاح ذلك من خلال المثال المفضل للإيثاريين: موضوع إنقاذ شخصٍ يوشك على الغرق، فإذا كان الشخص المُراد إنقاذه غريباً، فإن إنقاذه يكون أمراً أخلاقياً فقط فى حال تدنىّ هامش الخطر على حياة المنقذ، أما اذا كان الخطر كبيراً، يضحي من غير الأخلاقىّ محاولة ذلك: وحده التقدير المتدنىّ للنفس يمكن أن يسمح للمرء بأن يقيّم حياته بدرجةٍ لا تزيد على حياة أىّ غريبٍ عابر (و على العكس، فلو كان المرء يكابد الغرق، فإنه لا يتصور أن غريباً سوف يخاطر بحياته لأجله، لأنه سيتذكر أن حياة الآخر لا يمكن أن تساوى فى قيمتها حياته هو).

لو كان الشخص المطلوب إنقاذه ليس غريباً، فإن المخاطرة التى ينبغى أن يكون المرء مستعداً لأخذها ستكون أعظم بالتناسب مع أهمية ذلك الشخص له. و لو كان الغريق هو الرجل أو المرأة التى يحب، فعندها ينبغى أن يكون الشخص مستعداً لبذل حياته فى سبيل إنقاذه أو إنقاذها – و ذلك للسبب الأنانىّ المتمثل فى كون الحياة من دون المحبوب يمكن أن تكون غير محتملة.

و على العكس، إذا كان الرجل يجيد السباحة و يمكن أن ينقذ زوجته الغارقة، و لكنه يجزع فيستسلم لخوفٍ غير مبررٍ و لا عقلانىّ فيتركها للغرق، ثم يقضى حياته فى الوحدة و التعاسة، فإنه لا يمكن نعته بـ “الأنانى”؛ و إن كان يمكن إدانته أخلاقياً لخيانته لنفسه و لقيمة، أى: إخفاقه فى المحاربة من أجل الحفاظ على قيمةٍ أساسيةٍ لسعادته. تذكّر أن ما له قيمة هو ما يتحرك المرء من أجل كسبه أو الاحتفاظ به، و أن سعادة المرء الشخصية ينبغى أن تتحقق بمجهوده. و لما كانت السعادة الشخصية هى الهدف الأخلاقى من حياة الإنسان، فإن من يفشل فى تحقيقها بسبب تقصيره، بسبب فشله فى القتال من أجلها، إنما يصبح مذنباً أخلاقياً.

إن الفضيلة المتمثلة فى مساعدة من يحبّهم المرء لا تكمن فى “الإيثار” أو “التضحية”، و لكن فى النزاهة. النزاهة هى إخلاص المرء تجاه قناعاته و قيمة، إنها السياسة القاضية بتصرفه وفق قيمه، و  التعبير عنها و دعمها ثم ترجمتها إلى واقعٍ عملى. لو أن رجلاً صرح بحبه إلى إمرأة، و كانت أفعاله مع ذلك لامبالية، مؤذية، أو مدمّرةٌ لها، فإن هذا النقص في النزاهة يجعل منه غير أخلاقى.

أن نفس المبدأ ينطبق على العلاقات بين الأصدقاء، إذا كان للمرء صديقاً واقعاً فى مشكلة، فعلى المرء مساعدته بكافة الطرق المتاحة التى لا تنطوى على تضحيات. فعلى سبيل المثال، لو كان الصديق يتضوّر جوعاً، فإن إعطائه المال للطعام عوضاً عن أن يشترى المرء أداةً غير هامةٍ لنفسه هو أمرٌ ليس من قبيل التضحية بل النزاهة، لان مصلحة الصديق هي أمرٌ مُعتبرٌ فى مقياس قيم المرء الشخصية. أما لو كانت الأداة المُشتراة تعنى له أكثر من معاناة الصديق، فليس هنالك من داعٍ للتظاهر بالصداقة أصلاً.

أن الأثر العملىّ للصداقة، العاطفة و الحب يتمثل فى إدماج مصلحة الشخص المعنىّ (المصلحة العقلانية) من ضمن التراتبيّة القيمية للمرء، و من ثم التصرّف من هذا المنطلق.

و لكن هذه مكافأةٌ على الناس العمل على كسبها من خلال فضائلهم، إذ لا يستطيع المرء منحها للأغراب أو لمجرد المعارف.

فبماذا، إذن، يلتزم المرء تجاه الأغراب؟ إنه الاحترام العام و النوايا الطيبة التى يمنحها المرء للإنسان باسم القيمة المُحتملة التى يمثلها – إلا إذا تخلّى عنها.

أن الإنسان العقلانىّ لا يغيب عنه أن الحياة هى مصدر جميع القيم، و إنها بذلك تمثل رابطاً مشتركاً بين الكائنات الحية (بالمقارنة مع الموجودات الجامدة)، و أن الآخرين يمكن أن يحقّقوا الفضائل ذاتها التى يحوزها هو، و من ثم يصبحون ذوي قيمةٍ كبرى له. ن هذا لا يعنى أن ينظر للحيوات الانسانية الأخرى باعتبارها ممكنة الاستبدال بحياته. إنه يدرك حقيقة أن حياته هى المصدر، ليس فقط لجميع قيمه، و إنما أيضاً لقدرته على التقييم. لذلك، فإن القيمة التى يسبغها على الآخرين هى محض نتيجة، امتداد، انعكاسٌ ثانوىٌّ للقيمة الأوليّة التى تتمثل فيه هو شخصياً.

“أن الإحترام و النوايا الطيبة التى يستشعرها الأشخاص الأسوياء تجاه الآخرين هى أمرٌ أنانىّ بشكل عميق؛ في حقيقة الأمر، إنهم يشعرون ((إن الأشخاص الآخرين لهم قيمة لأنهم من نفس الجنس الذى أنتمى له أنا نفسي)). من خلال إجلال الكائنات الحية، هم يجلّون أنفسهم. هذا هو الأساس السايكولوجى لأىّ شعورٍ بالتعاطف أو أي مشاعرٍ بالتضامن مع الفصيلة”.[2]

 لما كان الناس يولدون مثل ألواحٍ بيضاء (tabula rasa)، إدراكياً و اخلاقياً معاً، فإن الإنسان العقلانىّ ينظر إلى الغرباء كأبرياء إلى أن يثبت فى حقهم الذنب، و يمنحهم ميزة حسن النية باسم طبيعتهم الإنسانية. بعد ذلك، يحكم عليهم وفقاً للشخصية الأخلاقية التى خلقوها واقعياً. و إذا وجدهم مذنبين بشرورٍ كبرى، فإن نواياه الطيّبة سيحل محلها الإحتقار و الإدانة الأخلاقية (إذا كان المرء يثمّن الحياة البشرية، فإنه لن يستطيع تقدير مدمّريها). لو وجدهم ذوي فضيلة، فإنه يمنحهم قيمة شخصيّة، متفرّدة و تقدير، و ذلك بشكلٍ يتناسب مع فضائلهم.

إنه على هذا الأساس من حسن النيّة العام و الاحترام لقيمة الإنسان يساعد المرء الأغراب فى حالات الطوارئ – و فقط فى الطوارئ.

و من الأهمية بمكان التفرقة بين قواعد السلوك فى المواقف الطارئة و قواعد السلوك فى الأحوال العادية للوجود الإنسانى. أن هذا لا يعنى وجود معيارٍ مزدوجٍ للأخلاق: فالمعيار و المبادئ الأساسية كما هى، إلا أن تطبيقها على أيٍ من هاتين الحالتين يتطلب تعريفاتٍ محدّدة.

فالحالة الطارئة هى حدثٌ غير مختارٍ و غير متوقع، محدودٌ فى الزمن، يصنع ظروفاً يكون البقاء الإنسانى مستحيلاً وفقها – مثل فيضان، زلزال، حريق، أو تحطّم سفينة. و فى الموقف الطارئ، يتمثل الهدف الرئيسى للأشخاص في محاربة الكارثة، الهرب من الخطر و استعادة الظروف العادية (الوصول إلى اليابسة، إخماد النيران، إلخ).

أما بالظروف “العادية” فانا أقصد العادية ميتافيزيقياً، أى عادية وفق طبيعة الأشياء، و ملائمة للوجود الإنسانى. فالناس يمكن أن يعيشوا على اليابسة، و لكن ليس فى الماء أو وسط النيران المتأجّجة. و لما كان الناس ليسوا كليى القدرة (omnipotent)، فإنه من ناحيةٍ ميتافيزيقيةٍ يمكن للكوارث غير المتوقعة أن تداهمهم، فتصبح مهمتهم الوحيدة عندها هي العودة إلى الظروف التى يمكن لحياتهم ان تستمر وفقها. و بطبيعتها، فإن حالة الطوارئ مؤقتة، إذ لو دامت، فإن ديمومتها يمكن أن تبيد البشر.

فى حالات الطوارئ فقط يكون على المرء واجب التطوّع لمساعدة الغرباء، إذا كان بوسعه ذلك. على سبيل المثال، فإذا ما وجد شخصٌ يقدّر الحياة البشرية نفسه على سفينةٍ تتعرّض للغرق، فإن عليه مساعدة من حوله من المسافرين (و لكن ليس على حساب حياته). إلا أن ذلك لا يعنى أنهم متى ما وصلوا إلى اليابسة صار عليه أن يكرّس جهوده لكى ينقذهم من الفقر، الجهل، الاضطراب العصبى، أو أية مشكلةٍ تعرِضُ لهم. كما أنه لا يعنى أنه يجب أن يمضى حياته مبحراً فى البحور السبعة بحثاً عن ضحايا السفن الغارقة سعياً لإنقاذهم.

و لطرح مثالٍ يمكن أن يقع فى الحياة اليومية: هَبْ أن شخصاً قد سمع أن الجار مريضٌ و مُعدَم، و المرض و الفقر ليسا حالتين طارئتين فهما جزءٌ من مخاطر الوجود الاعتيادية، و لكن لما كان الرجل عديم الحيلة مؤقتاً، يمكن إعطاؤه الطعام و الدواء، إذا كان ذلك ضمن القدرة (كفعلٌ نابعٌ عن النية الطيبة، لا عن الواجب)، أو يمكن تأسيس صندوقٌ مالىٌّ يشترك فيه الجيران للمساعدة. إلا أن ذلك لا يعنى أن على المرء واجب المساعدة الماليّة المستمرّة، كما أنه لا يعني أن يقضى المرء حياته فى البحث عن الجوعى لمساعدتهم.

فى ظروف الوجود الاعتيادية، على الإنسان اختيار أهدافه، أن يعكسها فى الزمن، يسعى لها و يحققتها بمجهوده. و لكنه لن يمكنه عمل ذلك إذا كانت أهدافه تحت رحمة أى حدثٍ سئٍ يقع للآخرين و كان وقوع هذا الحدث يعني وجوب التضحية بها إثر ذلك. إنه لا يستطيع أن يعيش حياته من خلال قواعد موضوعة فقط من أجل ظروفٍ يكون البقاء البشرى وفقها مستحيلاً.

أن مبدأ وجوب مساعدة الناس فى حالة الطوارئ لا يمكن مدّه ليشمل جميع حالات المعاناة البشرية باعتبارها شكلٌ من أشكال الطوارئ، فيتحوّل سوء حظّ البعض فى هذه الحياة إلى إرتهانٍ لحياة الآخرين.

إن الفقر، الجهل، المرض و الصعوبات الأخرى من هذه الشاكلة ليست طوارئ ميتافيزيقية. من خلال الطبيعة الميتافيزيقية للإنسان و الوجود، يكون على الإنسان واجب الحفاظ على حياته بجهوده الخاص: فالقيم التى يحتاج إليها – كالثروة و المعرفة – لا تُعطى له بشكلٍ تلقائىٍّ كهديةٍ من الطبيعة، و إنما يجب أن تستكشف و ان تنجز من خلال فكرة و عمله. إن التزام المرء الوحيد تجاه الآخرين فى هذا الصدد هو وضع نظامٍ اجتماعىٍ يترك للأشخاص حرية الإنجاز و الكسب و الحفاظ على المكتسبات.

إن كل نظامٍ قيمىٍّ مبنىّ و مستقى من الميتافيزيقيا، أى: من نظريةٍ حول الطبيعة الأساسية للكون الذى يعيش فيه الانسان و يتحرك. فقيم الإيثار مبنيةٌ على أساسٍ من ميتافيزيقيا “الكون الشرير” (malevolent universe)، أى على أساسٍ من نظرية أن الإنسان، بطبيعته، عديم حيلةٍ و أنه مسيّر بالقدر – فالنجاح، السعادة، و الإنجاز هى أمورٌ مستحيلةٌ بالنسبة له – و أن الطوارئ، الكوارث هى النمط الأصلىّ للحياة، و أن هدفه الأول هو محاربتها.

و كدحضٍ عملىٍّ و بسيطٍ لهذه الميتافيزيقيا – أى كدليل على أن العالم المادى ليس معادٍ للإنسان، و أن الكوارث هى الاستثناء و ليست أصلاً فى وجوده – لاحظ الثروات التى راكمتها شركات التأمين.

لاحظ أيضاً أن المنافحين عن الإيثار لا يستطيعون تأسيس قيمهم على أية حقيقةٍ من حقائق الوجود الإنسانىّ العادى، و أنهم دائماً يقدمون مواقف “قوارب النجاة” (lifeboat situations) كأمثلةٍ يستخلصون منها قواعد السلوك الأخلاقى (“ما الذى يتوجب عليك فعله لو وجدت نفسك أنت و شخصٌ آخرٌ على قارب نجاة لا يسعُ إلا شخصاً واحداً فقط؟”، إلخ).

و الحقيقة هى أن الناس لا يعيشون فى قوارب النجاة، و أن قارب النجاة ليس هو المكان الذى يبني عليه المرء ميتافيزيقيا حياته.

أن الهدف القيمى من حياة الإنسان هو تحقيق سعادته الشخصية، و هذا لا يعنى أن يكون لا مبالياً تجاه الآخرين، و أن الحياة البشرية عديمة القيمة له و أنه لا سبب له لمساعدة المحتاجين في أحوال الطواريء. بل إن ما يعنيه هو أن لا يكرّس حياته لما يحقق صالح الآخرين، و أن لا يضحى بنفسه لاحتياجاتهم، و أن إراحتهم من معاناتهم ليس شغله الأوّل، و أن أية مساعدة يمنحها هى استثناءٌ و ليست قاعدة، ممارسةٌ للكرم لا واجبٌ أخلاقي، و أنها هامشيةٌ و عرضية – كما أن الكوارث فى سياق الوجود البشرى هامشيّةٌ و عرضيّةٌ ، و أن القيم – لا الكوارث – هى الهدف الأول و المحرّك لهذه الحياة.

 

[1] رواية للكاتبة.

[2] Nathaniel Branden, “Benevolence versus Altruism”, The Objectivist Newsletter, July 1962. 

 

 

 

الأميّــون الجــدد

قياسي

21743874_10155502952406071_1853668266526566414_o

الأميّــون الجــدد[1]

بيدرو ساليناس

 

ترجمة ثابت خميس (عمان) و مشاعل الهاجري (الكويت)

 

هذه تجربة في الترجمة المشتركة قام بها كل من الأستاذ ثابت خميس (عمان)، و محدّثتكم (الكويت).

ثابت هو أستاذ حقيقي، و قد كان العمل معه تجربة ممتعة.

بيدرو ساليناس Pedro Salinas (1891-1951) هو شاعرٌ و أديبٌ أسبانيٌّ كبير، و من مؤسسي الحركة الشعرية الحديثة في أسبانيا . منذ أكثر من نصف قرن، نشر ساليناس في مجلة اليونسكو (The UNESCO Courier) مقالاً هاماً عن الخطورة المجتمعية للمتعلمين تعليماً سطحياً، أو من أسماهم الأميون الجدد“.  المقال هام، و المرحلة تستدعيه.

في البداية كانت الأمية. و بتعاقب القرون و حمداً للسماء، بزغ نور الفجر تدريجياً حتى يومنا هذا، الذي أصبح فيه التعليم الإبتدائي إلزامياً. معظم الناس، و من ضمنهم العديد من المعلّمين، سيتفقون معي على أن اكتساب مهارات التعلّم، أو بالأحرى القدرة على القراءة، ترسم حداً فاصلاً من الواضح أنه يقسم البشرية إلى مجموعتين مختلفتين كلياً .

في جانب، نجد المجموعة المجهولة من التعساء العاجزين عن فكّ الغموض عن الكلمة المطبوعة مما يبقيهم في الخارج، معزولين عن العالم أجمع كما لو أنهم عالقين على الشاطيء قبالة البحر الذي قد سيأخذهم لأراضٍ عجيبة؛ لو كانت لديهم السفن فقط؛ لمخروا عبابه. و على الجانب المقابل، هناك جحافل ذوي الامتياز، ممن وصلوا لتلك الحالة المباركة التي يعلمون فيها يقيناً بأن (ك) و (و) يصنعان “كو” و أن (ك) و (أ) يصنعان “كا”، و بفضل هذه المعرفة التي تزيل الغموض عن الملصقات التي تعلن عن الكلمة السحرية “كوكا كولا”.

و مع ذلك، فيجب علىّ الإعتراف بوجود شكوكٍ كبيرةٍ في داخلي حول فاعلية هذا التقسيم التعميميّ للبشرية إلى أُمّي وغير أُمّي ، و بالتحديد حيال إستخدامه كمحكٍ لتقييم البشر. الجهل بالقراءة و الكتابة أمرٌ طبيعيّ، فجميعنا جئنا للعالم هكذا. لا أحد وُلد متعلماً. ما أعنيه بهذا هو أن الوضع الطبيعي للإنسان عند الولادة هو الأمية؛ يظل مشروع متعلّم، إلى أن يتعلم القراءة،. و يعود هذا لأسبابٍ عديدة لن أتطرق لها الآن، يقرّر المجتمع تحويل هذه الإحتمالية إلى واقع. بكلماتٍ أخرى، لتحويل قدرة الإنسان الفطرية لفهم الحروف و الرموز إلى إجادةٍ لفن القراءة، يتحقق هذا بأساليبٍ عمليةٍ معقدةٍ بدءً بالبديهيات وصولاً إلى مكانٍ يصعب التكهن به. مع نهاية هذه الجهود، التي يُشار إليها بالتعليم الإبتدائي، يتم الإعلان بفخرٍ أن الهدف أصبح متعلماً، شخصٌ ذي إمتيازٍ رفيع – و هو كذلك دون شك.

نحن متفقون حتى الآن. و لكن القدرة على القراءة ظرفٌ إحتماليٌ له شروطه. أن تكون قادراً على القراءة شيء و القراءة الفعلية شيءٌ آخر. إن لم يقم “المتعلم-حديثاً” بتمرين مهاراته القرائية، فما الفائدة من تعلم القراءة أصلاً؟

نأتي الآن للمرحلة التالية من هذا التحليل للقيمة الحقيقية لمحو الأمية. لنفترض أن مشروع القارئ إتخذ الخطوة التالية و أصبح قارئاً حقاً. هل يعني هذا أن بمقدورنا القول بأن أهداف محو الأمية قد تحققت؟ إطلاقا ! ، فهذه المرحلة تفتتح فصلاً جديداً. أصبح الأميّ متعلماً، و المتعلم صار قارئاً، و القارئ يقرأ . و لكن ماذا و كيف يقرأ هذا الشخص؟ السؤال ذاته يُطرح مجدداً. كل من هو قادرٌ على القراءة من المحتمل أن يكون قارئاً جيداً، و لكن هل سيكون أم لن يكون كذلك؟ إن كان الجواب نعم فيمكننا القول بأن هدف محو الأمية قد تحقّق: القدرة على القراءة جيداً، بهذه الطريقة تتحوّل الكلمة لروح و يصير النص حياة. من الواضح أن الهدف من محو الأمية نادراً ما يتحقق. يجدر بنا أن نلاحظ وجود من أسمّيهم بـ “الأميين الجدد. إنهم الأشخاص الذين أنقذوا أنفسهم من جحيم الأمية الكليّة، إلا أنهم لم يصلوا بعد لعنان سماء القراءة، بل مازالوا يتخبطون في برزخٍ ما في المنتصف.

أنا لا أشير هنا إلى أولئك الذين لا يستطيعون القراءة بسبب نقصٍ في الكتب و المكتبات. هذا النوع من المشاكل العملية من السهل حلّه …. أفكر في أولئك القادرين على القراءة و لكنهم لا يقرأون، لأسبابٍ أكثر تعقيداً و جوهريةً من مسألة عدم وجود كتابٍ في متناول اليد. أقترح أن يتم تمييز نوعين من الأميين. هناك أولاً “الأميّون أمُية بحتة”، أولئك التقليديون، الطبيعيون الذين لا يجيدون القراءة لسببٍ ما. مما يدعو للأسف أن هؤلاء الأشخاص يملكون القدرة على بلوغ الكمال إلا أنهم يفتقرون إلى المحفّزات العقلية لإدراك قدراتهم، مما يجعلهم أسرىً لنقص في المعرفة و الثقافة. أشعر بالإحترام و التعاطف و الإعجاب بهذا الصنف من الأميين. في بلدي، كل ما عليك هو التجوال قليلاً في “قشتاله” أو في بساتين الزيتون في “الأندلس” لتصادف أشخاصاً أميّين ممن إن عرفتهم عن كثب، إكتشفت أنهم على قدرٍ عالٍ من الإنسانية و الإحترام، من تصرفاتهم و من الحكمة في إتخاذ قراراتهم كأي شخصٍ قام بحشو رأسه بمختلف العلوم.

الصنف النوع الثاني من الأميين يمكن وصفهم بالـ “الأميّين أمُيّة هجينة”، المزيّفين، محصلة التعليم الحديث، و التجسيد غير المقصود لأخطاءه. من يعرفون كيف يقرأون، إلا أنهم يبقون أميين رغم كل النوايا الحسنة و الأهداف. أنا أسميهم الأميّــون الجــدد. و هذا النوع من “الُأمية الجديدة” قد يكون جزئياً أو كلياً. فالأميّة الجديدة الكليّة تتمثل بأولئك الذين بعد تعلّمهم القراءة في المدرسة، يختارون عدم إستخدام قدراتهم القرائية إلا إن توجّب عليهم قراءة رسالة أو تفحّص برنامجٍ يُعرض في المسرح أو السينما، أو مراجعة دليل الهاتف. قد يلقي بعضهم نظرةً على الصفحات الرياضية، و هم بهذه الطريقة ينتفعون بشكلٍ من أشكال الصحافة الجديرة بالتقدير حقاً باعتبارها تعطي البعض السبب الوحيد للقراءة … الكثير منهم نشط، و عمليّ و – بإستعارة المصطلح العصريّ الحديث المرتبط بأسرار الهندسة الإغريقية – مفعمٌ بالحيوية …

ثمة أيضاً نوعٌ من الأميين الجدد جزئياً الذي يمكن رؤية أصحابه يحومون حول أكشاك بيع الصُحف كنحلاتٍ طنانة تحوم حول زهرةٍ نضرة، بحثاً عن المقادير التي ستصنع بها عسل حياتها الفكرية. إنهم لا يقرأون الكتب و لكنهم مفتونون بتكاثر المجلات و بمواضيع أغلفتها. هؤلاء أهلٌ للشفقة لأنهم بعيداً عن إعفاء أنفسهم مشقة العناء كقرّاء، فهم في غاية السخاء و الكرم حين يتعلق الأمر بها. يقرأون الأعمال الضعيفة بشراهة، يعودون لمنازلهم محمّلين بالمجلات التي يحرثون فيها بعيونهم لساعات، دون أن يحصلوا بالنهاية على أكثر مما يحصل عليه طفلٌ يلهو بأحجية بانورامية لا يبدو أنها ستنتهي، عاجزين عن رؤية الصورة الكبرى التي يبدو فيها كل شيءٍ في مكانه الصحيح ….

هذا الصنف من القرّاء يثير تعاطفي . كلما قرأ أكثر، كلما جرفة بحر المطبوعات بعيداً في لا نهائيته، البحر الذى يزداد ارتفاعاً بضعة أمتارٍ أسبوعياً . إن قارئ الكتاب يعرف أين تبدأ، و أين تنتهى مهمته، و بذلك فيمكنه أن يسترخى و أن يأخذ إجازة، أما قارئ المجلة – لا سيما إن كان مشتركاً فيها – فإنه يشعر و كأنه ملاحقٌ من قبل هذه الكائنات الأسبوعية، أو نصف الأسبوعية أو الشهرية. فإذا ما تقاعس عنها، فسوف يغرق فى لجة الموج العالى من الأخبار المطبوعة. و كي يظل على إطلاعٍ بـهذه المواد التى تنهمر عليه من المطابع، عليه أن يقوم بمجهودٍ عظيم. هناك مئاتٌ من الكتّاب الذين يدبجون المقالات لمجموعة كبيرة من المجلات، يلاحقونه كقطيعٍ من كلاب الصيد التى لا تعرف الكلل و لا تترك لطريدتها فرصة للراحة.

و يمكن استخلاص عدة نتائج من هذا البوتِريه الناقص، بالضرورة، للأميّة الجديدة:

فأولاً، لا ينبغى أبداً إغفال أن كلمة ”يقرأ” كلمةٌ غامضة، و كذلك هو الأمر، كنتيجة، لتعبيراتٍ مثل “تعلُّم القراءة” و “معرفة القراءة”. إن هذه تعابيرٌ معقدةٌ لا ينبغى أخذها بمعناها الحرفي، السطحىّ باعتبارها تصف، ببساطة، القدرة على فهم المعنى الأوضح للكلمة المكتوبة. ليس هنالك من شكٍ فى أن إجادة هذه التقنية البسيطة تزيح عن كاهل المرء أميّته الطبيعية، فتفتح أمامه آفاقاً واسعة. و مع ذلك، فإن هذه القدرة النفسية إن لم تستخدم على توسعة قابلية الإشباع الروحى، فإن المرء سيجد نفسه فى وضعٍ متناقضٍ إلا أنه واقعيّ على الرغم من ذلك، و هى حالة الأمىّ الذى يجيد القراءة؛ لقد تم انتزاعه من ربقة الأميّة الخالصة و لكن – و لسببٍ يُعزي إلى عدم استعمال مهارة القراءة أو إهمالها فإن آليةً تراجعيةً تبدأ فى العمل و هى – عاجلاً أم آجلاً – سوف تعود به إلى نقطة البداية أو إلى ما هو أسوأ: الأميّة الروحيّة.

رغم أن هذه هي الحقيقه المرّة، فإن أرقام الإحصائيات و القناعات المجتمعية تؤيد الرأي المتوهم بـأن هؤلاء الأشخاص ينبغى أن يُنظر إليهم كمتعلمين، و أنهم ينتمون إلى فئة المحظوظين الذين يقرأون حقاً . فى هذا الشأن، مثلما فى كثيرٍ مما عداه، لا يتردد العالم كثيراً في أن يقبل بنصف حقيقة، بل أنه يرحّب بها باحتفاءٍ لا يليق إلا بحقيقةٍ تامة، إلا أن شعوراً غامضاً يغمرنا بأن الجميع ضحيةٌ و معتدٍ في الآن ذاته، بوهم الثقة بالنفس.

إن هذه المجموعة الجديدة تنمو ببطء، و قد حان الوقت لتسميتها و لإعطاء المنتمين لها وضعاً اجتماعياً. أنهم الأميّون الجدد (the neo-illiterates)، و هم على درجةٍ من التأثير و الخطورة تتجاوز كثيراً الأميين أميّة بحتة، فهم يرفضون البقاء في الدرك الأسفل مع الشيطان فى ظلمات الجهل، إلا أنهم لا يطمحون للوصول إلى ضوء المعرفة المقدس. إنهم قادرون على كل شئ، و لا يجازفون بشيء.

وهناك نتيجةٌ أخرى لتنامي أعدادهم: صار لزاماً علينا هجر موقفنا التصنيمي و المذهول تجاه ما يسمى بـ “مكافحة الأميّة”. أن السياسات التعليمية الحديثة إنما تقدس وثناً ملطخاَ بالدماء، فتُضحّى له بكل شئ، رغم عدم وجود أي ضمانات لعبّاده المتلهفين: (مكافحة الأمية). هذه العبارة – التى تُعاد و تكرّر فى الصحف و المجلات و في الخطاب السياسى – تلقي بالذعر فى قلوب الناس ….

قد يشعر بعض قرّائى بالسّخط على هذا المُهرطق الذى يتجرأ على التشكيك بـضرورة مكافحة الأمية. و مع ذلك، فحجتي ستكون، أو قد تكون، ذات أساس متين – و هو التأكيد على أن تعليم الناس كيف يقرأون ليس كافياً فى أغلب الأحيان لينتزعهم من فقرهم الروحى الأساسي أو، و كما قال ت. س. إليوت بأن “التعليم لا ينتج الثقافة إلا فى أضيق الحدود” – إن كانت هذه الحجة في محلها ، فسيُفهم من موقفى أن ما أحاول القيام به هنا هو أن أضخ في هذه العبارة، هذا الشعار، هذا المسعى – “محو الأمية” – دماءً جديدة.

و لا أهدف للتقليل من شأن الجانب المأساوي للأمر، بل على العكس، أرى أننا نواجه عدوين خطيرين، أولهما العدو القديم المألوف (الأميّة البحتة و التقليدية) و الذي نتعرّف عليه بسهولة فنصوّب نحوه أسلحتنا التعليميّة الكبرى، ثم هناك إلى من جانب أخر شكلٌ مختلفٌ لهذا العدو الذي يتخفّى وراء قناع التعليم، فيخدعنا به، و يجعلنا نتصوّر أنه ليس بمشكلة و أنه واحدٌ منا، و بأنه أحد العاملين في مدينة العقل، فيما هو في حقيقته طابورٌ خامسٌ للأميّة البحتة؛ إن العدوّ اللدود حين يصير وسيطاً للكلمة يصبح جزءً من الروح.

بطبيعة الحال لا شك أن تحرير آلاف الأطفال من مخالب الأميّة فى الوقت الحالى بفضل التعليم الإبتدائي أمرٌ جديرٌ بالثناء والتقدير، إلا أنه يتطلب أيضاً رعايةً مكثفة لهؤلاء الأبرياء المحرَّرين لتوّهم من ظلمة الأميّة من تنيّن الجهل الأوّل، فثمة مفاجاةٌ رهيبةٌ تنتظرهم. إن هؤلاء الصغار يبدأون حياتهم و هم مسلّحين بمهارات القراءة و الكتابة الأولى فقط، واثقين من أنهم قد تمكنوا من السيطرة على جهلهم الأوّلي ، ثم يفاجئون لاحقاً بأن غريماً قوياً ينتظرهم عند الزاوية. إن هذه القوى الشريرة سوف تجذبهم إليها فتحوّلهم لمخلوقات بسيطة؛ أميّين جدد يعيشون راضين في أمان الوعي المغيَّب، مستمتعين بملذات الحياة الإستهلاكية التي يوفّرها العصر الحديث، و مع ذلك فهم محكومون بحكمٍ مؤبدٍ للعيش مدى الحياة في شكلٍ مختلفٍ من تخمة الجهل، لا بثمارالبلوط من أشجار “هوميروس” الحكيمة، بل بزادٍ إصطناعي هو المعجزة الأكبر للتطور.

 

 

 

 

 

[1] Pedro Salinas, ‘The New Illiterates’, reproduced in: The Unesco Courier, no. 242, July 1990, pp. 42-45.

أناتــول فرانــس – القانــون ميّــت و لكــن القاضــي حــيّ

قياسي

1111111111111111111111

 

القانــون ميّــت و لكــن القاضــي حــيّ[1]

أناتــول فرانــس[2]

 

ترجمــة

د. مشاعــل عبد العزيــز الهاجــرى

23 أغسطس، 2017

 

“منذ بضعة أيام”، قال السيد مارتو، “صادف أننى كنت مستلقياً على أجمة فى غابة فيسين”.[3]

“لم آكل شيئاً منذ ستٍ و ثلاثين ساعة”. مسح السيد جوبان نظارتيه، كانت له عينان طيبتان، و لكن بنظراتٍ تشعّ اهتماماً. نظر إلى جان مارتو بتركيز و قال له بنبرةٍ فيها شيءٌ من الملامة:

“ماذا؟ ألمرةٍ أخرى لم تأكل شيئاً منذ أربع ٍو عشرين ساعة؟”

“لمرةٍ أخرى” أجاب مارتو،” لم آكل شيئاً منذ أربع و عشرين ساعة. و لكننى كنت مخطئاً. لا يصحّ للمرء أن يمضى من دون طعام. هذا ليس صحيحاً. ينبغي أن يعتبر الجوع جريمة، مثله كمثل التشرّد. و لكن هاتان الجريمتان، في حقيقة الأمر، يُنظر لهما كشئٍ واحدٍ بالنهاية، فالمادة 269 تعاقب بالسجن لمدةٍ تتراوح من ثلاثة إلى ستة أشهر كل من يفتقر إلى وسائل العيش. التشرّد، وفقاً للقانون، هو سمة الجوّابين، شذّاذ الآفاق، الأشخاص الذين لا مسكن ثابت لهم أو مواردٍ للرزق، و الذين لا يمارسون صنفاً محدداً من التجارة أو المهنة؛ إنهم مجرمون من الطراز الأول”.

“أنه أمرٌ مثيرٌ للاهتمام” قال السيد بيرجيريه، “أن حالة التشرّد التى تُعاقب بستة أشهرٍ من الحبس و عشر سنواتٍ من رقابة الشرطة هى تحديداً الحالة التى كان القدّيس فرانسيس[4] قد جعل عليها رفاقه في كل من سلك القدّيسة مريم ذات الملائكة[5] و بنات القديّسة كلارا.[6] لو كان القدّيس فرانسيس الأسيزي و القدّيس أنطونيو اللشبوني[7] قد حضرا إلى باريس لإلقاء المواعظ اليوم فإنهما كانا سيخاطران بأن يوثقا و يرميا فى عربة السجن ثم يساقا إلى محكمة الشرطة. ليس الأمر هو أنني أروم التنديد أمام السلطات بالرهبان المتسوّلين الذين يجولون بيننا الآن، فلهؤلاء مصادرٌ للرزق؛ إنهم يمارسون جميع أصناف التجارة”.

“إنهم محترمون لأنهم أغنياء”، قال جان مارتو. “الفقراء فقط هم من يُمنعون من الاستجداء. لو كان قد تم إكتشافى تحت شجرتى لكان قد أُلقي بى فى السجن، و كان ذلك سيُكون عدلاً. لأننى لا أمتلك شيئاً، سأُعتبر عدواً للملكيّة؛ فالأمر بالنهاية يتعلق بحماية الملكيّة ضد أعدائها. إن أجلّ مهامّ القاضى هى أن يضمن لكل شخصٍ ما يعود له، للغنىّ غناه و للفقير فقره”.

“لقد فكّرت فى فلسفة القانون”، قال السيد بيرجيريه، “و وجدت أن هيكل العدالة الإجتماعية بأكمله يقوم على مسلّمتين: إدانة السرقة، مع احترام نتيجتها. هذان هما المبدآن اللذان يضمنان أمان الأفراد و يحفظان النظام فى الدولة. لو أن واحداً من هذين المبدئين الوصائيّين تم خرقه فإن بناء المجتمع بأكمله سيتداعى. هذان مبدآن وُضعا منذ بدء الزمان. هناك زعيم قبيلةٍ ما – متدثراً برداءٍ من جلد دبٍ و مسلحاً بفأسٍ من الصوّان و سيفٍ من البرونز – عاد مع رفاقه إلى حصنهم الصخرى، حيث كان أطفال القبيلة مودَعين و معهم كتائبٍ من النساء و حيوانات الرنّة، فجلبوا معهم بعض الفتية و الفتيات من أبناء القبائل المجاورة و شيء من الحجارة المتساقطة من السماء، التى اعتبرت ثمينةً لأنهم كانوا يصنعون منها السيوف التى لا تنثنى. تسلّق الزعيم تلةّ صغيرةّ فى الجوار، و قال “هؤلاء العبيد و هذا الحديد، الذين أخذتهم من رجاٍل ليني العريكة و محتقرين، هم لى. كل من تُسوّل له نفسه أن يضع يده عليهم سوف أضربه بفأسي”؛ هذا هو أصل القانون. إن روحه قديمةٌ و بربرية، و الناس لا يجدون الطمأنينة فى العدالة إلا من حيث هى تصديقٌ لكل ما سبقها من المظالم”.

“يمكن أن يكون القاضى مُحسناً، فليس جميع الرجال أشرار؛ أما القانون فلا يمكن أن يكون كذلك لأنه سابقٌ على جميع أفكار الإحسان. أن التغييرات التى لحقت به على مرّ الأزمنة لم تغيّر فى طبيعته الأصلية. جعل الفقهاء منه هادئاً، و لكنهم أبقوا عليه بربرياً. أن وحشيته هى ما يجعل منه محترماً و ومرهوب الجانب. لقد اعتاد الناس على عبادة الآلهة الشريرة، أما ما خلا من القسوة فلا يبدو لهم مستحقاً للعبادة. و المحكوم عليه يؤمن بعدالة القانون، إذ أن مرجعيّته الأخلاقية هى ذات مرجعيّة القضاة، فالكل يؤمن بأن جزاء التصرف المُجرَّم هو العقاب. فى كلٍ من مخفر الشرطة و المحكمة كان يؤثّر بى أن أرى كيف أن كلاً من المتهم و القضاة كانوا يتفقون بشكلٍ عامٍ في أفكارهم حول الخير و الشر؛ فلديهم جميعاً نفس التحيّزات و يشتركون فى ذات المنظومة الأخلاقية.

“الأمر لا يمكن أن يكون على خلاف ذلك”، قال جان مارتو. “إن مخلوقاً فقيراً سرق من نافذة دكّانٍ ما قطعة سجقٍّ أو زوجٍ من الأحذيةٍ ما كان ليبحث فى هذا الصدد فى أصل القانون و أساس العدالة بعمقٍ و فطنة، أما هؤلاء الذين على شاكلتنا ممن لا يتهيّبون من أن يروا فى أصول التشريعات رخصةً بالعنف و الإثم، فهم لا يستطعون حتى سرقة نصف قرش”.

“و لكن و رغم كل شئ”، قال السيد جوبان، “هناك قوانينٌ منصفة”.

“هل تعتقد ذلك؟” تساءل جان مارتو.

“السيد جوبان محق”، قال السيد بيرجيريه. “هناك قوانينٌ عادلة. و لكن لما كان القانون قد نشأ لحماية المجتمع، فهو فى روحه لا يمكن أن يكون أكثر عدلاً من المجتمع الذي ما وضع إلا لحمايته. ما دام المجتمع قد تأسّس على الظلم فإن وظيفة القوانين ستكون حماية هذا الظلم و دعمه. و كلما كانت القوانين أكثر ظلماً كلما ظهرت أكثر استحقاقاً للاحترام. لاحظ أيضاً أنه لما كانت أكثر هذه القوانين قديمة، فإنها لا تمثل حالة الإثم الحالى بل الإثم القديم الذى يتّسم بأنه أكثر فجاجةً و بلادة. إنها أنصبةٌ تذكاريةٌ للعصور المظلمة التى دامت إلى أن جاءت الأيام الأكثر أستنارة”.

“و لكنها في طور التحسّن”، قال السيد جوبان.

“إنها في طور التحسّن”، قال السيد بيرجيريه. “البرلمان و مجلس الشيوخ يعملون عليها عندما لا يكون أمامهم شيئٌ آخرٌ يفعلونه. و لكن قلب هذه القوانين كما هو، و هو مرّ. و حتى أكون صريحاً، فأنا لا أخاف من القوانين السيئة مادامت تُطبّق على يد قضاةٍ صالحين، القانون لا ينحنى، كما يُقال، و لكنى لا أصدّق ذلك. ليس هناك نصٌ لا يمكن تفسيره على أكثر من وجه. القانون ميّت، و لكن القاضى حىّ: أن له سلطاناً عظيماً على القانون. لسوء الحظ فإنه نادراً ما يستخدمه. إنه يدرّب نفسه عادةً على أن يكون بارداً، أقل إحساساً، و أكثر موتاً من القانون الذى يطبّقه. إنه ليس بشراً؛ فلا يعرف الشفقة، لأن روح الطبقة التي بداخله تخنق كل عاطفةٍ إنسانية.

“أنا اتحدث الآن عن القضاة النزيهين فقط”.

“إنهم الغالبية”، قال السيد جوبان.

ردّ السيد بيرجيريه “إنهم الغالبية، إذا ما كنا نقصد النزاهة الاعتيادية و الأخلاق اليومية. و لكن هل مقاربة الأمانة الشائعة تعتبر كافيةً لرجلٍ مكلّفٍ بممارسة سلطة العقاب المهولة، من دون الوقوع فى الخطأ أو التعسف؟ أن القاضى الجيد ينبغي أن يكون له فى الآن ذاته قلبٌ طيبٌ و عقلٌ فلسفى. و لكن هذا مطلبٌ كبيرٌ من شخصٍ يُفترض به أن يشقّ طريقه فى الحياة و ذو تصميمٍ على التطوّر في مهنته، هذا إذا ما استبعدنا أنه إن أظهر حساً أخلاقياً رفيعاً متعالٍ على زمنه فإنه سوف يُلاقى الكره من قبل زملائه و سوف يثير استنكاراً عاماً، لأننا ندين كلّ حسٍ يخالف حسّنا فنصمه بأنه لا أخلاقيّ. إن كل من قدّم شيئاً طيباً جديداً إلى هذا العالم جوبه بسخرية الناس الطيّبين. هذا ما حدث للرئيس مانيو.”[8]

“لدىّ أحكامه هنا، مجمّعةً فى مجلّدٍ صغير مع تعليقاتٍ وضعها هنري ليريه. عندما تمّ النطق بهذه الأحكام، أثار الأمر استنكار القضاة المتزمّتين و المشرّعين المتسامين. لقد كانت هذه الأحكام مزدحمةً بالأفكار النبيلة و العاطفة الرقيقة، و كانت ملأى بالشفقة، إنسانيّة، و تنحو نحو الفضيلة. و لكن فى محاكم القانون كان يُنظر إلى الرئيس مانيو باعتباره شخصٌ ذو عقلٍ غير قانونىّ، كما أن أصدقاء السيد ميلين[9] اتهموه بعدم احترام فكرة الملكيّة. و الحق أن الاعتبارات التى استندت إليها أحكام الرئيس مانيو لها طبيعةٍ فرديّة، ففى كل سطرٍ يلتقى المرء بأفكار عقلٍ مستقلٍ و عواطف قلبٍ كريمٍ”.

تناول السيد بيرجيريه مجلداً قرمزياً من المنضدة، و بدأ يقلّب صفحاته، و يقرأ:

– “الأمانة و الدقة هى فضيلتان من السهل على المرء أن يمارسهما إلى ما لا نهاية عندما لا يكون مفتقراً إلى شئ، بالمقارنة بما إذا كان محروماً من كل شئ”.

– “ما لا يمكن تجنّبه لا يستقيم توقيع العقاب عنه”.

– “حتى يمكن أن يحكم على الجريمة أو على الفقير بعدالة، على القاضى أن ينسى وضعه المريح للحظة، ليضع نفسه ما استطاع فى الموضع الحزين لهذا الذى هجره الجميع”.

– “فى تفسيره للقانون، على القاضى ألا يحصر تفكيره فى الحالة الخاصة المعروضة عليه، بل أن يأخذ فى الاعتبار النتائج الأوسع لحكمه و ما يمكن أن ينطوي عليه من الآثار الخيرةٍ و السيئة”.

– “العامل وحده هو من ينتج و من يخاطر بصحته أو بحياته لتحقيق ربحٍ يؤول حصراً إلى رب عمله، الذى لا يخاطر بدوره بشئٍ سوى رأسماله”.

“لقد سردتُ هذه الأقوال بشكلٍ اعتباطىّ”، أضاف السيد بيرجيريه، و هو يغلق الكتاب. “هذه كلماتٌ جديدة. إنها أصداء روحٍ عظيمة”.

[1] المصدر:

Anatole France, Crainquebille, Putois, Riquet et plusieurs autres récits profitables.

[2] أناتول فرانس Anatole France (1844-1924): كاتب و ناقد فرنسي، تميز بالكتابة الساخرة. كان عضواً بالأكاديمية الفرنسية، و حاصل على جائزة نوبل  في الآداب.

[3] غابة فيسين Bois de Vicennes: أكبر غابة في العاصمة الفرنسية باريس، تقع في شرق المدينة.

[4] القدّيس فرانسيس الأسيزي Saint Francis of Assisi (1181-1226): راهب كاثوليكي، كان ينبذ اعتزال الرهبنة فأسس السلك الفرنسيكاني (Franciscan Order) للدعوة بين الناس و البشارة بالبساطة و حب الله و جميع المخلوقات من بشرٍ و حيوان. يقال أنه وقع في أسر المسلمين أثناء الحملة الصليبية الخامسة، فأكرموه و أعادوه إلى جماعته.

[5] سلك القدّيسة مريم سيدة الملائكة (Saint Mary of the Angels): سلك ديني يتبع القدّيس فرانسيس الأسيزي، معقله هو كنيسة Basilica of Santa Maria degli Angeli في مدينة Assisi في إيطاليا.

[6] القديّسة كلارا الأسيزية Saint Clare of Assisi (1194-1253): راهب كاثوليكية، نادت بالتزهد و العيش من دون امتيازات.

[7] القدّيس أنطونيو اللشبوني Saint Anthony of Padua (1195-1231): راهب كاثوليكي برتغالي الأصل ينتمي للسلك الفرنسيكاني. كان يعرف بـ “مطرقة الهراطقة” لشدته في نشر العقيدة الكاثوليكية في أوساط المنشقين عن الإيمان.

[8] الرئيس مانيو President Magnaud (1848-1926): قاضي فرنسي يعرف بـ “القاضي الطيب” لأحكامه التي كان يتحرّى فيها الأنصاف للفئات الضعيفة رغماً عن التفسيرات التقليدية للقانون. كانت له شعبية كبيرة، و قد جمع H. Leyret أحكامه و نشرها في مجلد عام 1900.

[9] فيليكس ميلين Félix Méline (1838-1925): سياسي فرنسي كان رئيساً لوزار الجمهورية.

 

ترجمــة لخطــاب الروائــي الفرنســي فيكتــور هوجــو حــول الملكيــة الفكريــة (1878)

قياسي

la-notion-de-femme-pour-victor-hugo[1]

ترجمــة خطــاب الروائــي الفرنســي فيكتــور هوجــو حــول الملكيــة الفكريــة (1878)

ترجمــة د. مشاعــل عبــد العزيــز الهاجــري

6 أغسطس 2017


…………………………………..

…………………………………..

…………………………………..

مقدمــة المترجمــة

فيكتور هوجو Victor Hugo (1885-1802) هو واحدٌ من أعظم أدباء فرنسا و شعرائها، و هو مؤلف روايتيّ “البؤساء” (Les Misérables) و “أحدب نوتردام” (Notre-Dame de Paris) الشهيرتين و اللتين يعرفهما كل قاريءٍ للأدب العالمي. خاطب هوجو المؤتمر الأدبى الدولى (Congrès littéraire international) الذي عُقِدَ فى باريس عام 1878، فألقى في الحضور كلمة مدوية كان لها تأثيرٌ كبيرٌ على مسار التنظيم القانونى لمسائل الملكية الفكرية على الصعيدين الفرنسي و العالمى معاً.

في زمنٍ لم تكن تعتبر فيه الأعمال الأدبية مادةً للاستحواذ و التملك، كان هوجو يؤمن بأن الانتاج الفكرى يصلح محلاً للحق، مثله كمثل أى مالٍ آخر، و بذلك، فإن حقوق المؤلف يجب ألا تصنف ضمن النطاق العام، فالإنتاج الفكرى ينبغى أن يعتبر “ملكية” خاصة للمؤلف، مع أخذ الطبيعة الخاصة لهذا الانتاج بالإعتبار. من هنا، كان هوجو يرى أن الملكية الفكرية – بسببٍ من ارتباطها الخاص بالمؤلف – ينبغى ألا تنقضى إلا بعد وفاته، مع الاحتفاظ للناشرين بحقوق نشر عمل المؤلف مقابل مبلغٍ بسيط (royalties) يُدفع الى ورثته المباشرين. هذا، و قد انتهى الأمر بالمؤتمر بأن تبنى قراراتٍ تعتمد منظور هوجو تجاه الحقوق الدائمة للملكية الفكرية، مع دعوة الحكومة الفرنسية لاستضافة مؤتمرٍ دوليّ لاطلاق اتفاقيةٍ دوليةٍ تتبنى التنظيم القانونى لحقوق الملكية الأدبية. و رغم أن الحكومه الفرنسية لم تستجب للمطلب الأخير، الا أن الدعوات إلى وضع معاهدة دولية بهذا الشأن مثلت خطوةً كبيرةً باتجاه إبرام اتفاقية بيرن لحماية المصنفات الأدبية والفنية (Berne Convention, 1886).

فيما يلى قمت بترجمة مقطعٍ مختارٍ من خطاب هوجو هذا، وهو يتمثل بالجزء الخاص بوجه نظره حول فلسفة حقوق الملكية الفكرية من حيث المبدأ و ما اذا كانت تصلح محلاً للملكية ابتداء، ثم علاقة ذلك بالتنظيم القانونى الأمثل لهذه المسألة، كما يراه. كما أن فى الخطبة إشاراتٌ ملفتةٌ حول أوضاع المؤلفين، طبيعة الانتاج الفكرى، الارتباط بين الفضائين العام و الخاص، العلاقة بين الفرد و المجتمع، و المسيرة التطورية للفكرة من العقل إلى النشر. و بعد، فإن التصدي لترجمة هذا النص لم يكن أمراً سهلاً، لا لصعوبة الترجمة بل لوطأة ثقلها القيمي، فصاحب هذا الخطاب هو واحدٌ من أعظم أدباء الفرنسية و واضع عددٍ من أكثر أعمالها الأدبية خلوداً. بطبيعة الحال، هذه ترجمتي كقاريءٍ ذي خلفية قانونية، فمن هنا حرصت على ضبط المصطلحات وفق معانيها القانونية الفنية – لا الدارجة – ما استطعت (كمصطلحات “المحل”، “الملكية”، و عداها).

على حدّ علمي، هذا النص يُترجم إلى العربية للمرّة الأولى.

………………………..

………………………..

………………………..

خطــاب فيكتــور هوجــو حــول الملكيــة الفكريــة (1878)

الملكية الفكرية هي للاستعمال العام.

جميع القوانين الملكية القديمة تنكر الملكية الفكرية، و لا زالت تنكرها. لأيّ غرض؟ بغرض السيطرة.

إن الكاتب/المالك هو كاتبُ حر؛ أن تصادر ملكيته هو أن تصادر استقلاله. يتمنى المرء لو أن الأمر لم يكن كذلك. هذا هو الخطر في المغالطة الملفتة – التي كانت ستكون طفولية لو أنها لم تكن غادرة – التي تقول أن “الفكر ينتمي للجميع، و لذلك فهو لا يصلح أن يكون محلاً للملكية، لذا فإن الملكية الأدبية هي أمرٌ لا وجود له”.

يا له من إرباكٍ غريب!

فهناك أولاً الخلط بين ملكة التفكير، و هي عامة، و بين الفكرة، و هي فردية، فالفكرة هي أنا. ثم هناك الخلط بين الفكرة، و هي شيء مجرّد، و بين الكتاب، و هو شيء ماديّ. إن فكرة الكاتب، بما هي فكرة، تتفلّت من كل الأيدي التي تحاول الإمساك بها. إنها تطير من روحٍ إلى أخرى، إذ لها هذه الموهبة و هذه القوة – virum volitare per ora –؛[1] و لكن الكتاب يختلف عن الفكرة، لأن الكتاب قابلٌ للإمساك به، إنه كذلك إلى درجة أنه يُمسك به ( يُراقب) أحياناً (ضحكٌ من الحضور). إن الكتاب، بما هو منتجٌ للمطبعة، ينتمي إلى الصناعة، وهو أساسيٌّ – بجميع أشكاله – لنشاطٍ تجاريٍ ضخم. إنه يُشرى و يُباع، أنه شكل من أشكال الملكية، قيمةٌ تخلق، من دون ان يُستحوذ عليها، ثراءٌ يُضاف من قبل الكاتب إلى الثروة القومية، و بالتأكيد – و من جميع وجهات النظر – أوضح صور الملكية التي لا تقبل الجدل.

إن حق الملكية الذي لا يقبل المساس هذا يُنتهك من قبل الحكومات المستبدّة؛ إنهم يصادرون الكتاب، على أمل مصادرة الكاتب بذلك. هذا هو سبب وضع نظام التقاعد الملكيّ.[2] أخذُ كل شيء مع التصدق بالقليل، سلبٌ و إخضاعٍ للكاتب. يُسرق المرء، ثم يشتري السارق جزءً مما سرقه منه. إنه جهدٌ مُهدر، أياً ما كان الأمر، فالكاتب يهرب دائماً.

نحن نصنع منه فقيراً، و هو يظل حراً (تصفيقٌ من الحضور). من ذا الذي يسعه شراء العقول الفذّة (لأدباءٍ مثل) “رابليه”، “موليير”، أو “باسكال”؟ و رغم ذلك فإن المحاولة تتم، و النتيجة مغمّة. إن الرعاية الملكية تستنزف القوى الحيوية للأمة، فالمؤرخون يسبغون على الملوك ألقاب “آباء الأمة” و “آباء الأدب” … و النتيجة هي هاتين الحقيقتين الشريرتين: الناس من دون خبز، و “كورني”[3] من دون حذاء (تصفيقٌ طويل).

يا له من شطبٍ داكنٍ لمرحلةٍ كبرى.

أيها السادة،

دعونا نعود إلى المبدأ الأساسي: احترام الملكية.

لنرعَ الملكية الأدبية، و لكن في الوقت نفسه، لنخلق نطاقاً عاماً. دعونا نذهب لأبعد من ذلك؛ دعونا نوسع منه. لندع القانون يمنح جميع الناشرين الحق في نشر أيّ كتابٍ بعد وفاة مؤلفه، على أن يكون المتطلّب الوحيد لذلك هو دفع مبلغِ زهيدِ جداً لورثته المباشرين، بحيث لا يتجاوز في أية حال خمسة أو عشرة في المئة من صافي الأرباح. هذا النظام شديد البساطة – الذي يجمع بين الملكية غير المشكوك فيها للكاتب مع الحق غير المشكوك فيه للنطاق العام – هو أمرٌ تم اقتراحه من قبل اللجنة المشكلة عام 1836 (الخاصة بحقوق المؤلفين)، و يمكنكم أن تجدوا هذا الحل، بجميع تفاصيله، في محاضر اجتماع المجلس، كما نشرتها وزارة الداخلية.

للمقترح جانبان، لا تنسوا ذلك. الكتاب، بما هو كتاب، هو ملكٌ للمؤلف، و أما كالكتاب كفكرة فهو ينتمي – و الكلمة هنا ليست متطرّفة – إلى الجنس البشري ككل؛ فلكل الذكاءات حقٌ فيها. و إذا كان لابد من التضحية بواحدٍ من هذين الحقّين – حق المؤلف أو حق الجنس البشري – فإنه سيكون حق المؤلف من دون شك، لأن المصلحة العامة هي شغلنا الأوحد، و هذه ينبغي أن تكون مقدّمةً على أي اعتبارٍ آخر يُعرض علينا.

و لكن، و كما قلت، هذه تضحيةٌ غير ضرورية (تصفيق متكرر).

 

 

[1]  “To fly through the mouths of men” (Virgil).

[2] التقاعد الملكيّ (les pensions royales) هو نظام يمنح بموجبه الكتاب مبالغ تقاعدية زهيدة، بدلاً من السماح لهم بالتمتع بالعوائد المادية لانتاجهم الفكري.

[3] الشاعر الفرنسي الكبير Corneille.

تقويمنا الشرق أوسطي بين توبتي غاليليو و كاشغري: أين نقف الآن؟

قياسي

 

تقويمنا الشرق أوسطي بين توبتي غاليليو و كاشغري: أين نقف الآن؟

 د. مشاعل الهاجري

10 يناير 2016

12743763_10153848623086071_6960472190487866562_n[1]

هذا هو نص “توبة” المدوِّن حمزة كاشغري، الذي حُمِلَ على كتابته حتى يتم اسقاط تهمة الردة عنه (2015):

بسم الله الرحمن الرحيم

(ما أصابك من حسنة فمن الله، و ما أصابك من سيئة فمن نفسِك)

“أقر و أعترف أن كل ما وقعت فيه من انحراف في الأفكار و في الأقوال، أو فساد في التعبيرات هو من قبيل الشبهات و الشكوك التي أثرت علي و على عقلي فاتبعتها عن ضعف فأبعدتني عن الصراط المستقيم. و الحمد لله الذي يسر لي من أهلي و إخواني و مشائخي الذين أدين لهم بالفضل من يرشدني إلى الصواب و يدلني عليه، بالكلمة و الموعظة الحسنة، و غفر الله لمن اشتد في القول و كان دافعه الغيرة على دين الله، و كل ابن آدم خطاء و خير الخطائين التوابين. و أنا أعلن توبتي و انسلاخي من كل الأفكار الضالة التي تأثرت بها فأنتجت بعض العبارات التي أتبرأ منها وأعوذ من أن ألقى الله عليها. و أعلن توبتي و تمسكي بالشهادتين، أشهد ألا إله إلا الله وان محمدا رسول الله عليها أحيا وأموت وعليها أبعث. اللهم تقبل توبتي. و إني أرجوكم ألا تعينوا الشيطان علي .. فإن المؤمن ضعيف بنفسه، كثير بإخوانه. أما رسول الله الأكرم، الذي أرجو أن أسير على سيرته في الدنيا، و أن أنال شفاعته في الآخرة، فإن عقيدتي فيه هي قوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين) و عقيدتي فيه قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتُّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)، و عقيدتي فيه قوله تعالى: (و ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى) و عقيدتي فيه قوله تعالى: (و إنك لعلى خلق عظيم). و عقيدتي في حبه هي قوله لعمر: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه و ولده و ماله و الناس أجمعين. و ما بدر مني من كلام خلاف ذلك فهو حالات نفسية شعورية اخطأت في وصفها و كتابتها و أرجو أن يغفرها الله لي، لكنها لا تمثل حقيقة عقيدتي في النبي التي هي تبع لما جاء به السلف الصالح عن نبينا عليه أفضل الصلاة و أزكى التسليم”.

– حمزة كاشغري.

* * *

بعد اطلاعي على نص التوبة أعلاه، بدا لي أن هذا النص مألوف، مألوفٌ جداً. اجتهدت في إعمال فكري حتى أتذكر أين قرأته من قبل، لأنني أعرف يقيناً أن هذا النص – رغم حداثته – ليس بالجديد؛ لقد مرّ علي من قبل، و لكن أين؟

بعد أيام، التمعت في ذاكرتي – فجأة – سيرة عالم الفلك الإيطالي غاليليو غاليلي. من هنا، أكتب:

في القرن السابع عشر، بعد إعلان عالم الفلك الإيطالي غاليليو غاليلي عن اكتشافه – خلافاً للتعاليم الكنسية – دوران الأرض كحقيقةٍ علميةٍ و تدليله على أنها تتحرك و ليست ثابتة، و بعد قوله أن الكتاب المقدس لا يصلح مرجعية علمية و انه لا يعدو أن يكون مرجعية روحية فقط، قامت محاكم التفتيش في الفاتيكان بإدانة غاليليو بتهمة الهرطقة الدينية و إخضاعة لمحاكماتٍ عديدة، مضنية، و هو الشيخ المريض الذي تجاوز السبعين من العمر. مع التهديد بالعقاب البدني الفادح الذي يتراوح من التعذيب إلى الحرق، قبل غاليليو التراجع عن جميع أقواله، و التوقيع على توبة مكتوبة أملاها عليه كرادلة المحكمة الدينية.

كان هذا ما أملاه الكرادلة، و وقّعه غاليليو:

“أنا الموقع أدناه غاليليو ابن المرحوم فنسانزيو غاليلي من فلورنسا والبالغ من العمر سبعين عاماً الماثل شخصياً أمام هذه المحكمة أركع أمامكم، يا أصحاب الغبطة والإجلال السادة الكرادلة أعضاء محكمة التفتيش ضد الانحطاط المرتد في جميع الجمهورية المسيحية، وأقسم وأنا أنظر بعيني إلى الكتاب المقدس وألمسه بيدي أنني كنت أؤمن دائماً وأؤمن الآن وسأظل بعون الله مؤمناً في المستقبل بكل تعاليم الكتاب المقدس وما يعظ به ويعلمه وفق مذهب الكنيسة الكاثوليكية المقدسة والكنيسة الرومانية الحوارية، ولكنني رغم تسلمي أمراً من قداسة البابا مفاده أن أتخلى كلياً عن الرأي الكاذب بأن الشمس مركز الكون وأنها غير متحركة وأن الأرض متحركة وليست مركز الكون وأن علي أن لا أتمسك بهذه العقيدة أو أدافع عنها أو أعلمها بأي طريقة كانت مشافهة أو كتابة وبعدما علمت أن العقيدة المذكورة مخالفة لما جاء في الكتاب المقدس قمت بتأليف كتاب وطباعته وفيه بحثت في هذه العقيدة المدانة وذكرت فيه حججاً قوية لإثباتها دون تقديم أي حل صحيح ولهذا السبب اتهمني مكتب قداسة البابا بأن هناك اشتباهاً قوياً بأنني مرتد وكافر وذلك لأنني تبنيت رأياً يقوم على الاعتقاد بأن الشمس ثابتة وهي مركز العالم وأن الأرض متحركة وليست مركزاً للعالم. وبناءً عليه، ولأنني راغب في أن أزيل من تفكيركم يا أصحاب القداسة والغبطة ومن عقول جميع المسيحيين المؤمنين ذلك الشك القوي الذي تتصورونه بحق ضدي وبقلب مخلص وإيمان صادق، أرفض وألعن وأحتقر الأخطاء والهرطقات سالفة الذكر، وبشكل عام كل خطأ آخر أو أي طائفة أياً كانت إذا كانت مضادة للكنيسة المقدسة، وأقسم بأنني لن أذكر أو أؤكد في المستقبل شفهياً أو تحريرياً أي شيء يمكن أن يؤدي إلى احتمال حصول شبهة مماثلة نحوي. كما أعد بأن أبلغ مكتب قداسة البابا أو محكمة التفتيش أو المحاكم العادية في مكان إقامتي عن أي شخص يشتبه في ارتداده أو هرطقته. وفوق ذلك، أقسم وأعد أن أنفذ بشكل كامل ودقيق جميع العقوبات الدينية التي فرضها أو سيفرضها مكتب قداسته عليّ. وفي حال نكوصي – لا سمح الله – عن أي من هذه الوعود والاعترافات وما أقسمت عليه، فإنني أقدم نفسي طواعية لكل الآلام والعقوبات التي فرضتها وأعلنتها التعليمات الكنسية المقدسة والدساتير الأخرى العامة والخاصة ضد من يقترف مثل هذا الإثم، فليساعدني الله وهذا الإنجيل المقدس الذي ألمسه بيدي. أنا غاليليو غاليلي قد اعترفت بأخطائي علانية، وأقسمت ووعدت وتعهدت كما ورد أعلاه، وشهدت بصدق ذلك. و قد كتبت بخط يدي هذه الوثيقة المتعلقة بإعلان تنصّلي من تلك الآثام، وتلوتها تلاوة في روما، دير مينرفا، في هذا اليوم الثاني والعشرين من شهر يونيو عام 1633، معلنا التوبة الكاملة و طالباً الغفران”.

بعد توقيع غاليليو على وثيقة التوبة هذه، و أثناء نزوله من على منصة الاتهام، سمعه القريبون منه يتمتم بصوتٍ خفيض، إنما واثق:

“و لكنها تدور”.

كانت عبارته القصيرة تلك – لا نص توبته الطويل ذاك – هو ما حرّك التاريخ.

و مع ذلك، فما جدوي كل هذا السرد لنا؟ لو كان أحداً هنا يقرأ التاريخ، لما حُمِلَ كاشغري على كتابه نصه أعلاه، الذي لا يعدو أن يكون تناسخاً تاريخيا؛ يُراد به أن يكون ترجمة إسلامية جديدة لنص غاليليو المسيحي القديم، مع إغفال تام لمتغيرٍ تافه، يسمونه “الزمن”.

أربعة قرون؟

و ما أربعة قرون – في تقويمنا الشرق أوسطي الخامل – سوى محض تفصيلٍ بسيط؟