Tag Archives: الكويت

مستقبــل كليــة الحقــوق: آفــاقٌ واسعــةٌ، احتمــالاتٌ مفتوحــة و فــرصٌ ممكنــة

قياسي

– 

مستقبــل كليــة الحقــوق:

آفــاقٌ واسعــةٌ، احتمــالاتٌ مفتوحــة و فــرصٌ ممكنــة

د. مشاعــل عبــد العزيــز الهاجــري

قسم القانون الخاص

كلية الحقوق – جامعة الكويت

‏23‏ مايــو‏، 2018

DSC_3929

صورة (1)

 

منذ فترة، وقعت في يدي صورةً نادرةً للمسوّدة الأصلية للدستور الكويتي، نُشرت مع مقابلةٍ قديمةٍ أُجريت عام 1963 – أي منذ أكثر من 50 عاماً – مع المرحوم الدكتور عثمان خليل عثمان، المستشار القانوني الذي ساهم في وضع دستور دولة الكويت (صورة 2).

تحت الصورة، لفتت نظري هذه الفقرة من حديثه:

“من الأقوال الشائعة في ما يتعلق بالدساتير أنها توضع بعقلية ما قبل اصدارها، مستوحاة من الماضي بظروفه و مشاكله، ولكننا راعينا اثناء غعداد هذا الدستور أن يأتي أقرب إلى مفاهيم الغد منه إلى مفاهيم الأمس، حتى بمقاييس اليوم”.

و هكذا، فإن مفاهيم “الغد” (غَدُه هو، عندما كان يتحدث عام 1963) هي مفاهيم “اليوم” (يومنا هذا).

يمكن إسقاط ذلك على المستقبل الأكاديمي لكلية الحقوق في جامعة الكويت. فوفقاً للأعراف الأكاديمية المستقرة، هناك جناحان للممارسة الجامعية، هما البحث العلمي و التدريس، إلا أن أياً منهما لا يرتفع في قيمته الأكاديمية إلا من خلال جملةً من العناصر، بعضها موجود فلا يتطلب الأمر إلا الاستمرار في استخدامه، و بعضها الآخر معطّلٌ فينبغي تنشيطه، فيما البعض الثالث منها غير موجودٍ ولكنه ممكن الاستحداث: إن الأمر يتعلق بالسعي الجاد نحو آفاقٍ واسعة، احتمالاتٌ مفتوحة و فرصٌ ممكنة، بشكلٍ يقارب ما تقدّم من منطق اعداد دستور الكويت.

هنا سردٌ لمنظوري الخاص حول الأمر، و هو سردٌ يدور في إطارٍ نظري/تطبيقي مرن، يستوعب الطبيعة الخاصة للجامعة باعتبارها مؤسسةً ديناميكيةُ ينبغي أن تجدّد نفسها باستمرار. إن الأمر لا يقف عند الأهداف فقط، و إنما يتعداها إلى الهيكل الفكري الذي ينبغي أن يتمدّد ليحتويها بمرونةٍ تستوعب إملاءات المرحلة، أياً ما كانت هذه الأهداف، و مهما بلغ من حجمها.

مسودة الدستور

صورة (2)

 

آفــاقٌ واسعــة: مجــالٌ كبيــرٌ للحركــة

(1) الجامعة مؤسسةٌ طليعية؛ ينبغي أن تتقدّم مؤسسات الدولة دائماً، إلا أن حركتها يجب أن تتم بخطواتٍ مدروسةٍ في ظل استراتيجياتٍ كبرى تعمل بمثابة خارطة طريقٍ لها (رؤية الكويت 2035، تقارير الأمم المتحدة، الخطة الاستراتيجية لجامعة الكويت). علينا أن نستحضر كل ذلك، بحيث تقود خطواتنا الإدارية الكلية باتجاه تلك الأهداف، لا بالإنحراف عنها.

(2) كلية الحقوق هي أولى كليات القانون في منطقة الخليج العربي (تأسست عام 1967)، و لها بذلك تاريخٌ فخور. و مع ذلك، يبدو للراصد أنها تتسم بطبيعةٍ انعزاليةٍ ما تفصلها عن الممارسة القانونية في العالم، رغماً عن اعتبارات العولمة، مما انعكس على تعاطي الكلية مع القانون المقارن. ينبغي لعب دورٍ أكبرٍ نحو استكشاف النظم القانونية المقارنة للتجديد في المعارف الحقوقية لمنتسبي الكلية.

(3) فيما عدا بعض البرامج الوقتيّة و المتفرّقة التي التي يعوزها عنصر الإستدامة، تفتقر البنية المؤسسية لكلية الحقوق لآليات تطوير أعضاء هيئة التدريس. لذلك، ينبغي الدفع باتجاه استحداث “وحدة لتدريب و تطوير أعضاء هيئة التدريس” بداخل الكلية، بما يحقق لهم فرص مواكبة المستجدات المتصلة بعملهم الأكاديمي و دورهم في تقديم تعليمٍ أفضلٍ للطلبة.

(4) رغم أنه من المحبّذ أن تكون لكليات الحقوق طبيعةٌ راسخةٌ ما انسجاماً مع الاستقرار القانوني، إلا أن المناهج و طرق التدريس فيها هي أقرب للجمود منها للاستقرار. في كثيرٍ من المقررات يُدرِّس الأستاذ لطلبته ما كان هو يَدْرِسَه عندما كان على مقاعد الدراسة، حارماً إياهم بذلك – بحسن نيةٍ أحياناً أو انسياقاً مع أجواء الاسترخاء الإداري المخاتلة و المريحة التي تعمّ البلاد أحياناً أخرى – من الانفتاح على التطوّر القانوني في العالم من حوله. إن إثارة هذا الأمر و جعله مادةً للنقاش المستمرّ في الكلية يجب أن يكون من الأولويات الأساتذة و الطلبة معاً. المعايير المؤسسية، أية معايير، إن لم ترتفع اانخفضت.

(5) من المواد التي تتطلبها المرحلة و التي  يمكن استحداثها في كلية الحقوق: السياسات التشريعية (التخطيط الاستراتيجي للتشريعات)، التشريع للأزمات، الإطار القانوني لأعمال جمعيات النفع العام (الفرص / الحدود / آليات الحصول على التمويل الدولي / الشراكات المحلية و الخارجية)، القانون و الواقع الإلكتروني، التنظيم القانوني للموارد المائية (البحار/ المضائق / التحلية)، الكويت كمركزٍ ماليّ و اقتصادي، المتطلبات القانونية لرؤية الكويت 2035، القانون و الثقافة، القانون في بيئةٍ متغيرة (التعامل القانوني مع الأجواء الإقليمية القلقة)، التنظيم القانوني للهجرة و العمالة (في بُعديه الوطني و الدولي)، النظام القانوني للاتحاد الأوروبي (لتعلم الدروس و الاسنفادة منها في مجلس التعاون الخليجي)، النظم القانونية المقارنة، الكتابة القانونية (التعليق على الأحكام القضائية / كتابة الفتاوى و الآراء القانونية / كتابة المقال الصحفي القانوني)، مكافحة الفساد (الحوكمة / غسيل الأموال / التربّح من الوظيفة العامة / نظم الرقابة الداخلية و الخارجية / الدور الرقابي المجتمعي)، التنظيم الدولي للاستثمار، الأخلاقيات القانونية، إدارة حقوق الملكية الفكرية، أعمال الحكومة و المؤسسات العامة، الجوانب القانونية لتمويل المشروعات التجارية، النظام القانوني في الصين (لا سيما و أن الكويت مقبلة على شراكاتٍ كبرى مع هذه البلاد)، شئون قانونية جارية (Current Legal Issues)، هيكلة اتفاقيات الأعمال (مدني / تجاري)، نظم الرعاية الصحية، تحديات القانون في ظل العولمة (العلاقة بين القانون الداخلي و القوانين المقارنة و القانون الدولي)، القانون و مخاطر التطوّر العلمي، القانون و التنمية (التنمية البشرية / حقوق الإنسان / التخطيط الحضري)، القانون و صناعة المؤسسات، أسواق المال الدولية، إدارة الدعاوى القضائية (الإثبات / الخبرة / التنفيذ)، عقد الصفقات التجارية (المفاوضة / صياغة العقود / المسئولية / التمويل/ التأمين / إدارة المخاطر / إدارة الديون)، آليات المطالبات المالية claims (في عقود التأمين / عقود الإنشاءات / عقود البترول)، القانون و صناعة المؤسسات، و عداها. الممكن هنا كبير، و خصب.

(6) أنبّه دائماً إلى أن كلية الحقوق، رغم تاريخها العريق، تخلو تماماً من المراكز العلمية البحثية المتخصّصة، إذ لم يتم استحداث أي مركزٍ بحثيّ فيها منذ إنشائها و حتى اليوم. صار من اللازم أن اعتبار الأمر أولويّة، و السعى إلى إنشاء مركزٍ للدراسات القانونية المقارنة في الكلية، تكون من مهامه دعم الأبحاث و الدراسات المعمّقة في القانون المقارن، و العمل كمركز إتصالٍ بين كلية الحقوق و المراكز البحثية الدولية ذات الغرض المماثل، إضافةً إلى تقديم الإستشارات للجهات الحكومية خلال المراحل التحضيرية لإعداد التشريعات و اللوائح، من واقع دراسة الإتجاهات الحديثة النظم القانونية المقارنة للخروج بتشريعاتٍ أفضل في الكويت.

مشاعل

صورة (3)

 

احتمــالاتٌ مفتوحــة: ما يمكــن أن يكــون

(1) الدراسة الحقوقيّة حول العالم تتغيّر (الأكاديميا) كما أن الممارسة القانونيّة تشهد تطوراً ملحوظاً (المحاماة)، ذلك أن التحوّل صار يجري الآن على قدمٍ و ساق من اقتصادٍ مبنىّ على المكوّن المادىّ إلى اقتصادٍ معرفيّ تكون فيه المعارف و المهارات هى قطب الرحى (كما تبيّن مؤشرات التنمية الإنسانية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائى). من ذلك، إن الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelegence – AI) سيبداً بأخذ دور المحامين تدريجياً حتى يقلّ الطلب السوقيّ على خدماتهم (تقنيات ما يعرف بـ Block Chain و العقود الذكية Smart Contracts هما التغيير المستقبلىّ القادم، و الذي يبدو أنه قد بدأ سلفاً بإزاحة دور المحامين بهدوء). بذلك، فإن نوعية المهارات الحقوقية المطلوب خلقها في دارسي القانون بدأت تتغيّر، بحيث صار ينبغي اعداد قانونيين من صنفٍ رفيعٍ و متخصّص، فهؤلاء فقط هم من سيكتب لهم البقاء في سوق العمل خلال السنوات القادمة. ينبغي نشر هذه الثقافة في أوساط كل من أعضاء هيئة التدريس و الطلبة معاً.

(2) للأمانة العلمية / الأكاديمية مركز الصدارة، فتقع على رأس هرم القيم المؤسسيّة للجامعة عموماً و لكلية الحقوق تحديداً بسببٍ من الطبيعة القيميّة للدراسة فيها، الأمر الذي يتطلب التعاطي مع مسائل الغش الدراسي بأقصى درجات الجدية. و يثبت النظر المقارن أن المؤسسات لا تحرز النجاح في التصدي لمسألة الأمن المعلوماتي الا من خلال التجديد (المدارس / الجامعات / الجمارك / شركات الحاسب الآلي / المنافذ الحدودية – كل هذه مثالاً). إن وضع حدٍ لهذه الإشكالية إنما يكمن في أحداث تغييرٍ في فلسفة الأسئلة و أساليبها: لقد لوحظ أن الاختبارات التي تتطلب إجاباتٍ سرديةٍ أو وصفيةٍ أو اختيارٍ من متعددٍ لا تمثل تحدياً للطلاب لأنها لا تتطلب مهارات التفكير العليا، فهي بذلك تعتمد على التلقين و حفظ المناهج عن ظهر قلب، بما يسمح لغالبية الطلبة – و ليس فقط  للمستحقين منهم – بالانتقال إلى المراحل الدراسية المتقدّمة خلال مع بدرجاتٍ عالية و لكن مضلّلة للواقع. لذلك، ينبغي التعامل مع هذه الثقافة المؤسفة لإحداث تغييرٍ حقيقيّ في النسق / البارادايم، من خلال الحثّ على التخلي تماماً عن الأسئلة السرديّة / التقليديّة، و التحوّل إلى الأسئلة التحليليّة / التفكيكيّة، من خلال تغيير طريقة الأسئلة و أساليبها و التنسيق لتدريب الطلاب على هذا النمط الجديد من الأسئلة. و لكن الأهم من كل ما تقدم هنا هو وجوب تذّكر أن كلية الحقوق تحديداً  – و بدرجةٍ تفوق جميع مؤسسات المجتمع و تتعداها – يجب أن تمارس سياسة “الاحتمال صفر” (Zero-tolerence) عندما يتعلق الأمر بالغش الطلابي، فلا تبدي أي نوعٍ من التساهل تجاهه، لسببٍ واضح (و لكنه مزعجٌ و مؤرّق، ناهيك عن أنه محرجٌ سياسياً، مما يجعل كثيرون يشيحون ببصرهم عنه)، وهو أن غشاشي اليوم من طلبة الحقوق – إن تم التساهل معهم – سيكونون هم محامو المستقبل و وكلاء نيابته و قضاته. نحمد الله – و نفخر – أن الغالبية العظمى من طلبتنا ملتزمون و ذوي انضباطٍ عال، و لكننا ينبغي أن نذكّر أنفسنا دائماً – كليةً و مجتمعاً – بمغبّة التساهل في ذلك و بآثاره العامة الوخيمة على الجميع من دون استثناء).

(3) تحسين التجربة الدراسية للطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة هو أمرٌ يتطلب إلتفاتة خاصة (إعاقة سمعية / إعاقة بصرية / إعاقة حركية / بطيئي التعلم). يمكن عمل الكثير على هذه الجبهة (تعديلات مرفقية بسيطة، التعاون مع معاهدهم، تقديم مساعدةٍ تدريسيةٍ خاصةٍ و مُجَدْوَلَة). لنا تجارب تثبت أن الأمر – من دون أي تنازلٍ في المستوى الاكاديمي – لا يتطلب إلا تغييراتٍ بسيطة من الإدارة، و صبرٍ جميلٍ من الأساتذة. و بعدها، كانت النتائج دائماً مبهرة. في الحقيقة، ينبغي الإشارة إلى أن تفوّق هذه الفئة العنيدة من الطلبة هو أمرٌ ملحوظٌ و مثيرٌ للإعجاب.

(4) أغلب الدارسين في كلية الحقوق و أكثر مالئي قائمة الشرف السنوية لها هن من الفتيات، و مع ذلك، تُحرم طالباتنا من فرصٍ وظيفيةٍ مستعصيةٍ عديدة تتاح لزملائهن من الطلبة (النيابة / القضاء). لما كانت هذه المفارقة لا تستقيم مع اتجاهات كلية الحقوق و مقاصدها، ينبغي بذل الجهد للاتصال و التنسيق مع الجهات المعنية لفتح حوارٍ مستمرٍ بشأن هذه الإشكالية لكونها تحدّ من الفرص الوظيفية لخريجات الكلية.

(5) قدر كليات الحقوق أن تلعب دوراً في ترشيد آليات إصدار التشريعات في بلادها، و كليتنا ليست استثناء. يجب التذكير دائماً بأن القوانين ينبغي إلا تصدر إلا على ضوء أفكارٍ تشكّل في مجموعها سياساتٍ رئيسية كبرى، هي التي تحدّد – ابتداءً – الاعتبارات الخاصة بمدى الحاجة للقانون و نطاقه و اصداره و أوجه تطبيقه (يُطلق على هذه الأفكار مصطلح “السياسة التشريعية” legislative policy). و بذلك، فإن السياسة التشريعية تختلف في مضمونها عن التشريع، فإذا كان هذا الأخير يعالج موضوعاتٍ محددة بدقةٍ و قصر، فإن السياسة التشريعية تضع التصورات المتعلقة بالأوضاع العامة لمجالٍ معين (اقتصاد، إسكان، صحة، طاقة، إلخ)، و من ثم تحدّد ماهية القوانين الواجب إصدارها لتنظيم هذا المجال. و بذلك، فإن السياسية التشريعية تضع الخطوط الكبرى للمجال موضوع التشريع. فعلى سبيل المثال، لا تظهر الفاعلية الاقتصادية و الاجتماعية للقوانين الجديدة إلا إذا صُمّمت بحيث تعمل كجزءٍ من منظومة القوانين الأخرى التي ترتبط بها عضوياً. من ذلك أن القوانين الاقتصادية، على سبيل المثال، لا يكتب لها النجاح إلا إذا اعتمدت نسق التكامل و التجانس مع عداها من القوانين. من هنا، على الكلية أن تلعب دوراً فاعلاً لضخّ شيءٍ من الرشد في العملية التشريعية في البلاد، للحدّ من التدهورٍ التشريعيّ المقلق و الملحوظ.

DSC_3904

صورة (4)

فــرصٌ ممكنــة: استغــلال المــتاح و الانتبـاه للمُهمَــل

(1) تعتمد كلية الحقوق بشكلٍ تامٍ على الجامعة كمصدرٍ ماليٍ وحيدٍ، مما يؤثر على ميزانيتها، لا سيما في ظل اشتراطات التقشف و ترشيد الإنفاق. ينبغي مدّ جسور التعاون مع جهاتٍ أخرى يمكن أن تلعب دوراً كبيراً في تمويل أنشطة الكلية و رعايتها (غرفة تجارة و صناعة الكويت، المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، الهيئة العامة للاستثمار، بنك الكويت المركزي، هيئة الاستثمار الأجنبي المباشر، الوقفيات الخيرية، المنظمات الدولية، و عداها). بشيء من التنسيق و ربط المصالح المشتركة، يمكن الاستفادة من هذه الجهات لتمويل العديد من الأنشطة لمصلحة الطلبة (internships/ التدريب / البعثات / دورات اللغات).

(2) رغم تاريخها العريق، إلا أن كلية الحقوق لم تحصل على الاعتماد الاكاديمي حتى الآن، رغم أن الجامعة تدفع كلياتها في هذا الاتجاه، كما يبدو. حقاً، ينبغي جعل الحصول على الاعتماد الأكاديمى لبرامج كلية الحقوق أولوية (سوف يكسب الاعتماد طلبة الكلية قدراً أكبر من التنافسية فى سوق العمل على المستويين المحلى و الدولى).

(3) تُلحق بكلية الحقوق مرافقٌ ذات سمعةٍ طيبةٍ و تاريخ عريق، يجدر التنبّه الى وجوب تطويرها (مكتبة الحقوق / مجلة الحقوق).

(4) ينبغي إعادة الاعتبار للجانب “التنظيري” العميق من المقررات الدراسية و عدم تغليب الجانب العملي. لنسّلم ابتداءً أن للقانون في إطاره العملي علاقة قوية بالممارسة الواقعية في سوق العمل، أي مهنة المحاماة، وهو أمر يعني أن هذه المهنة تمثل عمقاً إستراتيجياً من شأنه أن يعني الحفاظ على الحدود التقليدية للقانون و ربطها بالواقع دائماً. و مع ذلك، فيبدو لي أن طغيان الاعتبارات التي يتطلّبها سوق العمل و انشغال الكلية بمتابعتها قد أثرا إلى حدٍ كبيرٍ على جودة مخرجاتها (يلاحظ أن من ينادون بتغليب الجانب العملي على النظري يسترشدون عادة بالنموذج الأمريكي أو الياباني الذي يربط الأبحاث العلمية بالشراكة مع القطاع الخاص، و لكن الأمر في حقيقته يعود إلى آليات تمويل البحث العلمي هناك، التي تنبع لديهم من القطاع الخاص لا العام، بخلاف الحال مع الكويت). و في الحقيقة، يتمثل الدور الأهم لكليات الحقوق في العالم ككل هو “صنع القادة” و ليس تخريج المهنيين القانونيين فقط. إن هذا المنحى “التطبيقي” قد أدى لتحجيم الدور الفكري القيادي الذي كانت الكلية تلعبه في السابق، بحيث أصبح جلّ ما تطمح إليه الآن هو تخريج المحامين و موظفي الدولة. و لما كان في ذلك طغيانٌ للجانب المهنيّ على الجانب الأكاديمي، فيهمنى أن أؤكد على أهمية أن نذكّر أنفسنا بكوننا مؤسسةٌ أكاديميةٌ لا مهنية، مما يعني ضرورة إعادة الاعتبار لتدريس المناقشات النظرية العميقة للأفكار القانونية الكبرى الكامنة وراء السياسات التشريعية المعاصرة. الخارطة الهندسية (التنظير) يجب أن تسبق البناء دائماً (التطبيق العملي).

(5) لعل واحدٌ من أهمّ الموضوعات المهملة التي ينبغي الالتفات لها هو تفعيل الاتفاقيات الثنائية و مذكرات التفاهم مع الجامعات و المعاهد المختلفة (و هذه موجودة سلفاً و لكن لا يُعرف لها تفعيل و لم تُرَ لها نتائج). الصكوك كثيرة و متناثرة، و بعضها مرّت عليه السنين من دون أن تستفيد الكلية منه شيئاً. صار يجب إعداد سجلٍ بحصرها و رصد ما ورد من امتيازاتٍ للكلية فيها، لتفعيله.

(6) يعتبر التقسيم الكلاسيكي للمعرفة (knowledge) إلى حقولٍ معرفيّة (disciplines) تقليداً جامعياً عريقاً استقر منذ زمن الإغريق القدماء. وهو تقسيمٌ استمر إلى العصور الوسطى، حيث أدى ظهور الجامعات الأوربية و تعقّد المجتمعات الغربية إلى تطوّر هذا التقسيم الكلاسيكي بشكلٍ ترسّخ مع بداية عصر النهضة (renaissance)، و استقر مع تحديد ملامح مجالات العلوم الاجتماعية و الإنسانيات، التي تطوّرت في أواخر القرن التاسع عشر و حتى القرن العشرين، إلى أن أصبحت على الشكل الذي نعرفه الآن. و قد كان السبب في التغيير المستمر لحدود الحقول المعرفيّة و معالمها هو المتطلبات الديناميكية المستمرة للمجتمعات الحديثة ذات الطبيعة المعقدة، و التي تتطلب درجاتٍ أعلى من التخصص. و تجدر الإشارة ضمن هذا السياق إلى أن القانون، بوصفه حقلاً معرفياً مستقلاً، يتميز بخصوصيةٍ واضحةٍ تستعصي أحياناً على التصنيف، إذ من الملاحظ أن الأكاديميين القانونيين – بخلاف زملائهم الباحثين في الحقول المعرفية الأخرى – ليسوا “منتجين” للمعرفة، بمعنى أنهم لا يقومون بتجاربٍ أو يستنبطون معارف تأتي بنتائجٍ نوعيةٍ أو كميّةٍ لم تكن معروفة سلفاً، ولكنهم يدرسون المعطيات الماثلة أمام صانعي القرار، يحللونها، ثم يضعون هذه المعلومات أمام المحاكم، المشرّعين، أو الطلبة في قاعات الدرس. و هو أمر تبرز معه ضرورة الاستناد إلى الحقول المعرفية الأخرى ذات العلاقة، لفهم هذه المعطيات على الوجه الأمثل (لا سيما مخرجات العلوم الإجتماعية كالإقتصاد، علم الإجتماع، العلوم السياسية وما ينتج عنها من نتائج). لذلك، أشدّد دائماً على أهمية دراسة القانون من منظورٍ خارجيّ يدرس علاقة القانون بالحقول المعرفية المذكورة، كالإنسانيات و العلوم الاجتماعية، لا سيما الاقتصاد و علم الاجتماع، و ذلك من خلال الدراسات البينيّة (interdisciplinary studies) التي تمد جسوراً بحثيّة رابطة بين تلك القلاع التخصصيّة المعزولة.

(6) هناك مؤسساتٌ موازيةٌ / رديفةٌ يمكن استغلالها لتوسعة مجال حركة كلية الحقوق (وزارة التعليم العالى، مؤسسة الكويت للتقدم العلمى KFAS، معهد الأبحاث العلمية KISR، المجلس الوطنى للثقافة و الفنون و الأداب و عداها). بشيء من التنسيق المنظّم، يمكن الاستفادة من مقدّرات هذه المؤسسات لخدمة طلبة الكلية في مجالاتٍ كثيرة (للتدريب، التمويل، الفرص الوظيفية، الابتعاث القصير).

الآفاق كبيرة، و المساحات واسعة، و الزمان سانح، و لكن هذه العناصر إن لم يتم استغلالها لخلق الزخمٍ اللازم للتغيير – الذي يبدأ برؤيةٍ ثاقبة، تُتبَع بقراراتٍ شجاعة، يلحقها تحرّكٌ جمعيٌّ منظّمٌ (ينشط فيه الجميع بروح المسئولية دون الاكتفاء بالاعتماد على بضع عناصر نشطة) – فإنها ستكون مجرد فرصٍ مهدرة للتحسّر، لا نتائج محقّقة للفخر.

إلى أن يتم ذلك؛ حتئذٍ و في كل الأحوال – و رغماً عن ترسانتنا الكبيرة من الأعذار و الحجج و الوقت و النُظُم و الانشغالات و الظروف التي تتفاوت بين الأولويات و الرغبة و الملائمة – نعرف جميعاً أن لدى كل واحدٍ منا هامشٌ شخصيٌّ لا بأس به للحركة، لمن يريد التحرّك، من جميع منتسبي الكلية، على اختلاف فئاتهم.

نحن، جميعاً و دائماً، مسئولون.

_________________________________________

* الصورتان (1) و (4) هما بعدسة الطالبة، آنذاك، أسماء خالد السالم، التي اشتَرَكت بها في مسابقة لتصوير كلية الحقوق، كنت قد نظّمتها لطلبتي عام 2007. في إعلان المسابقة، أوردت هذا البند ضمن اشتراطات الاشتراك: “لدينا الكثير من الصور التقليديّة المملّة، لا نحتاج المزيد منها. شكراً”. كانت بعض صور أسماء من الصور الفائزة.

 

 

 

سابقة. إن مرّت، فستكون جميع حدائق الكويت مهددة بالزوال

قياسي

 سابقة إن مرّت، فستكون جميع حدائق الكويت مهددة بالزوال

11873999_10153477958581071_742042254_n[1]

إلى من يهمه الأمر،

نلفت نظركم إلى ما يجري حاليا في حديقة جمال عبد الناصر بالروضة. فقد تم بالأمس وضع علامات تحديد مساحة مستطيلة و كبيرة من أرض الحديقة لإقامة بناء يخصص لأغراض نفعية يمكن إقامته في اي مكان آخر، إضافة إلى  قطع ما في وسط هذه المساحة من  أشجار النخيل قطعاً بالفأس، بدلاً من اقتلاعها (علماً بأن أشجار النخيل هذه ما زالت في حالة جيدة و و قلبها ما زال ندياً و به رطوبة). منذ متى كان النخيل يقطع بالفأس في الكويت؟

اما المفارقة الحقيقية، فهي أن يحدث ذلك في نفس اليوم الذي تقرر فيه وزارة الشئون إشهار “جمعية أصدقاء النخلة” :

https://www.kuna.net.kw/ArticleDetails.aspx?id=2456071&Language=ar

و يتم كل ذلك في جوٍ من الصمت المطبق و التجهيل التام (مع استغلال هدوء الصيف و سفر كثير من أهالي المنطقة الى الخارج)، حيث لا يوجد في المكان أية لافتة او يافطة أو إعلان يشير إلى طبيعة المشروع و الجهة المسئولة عنه، كما يليق بحق المواطن في الوصول إلى المعلومة الموقعية. كما أننا اتصلنا بعدة جهات في المنطقة و جميعهم نفوا أي علم لهم بالموضوع.

(انظر الصور أدناه).

و لما كنا مجموعة من أهالي منطقة الروضة الغيورين، فإننا نسجل استياءنا الشديد من ذلك، إذ من الملاحظ أن هذه الحديقة يتم الاقتطاع من مساحتها لأغراض مختلفة ، ربحية تارة و غير ربحية تارة أخرى، تدريجيا و بهدوء. و هو امر غير مقبول لنا، من حيث أن هذه الحديقة لها قيمة تاريخية كبيرة لدولة الكويت و دور بيئي مهم باعتبارها المتنفس الوحيد لأهالي منطقة الروضة. كما ان الامر لا يستقيم مع صدور قانون حماية البيئة الجديد رقم 42 لسنة 2014، و المعني بحماية المساحات الخضراء، لا الانتقاص منها.

لذلك، نرجو مخاطبة الهيئة العامة للزراعة و الثروة السمكية للتفضل بإصدار الأمر لمن يلزم بوقف أعمال البناء فوراً لرفضنا القاطع لتشييد أية مبانٍ على أرض الحديقة، و لمنع الاقتطاع من مساحة الحديقة المحدودة أصلاً.

و يتضاعف استياؤنا إذا ما تذكرنا الحالة المزرية للحديقة و إهمالها، رغم إلحاحنا و رغم مطالباتنا المتكررة لسنوات.

هذه سابقة، إن مرّت، فستكون جميع الحدائق في بلادنا مهددة بالزوال، تدريجياً، من خلال اتباع الأسلوب نفسه.

و لذلك، و بكل الاحترام، نرجو من الجهات المختصة وقف اعمال البناء في الحديقة فوراً، فحدائق الكويت ينبغي ان تظل للغرض المخصصة له: حدائق، و حدائق فقط.

مع التحية و التقدير،

مجموعة من أهالي منطقة الروضة

11873999_10153477958581071_742042254_n[1]

11909586_10153477958611071_135545771_n[2]

6  11911857_10153477958656071_2137491879_n[1] 11924673_10153477958631071_1454106849_n[1]  11880952_10153477958526071_1316726188_n[1] 4 5 - Copy

حقوق الدفاع في قضية تفجير مسجد الصادق في الكويت: الاختبار الحقيقي لمصداقية قناعاتنا الدستورية؟

قياسي

 

حقــوق الدفــاع في قضيــة تفجيــر مسجــد الصــادق فــي الكويــت:

الاختبار الحقيقي لمصداقية قناعاتنا الدستورية؟

 

د. مشاعل عبد العزيز اسحق الهاجري

(مقال منشور في : جريدة القبس، 12 أغسطس 2015)

http://www.alqabas.com.kw/Articles.aspx?ArticleID=1081149&CatID=488

 11831783_10153461145211071_5527646639533534404_n[1]

طالعتنا الصحف هذا الصباح بخبر عزوف عدد كبير من المحامين عن تمثيل المتهمين في قضية تفجير مسجد الصادق في الكويت، خشية منهم من التعرض لنقمة الرأي العام الشعبي. و أجد أن الموضوع يستأهل وقفة مستحقة باعتباره تمريناً لازماً في النقاش المجتمعي العام، المتعلق بنظرتنا لأنفسنا كمجتمع، و للوقوف على الفروقات الفاصلة بين شكل مؤسسة العدالة كما نمارسها عملاً و كما نبتغيها أملاً.

و أطروحة السؤال هي الآتي:

من المنظورين القانوني و الأخلاقي، هل يُقبل من المحامي إظهار التردّد بشأن حق متهمٍ ما بالحصول على محامٍ يمثله أمام القضاء، فقط لكون هذا المتهم مُدانٌ – سلفاً – من قبل الرأي العام الشعبي باعتبار أن جريمته ذات طبيعة بشعة، عامة الضرر، و يكاد الجرم يكون ثابتاً فيها؟

ابتداءً، من حق كل متهم، مهما بلغت بشاعة تهمته، أن تُوفّر له الترسانة الدستورية الكاملة من الضمانات القانونية و الإجرائية الأصيلة فيما يتعلق بحق التقاضي و توفير مكنة الدفاع، مع التشديد على استقلال المحامي في هذا الشأن. و هو مبدأ حقوقي ترسخ في الإعلان العالمي حول استقلال العدالة الذي تبنته الدورة العامة الختامية لمؤتمر مونتريال حول استقلال العدالة عام 1982 و الذي أكد على استقلال المحاماة، و كذلك  المؤتمرات الدولية منذ مؤتمر ميلانو 1985 و توجيهات المجلس الاقتصادي و الاجتماعي في الأمم المتحدة و المبادئ الأساسية المقرة في المؤتمر الثامن للأمم المتحدة لمنع الجريمة المنعقد في هافانا (كوبا) و التي كان على رأسها المبدأ الخاص بحماية استقلال المحاماة و تعيين المعايير المعززة لهذا الاستقلال، كما أن اتفاقية محاميي العالم 2008 التي كان وراءها الاتحاد الدولي للمحامين قد نصت في مادتها الأولى على أن الاستقلالية و حرية ضمان الدفاع و الاستشارة للموكل تعد من أولى دعامات مهنة المحاماة.

و لعل القوانين العربية المقارنة لا تقل وضوحاً بشأن الدور المحوري للمحامين في هذا الصدد، فقد نصت المادة 1 من قانون المحاماة المصري رقم 17 لسنة 1983 على أن “المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية تحقيق العدالة و في تأكيد سيادة القانون و في كفالة حق الدفاع عن حقوق المواطنين و حرياتهم، و يمارس المحاماة المحامون وحدهم في استقلال، و لا سلطان عليهم في ذلك إلا لضمائرهم و أحكام القانون”،  كما أن المادة 1 من قانون تنظيم مهنة المحاماة السوري رقم 39 لسنة 1981 و المادة 1 من قانون مهنة المحاماة اللبناني رقم 8/70 و المادة 2 من قانون المحاماة التونسي رقم 37 لسنة 58 والمادة 1 من قانون تنظيم نقابات المحامين و مزاولة مهنة المحاماة في المغرب رقم 79/19 تقرر جميعها أن المحامون جزء من أسرة القضاء، و أن مهنتهم حرة و مستقلة.

أما في الكويت، و حول ارتباط استقلال المحاماة بحق الدفاع للمتهم تحديداً، فإن المادة رقم 34 من دستور الدولة تنص على أن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع”. كما أن القانون الكويتي رقم 17 لسنة 1960 بإصدار قانون الإجراءات و المحاكمات الجزائية يتضمن نصاً هاماً بهذا الصدد، هو المادة رقم 120، و الني تقرر أن “للمتهم في جناية الحق في أن يوكل من يدافع عنه، و على المحكمة أن تنتدب من المحامين من يقوم بهذه المهمة إذا لم يوكل المتهم أحداً”.

و لكن هذا كله يتعلق بالهيكل النظري للإشكالية موضوع النقاش، فماذا عن الخيارات الواقعية؟ كيف يُفترض بالمحامين التصرف و هم بين مطرقة القانون الذي يعطى المتهم الحق في وجود محامٍ يمثله في الدعوى المنظورة أمام المحكمة، و سندان استنكار المجتمع الموتور الذي فُجع ببشاعة الجريمة، و نظرته الغاضبة للمحامي الذي يقبل بتمثيل المتهم في قضية مثل هذه؟

من المؤسف أن عدداً من نواب مجلس الأمة – و هم مشرعينا الذين أقسموا على حماية الدستور – عوضاً أن يدعموا الأوضاع الدستورية الأوليّة التي تقرر حقوق الدفاع و استقلال المحاماة، قد استنكروا قبول المحامين بهذه القضايا (هذا، علماً بأن نواب هذا المجلس هم من تقدم باقتراح بقانون لتنظيم مهنة المحاماة تنص المادة الثانية منه على أن “يمارس مهنة المحاماة المحامون وحدهم و في استقلال تام … و لا سلطان عليهم إلا لضمائرهم و أحكام القانون”).

ولكن إذا كان السياسيون أحراراً في منطلقاتهم المرنة (براغماتية، عاطفة، ملائمة، توقيت، أولويات)، فعلى الحقوقيين أن يتذكروا دائماً أن هناك قيماً لا ينبغي التنازل عنها مطلقاً من منطلقٍ قانوني مبدئي (دستور، نظام، عدالة، مساواة)، من حيث أن القانون – بالمقارنة بالمرجعيات الأخلاقية و الدينية و الاجتماعية – هو المسطرة الوحيدة التي تحقق اعتبارات الوضوح، الانضباط و الموضوعية، و التي يمكن أن نحتكم إليها في فوضى المنظور الشخصي للأمور، و الذي يختلف من زاوية رؤية إلى أخرى، و من مرجعية إلى مرجعية.

كحقوقيين، قد يحدث، واقعاً، أن نجد في أنفسنا شيئاً من التفهّم لعاطفة شعبية لا عقلانية و لكن عارمة. عندها، من الأفضل دائماً أن ندع الأمر في دواخل أنفسنا فلا نسوّق له، و لا نعلنه. إذا لم نستطع أن نعوّد أنفسنا على الاستنكار الموضوعي الواجب في مواجهة كل صوتٍ يجرؤ على المطالبة بحرمانٍ من حقٍ دستوريّ أصيل، فأقل ما ينبغي علينا – ضميرياً – هو ألا نُخرج مشاعرنا الشخصية الملتبسة إلى العلن، فلا نشوّش على الآخرين بدعوى “التفهّم” الذي من شأن صدوره عن الحقوقيين تحديداً أن يربك فكرة الناس عن الوظيفة الراسخة للقانون.

للعدل مؤسساته النظامية المستقرة (مشترعين، جهات ضبط و تحقيق، نيابة، محاكم، و محامين)؛ العدل لا يُعهد به إلى كياناتٍ انفعالية غير منضبطة مثل الشارع أو الرأي العام، مهما بلغ مقدار الضرر الواقع عليها، و مهما بلغ بنا التعاطف معها. في أجواء الألم العام و الهستيريا المجتمعية، يحدث أن تتساقط الحصون العقلية (بل و المؤسسية) واحداً تلو الآخر، و لا بأس، إذ يثبت التاريخ أنه من الممكن للمجتمع دائماً العيش – و إن بصعوبة – من دون مؤسساتٍ كانت تبدو له حيوية، إلا مؤسسة القضاء، الجالس منه و الواقف، فهذه هي المؤسسة الوحيدة التي لا تملك ترف إغفال العقل و الاستكانة إلى العاطفة طرفة عين.

قرأت مرة بحثاً كتبه غوستافو زاغروبلسكي الذي كان رئيساً للمحكمة الدستورية الإيطالية و القاضي الآن في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قال فيه أن المحاكم هي “أرستقراطيات علم” من حيث أنها مدعوة لإيقاف انحدار الديمقراطية و تحولها إلى ديماغوجية، و إلى تحديد نقطة حازمة للتطور العقلاني للمجتمع، و بذلك فالقضاء (بقضاته و بأعوانه و بمحاميه) ينبغي أن يكون جزيرة للعقل وسط فوضى الآراء. كان مما قاله أيضاً أن المحاكم (و منتسبيها) ينبغي أن تكون الطليعة الأخلاقية للمجتمع؛ فهي في ذلك أشبه ما تكون بموسى العهد القديم، الذي تمثل قدره في اخراج شعبه من تيه الصحراء و قيادته نحو أرض ميعاد الحياة الدستورية. قدر القضاء – و العاملين في منظومته و معها –  قدرهم أن يكونوا دائماً خصوماً للعاطفة؛ هم معقل الرشد و حصنه الأخير.

حتى  نحافظ على الدولة المدنية التي لا يمكن أن تقوم لها قائمة من دون اعتناق عقيدة الذود عن الضمانات الدستورية للجميع، فإن الدفاع عن المتهمين – حتى و إن غلبت بشأنهم مظنة ارتكاب الجرم – ليس خياراً، بل واجبٌ لازم. و ضمان حق المحاكمة العادلة لهؤلاء يعنى تمكينهم من جميع أدوات حق الدفاع التي توفرها مؤسسة العدالة الجنائية، و على رأس هذه الأدوات أن يقف إلى جانب كل متهم محامٍ يمثله أمام المحكمة، و لا أبالغ إن قلت أن هذا الأمر يتعلق بقدس أقداس دولة المؤسسات.

الدفاع عن متهمٍ في جريمة بشعة مثل تفجير مسجد الصادق هو أمرٌ لا شك صعب. و مع ذلك، فلنتذكر دائماً أننا لسنا قضاة؛ القضاة هم فقط من خولهم القانون بالجلوس على منصة القضاء. أما نحن، فينبغي أن يكون فينا دائماً من يقوم بمهمة الدفاع التي و إن كانت جالبة لنقمة الناس على المدى القصير إلا أنها دعامة لازمة للأعمدة الأساسية للنظام الدستوري على المدى البعيد. اللحظة التي سيجد فيها مجتمعٌ ما نفسه و قد انتهى الأمر بجميع أفراده إلى الإمتناع عن توفير مثل هذه الضمانات الدستورية لمتهمٍ ما بدعوى الاستنكاف العاطفي هي اللحظة التي ستبدأ فيها بنيته الأساسية العدلية بالتآكل و الاضمحلال.

نعم، المحامون مسئولون عن خياراتهم القيمية. و مع ذلك، فلا ينبغي أن نتعسف في هذا المطلب بما يرتب إرهاب المحامين معنوياً إلى حدٍ يمس بحق المتهم في وجود محامٍ بجانبه. نحن أمام مسلمة عدلية لا تقبل النقاش، قد يُقبل من المجتمع أن يظهر صعوبةً في استيعابها، و لكن ذلك لا يُقبل أبداً من المحامين. لذلك، فما إظهار بعض المحامين التردد في قبول الدفاع عن المتهمين خشيةً من الرأي العام إلا إضعافٌ لصورتهم أمام ذات الرأي العام الذي يخشونه.

نحن، ككويتيين، موجوعون: فقدنا شهداءنا و هم راكعون يصلون. من هنا، فتمسكنا بعدم مساءلة الضمانات الدستورية التي نصر على توفرها في هذه القضية الحزينة لا يتعلق فقط بحقوق المتهمين، بل يتعلق قبل ذلك بحق الكويت علينا بأن نجتاز بها هذا الاختبار الحرج لصدقية قناعاتنا بما نتنادى به دائماً من دورٍ رفيعٍ لمؤسساتها العدلية.

هكذا فقط نثبت لأنفسنا – و للعالم – أن الأمر يتطلب أكثر من حفنة من معتوهي الإرهاب حتى نفقد الثقة بمؤسساتنا الدستورية القيمية، و هكذا فقط نجعل لتلك الدماء الزكية التي سالت في المساجد قيمةً و معنى.

أجيال رئاسية

قياسي

Screenshot_2015-07-07-12-33-50

 

 

حفل افتتاح الفرع المغربي للشبكة القانونية للنساء العربيات:

الصورة تظهر الرؤساء الثلاثة المتعاقبون على رئاسة الشبكة: أ. زبيدة عسول (رئيسة حزب و مرشحة للرئاسة في الجزائر)، أ. إحسان بركات (اول قاضية و رئيسة محكمة الاستئناف في الأردن)، و محدثتكم.

في كلمتي الافتتاحية، شددت على الدلالات العميقة على حقيقة وجود الأجيال الرئاسية المتعاقبة في حفل الافتتاح، و الدروس التي تنقلها هذه الصداقة القوية بين رؤساء ثلاثة: تداول صحي للسلطة، خبرات تراكمية، و عمل مؤسسي مستدام، لا ينقطع و لا يتغير بتغير الأشخاص. المنتج النهائي لجمعيات النفع العام الحقيقية ليس الانشطة، بل القيم المجتمعية العميقة.

هذه الدورة، يترأس الشبكة القانونية للنساء العربيات القاضية المغربية بشرى العلوي، ممثلة للجيل الرابع من الرئاسة.

___________________________

 

كلمة الدكتورة /  مشاعـل عبد العزيـز الهاجـري

رئيس الشبكة القانونية للنساء العربيات

في حفل افتتاح فرع الشبكة القانونية للنساء العربيات في المغرب

المغرب،  الدار البيضاء 7 فبراير 2014

السيدات و السادة الحضور،

أتواجد بينكم اليوم تحت مسمياتٍ عديدة. فأنا أقف بين أيديكم كمواطنةٍ عربيةٍ أولا ً، وكرئيسة للشبكة القانونية للنساء العربيات ثانياً، و كأستاذة جامعية ثالثا.

و بهذه الصفات الثلاث، إسمحوا لي أن أخاطبكم بصيغة مباشرة تخالطها نبرة ٌ مخلصة. لقد علمتني المحاضرات الأكاديمية أن ما يبقى في ذاكرة المستمع على المدى الطويل ليس المادة الإخبارية الجافة بل هو الشغف و الإهتمام الصادق بالموضوع.

و من هذا المنطلق، سأحدثكم عن الشبكة القانونية للنساء العربيات أولاً، عن فرعنا المغربي الجديد ثانياً، و عن الرابط بين الاثنين ثالثاً.

فالشبكة القانونية للنساء العربيات هي جمعية إقليمية غير حكومية وغير ربحية، تهدف إلى النهوض بالمرأة العربية العاملة في المجال القانوني المهني، من خلال توفير منبر لتبادل الخبرات والتجارب ومناقشة التحديات والقضايا المشتركة، بالإضافة إلى توفير التدريب المتخصص وبرامج التطوير المهني التي تهدف إلى تعزيز القدرات الحقوقية للقانونيات العربيات على الوجه الذي يمكنهن من المشاركة الفعالة في بناء مجتمعاتهن.

و قد تبلورت فكرة إنشاء الشبكة في فبراير من العام 2004 باجتماع عُقد لمجموعة من النساء القانونيات يمثلن ست عشرة دولة عربية، حيث اجتمعن في الأردن لمناقشة التحديات التي تواجه المرأة في المجال القانوني بصورة شاملة. وتم إعلان انطلاقة الشبكة بصورة رسمية في عام 2005، و ذلك عندما احتشدت أكثر من تسعين سيدة من ست عشرة دولة عربية (الجزائر، البحرين، مصر، العراق، الأردن، الكويت، لبنان، المغرب، عُمان، فلسطين، قطر، المملكة العربية السعودية، سوريا، تونس، الإمارات العربية المتحدة واليمن) في العاصمة الأردنية عمّان.

و تتمثل رؤية الشبكة القانونية للنساء العربيات بأن تكون جمعية رائدة بصدد تمكين عضواتها من خلال المصادر والقدرات والمهارات والمعارف اللازمة للقيام بالدور المهني الذي يتيح لهن النجاح والتميز، كما تطمح لأن تكون ساحةً لأكبر تجمع للقانونيات العربيات بما يمكنهن من المشاركة الفعالة في بناء المجتمعات، لا سيما في أزمنة التحول التي تمر بها مجتمعاتنا العربية حالياً.

و الهدف الإستراتيجي العميق للشبكة هو دعم الدور الريادي للمرأة في المجالات القانونية والقضائية والتشريعية لتحقيق معادلة التكافؤ والعدالة الاجتماعية كخطوات لازمة باتجاه دعم سيادة القانون في الدول العربية.

و سعياً من الشبكة في تحقيق الأهداف التي أنشأت لأجلها؛ فإنها تعمل على تنفيذ مشروعاتٍ  متعددة، من قبيل مشروع تعزيز القدرات المهنية للقضاة و القاضيات، مشروع التعلم بالملازمة، مشروع رصد المحاكمات، مشروع الصياغة القانونية، مشروع حملة دعم حق المرأة في الميراث، مشروع تعزيز ضمانات الحق في المحاكمة العادلة، و عداها من مشروعاتٍ أخرى.

و في معرض تنفيذ تلك المشروعات، تحرص الشبكة القانونية للنساء العربيات على عقد الشراكات والتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمة والحكومية و الوزارات، مثل المجالس القضائية، وزارات العدل، نقابات المحامين، والجامعات، ناهيك عن شركائنا الاستراتيجيين مثل اتحاد المحامين الأمريكيين (ABA).

و لأن الطموحات جد كبيرة، فالتحديات أيضاً جد كبيرة، لا سيما على جبهات التمويل و تطوير الخدمات ذات القيمة و تصميم النشاطات التي تلبي الحاجات الضرورية المختلفة للنساء العاملات في المهن القانونية في مختلف الدول العربية

أما عن قيم الشبكة، فأنا ممن يعتقدون بأن المؤسسة عندما تنطلق من قيم ٍ نبيلة، فإن القائمين عليها ينبغي أن يظهروا منطلقاتها تلك بفخر، و أن يبينوا للمهتمين مدى علاقة تلك المنطلقات القيمية بأعمال المؤسسة، حتى تكون نموذجاً واضحاُ يصلح للتمثل و الاسترشاد.

هكذا، و للتمثيل على نوعية القيم التي اخترنا أن نلتزم بها في الشبكة، سأقول لكم أن الرئيس الأول للهيئة الإدارية للشبكة القانونية للنساء العربيات كانت الأستاذة إحسان بركات من الأردن، التي عملت كمحامية ثم  كقاضية ثم كرئيس محكمة، و عضواً للمجلس الأعلى لتجمع لجان المرأة، ثم انتقلت الرئاسة من الأستاذة بركات إلى الأستاذة زبيدة عسول من الجزائر، التي عملت – بدورها – كمحامية ثم  كقاضية لدى المحكمة العليا في بلادها و كعضو برلمان و كرئيس حزب. بعد هاتين الرائدتين،  تشرفت أنا بتقلد رئاسة الشبكة. و ها نحن الثلاثة – الرئيستان السابقتان و الرئيسة الحالية – بينكم اليوم.

و انا هنا – من خلال وجودنا بينكم – أدعوكم إلى التأمل في ظاهرةٍ نادرةٍ في الممارسة الإدارية العربية، فتعاقب شاغلي الرئاسة المؤسسية – مع استمرار تعاونهم و تعاضدهم لخدمة المؤسسة – هي سابقةٌ نادرةٌ في الوطن العربي، و هي تعبر عن قيمٌ كثيرة: مثل التداول الصحي للسلطة، التراكم المعرفي للخبرات، و التمثيل المنصبي الذي يتحرى العدالة الإقليمية في مقعد الرئاسة و الذي بدأ بالأردن في الإقليم المشرقي، مروراً بالجزائر في الإقليم المغاربي، و انتهاءً بالكويت في الخليج العربي. أنا أعزو كل ذلك إلى القيم العميقة التي تمثل جوهر ما نؤمن به في الشبكة القانونية للنساء العربيات.

انطلاقاً من كل ذلك، و جدنا أنه قد جاء الوقت للتوسع، فقررنا فتح فرعٍ لنا في المغرب. و لا ينبغي أن تأتي ولادة فرعنا هذا على يد الأستاذة بشرى العلوي كمفاجأة، فقد عوّدتنا هذه القاضية الفذة – منذ بداية معرفتنا بها – على المبادرات الديناميكية، التي لا تكتفي بالإنطلاقات الحماسية، بل تتعداها إلى الحرص على اعتبارات التخطيط و التمويل و الإدارة، و عداها من عناصر الإستمرار و الاستدامة، تماماً مثلما ينبغي لعملٍ مؤسسي.

ساعدها في ذلك – لا شك – حسن اختيارها للفريق المؤسس لفرع الشبكة في المغرب، المكوّن من: القاضية مينة سكراتي، القاضية فاطمة بختي، المحامية فاطمة مدرك، المحامية سعيدة حاجي، المحامية سعاد صفر، و أخيراً و ليس آخرأً الدكتورة نعيمة مويني. أعرف أنني أتكلم باسم زميلاتي الأستاذات من عضوات الهيئة الإدارية للشبكة الأم عندما اقول لفريقنا المغربي الجديد و الرائع: أهلاً و مرحباً بكم معنا في الشبكة القانونية للنساء العربيات، أخواتٌ عزيزات، و زميلاتٌ قديرات.و أخيراً يبقى سؤالٌ مُستحق:  لماذا يأتي افتتاح فرع الشبكة القانونية للنساء العربيات في الدار البيضاء، تحديداً؟

كان الأمر – في بدايته – مجرد تفصيلٌ لوجستي لا أكثر، أملته اعتبارات التنظيم و الملائمة. أما الآن، و قد صرت في مدينتِكم الجميلة هذه و رأيتها رأي العين بمبانيها البيضاء و نخيلها الباسق، فأنا أرى في وجود فرعنا في مدينة الدار البيضاء دلالاتٍ عديدة، تعبر عن قيمِنا التي نتحرّاها في الشبكة:

فالدارِ البيضاء هي الواجهةُ الديناميكية النشطة للمغرب المعاصر، و هذا تمظهرٌ واضح لقيمةٍ أولي، هي قيمة المرونة.

ثم أن الدارَ البيضاء هي مدينةٌ كوزمو/بوليتانية عالمية بامتياز، و هذا تمظهرٌ لقيمةٍ ثانيةٍ، هي قيمة الانفتاح و القبول بالآخر.

كما أن الدارَ البيضاء هي مدينةٌ ذات جغرافيةٍ بحريةٍ مثيرةٌ للاهتمام، فهي تطل على البحر الأبيض المتوسط و على المحيط الأطلسي معاً، و هذا تمظهرٌ جلي لقيمةٍ ثالثةٍ، هي قيمة الوسطية.

مثل دارُكم البيضاء، نحن في الشبكة القانونية للنساء العربيات – مرنون، منفتحون، و وسطيون. على الأقل، هكذا نحاول، بإخلاصٍ، أن نكون.

تحياتي – سيداتي سادتي – لكم جميعاً.

يا واضعي الدستور

قياسي

يا واضعي الدستور

للشاعر الكويتي الكبير أحمد مشاري العدواني قصيدة جملة بعنوان “يا واضعي الدستور”، نظمها مخاطباً فيها الجمعية التأسيسية التي وضعت دستور دولة الكويت عام 1962. وقعت على القصيدة صدفةً عندما كنت أقرأ ديوانه.

كيف لا نعرف هذه القصيدة ؟

بالمناسبة، العدواني هو من كتب كلمات أغنية يا دارنا يا دار” التي غنتها المطربة الراحلة أم كلثوم.

 

أغلبية؟ لا أدري (في أهمية ضبط المصطلح السياسي)

قياسي

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

19 نوفمبر 2012

(في أهمية ضبط المصطلح السياسي):

“أغلبية”؟ لا أدري.

 في خطبة شهيرة له، قال ونستون تشرشل: “أسوأ ما في الممارسة الديمقراطية هو ديكتاتورية الأغلبية”، و هو أمر معلوم بالضرورة لأن جوهر الممارسة الديمقراطية يتمثل في التزام (بل إلزام) الاغلبية باحترام حقوق الأقلية و تقديم الضمانات الدستورية لها. و لكن كل ذلك ينطبق فقط في حال كون الأغلبية “أغلبية” فعلا. لذلك، فمن بين جميع أدوات صندوق عدتنا اللغوية السياسية الحزين، تستوقفني دائما كلمة “الأغلبية” هذه، من حيث أنني أجد في اطلاق تسمية “الأغلبية” على فئة من الناشطين غير الممنهجين في حراكنا السياسي الأخير جملة من الأمور غير المريحة و غير المنضبطة عقلياَ:

 1) قانوناً: “الأغلبية” هي تجمع يعرف في مقابل “الأقلية”، و الصفتان أطلقتا على تكتلات برلمانية كانت تستمد صفتها من مجلس تشريعي، و لكن هذا المجلس لم يعد قائماً، و بالتالي فإن التكتل ذاته لم يعد قائماً. و بذلك، فإن ما نراه من استمرار تحالف النواب السابقين هي حالة محض واقعية de facto، ولكن لا صفة قانونية لها. في تسمية “الأغلبية” إذاً مغالطة fallacy من حيث انها، في حقيقتها، محض صفة من دون موصوف.

 2) إحصائياً: تنطوي صفة “الأغلبية” – بالضرورة – على محتوىً إحصائي مُضمر. إين هي الإحصائيات المعلنة التي تدعم هذه الصفة؟ ما هي جهة الرصد المستقلة التي قامت بهذه المهمة الإحصائية حتى نكرر هذه الصفة و كأنها من المسلمات؟

 3) تاريخياً: على هامش التاريخ، ربما يجهل الكثيرون أن الثورة التي أتت بالحزب الشيوعي السوفيياتي إلى سدة الحكم في روسيا عام 1917 كانت تعرف بالثورة “البلشفية” فيما كان يعرف منتسبوها بـ “البلاشفة”، و الكلمة مشتقة من لفظ “بُلْشِنستفُود” الذي يعني “الأغلبية” بالروسية، في مقابل جماعة “مُنْشنستفود” أي “الأقلية”، و الفئتان مكونتان من منتسبي حزب العمل الديمقراطي الاشتراكي الروسي. كان الاستئثار البلشفي بالسلطة – و الذي أنتج ما انتج من طغيان الحزب الواحد المسيطر على جميع مفاصل الدولة – مدعوماً دائماً بأساس من فكرة الانتماء إلى “أغلبية”. لا أدري عنكم، و لكنني لا أجد في تاريخ هذا الحزب ما يغري على التحمس شبه العقائدي و المطلق لـ “أغلبية” أبداً أياً كانت هذه الأغلبية، فكيف إذا كانت أغلبية ذات ميول استحواذية واضحة مدعومة بخطاب مبسط و ساذج، و الإثنين لا يُبذل في سبيل إخفائهما إي قدر من المجهود التلطيفي الذي يحترم ذكاء المراقب؟

 4) قيمياً: يبدو لي أن المشكلة، كما كان يقول عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك Ulrich Beck ، تتمثل دائماً في ضرورة تقليص “سلطة الطغيان ذات الخطاب الرخيص في مواجهة أخلاق القصر الملكي” المؤدّبة التي – برغم القدرة – يأبي عليها الوضع التاريخي من جهة و التوقعات المجتمعية من جهة أخرى بأن تنحدر إلى حضيض لغة المواجهة (كل ذلك، مع الحرص على تأكيد أن ما تقدم لا ينبغي أن يفهم منه أبداً نفي التقصير الحكومي الواضح و غير المبرر أبداً).

على الرغم من كل ما سبق، أفهم تماماً أنه من ألف باء البروباغاندا التضليلية السياسية – في أي مجتمع كان – أن تطلق جماعة ما على نفسها صفة “الأغلبية” من دون معيار مرجعي منضبط؛ و لكنني لن أفهم أبداً السذاجة التي تجعل من خصوم هذه الجماعة يقعون في هذه الفخ فيردّدون معها هذه التسمية – بعقيدة و تكرار – في كل من خطابهم العام، أدبياتهم المكتوبة، بل و بين بعضهم البعض.

 بمباشرة و باختصار:

 الطرف الفعال و الحقيقي الذي أكّد – بالرغم من عدم وجود أي ضابط يسمح بالقياس الكمي – فكرة أن “الأغلبية” هم “أغلبية” و رسّخها في ضمير المجتمع لم يكن “الأغلبية” المدّعاة، بل خصومهم.

مع جوقة رائعة مكونة من مثل هؤلاء الخصوم النبلاء، المؤدبون، و السذّج الذين لا يكادون يختلفون عن الحلفاء الخُلّص من حيث ترديد و تكرار ما يقوله “الأغلبية” من دون أي تمحيص أو توقف للتفكير، كيف نتوقع من “الأغلبية” أن تتوقف لتستشعر الحاجة – المُستحقة فعلاً – للارتقاء بخطابها السياسي؟

الهستيريـا الـ “آنتي-إيرانيـة”: مراجعـات بريديـة

قياسي

في خضم هذه الهستيريا الـ “آنتي-إيرانية”، قد يكون مما يجمل فعله أن نستحضر شيئاً من سبق الفعال الحميدة للإيرانيين، مثل هذه البادرة البريدية الطيبة من قبلهم تجاهنا في الكويت.

الطابع يمثل تكريماً لأمير الكويت الراحل الشيخ صباح السالم الصباح رحمه الله، و تسجيلاً تاريخياُ لزيارته لإيران في يناير من العام 1968.

وفقاً للأعراف البريدية، هذه تحيةٌ خاصة جداً لأميرنا من قبل جيراننا الشرقيين الذين يعيشون على  الضفة الأخرى من خليجنا، و خليجهم.