Tag Archives: كاشغري

تقويمنا الشرق أوسطي بين توبتي غاليليو و كاشغري: أين نقف الآن؟

قياسي

 

تقويمنا الشرق أوسطي بين توبتي غاليليو و كاشغري: أين نقف الآن؟

 د. مشاعل الهاجري

10 يناير 2016

12743763_10153848623086071_6960472190487866562_n[1]

هذا هو نص “توبة” المدوِّن حمزة كاشغري، الذي حُمِلَ على كتابته حتى يتم اسقاط تهمة الردة عنه (2015):

بسم الله الرحمن الرحيم

(ما أصابك من حسنة فمن الله، و ما أصابك من سيئة فمن نفسِك)

“أقر و أعترف أن كل ما وقعت فيه من انحراف في الأفكار و في الأقوال، أو فساد في التعبيرات هو من قبيل الشبهات و الشكوك التي أثرت علي و على عقلي فاتبعتها عن ضعف فأبعدتني عن الصراط المستقيم. و الحمد لله الذي يسر لي من أهلي و إخواني و مشائخي الذين أدين لهم بالفضل من يرشدني إلى الصواب و يدلني عليه، بالكلمة و الموعظة الحسنة، و غفر الله لمن اشتد في القول و كان دافعه الغيرة على دين الله، و كل ابن آدم خطاء و خير الخطائين التوابين. و أنا أعلن توبتي و انسلاخي من كل الأفكار الضالة التي تأثرت بها فأنتجت بعض العبارات التي أتبرأ منها وأعوذ من أن ألقى الله عليها. و أعلن توبتي و تمسكي بالشهادتين، أشهد ألا إله إلا الله وان محمدا رسول الله عليها أحيا وأموت وعليها أبعث. اللهم تقبل توبتي. و إني أرجوكم ألا تعينوا الشيطان علي .. فإن المؤمن ضعيف بنفسه، كثير بإخوانه. أما رسول الله الأكرم، الذي أرجو أن أسير على سيرته في الدنيا، و أن أنال شفاعته في الآخرة، فإن عقيدتي فيه هي قوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين) و عقيدتي فيه قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتُّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)، و عقيدتي فيه قوله تعالى: (و ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى) و عقيدتي فيه قوله تعالى: (و إنك لعلى خلق عظيم). و عقيدتي في حبه هي قوله لعمر: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه و ولده و ماله و الناس أجمعين. و ما بدر مني من كلام خلاف ذلك فهو حالات نفسية شعورية اخطأت في وصفها و كتابتها و أرجو أن يغفرها الله لي، لكنها لا تمثل حقيقة عقيدتي في النبي التي هي تبع لما جاء به السلف الصالح عن نبينا عليه أفضل الصلاة و أزكى التسليم”.

– حمزة كاشغري.

* * *

بعد اطلاعي على نص التوبة أعلاه، بدا لي أن هذا النص مألوف، مألوفٌ جداً. اجتهدت في إعمال فكري حتى أتذكر أين قرأته من قبل، لأنني أعرف يقيناً أن هذا النص – رغم حداثته – ليس بالجديد؛ لقد مرّ علي من قبل، و لكن أين؟

بعد أيام، التمعت في ذاكرتي – فجأة – سيرة عالم الفلك الإيطالي غاليليو غاليلي. من هنا، أكتب:

في القرن السابع عشر، بعد إعلان عالم الفلك الإيطالي غاليليو غاليلي عن اكتشافه – خلافاً للتعاليم الكنسية – دوران الأرض كحقيقةٍ علميةٍ و تدليله على أنها تتحرك و ليست ثابتة، و بعد قوله أن الكتاب المقدس لا يصلح مرجعية علمية و انه لا يعدو أن يكون مرجعية روحية فقط، قامت محاكم التفتيش في الفاتيكان بإدانة غاليليو بتهمة الهرطقة الدينية و إخضاعة لمحاكماتٍ عديدة، مضنية، و هو الشيخ المريض الذي تجاوز السبعين من العمر. مع التهديد بالعقاب البدني الفادح الذي يتراوح من التعذيب إلى الحرق، قبل غاليليو التراجع عن جميع أقواله، و التوقيع على توبة مكتوبة أملاها عليه كرادلة المحكمة الدينية.

كان هذا ما أملاه الكرادلة، و وقّعه غاليليو:

“أنا الموقع أدناه غاليليو ابن المرحوم فنسانزيو غاليلي من فلورنسا والبالغ من العمر سبعين عاماً الماثل شخصياً أمام هذه المحكمة أركع أمامكم، يا أصحاب الغبطة والإجلال السادة الكرادلة أعضاء محكمة التفتيش ضد الانحطاط المرتد في جميع الجمهورية المسيحية، وأقسم وأنا أنظر بعيني إلى الكتاب المقدس وألمسه بيدي أنني كنت أؤمن دائماً وأؤمن الآن وسأظل بعون الله مؤمناً في المستقبل بكل تعاليم الكتاب المقدس وما يعظ به ويعلمه وفق مذهب الكنيسة الكاثوليكية المقدسة والكنيسة الرومانية الحوارية، ولكنني رغم تسلمي أمراً من قداسة البابا مفاده أن أتخلى كلياً عن الرأي الكاذب بأن الشمس مركز الكون وأنها غير متحركة وأن الأرض متحركة وليست مركز الكون وأن علي أن لا أتمسك بهذه العقيدة أو أدافع عنها أو أعلمها بأي طريقة كانت مشافهة أو كتابة وبعدما علمت أن العقيدة المذكورة مخالفة لما جاء في الكتاب المقدس قمت بتأليف كتاب وطباعته وفيه بحثت في هذه العقيدة المدانة وذكرت فيه حججاً قوية لإثباتها دون تقديم أي حل صحيح ولهذا السبب اتهمني مكتب قداسة البابا بأن هناك اشتباهاً قوياً بأنني مرتد وكافر وذلك لأنني تبنيت رأياً يقوم على الاعتقاد بأن الشمس ثابتة وهي مركز العالم وأن الأرض متحركة وليست مركزاً للعالم. وبناءً عليه، ولأنني راغب في أن أزيل من تفكيركم يا أصحاب القداسة والغبطة ومن عقول جميع المسيحيين المؤمنين ذلك الشك القوي الذي تتصورونه بحق ضدي وبقلب مخلص وإيمان صادق، أرفض وألعن وأحتقر الأخطاء والهرطقات سالفة الذكر، وبشكل عام كل خطأ آخر أو أي طائفة أياً كانت إذا كانت مضادة للكنيسة المقدسة، وأقسم بأنني لن أذكر أو أؤكد في المستقبل شفهياً أو تحريرياً أي شيء يمكن أن يؤدي إلى احتمال حصول شبهة مماثلة نحوي. كما أعد بأن أبلغ مكتب قداسة البابا أو محكمة التفتيش أو المحاكم العادية في مكان إقامتي عن أي شخص يشتبه في ارتداده أو هرطقته. وفوق ذلك، أقسم وأعد أن أنفذ بشكل كامل ودقيق جميع العقوبات الدينية التي فرضها أو سيفرضها مكتب قداسته عليّ. وفي حال نكوصي – لا سمح الله – عن أي من هذه الوعود والاعترافات وما أقسمت عليه، فإنني أقدم نفسي طواعية لكل الآلام والعقوبات التي فرضتها وأعلنتها التعليمات الكنسية المقدسة والدساتير الأخرى العامة والخاصة ضد من يقترف مثل هذا الإثم، فليساعدني الله وهذا الإنجيل المقدس الذي ألمسه بيدي. أنا غاليليو غاليلي قد اعترفت بأخطائي علانية، وأقسمت ووعدت وتعهدت كما ورد أعلاه، وشهدت بصدق ذلك. و قد كتبت بخط يدي هذه الوثيقة المتعلقة بإعلان تنصّلي من تلك الآثام، وتلوتها تلاوة في روما، دير مينرفا، في هذا اليوم الثاني والعشرين من شهر يونيو عام 1633، معلنا التوبة الكاملة و طالباً الغفران”.

بعد توقيع غاليليو على وثيقة التوبة هذه، و أثناء نزوله من على منصة الاتهام، سمعه القريبون منه يتمتم بصوتٍ خفيض، إنما واثق:

“و لكنها تدور”.

كانت عبارته القصيرة تلك – لا نص توبته الطويل ذاك – هو ما حرّك التاريخ.

و مع ذلك، فما جدوي كل هذا السرد لنا؟ لو كان أحداً هنا يقرأ التاريخ، لما حُمِلَ كاشغري على كتابه نصه أعلاه، الذي لا يعدو أن يكون تناسخاً تاريخيا؛ يُراد به أن يكون ترجمة إسلامية جديدة لنص غاليليو المسيحي القديم، مع إغفال تام لمتغيرٍ تافه، يسمونه “الزمن”.

أربعة قرون؟

و ما أربعة قرون – في تقويمنا الشرق أوسطي الخامل – سوى محض تفصيلٍ بسيط؟