Tag Archives: القانون

حقوق الدفاع في قضية تفجير مسجد الصادق في الكويت: الاختبار الحقيقي لمصداقية قناعاتنا الدستورية؟

قياسي

 

حقــوق الدفــاع في قضيــة تفجيــر مسجــد الصــادق فــي الكويــت:

الاختبار الحقيقي لمصداقية قناعاتنا الدستورية؟

 

د. مشاعل عبد العزيز اسحق الهاجري

(مقال منشور في : جريدة القبس، 12 أغسطس 2015)

http://www.alqabas.com.kw/Articles.aspx?ArticleID=1081149&CatID=488

 11831783_10153461145211071_5527646639533534404_n[1]

طالعتنا الصحف هذا الصباح بخبر عزوف عدد كبير من المحامين عن تمثيل المتهمين في قضية تفجير مسجد الصادق في الكويت، خشية منهم من التعرض لنقمة الرأي العام الشعبي. و أجد أن الموضوع يستأهل وقفة مستحقة باعتباره تمريناً لازماً في النقاش المجتمعي العام، المتعلق بنظرتنا لأنفسنا كمجتمع، و للوقوف على الفروقات الفاصلة بين شكل مؤسسة العدالة كما نمارسها عملاً و كما نبتغيها أملاً.

و أطروحة السؤال هي الآتي:

من المنظورين القانوني و الأخلاقي، هل يُقبل من المحامي إظهار التردّد بشأن حق متهمٍ ما بالحصول على محامٍ يمثله أمام القضاء، فقط لكون هذا المتهم مُدانٌ – سلفاً – من قبل الرأي العام الشعبي باعتبار أن جريمته ذات طبيعة بشعة، عامة الضرر، و يكاد الجرم يكون ثابتاً فيها؟

ابتداءً، من حق كل متهم، مهما بلغت بشاعة تهمته، أن تُوفّر له الترسانة الدستورية الكاملة من الضمانات القانونية و الإجرائية الأصيلة فيما يتعلق بحق التقاضي و توفير مكنة الدفاع، مع التشديد على استقلال المحامي في هذا الشأن. و هو مبدأ حقوقي ترسخ في الإعلان العالمي حول استقلال العدالة الذي تبنته الدورة العامة الختامية لمؤتمر مونتريال حول استقلال العدالة عام 1982 و الذي أكد على استقلال المحاماة، و كذلك  المؤتمرات الدولية منذ مؤتمر ميلانو 1985 و توجيهات المجلس الاقتصادي و الاجتماعي في الأمم المتحدة و المبادئ الأساسية المقرة في المؤتمر الثامن للأمم المتحدة لمنع الجريمة المنعقد في هافانا (كوبا) و التي كان على رأسها المبدأ الخاص بحماية استقلال المحاماة و تعيين المعايير المعززة لهذا الاستقلال، كما أن اتفاقية محاميي العالم 2008 التي كان وراءها الاتحاد الدولي للمحامين قد نصت في مادتها الأولى على أن الاستقلالية و حرية ضمان الدفاع و الاستشارة للموكل تعد من أولى دعامات مهنة المحاماة.

و لعل القوانين العربية المقارنة لا تقل وضوحاً بشأن الدور المحوري للمحامين في هذا الصدد، فقد نصت المادة 1 من قانون المحاماة المصري رقم 17 لسنة 1983 على أن “المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية تحقيق العدالة و في تأكيد سيادة القانون و في كفالة حق الدفاع عن حقوق المواطنين و حرياتهم، و يمارس المحاماة المحامون وحدهم في استقلال، و لا سلطان عليهم في ذلك إلا لضمائرهم و أحكام القانون”،  كما أن المادة 1 من قانون تنظيم مهنة المحاماة السوري رقم 39 لسنة 1981 و المادة 1 من قانون مهنة المحاماة اللبناني رقم 8/70 و المادة 2 من قانون المحاماة التونسي رقم 37 لسنة 58 والمادة 1 من قانون تنظيم نقابات المحامين و مزاولة مهنة المحاماة في المغرب رقم 79/19 تقرر جميعها أن المحامون جزء من أسرة القضاء، و أن مهنتهم حرة و مستقلة.

أما في الكويت، و حول ارتباط استقلال المحاماة بحق الدفاع للمتهم تحديداً، فإن المادة رقم 34 من دستور الدولة تنص على أن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع”. كما أن القانون الكويتي رقم 17 لسنة 1960 بإصدار قانون الإجراءات و المحاكمات الجزائية يتضمن نصاً هاماً بهذا الصدد، هو المادة رقم 120، و الني تقرر أن “للمتهم في جناية الحق في أن يوكل من يدافع عنه، و على المحكمة أن تنتدب من المحامين من يقوم بهذه المهمة إذا لم يوكل المتهم أحداً”.

و لكن هذا كله يتعلق بالهيكل النظري للإشكالية موضوع النقاش، فماذا عن الخيارات الواقعية؟ كيف يُفترض بالمحامين التصرف و هم بين مطرقة القانون الذي يعطى المتهم الحق في وجود محامٍ يمثله في الدعوى المنظورة أمام المحكمة، و سندان استنكار المجتمع الموتور الذي فُجع ببشاعة الجريمة، و نظرته الغاضبة للمحامي الذي يقبل بتمثيل المتهم في قضية مثل هذه؟

من المؤسف أن عدداً من نواب مجلس الأمة – و هم مشرعينا الذين أقسموا على حماية الدستور – عوضاً أن يدعموا الأوضاع الدستورية الأوليّة التي تقرر حقوق الدفاع و استقلال المحاماة، قد استنكروا قبول المحامين بهذه القضايا (هذا، علماً بأن نواب هذا المجلس هم من تقدم باقتراح بقانون لتنظيم مهنة المحاماة تنص المادة الثانية منه على أن “يمارس مهنة المحاماة المحامون وحدهم و في استقلال تام … و لا سلطان عليهم إلا لضمائرهم و أحكام القانون”).

ولكن إذا كان السياسيون أحراراً في منطلقاتهم المرنة (براغماتية، عاطفة، ملائمة، توقيت، أولويات)، فعلى الحقوقيين أن يتذكروا دائماً أن هناك قيماً لا ينبغي التنازل عنها مطلقاً من منطلقٍ قانوني مبدئي (دستور، نظام، عدالة، مساواة)، من حيث أن القانون – بالمقارنة بالمرجعيات الأخلاقية و الدينية و الاجتماعية – هو المسطرة الوحيدة التي تحقق اعتبارات الوضوح، الانضباط و الموضوعية، و التي يمكن أن نحتكم إليها في فوضى المنظور الشخصي للأمور، و الذي يختلف من زاوية رؤية إلى أخرى، و من مرجعية إلى مرجعية.

كحقوقيين، قد يحدث، واقعاً، أن نجد في أنفسنا شيئاً من التفهّم لعاطفة شعبية لا عقلانية و لكن عارمة. عندها، من الأفضل دائماً أن ندع الأمر في دواخل أنفسنا فلا نسوّق له، و لا نعلنه. إذا لم نستطع أن نعوّد أنفسنا على الاستنكار الموضوعي الواجب في مواجهة كل صوتٍ يجرؤ على المطالبة بحرمانٍ من حقٍ دستوريّ أصيل، فأقل ما ينبغي علينا – ضميرياً – هو ألا نُخرج مشاعرنا الشخصية الملتبسة إلى العلن، فلا نشوّش على الآخرين بدعوى “التفهّم” الذي من شأن صدوره عن الحقوقيين تحديداً أن يربك فكرة الناس عن الوظيفة الراسخة للقانون.

للعدل مؤسساته النظامية المستقرة (مشترعين، جهات ضبط و تحقيق، نيابة، محاكم، و محامين)؛ العدل لا يُعهد به إلى كياناتٍ انفعالية غير منضبطة مثل الشارع أو الرأي العام، مهما بلغ مقدار الضرر الواقع عليها، و مهما بلغ بنا التعاطف معها. في أجواء الألم العام و الهستيريا المجتمعية، يحدث أن تتساقط الحصون العقلية (بل و المؤسسية) واحداً تلو الآخر، و لا بأس، إذ يثبت التاريخ أنه من الممكن للمجتمع دائماً العيش – و إن بصعوبة – من دون مؤسساتٍ كانت تبدو له حيوية، إلا مؤسسة القضاء، الجالس منه و الواقف، فهذه هي المؤسسة الوحيدة التي لا تملك ترف إغفال العقل و الاستكانة إلى العاطفة طرفة عين.

قرأت مرة بحثاً كتبه غوستافو زاغروبلسكي الذي كان رئيساً للمحكمة الدستورية الإيطالية و القاضي الآن في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قال فيه أن المحاكم هي “أرستقراطيات علم” من حيث أنها مدعوة لإيقاف انحدار الديمقراطية و تحولها إلى ديماغوجية، و إلى تحديد نقطة حازمة للتطور العقلاني للمجتمع، و بذلك فالقضاء (بقضاته و بأعوانه و بمحاميه) ينبغي أن يكون جزيرة للعقل وسط فوضى الآراء. كان مما قاله أيضاً أن المحاكم (و منتسبيها) ينبغي أن تكون الطليعة الأخلاقية للمجتمع؛ فهي في ذلك أشبه ما تكون بموسى العهد القديم، الذي تمثل قدره في اخراج شعبه من تيه الصحراء و قيادته نحو أرض ميعاد الحياة الدستورية. قدر القضاء – و العاملين في منظومته و معها –  قدرهم أن يكونوا دائماً خصوماً للعاطفة؛ هم معقل الرشد و حصنه الأخير.

حتى  نحافظ على الدولة المدنية التي لا يمكن أن تقوم لها قائمة من دون اعتناق عقيدة الذود عن الضمانات الدستورية للجميع، فإن الدفاع عن المتهمين – حتى و إن غلبت بشأنهم مظنة ارتكاب الجرم – ليس خياراً، بل واجبٌ لازم. و ضمان حق المحاكمة العادلة لهؤلاء يعنى تمكينهم من جميع أدوات حق الدفاع التي توفرها مؤسسة العدالة الجنائية، و على رأس هذه الأدوات أن يقف إلى جانب كل متهم محامٍ يمثله أمام المحكمة، و لا أبالغ إن قلت أن هذا الأمر يتعلق بقدس أقداس دولة المؤسسات.

الدفاع عن متهمٍ في جريمة بشعة مثل تفجير مسجد الصادق هو أمرٌ لا شك صعب. و مع ذلك، فلنتذكر دائماً أننا لسنا قضاة؛ القضاة هم فقط من خولهم القانون بالجلوس على منصة القضاء. أما نحن، فينبغي أن يكون فينا دائماً من يقوم بمهمة الدفاع التي و إن كانت جالبة لنقمة الناس على المدى القصير إلا أنها دعامة لازمة للأعمدة الأساسية للنظام الدستوري على المدى البعيد. اللحظة التي سيجد فيها مجتمعٌ ما نفسه و قد انتهى الأمر بجميع أفراده إلى الإمتناع عن توفير مثل هذه الضمانات الدستورية لمتهمٍ ما بدعوى الاستنكاف العاطفي هي اللحظة التي ستبدأ فيها بنيته الأساسية العدلية بالتآكل و الاضمحلال.

نعم، المحامون مسئولون عن خياراتهم القيمية. و مع ذلك، فلا ينبغي أن نتعسف في هذا المطلب بما يرتب إرهاب المحامين معنوياً إلى حدٍ يمس بحق المتهم في وجود محامٍ بجانبه. نحن أمام مسلمة عدلية لا تقبل النقاش، قد يُقبل من المجتمع أن يظهر صعوبةً في استيعابها، و لكن ذلك لا يُقبل أبداً من المحامين. لذلك، فما إظهار بعض المحامين التردد في قبول الدفاع عن المتهمين خشيةً من الرأي العام إلا إضعافٌ لصورتهم أمام ذات الرأي العام الذي يخشونه.

نحن، ككويتيين، موجوعون: فقدنا شهداءنا و هم راكعون يصلون. من هنا، فتمسكنا بعدم مساءلة الضمانات الدستورية التي نصر على توفرها في هذه القضية الحزينة لا يتعلق فقط بحقوق المتهمين، بل يتعلق قبل ذلك بحق الكويت علينا بأن نجتاز بها هذا الاختبار الحرج لصدقية قناعاتنا بما نتنادى به دائماً من دورٍ رفيعٍ لمؤسساتها العدلية.

هكذا فقط نثبت لأنفسنا – و للعالم – أن الأمر يتطلب أكثر من حفنة من معتوهي الإرهاب حتى نفقد الثقة بمؤسساتنا الدستورية القيمية، و هكذا فقط نجعل لتلك الدماء الزكية التي سالت في المساجد قيمةً و معنى.

الفيلم الإيراني “انفصال نادر و سيمين”: جدلية القيمة و القانون

قياسي

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

2 يوليو 2012

الفيلم الإيراني “انفصال نادر و سيمين” (للمخرج أصغر فرهادي):

ملخص – “تدور أحداث الفيلم في إيران المعاصرة حول قصة الزوجة “سيمين” التى تريد الرحيل عن إيران مع زوجها وابنتها، وتلجأ إلى التهديد بطلب الطلاق عندما يرفض الزوج “نادر” الفكرة من أساسها، متعللاً برعاية والده المصاب بمرض الزهايمر. غير أن مشاكل الأسرة لن تقف عند هذا الحدّ، بل تزداد المشاكل التي تجلبها عليهم الخادمة التي وظّفها الزوج نادر للعناية بالعجوز المريض، عندما يتسبب نادر في حادث عرضي للخادمة الحامل مما يؤدي إلى إجهاضها”.

الزوج، الزوجة، الخادمة، العاطل، الإبنة، المعلمة، المحقق، الجدة؛ هذا فيلم جميع شخوصه – حتى الأطفال منهم – يواجهون بتحديات قيمية، صغيرة أو كبيرة لا يهم، ما يهم هو انها مركبة، مربكة، مقلقة، و مؤرقة ضميرياً. كما أنها تحدد شكل حياتهم كما يعيشونها و كما يجرّون الآخرين لعيشها معهم. الرسالة: للخيارات القيمية آثار لازمة (للفرد) و أخرى متعدية (لمحيطه).

بعد أن تخرج من هذا الفيلم، ستعيد النظر في قيمة القانون في مواجهة عداه من أدوات الضبط الاجتماعي القيمية الأخرى (الأخلاق، الدين، الحس السليم، الروابط العائلية، العادات، التوقعات، السمعة، الاحترام، الأفكار المشتركة، التقاليد، العيب، الوعود، الأعراف، الاتفاقات، القيم، الحرام، كلمة الشرف). ستنتهي إلى أن القانون – رغم هيبته – هو أخف تلك القيود الثقيلة وطأةً.

و للمتعة القصوى من الفيلم، وسّع من منظورك التحليلي؛ لا تقتصر في مشاهدتك على التحليل الأفقي لدلالات الفيلم من حيث الصراع الطبقي الواضح، بل انتبه للدلالة الرمزية العميقة للأجيال الثلاثة من حيث تمثيلها لإيران: الجد (الماضي / الإنهيار)، الأزواج الشباب في العائلتين (الحاضر / التحديات القيمية)، و الأطفال (المستقبل / القلق و الحيرة). لا تنخدع بالمشاهد التي هي سياقات تتضمن ممارسات يومية محض اعتيادية.

فاز الفيلم بأول جائزة أوسكار في تاريخ إيران (عن فئة أفضل فيلم ناطق بغير الإنجليزية)، إضافة إلى فوزه بجوائز أخرى عديدة في مهرجانات سيدني وجنوب إفريقيا ونيويورك والهند. كما حصد مؤخراً الجائزة الأولى في مهرجان برلين السينمائي.

الفيلم جميل جداً. اللغة السينمائية فيه سهلة / ممتنعة؛ عيارها تم ضبطه تماماً كما ينبغي. أما الأداء الواقعي البعيد عن الصنعة و التكلف، فمتعة صرفة.

يعرض الفيلم الآن في جميع دور العرض في الكويت. إحضره حتى تشهد تفاعلاً واقعياً بين متطلبات القانون و إلحاح القيمة (كما أن التجربة ستساعدك جداً في تجاوز التأثير الطاغي، و الكاذب، لذاك الوهم الكبير المسمى “السينما الأمريكية”).

نقد التبسيط العلمي: منظور ديمقراطي، مثالي و غير مثالي

قياسي

 

نقد التبسيط العلمي:

منظور ديمقراطي، مثالي و غير مثالي

 

 د. مشاعــل عبــد العزيــز اسحــق الهاجــري

Mashael.alhajeri@ku.edu.kw

20 إبريل 2012

 –

– 

“كل شي يجب أن يكون في أبسط أشكاله ، و مع ذلك فينبغي أن لا يكون أبسط مما هو عليه”

– آينشتاين.

(ما يلي هو خلاصة نقاش أكاديمي طويل، كنا نتدارس فيه، أنا و زميل، السبل المثلى للتعامل مع التحديات القاسية لنقل المعارف القانونية):

في المجال البيداغوجي، كما أراه (و البيداغوجيا هي علم أصول التدريس)، لا جريمة أكثر فداحة من جريمة التبسيط العلمي الساذج، الذي يتنزل بالمعرفة إلى مستوى قدرات غير العارف، عوضاً عن أن يرفع قدرات غير العارف بما يليق بمستوى المعرفة.

للتقريب، و لأغراض النقاش فقط، لنستخدم المصطلح السوسيولوجي الدارج، و لنقل أن التعليم هو مجال طبقي – معرفياً – بطبعيته؛ شريحتاه هما الأرستقراطيون (طبقة عليا/شهادات عليا)، و البروليتاريا (طبقة دنيا/شهادات دنيا).

أبرز الفاعلين في الشريحة الأرستقراطية معرفياً هم الأساتذة، و هم كثر، إلا أن الحقيقيون من الأساتذة هم أشخاص ديمقراطيون بطبيعتهم. أكثر من ذلك، فاأستاذ الحقيقي هو شخص ذو طبيعة ثورية علمياً؛ لا يحتمل الفروق الطبقية (المعرفية)، فيسعى لتحطيمها بكل ما أوتى من قوة.

ابتداءً، يقف الأستاذ على ربوة عالية، يشرف منها على معارف كثيرة، تتاح له و حده بسبب امتياز وضعه (العلمي) كأرستقراطي، دوناً عن طلبته.

و لأنه – كمعلمٍ حقيقي – ثوريٌ بالضرورة، فهو عوضاً عن أن يريح نفسه بأن يبقي طلبته البروليتاريين في مكانهم بالأسفل فيكتفي بأن يصف لهم ما يراه هو من موقعه العالي على تلك الربوة (بدعوى تبسيط المعارف)، فإن دوره الحقيقي هو أن يتجاوز أنانيته المريحة فينبذ مسوح الأرستقراطي بأن يشمّر عن أكمامه ثم يمد كلتي يديه لطلبته حتى يساعدهم جميعاً على تسلق تلك الربوة العالية، واحداً تلو الآخر، فيروا بأعينهم المنظر البانورامي المعرفي الجميل، الذي كان يراه لوحده. مواجهة مثل هذا التحدي الثوري الكبير لا تكون إلا من خلال مواجهة العقبات المعرفية بحجمها الطبيعي، لا ذاك المُختـزل بدعوى التبسيط.

عندما يساعد الأستاذ الحقيقي جميع طلبته على ارتقاء تلك الربوة المعرفية فإنه سيتعامل مع حمل ثقيل؛ سيؤلمه ساعداه، و ستنغرز قدماه بالوحل، كما سينتهي به الأمر بأن يقف طلبته إلى جانبه تماماً، على ذات الأرض العالية التي كان ينفرد بميزة الوقوف عليها لوحده دوناً عنهم. و بذلك، فإنه سوف يحيل طلبته من بروليتاريا خاضعة إلى أرستقراطية متطلبة، تتكون في مجموعها من نظراء له؛ يناقشونه، يتعبونه، بل و قد يتفوقون عليه معرفياً.

و مع ذلك، فإن الأستاذ الحقيقي – كبراغماتي عملي و ليس كمثالي ساذج – يدرك أنه الفائز دائماً، مهما تجاوزه طلبته:

بالمنظور المثالي المعلن، و على المدى القصير؛ لقد انتصرت ثورته و حققت أهدافها.

أما بالمنظور النرجسيّ السري؛ و على المدى الطويل؛ فهو يدرك تماماً أن النتاج الحقيقي لجهده هو تحويل طلبته من”أنداد” إلى “امتداد”. سيعيش إلى الأبد، هذا المعلم الثوري.

معمار القانون: مبنىً ظاهر و أساسات خفية

قياسي

فكّر بالقانون كمبنى؛ المباني القوية لا تقوم من دون أساساتٍ سليمة. أساسات القانون – بالضرورة – هي “القيم المجتمعية”:

  • لن تفيد قوانين مكافحة العنف الأسري ما لم تُحترم المرأة.
  • لن تفيد قوانين المرور ما لم يقم اعتبار متبادل بين مستخدمي الطرق.
  • لن تفيد قوانين التحكيم و الطرق البديلة لحل المنازعات ما لم يقـِلُّ الميل إلى الخصومة و اللدد.
  • لن تفيد قوانين تنظيم العمل الإعلامي ما لم يُعيّن الجمهور حداً أدنى للإنحدار.
  • لن تفيد قوانين حماية العمال و الخدم ما لم يؤمن أرباب العمل بقيمة الإنسان.
  • لن تفيد قوانين الحشمة و اللباس ما لم تُفهم فكرة الـ “دريس كود” (dress code).
  • لن تفيد قوانين الممارسات المهنية ما لم يُسوّق لفكرة أخلاقيات المهنة (code of ethics).

المرحلة القادمة أمام الكويت التحدي فيها لا يبدأ في قاعة البرلمان؛ بل ينتهي به.

 

مقاييــس لضبــط جــودة القوانيــن

قياسي

مقاييــس لضبــط جــودة القوانيــن

د. مشاعــل عبــد العزيــز اسحــق الهاجــري

Mashael.alhajeri@ku.edu.kw

25 يونيو 2011

 –

كثيراً ما تثار المناقشات حول القصور في التحضير للقوانين، فترتفع الشكاوى بأن قوانينا تصدر دون أن تسبقها دراسات جادة، و هذا صحيح إلى حد كبير بسبب غياب السياسات التشريعية الواضحة. هذا من حيث ما أسميه “المرحلة القبلية” لإصدار القوانين (a priori). و لكننني أرى أن المسألة تتجاوز ذلك إلى “المرحلة البعدية” لإصدار هذه القوانين كذلك (a posteriori).  نحن مقصرون في استخدام الأدوات العلمية (القياس الكمي، الإحصاء، التحليل) للتحسين من نوعية المعرفة المتاحة عن القانون و مؤسساته، ليس ضمن الإطار المالي أو الأمني فقط فقط بل بالمعنى الاجتماعي الواسع. ما أقصده هو: هل يمكن أن ندعي أن لدينا إجابات واضحة و منضبطة لتساؤلات مشروعة من قبيل ما يلي:

  • – هل يؤدي الإفراط في فرض نظام حمائي للعمال إلى ارتفاع في اسعار السلع؟
  • – ما هو أثر ضوابط قوانين المرور على معدلات حالات الإعاقة الجسدية الناجمة عن حوادث السيارات؟
  • – هل يؤدي اتساع هامش السلطة التقديرية الممنوحة للقاضي إلى ارتفاع في قيم التعويضات التي تحكم بها المحاكم؟
  • – هل تؤدي عقوبة الإعدام إلى انخفاض في نسبة جرائم القتل؟
  • – هل هناك علاقة بين السماح بالإجهاض – أو منعه – وبين نسبة الجريمة؟
  • – هل تؤدي الدعاوى الجماعية لحملة الأسهم في الشركات المساهمة إلى منع أخطاء الإدارة أو التقليل منها؟
  • – هل تؤدي الطرق البديلة لحل المنازعات (تحكيم / توفيق / إلخ) إلى خفض تكاليف نفقات المنازعات التجارية؟
  • – هل يؤدي تجريم حمل السلاح إلى خفض نسبة جرائم الاعتداء المسلح؟
  • – هل يؤدي فرض الضرائب الى خفض معدلات جرائم تخريب الممتلكات العامة؟
  • – هل تؤدي تطور المنتجات التمويلية وتعددها (صناديق استثمار / اجارة / توريق) إلى ازدياد في معدلات الإفلاس أو الإيسار؟
  • – هل يؤدي التوسع في منح صفة الضبطية القضائية (مفتشي البلدية / مفتشي البيئة) إلى التقليل من نسب المخالفات المدنية (مخالفات النظافة / المطاعم / التلوث)؟

الأسئلة كثيرة، فما هي مسطرة الإجابة؟

بعبارة أخرى: ما هي مقاييس جودة قوانيننا؟ كيف نقف على مدى فعاليتها؟

ربما حان الوقت للخروج بنظام ما لتقييم جودة القوانين، شيء ما يقارب مقاييس ضبط جودة المنتجات المسماة ISO 9000.

ربما.

الفريسيـون الجـدد

قياسي

الفريسيون الجدد

د. مشاعــل عبــد العزيــز اسحــق الهاجــري

Mashael.alhajeri@ku.edu.kw

30 نوفمبر 2011

 –

المواقف غير المتجردة لبعض القانونيين و الرامية إلى تمجيد الغوغاء من مقتحمي مجلس الأمة و من ثم التقليل من الدلالات المرعبة للحدث تذكرني فعلاً بحوارات السيد المسيح مع فئة “الفَريسيّين” (الفَريسيّون طائفة متنطعة من الكتبة و العلماء، متشددون في ظاهر الديانة و لكنهم متمسكون بالألفاظ دون المعاني).

اسمع مثلاً تقريع السيد المسيح لهؤلاء، عندما استنكر ما ذهبوا إليه من تغييب القيم الكبرى لصالح التفاصيل الصغرى:

“وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا (الفريسيون) الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ الْقَائِلُونَ بأن مَنْ حَلَفَ بِالْهَيْكَلِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَ لكِنْ مَنْ حَلَفَ بِذَهَب الْهَيْكَلِ يَلْتَزِمُ. أَيُّهَا الْجُهَّالُ وَالْعُمْيَانُ! أَيُّمَا أَعْظَمُ: أَلذَّهَبُ أَمِ الْهَيْكَلُ الَّذِي يُقَدِّسُ الذَّهَبَ؟

 وَ تقولون مَنْ حَلَفَ بِالْمَذْبَحِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلكِنْ مَنْ حَلَفَ بِالْقُرْبَانِ الَّذِي عَلَيْهِ يَلْتَزِمُ. أَيُّهَا الْجُهَّالُ وَ الْعُمْيَانُ! أَيُّمَا أَعْظَمُ: أَلْقُرْبَانُ أَمِ الْمَذْبَحُ الَّذِي يُقَدِّسُ الْقُرْبَانَ؟”

الرسالة؟
لا تنخدع بدعاوى الفريسيين الجدد القاصدة لامتهان قيمة المؤسسة الدستورية البرلمانية (“الهيكل”) تحت دعاوى مكافحة الفساد المالي (“ذهب الهيكل”).

القانون، هذا المظلوم

قياسي

مظلوم هو القانون.

 تأمل جيداً في كافة أدوات الضبط الاجتماعي التي تقيد حركتنا (عادات، حسبة، توقعات، أفكار مسبقة، تقاليد، عيب، وعود، أعراف، اتفاقات، حرام، كلمات شرف)، و ستجد أن القانون – رغم وطأة هيبته – هو ألينها وثاقاً.