Tag Archives: العقود الذكية

مستقبــل كليــة الحقــوق: آفــاقٌ واسعــةٌ، احتمــالاتٌ مفتوحــة و فــرصٌ ممكنــة

قياسي

– 

مستقبــل كليــة الحقــوق:

آفــاقٌ واسعــةٌ، احتمــالاتٌ مفتوحــة و فــرصٌ ممكنــة

د. مشاعــل عبــد العزيــز الهاجــري

قسم القانون الخاص

كلية الحقوق – جامعة الكويت

‏23‏ مايــو‏، 2018

DSC_3929

صورة (1)

 

منذ فترة، وقعت في يدي صورةً نادرةً للمسوّدة الأصلية للدستور الكويتي، نُشرت مع مقابلةٍ قديمةٍ أُجريت عام 1963 – أي منذ أكثر من 50 عاماً – مع المرحوم الدكتور عثمان خليل عثمان، المستشار القانوني الذي ساهم في وضع دستور دولة الكويت (صورة 2).

تحت الصورة، لفتت نظري هذه الفقرة من حديثه:

“من الأقوال الشائعة في ما يتعلق بالدساتير أنها توضع بعقلية ما قبل اصدارها، مستوحاة من الماضي بظروفه و مشاكله، ولكننا راعينا اثناء غعداد هذا الدستور أن يأتي أقرب إلى مفاهيم الغد منه إلى مفاهيم الأمس، حتى بمقاييس اليوم”.

و هكذا، فإن مفاهيم “الغد” (غَدُه هو، عندما كان يتحدث عام 1963) هي مفاهيم “اليوم” (يومنا هذا).

يمكن إسقاط ذلك على المستقبل الأكاديمي لكلية الحقوق في جامعة الكويت. فوفقاً للأعراف الأكاديمية المستقرة، هناك جناحان للممارسة الجامعية، هما البحث العلمي و التدريس، إلا أن أياً منهما لا يرتفع في قيمته الأكاديمية إلا من خلال جملةً من العناصر، بعضها موجود فلا يتطلب الأمر إلا الاستمرار في استخدامه، و بعضها الآخر معطّلٌ فينبغي تنشيطه، فيما البعض الثالث منها غير موجودٍ ولكنه ممكن الاستحداث: إن الأمر يتعلق بالسعي الجاد نحو آفاقٍ واسعة، احتمالاتٌ مفتوحة و فرصٌ ممكنة، بشكلٍ يقارب ما تقدّم من منطق اعداد دستور الكويت.

هنا سردٌ لمنظوري الخاص حول الأمر، و هو سردٌ يدور في إطارٍ نظري/تطبيقي مرن، يستوعب الطبيعة الخاصة للجامعة باعتبارها مؤسسةً ديناميكيةُ ينبغي أن تجدّد نفسها باستمرار. إن الأمر لا يقف عند الأهداف فقط، و إنما يتعداها إلى الهيكل الفكري الذي ينبغي أن يتمدّد ليحتويها بمرونةٍ تستوعب إملاءات المرحلة، أياً ما كانت هذه الأهداف، و مهما بلغ من حجمها.

مسودة الدستور

صورة (2)

 

آفــاقٌ واسعــة: مجــالٌ كبيــرٌ للحركــة

(1) الجامعة مؤسسةٌ طليعية؛ ينبغي أن تتقدّم مؤسسات الدولة دائماً، إلا أن حركتها يجب أن تتم بخطواتٍ مدروسةٍ في ظل استراتيجياتٍ كبرى تعمل بمثابة خارطة طريقٍ لها (رؤية الكويت 2035، تقارير الأمم المتحدة، الخطة الاستراتيجية لجامعة الكويت). علينا أن نستحضر كل ذلك، بحيث تقود خطواتنا الإدارية الكلية باتجاه تلك الأهداف، لا بالإنحراف عنها.

(2) كلية الحقوق هي أولى كليات القانون في منطقة الخليج العربي (تأسست عام 1967)، و لها بذلك تاريخٌ فخور. و مع ذلك، يبدو للراصد أنها تتسم بطبيعةٍ انعزاليةٍ ما تفصلها عن الممارسة القانونية في العالم، رغماً عن اعتبارات العولمة، مما انعكس على تعاطي الكلية مع القانون المقارن. ينبغي لعب دورٍ أكبرٍ نحو استكشاف النظم القانونية المقارنة للتجديد في المعارف الحقوقية لمنتسبي الكلية.

(3) فيما عدا بعض البرامج الوقتيّة و المتفرّقة التي التي يعوزها عنصر الإستدامة، تفتقر البنية المؤسسية لكلية الحقوق لآليات تطوير أعضاء هيئة التدريس. لذلك، ينبغي الدفع باتجاه استحداث “وحدة لتدريب و تطوير أعضاء هيئة التدريس” بداخل الكلية، بما يحقق لهم فرص مواكبة المستجدات المتصلة بعملهم الأكاديمي و دورهم في تقديم تعليمٍ أفضلٍ للطلبة.

(4) رغم أنه من المحبّذ أن تكون لكليات الحقوق طبيعةٌ راسخةٌ ما انسجاماً مع الاستقرار القانوني، إلا أن المناهج و طرق التدريس فيها هي أقرب للجمود منها للاستقرار. في كثيرٍ من المقررات يُدرِّس الأستاذ لطلبته ما كان هو يَدْرِسَه عندما كان على مقاعد الدراسة، حارماً إياهم بذلك – بحسن نيةٍ أحياناً أو انسياقاً مع أجواء الاسترخاء الإداري المخاتلة و المريحة التي تعمّ البلاد أحياناً أخرى – من الانفتاح على التطوّر القانوني في العالم من حوله. إن إثارة هذا الأمر و جعله مادةً للنقاش المستمرّ في الكلية يجب أن يكون من الأولويات الأساتذة و الطلبة معاً. المعايير المؤسسية، أية معايير، إن لم ترتفع اانخفضت.

(5) من المواد التي تتطلبها المرحلة و التي  يمكن استحداثها في كلية الحقوق: السياسات التشريعية (التخطيط الاستراتيجي للتشريعات)، التشريع للأزمات، الإطار القانوني لأعمال جمعيات النفع العام (الفرص / الحدود / آليات الحصول على التمويل الدولي / الشراكات المحلية و الخارجية)، القانون و الواقع الإلكتروني، التنظيم القانوني للموارد المائية (البحار/ المضائق / التحلية)، الكويت كمركزٍ ماليّ و اقتصادي، المتطلبات القانونية لرؤية الكويت 2035، القانون و الثقافة، القانون في بيئةٍ متغيرة (التعامل القانوني مع الأجواء الإقليمية القلقة)، التنظيم القانوني للهجرة و العمالة (في بُعديه الوطني و الدولي)، النظام القانوني للاتحاد الأوروبي (لتعلم الدروس و الاسنفادة منها في مجلس التعاون الخليجي)، النظم القانونية المقارنة، الكتابة القانونية (التعليق على الأحكام القضائية / كتابة الفتاوى و الآراء القانونية / كتابة المقال الصحفي القانوني)، مكافحة الفساد (الحوكمة / غسيل الأموال / التربّح من الوظيفة العامة / نظم الرقابة الداخلية و الخارجية / الدور الرقابي المجتمعي)، التنظيم الدولي للاستثمار، الأخلاقيات القانونية، إدارة حقوق الملكية الفكرية، أعمال الحكومة و المؤسسات العامة، الجوانب القانونية لتمويل المشروعات التجارية، النظام القانوني في الصين (لا سيما و أن الكويت مقبلة على شراكاتٍ كبرى مع هذه البلاد)، شئون قانونية جارية (Current Legal Issues)، هيكلة اتفاقيات الأعمال (مدني / تجاري)، نظم الرعاية الصحية، تحديات القانون في ظل العولمة (العلاقة بين القانون الداخلي و القوانين المقارنة و القانون الدولي)، القانون و مخاطر التطوّر العلمي، القانون و التنمية (التنمية البشرية / حقوق الإنسان / التخطيط الحضري)، القانون و صناعة المؤسسات، أسواق المال الدولية، إدارة الدعاوى القضائية (الإثبات / الخبرة / التنفيذ)، عقد الصفقات التجارية (المفاوضة / صياغة العقود / المسئولية / التمويل/ التأمين / إدارة المخاطر / إدارة الديون)، آليات المطالبات المالية claims (في عقود التأمين / عقود الإنشاءات / عقود البترول)، القانون و صناعة المؤسسات، و عداها. الممكن هنا كبير، و خصب.

(6) أنبّه دائماً إلى أن كلية الحقوق، رغم تاريخها العريق، تخلو تماماً من المراكز العلمية البحثية المتخصّصة، إذ لم يتم استحداث أي مركزٍ بحثيّ فيها منذ إنشائها و حتى اليوم. صار من اللازم أن اعتبار الأمر أولويّة، و السعى إلى إنشاء مركزٍ للدراسات القانونية المقارنة في الكلية، تكون من مهامه دعم الأبحاث و الدراسات المعمّقة في القانون المقارن، و العمل كمركز إتصالٍ بين كلية الحقوق و المراكز البحثية الدولية ذات الغرض المماثل، إضافةً إلى تقديم الإستشارات للجهات الحكومية خلال المراحل التحضيرية لإعداد التشريعات و اللوائح، من واقع دراسة الإتجاهات الحديثة النظم القانونية المقارنة للخروج بتشريعاتٍ أفضل في الكويت.

مشاعل

صورة (3)

 

احتمــالاتٌ مفتوحــة: ما يمكــن أن يكــون

(1) الدراسة الحقوقيّة حول العالم تتغيّر (الأكاديميا) كما أن الممارسة القانونيّة تشهد تطوراً ملحوظاً (المحاماة)، ذلك أن التحوّل صار يجري الآن على قدمٍ و ساق من اقتصادٍ مبنىّ على المكوّن المادىّ إلى اقتصادٍ معرفيّ تكون فيه المعارف و المهارات هى قطب الرحى (كما تبيّن مؤشرات التنمية الإنسانية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائى). من ذلك، إن الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelegence – AI) سيبداً بأخذ دور المحامين تدريجياً حتى يقلّ الطلب السوقيّ على خدماتهم (تقنيات ما يعرف بـ Block Chain و العقود الذكية Smart Contracts هما التغيير المستقبلىّ القادم، و الذي يبدو أنه قد بدأ سلفاً بإزاحة دور المحامين بهدوء). بذلك، فإن نوعية المهارات الحقوقية المطلوب خلقها في دارسي القانون بدأت تتغيّر، بحيث صار ينبغي اعداد قانونيين من صنفٍ رفيعٍ و متخصّص، فهؤلاء فقط هم من سيكتب لهم البقاء في سوق العمل خلال السنوات القادمة. ينبغي نشر هذه الثقافة في أوساط كل من أعضاء هيئة التدريس و الطلبة معاً.

(2) للأمانة العلمية / الأكاديمية مركز الصدارة، فتقع على رأس هرم القيم المؤسسيّة للجامعة عموماً و لكلية الحقوق تحديداً بسببٍ من الطبيعة القيميّة للدراسة فيها، الأمر الذي يتطلب التعاطي مع مسائل الغش الدراسي بأقصى درجات الجدية. و يثبت النظر المقارن أن المؤسسات لا تحرز النجاح في التصدي لمسألة الأمن المعلوماتي الا من خلال التجديد (المدارس / الجامعات / الجمارك / شركات الحاسب الآلي / المنافذ الحدودية – كل هذه مثالاً). إن وضع حدٍ لهذه الإشكالية إنما يكمن في أحداث تغييرٍ في فلسفة الأسئلة و أساليبها: لقد لوحظ أن الاختبارات التي تتطلب إجاباتٍ سرديةٍ أو وصفيةٍ أو اختيارٍ من متعددٍ لا تمثل تحدياً للطلاب لأنها لا تتطلب مهارات التفكير العليا، فهي بذلك تعتمد على التلقين و حفظ المناهج عن ظهر قلب، بما يسمح لغالبية الطلبة – و ليس فقط  للمستحقين منهم – بالانتقال إلى المراحل الدراسية المتقدّمة خلال مع بدرجاتٍ عالية و لكن مضلّلة للواقع. لذلك، ينبغي التعامل مع هذه الثقافة المؤسفة لإحداث تغييرٍ حقيقيّ في النسق / البارادايم، من خلال الحثّ على التخلي تماماً عن الأسئلة السرديّة / التقليديّة، و التحوّل إلى الأسئلة التحليليّة / التفكيكيّة، من خلال تغيير طريقة الأسئلة و أساليبها و التنسيق لتدريب الطلاب على هذا النمط الجديد من الأسئلة. و لكن الأهم من كل ما تقدم هنا هو وجوب تذّكر أن كلية الحقوق تحديداً  – و بدرجةٍ تفوق جميع مؤسسات المجتمع و تتعداها – يجب أن تمارس سياسة “الاحتمال صفر” (Zero-tolerence) عندما يتعلق الأمر بالغش الطلابي، فلا تبدي أي نوعٍ من التساهل تجاهه، لسببٍ واضح (و لكنه مزعجٌ و مؤرّق، ناهيك عن أنه محرجٌ سياسياً، مما يجعل كثيرون يشيحون ببصرهم عنه)، وهو أن غشاشي اليوم من طلبة الحقوق – إن تم التساهل معهم – سيكونون هم محامو المستقبل و وكلاء نيابته و قضاته. نحمد الله – و نفخر – أن الغالبية العظمى من طلبتنا ملتزمون و ذوي انضباطٍ عال، و لكننا ينبغي أن نذكّر أنفسنا دائماً – كليةً و مجتمعاً – بمغبّة التساهل في ذلك و بآثاره العامة الوخيمة على الجميع من دون استثناء).

(3) تحسين التجربة الدراسية للطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة هو أمرٌ يتطلب إلتفاتة خاصة (إعاقة سمعية / إعاقة بصرية / إعاقة حركية / بطيئي التعلم). يمكن عمل الكثير على هذه الجبهة (تعديلات مرفقية بسيطة، التعاون مع معاهدهم، تقديم مساعدةٍ تدريسيةٍ خاصةٍ و مُجَدْوَلَة). لنا تجارب تثبت أن الأمر – من دون أي تنازلٍ في المستوى الاكاديمي – لا يتطلب إلا تغييراتٍ بسيطة من الإدارة، و صبرٍ جميلٍ من الأساتذة. و بعدها، كانت النتائج دائماً مبهرة. في الحقيقة، ينبغي الإشارة إلى أن تفوّق هذه الفئة العنيدة من الطلبة هو أمرٌ ملحوظٌ و مثيرٌ للإعجاب.

(4) أغلب الدارسين في كلية الحقوق و أكثر مالئي قائمة الشرف السنوية لها هن من الفتيات، و مع ذلك، تُحرم طالباتنا من فرصٍ وظيفيةٍ مستعصيةٍ عديدة تتاح لزملائهن من الطلبة (النيابة / القضاء). لما كانت هذه المفارقة لا تستقيم مع اتجاهات كلية الحقوق و مقاصدها، ينبغي بذل الجهد للاتصال و التنسيق مع الجهات المعنية لفتح حوارٍ مستمرٍ بشأن هذه الإشكالية لكونها تحدّ من الفرص الوظيفية لخريجات الكلية.

(5) قدر كليات الحقوق أن تلعب دوراً في ترشيد آليات إصدار التشريعات في بلادها، و كليتنا ليست استثناء. يجب التذكير دائماً بأن القوانين ينبغي إلا تصدر إلا على ضوء أفكارٍ تشكّل في مجموعها سياساتٍ رئيسية كبرى، هي التي تحدّد – ابتداءً – الاعتبارات الخاصة بمدى الحاجة للقانون و نطاقه و اصداره و أوجه تطبيقه (يُطلق على هذه الأفكار مصطلح “السياسة التشريعية” legislative policy). و بذلك، فإن السياسة التشريعية تختلف في مضمونها عن التشريع، فإذا كان هذا الأخير يعالج موضوعاتٍ محددة بدقةٍ و قصر، فإن السياسة التشريعية تضع التصورات المتعلقة بالأوضاع العامة لمجالٍ معين (اقتصاد، إسكان، صحة، طاقة، إلخ)، و من ثم تحدّد ماهية القوانين الواجب إصدارها لتنظيم هذا المجال. و بذلك، فإن السياسية التشريعية تضع الخطوط الكبرى للمجال موضوع التشريع. فعلى سبيل المثال، لا تظهر الفاعلية الاقتصادية و الاجتماعية للقوانين الجديدة إلا إذا صُمّمت بحيث تعمل كجزءٍ من منظومة القوانين الأخرى التي ترتبط بها عضوياً. من ذلك أن القوانين الاقتصادية، على سبيل المثال، لا يكتب لها النجاح إلا إذا اعتمدت نسق التكامل و التجانس مع عداها من القوانين. من هنا، على الكلية أن تلعب دوراً فاعلاً لضخّ شيءٍ من الرشد في العملية التشريعية في البلاد، للحدّ من التدهورٍ التشريعيّ المقلق و الملحوظ.

DSC_3904

صورة (4)

فــرصٌ ممكنــة: استغــلال المــتاح و الانتبـاه للمُهمَــل

(1) تعتمد كلية الحقوق بشكلٍ تامٍ على الجامعة كمصدرٍ ماليٍ وحيدٍ، مما يؤثر على ميزانيتها، لا سيما في ظل اشتراطات التقشف و ترشيد الإنفاق. ينبغي مدّ جسور التعاون مع جهاتٍ أخرى يمكن أن تلعب دوراً كبيراً في تمويل أنشطة الكلية و رعايتها (غرفة تجارة و صناعة الكويت، المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، الهيئة العامة للاستثمار، بنك الكويت المركزي، هيئة الاستثمار الأجنبي المباشر، الوقفيات الخيرية، المنظمات الدولية، و عداها). بشيء من التنسيق و ربط المصالح المشتركة، يمكن الاستفادة من هذه الجهات لتمويل العديد من الأنشطة لمصلحة الطلبة (internships/ التدريب / البعثات / دورات اللغات).

(2) رغم تاريخها العريق، إلا أن كلية الحقوق لم تحصل على الاعتماد الاكاديمي حتى الآن، رغم أن الجامعة تدفع كلياتها في هذا الاتجاه، كما يبدو. حقاً، ينبغي جعل الحصول على الاعتماد الأكاديمى لبرامج كلية الحقوق أولوية (سوف يكسب الاعتماد طلبة الكلية قدراً أكبر من التنافسية فى سوق العمل على المستويين المحلى و الدولى).

(3) تُلحق بكلية الحقوق مرافقٌ ذات سمعةٍ طيبةٍ و تاريخ عريق، يجدر التنبّه الى وجوب تطويرها (مكتبة الحقوق / مجلة الحقوق).

(4) ينبغي إعادة الاعتبار للجانب “التنظيري” العميق من المقررات الدراسية و عدم تغليب الجانب العملي. لنسّلم ابتداءً أن للقانون في إطاره العملي علاقة قوية بالممارسة الواقعية في سوق العمل، أي مهنة المحاماة، وهو أمر يعني أن هذه المهنة تمثل عمقاً إستراتيجياً من شأنه أن يعني الحفاظ على الحدود التقليدية للقانون و ربطها بالواقع دائماً. و مع ذلك، فيبدو لي أن طغيان الاعتبارات التي يتطلّبها سوق العمل و انشغال الكلية بمتابعتها قد أثرا إلى حدٍ كبيرٍ على جودة مخرجاتها (يلاحظ أن من ينادون بتغليب الجانب العملي على النظري يسترشدون عادة بالنموذج الأمريكي أو الياباني الذي يربط الأبحاث العلمية بالشراكة مع القطاع الخاص، و لكن الأمر في حقيقته يعود إلى آليات تمويل البحث العلمي هناك، التي تنبع لديهم من القطاع الخاص لا العام، بخلاف الحال مع الكويت). و في الحقيقة، يتمثل الدور الأهم لكليات الحقوق في العالم ككل هو “صنع القادة” و ليس تخريج المهنيين القانونيين فقط. إن هذا المنحى “التطبيقي” قد أدى لتحجيم الدور الفكري القيادي الذي كانت الكلية تلعبه في السابق، بحيث أصبح جلّ ما تطمح إليه الآن هو تخريج المحامين و موظفي الدولة. و لما كان في ذلك طغيانٌ للجانب المهنيّ على الجانب الأكاديمي، فيهمنى أن أؤكد على أهمية أن نذكّر أنفسنا بكوننا مؤسسةٌ أكاديميةٌ لا مهنية، مما يعني ضرورة إعادة الاعتبار لتدريس المناقشات النظرية العميقة للأفكار القانونية الكبرى الكامنة وراء السياسات التشريعية المعاصرة. الخارطة الهندسية (التنظير) يجب أن تسبق البناء دائماً (التطبيق العملي).

(5) لعل واحدٌ من أهمّ الموضوعات المهملة التي ينبغي الالتفات لها هو تفعيل الاتفاقيات الثنائية و مذكرات التفاهم مع الجامعات و المعاهد المختلفة (و هذه موجودة سلفاً و لكن لا يُعرف لها تفعيل و لم تُرَ لها نتائج). الصكوك كثيرة و متناثرة، و بعضها مرّت عليه السنين من دون أن تستفيد الكلية منه شيئاً. صار يجب إعداد سجلٍ بحصرها و رصد ما ورد من امتيازاتٍ للكلية فيها، لتفعيله.

(6) يعتبر التقسيم الكلاسيكي للمعرفة (knowledge) إلى حقولٍ معرفيّة (disciplines) تقليداً جامعياً عريقاً استقر منذ زمن الإغريق القدماء. وهو تقسيمٌ استمر إلى العصور الوسطى، حيث أدى ظهور الجامعات الأوربية و تعقّد المجتمعات الغربية إلى تطوّر هذا التقسيم الكلاسيكي بشكلٍ ترسّخ مع بداية عصر النهضة (renaissance)، و استقر مع تحديد ملامح مجالات العلوم الاجتماعية و الإنسانيات، التي تطوّرت في أواخر القرن التاسع عشر و حتى القرن العشرين، إلى أن أصبحت على الشكل الذي نعرفه الآن. و قد كان السبب في التغيير المستمر لحدود الحقول المعرفيّة و معالمها هو المتطلبات الديناميكية المستمرة للمجتمعات الحديثة ذات الطبيعة المعقدة، و التي تتطلب درجاتٍ أعلى من التخصص. و تجدر الإشارة ضمن هذا السياق إلى أن القانون، بوصفه حقلاً معرفياً مستقلاً، يتميز بخصوصيةٍ واضحةٍ تستعصي أحياناً على التصنيف، إذ من الملاحظ أن الأكاديميين القانونيين – بخلاف زملائهم الباحثين في الحقول المعرفية الأخرى – ليسوا “منتجين” للمعرفة، بمعنى أنهم لا يقومون بتجاربٍ أو يستنبطون معارف تأتي بنتائجٍ نوعيةٍ أو كميّةٍ لم تكن معروفة سلفاً، ولكنهم يدرسون المعطيات الماثلة أمام صانعي القرار، يحللونها، ثم يضعون هذه المعلومات أمام المحاكم، المشرّعين، أو الطلبة في قاعات الدرس. و هو أمر تبرز معه ضرورة الاستناد إلى الحقول المعرفية الأخرى ذات العلاقة، لفهم هذه المعطيات على الوجه الأمثل (لا سيما مخرجات العلوم الإجتماعية كالإقتصاد، علم الإجتماع، العلوم السياسية وما ينتج عنها من نتائج). لذلك، أشدّد دائماً على أهمية دراسة القانون من منظورٍ خارجيّ يدرس علاقة القانون بالحقول المعرفية المذكورة، كالإنسانيات و العلوم الاجتماعية، لا سيما الاقتصاد و علم الاجتماع، و ذلك من خلال الدراسات البينيّة (interdisciplinary studies) التي تمد جسوراً بحثيّة رابطة بين تلك القلاع التخصصيّة المعزولة.

(6) هناك مؤسساتٌ موازيةٌ / رديفةٌ يمكن استغلالها لتوسعة مجال حركة كلية الحقوق (وزارة التعليم العالى، مؤسسة الكويت للتقدم العلمى KFAS، معهد الأبحاث العلمية KISR، المجلس الوطنى للثقافة و الفنون و الأداب و عداها). بشيء من التنسيق المنظّم، يمكن الاستفادة من مقدّرات هذه المؤسسات لخدمة طلبة الكلية في مجالاتٍ كثيرة (للتدريب، التمويل، الفرص الوظيفية، الابتعاث القصير).

الآفاق كبيرة، و المساحات واسعة، و الزمان سانح، و لكن هذه العناصر إن لم يتم استغلالها لخلق الزخمٍ اللازم للتغيير – الذي يبدأ برؤيةٍ ثاقبة، تُتبَع بقراراتٍ شجاعة، يلحقها تحرّكٌ جمعيٌّ منظّمٌ (ينشط فيه الجميع بروح المسئولية دون الاكتفاء بالاعتماد على بضع عناصر نشطة) – فإنها ستكون مجرد فرصٍ مهدرة للتحسّر، لا نتائج محقّقة للفخر.

إلى أن يتم ذلك؛ حتئذٍ و في كل الأحوال – و رغماً عن ترسانتنا الكبيرة من الأعذار و الحجج و الوقت و النُظُم و الانشغالات و الظروف التي تتفاوت بين الأولويات و الرغبة و الملائمة – نعرف جميعاً أن لدى كل واحدٍ منا هامشٌ شخصيٌّ لا بأس به للحركة، لمن يريد التحرّك، من جميع منتسبي الكلية، على اختلاف فئاتهم.

نحن، جميعاً و دائماً، مسئولون.

_________________________________________

* الصورتان (1) و (4) هما بعدسة الطالبة، آنذاك، أسماء خالد السالم، التي اشتَرَكت بها في مسابقة لتصوير كلية الحقوق، كنت قد نظّمتها لطلبتي عام 2007. في إعلان المسابقة، أوردت هذا البند ضمن اشتراطات الاشتراك: “لدينا الكثير من الصور التقليديّة المملّة، لا نحتاج المزيد منها. شكراً”. كانت بعض صور أسماء من الصور الفائزة.