Tag Archives: مشاعل الهاجري

تقويمنا الشرق أوسطي بين توبتي غاليليو و كاشغري: أين نقف الآن؟

قياسي

 

تقويمنا الشرق أوسطي بين توبتي غاليليو و كاشغري: أين نقف الآن؟

 د. مشاعل الهاجري

10 يناير 2016

12743763_10153848623086071_6960472190487866562_n[1]

هذا هو نص “توبة” المدوِّن حمزة كاشغري، الذي حُمِلَ على كتابته حتى يتم اسقاط تهمة الردة عنه (2015):

بسم الله الرحمن الرحيم

(ما أصابك من حسنة فمن الله، و ما أصابك من سيئة فمن نفسِك)

“أقر و أعترف أن كل ما وقعت فيه من انحراف في الأفكار و في الأقوال، أو فساد في التعبيرات هو من قبيل الشبهات و الشكوك التي أثرت علي و على عقلي فاتبعتها عن ضعف فأبعدتني عن الصراط المستقيم. و الحمد لله الذي يسر لي من أهلي و إخواني و مشائخي الذين أدين لهم بالفضل من يرشدني إلى الصواب و يدلني عليه، بالكلمة و الموعظة الحسنة، و غفر الله لمن اشتد في القول و كان دافعه الغيرة على دين الله، و كل ابن آدم خطاء و خير الخطائين التوابين. و أنا أعلن توبتي و انسلاخي من كل الأفكار الضالة التي تأثرت بها فأنتجت بعض العبارات التي أتبرأ منها وأعوذ من أن ألقى الله عليها. و أعلن توبتي و تمسكي بالشهادتين، أشهد ألا إله إلا الله وان محمدا رسول الله عليها أحيا وأموت وعليها أبعث. اللهم تقبل توبتي. و إني أرجوكم ألا تعينوا الشيطان علي .. فإن المؤمن ضعيف بنفسه، كثير بإخوانه. أما رسول الله الأكرم، الذي أرجو أن أسير على سيرته في الدنيا، و أن أنال شفاعته في الآخرة، فإن عقيدتي فيه هي قوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين) و عقيدتي فيه قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتُّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)، و عقيدتي فيه قوله تعالى: (و ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى) و عقيدتي فيه قوله تعالى: (و إنك لعلى خلق عظيم). و عقيدتي في حبه هي قوله لعمر: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه و ولده و ماله و الناس أجمعين. و ما بدر مني من كلام خلاف ذلك فهو حالات نفسية شعورية اخطأت في وصفها و كتابتها و أرجو أن يغفرها الله لي، لكنها لا تمثل حقيقة عقيدتي في النبي التي هي تبع لما جاء به السلف الصالح عن نبينا عليه أفضل الصلاة و أزكى التسليم”.

– حمزة كاشغري.

* * *

بعد اطلاعي على نص التوبة أعلاه، بدا لي أن هذا النص مألوف، مألوفٌ جداً. اجتهدت في إعمال فكري حتى أتذكر أين قرأته من قبل، لأنني أعرف يقيناً أن هذا النص – رغم حداثته – ليس بالجديد؛ لقد مرّ علي من قبل، و لكن أين؟

بعد أيام، التمعت في ذاكرتي – فجأة – سيرة عالم الفلك الإيطالي غاليليو غاليلي. من هنا، أكتب:

في القرن السابع عشر، بعد إعلان عالم الفلك الإيطالي غاليليو غاليلي عن اكتشافه – خلافاً للتعاليم الكنسية – دوران الأرض كحقيقةٍ علميةٍ و تدليله على أنها تتحرك و ليست ثابتة، و بعد قوله أن الكتاب المقدس لا يصلح مرجعية علمية و انه لا يعدو أن يكون مرجعية روحية فقط، قامت محاكم التفتيش في الفاتيكان بإدانة غاليليو بتهمة الهرطقة الدينية و إخضاعة لمحاكماتٍ عديدة، مضنية، و هو الشيخ المريض الذي تجاوز السبعين من العمر. مع التهديد بالعقاب البدني الفادح الذي يتراوح من التعذيب إلى الحرق، قبل غاليليو التراجع عن جميع أقواله، و التوقيع على توبة مكتوبة أملاها عليه كرادلة المحكمة الدينية.

كان هذا ما أملاه الكرادلة، و وقّعه غاليليو:

“أنا الموقع أدناه غاليليو ابن المرحوم فنسانزيو غاليلي من فلورنسا والبالغ من العمر سبعين عاماً الماثل شخصياً أمام هذه المحكمة أركع أمامكم، يا أصحاب الغبطة والإجلال السادة الكرادلة أعضاء محكمة التفتيش ضد الانحطاط المرتد في جميع الجمهورية المسيحية، وأقسم وأنا أنظر بعيني إلى الكتاب المقدس وألمسه بيدي أنني كنت أؤمن دائماً وأؤمن الآن وسأظل بعون الله مؤمناً في المستقبل بكل تعاليم الكتاب المقدس وما يعظ به ويعلمه وفق مذهب الكنيسة الكاثوليكية المقدسة والكنيسة الرومانية الحوارية، ولكنني رغم تسلمي أمراً من قداسة البابا مفاده أن أتخلى كلياً عن الرأي الكاذب بأن الشمس مركز الكون وأنها غير متحركة وأن الأرض متحركة وليست مركز الكون وأن علي أن لا أتمسك بهذه العقيدة أو أدافع عنها أو أعلمها بأي طريقة كانت مشافهة أو كتابة وبعدما علمت أن العقيدة المذكورة مخالفة لما جاء في الكتاب المقدس قمت بتأليف كتاب وطباعته وفيه بحثت في هذه العقيدة المدانة وذكرت فيه حججاً قوية لإثباتها دون تقديم أي حل صحيح ولهذا السبب اتهمني مكتب قداسة البابا بأن هناك اشتباهاً قوياً بأنني مرتد وكافر وذلك لأنني تبنيت رأياً يقوم على الاعتقاد بأن الشمس ثابتة وهي مركز العالم وأن الأرض متحركة وليست مركزاً للعالم. وبناءً عليه، ولأنني راغب في أن أزيل من تفكيركم يا أصحاب القداسة والغبطة ومن عقول جميع المسيحيين المؤمنين ذلك الشك القوي الذي تتصورونه بحق ضدي وبقلب مخلص وإيمان صادق، أرفض وألعن وأحتقر الأخطاء والهرطقات سالفة الذكر، وبشكل عام كل خطأ آخر أو أي طائفة أياً كانت إذا كانت مضادة للكنيسة المقدسة، وأقسم بأنني لن أذكر أو أؤكد في المستقبل شفهياً أو تحريرياً أي شيء يمكن أن يؤدي إلى احتمال حصول شبهة مماثلة نحوي. كما أعد بأن أبلغ مكتب قداسة البابا أو محكمة التفتيش أو المحاكم العادية في مكان إقامتي عن أي شخص يشتبه في ارتداده أو هرطقته. وفوق ذلك، أقسم وأعد أن أنفذ بشكل كامل ودقيق جميع العقوبات الدينية التي فرضها أو سيفرضها مكتب قداسته عليّ. وفي حال نكوصي – لا سمح الله – عن أي من هذه الوعود والاعترافات وما أقسمت عليه، فإنني أقدم نفسي طواعية لكل الآلام والعقوبات التي فرضتها وأعلنتها التعليمات الكنسية المقدسة والدساتير الأخرى العامة والخاصة ضد من يقترف مثل هذا الإثم، فليساعدني الله وهذا الإنجيل المقدس الذي ألمسه بيدي. أنا غاليليو غاليلي قد اعترفت بأخطائي علانية، وأقسمت ووعدت وتعهدت كما ورد أعلاه، وشهدت بصدق ذلك. و قد كتبت بخط يدي هذه الوثيقة المتعلقة بإعلان تنصّلي من تلك الآثام، وتلوتها تلاوة في روما، دير مينرفا، في هذا اليوم الثاني والعشرين من شهر يونيو عام 1633، معلنا التوبة الكاملة و طالباً الغفران”.

بعد توقيع غاليليو على وثيقة التوبة هذه، و أثناء نزوله من على منصة الاتهام، سمعه القريبون منه يتمتم بصوتٍ خفيض، إنما واثق:

“و لكنها تدور”.

كانت عبارته القصيرة تلك – لا نص توبته الطويل ذاك – هو ما حرّك التاريخ.

و مع ذلك، فما جدوي كل هذا السرد لنا؟ لو كان أحداً هنا يقرأ التاريخ، لما حُمِلَ كاشغري على كتابه نصه أعلاه، الذي لا يعدو أن يكون تناسخاً تاريخيا؛ يُراد به أن يكون ترجمة إسلامية جديدة لنص غاليليو المسيحي القديم، مع إغفال تام لمتغيرٍ تافه، يسمونه “الزمن”.

أربعة قرون؟

و ما أربعة قرون – في تقويمنا الشرق أوسطي الخامل – سوى محض تفصيلٍ بسيط؟

ساعاتــي الإثنـا عشـر كمجنــون

قياسي

ساعاتــي الإثنـا عشـر كمجنــون

بقلم: سيدني كاتز، 1/10/1953

4a8b51ca1dd075a8fc76b1657cac22f1[1] 

ترجمة: د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

‏19‏ يناير‏، 2016

  

 

شكرا عطاف المطوع.

في إجازة الربيع، كنت أُملي، و كانت تطبع.

الإجازات فرص، لا حجج.

 

ساعاتــي الإثنـا عشـر كمجنــون[1]

بقلم: سيدني كاتز

1 أكتوبر، 1953

 

مقدمة قصيرة

هذا المقال المنشور في مجلة Maclean’s كان أول معالجةٍ شعبيةٍ لعقار LSD . من يربطون هذا العقار بحقبة الستينات سيتفاجئون عندما يعرفون الطريقة التي كان هذا العقار مصنفاً فيها في أوائل الخمسينات. في تلك الفترة، كان الناس يعتقدون أن عقارLSD  يتسبب في حالة ذهان مؤقت: شيزوفرينا اصطناعية.[2] لذلك، نصح بعض الأطباء النفسيين بأن يقوم أطباءٌ آخرون بتعاطي هذا العقار كوسيلةٍ لتجربة الشيزوفرينا من الداخل. فيما يلي، قمت بترجمة بداية مقال كاتز و نهايته.[3]

هذا التقريرٌ يعرض تجربة محرّر مجلة Maclean’s دقيقة بدقيقة، عندما تناول عقار تجريبي حوّله الى فصاميٍ يخبر الهذيان: كل ما رآه، ما شعر به، ما قاله و ما فعله تم توثيقه بواسطة تسجيلاتٍ صوتيةٍ و صورٍ و شهودٍ ذوي خلفية علمية، إضافة الى ذكرياته الشخصية المُعذَّبة، و التي مازالت تطارده حتى الآن.

* * *

في صباح يوم الخميس، 18 يونيو 1953، تناولت عقارا حوّلني – لمدة إثني عشر ساعة لا تُنسى – إلى مجنون. لاثنتي عشر ساعة، عشت في عالمٍ كابوسيّ اختبرت فيه عذابات الجحيم و نشوة الجنان معاً.

لن أتمكن أبداً من أن أصف ما الذي حدث لي بالكامل خلال رحلتي الى عالم الجنون. في اللغة الانجليزية بأكملها، لا توجد كلمات مصممة لنقل المشاعر التي اختبرتها، أو الرؤى و الأوهام و الهلاوس و الألوان و الأنماط والأبعاد التي كشف عنها عقلي المرتبك.

لقد رأيت وجوه الأصدقاء المألوفين تتحول إلى جماجمٍ خاليةٍ من اللحم و إلى رؤوس ساحراتٍ مرعبات و خنازير و بنات آوى.[4] أما السجادة المنسوجة بتصاميمٍ بهيجة فقد تحولت، تحت قدميّ، إلى كتلةٍ مهولةٍ من المادة الحيّة التي تمور؛ نصفها من الخضار و النصف الثاني من الحيوانات. كانت هناك لوحةٌ عاديةٌ لرأس امرأةٍ و كتفيها رأيتها، دبّت فيها الحياة فجأة. لقد حرّكت المرأة رأسها من جهةٍ الى أخرى، و كانت تنظر لي نظرة فاحصة، فيما كانت تتغير – باستمرار – من إمرأة الى رجل و من رجل إلى إمرأة. أما شعرها و قلادتها، فقد تحوّلا الى عشٍ لآلاف الثعابين الجائعة التي كانت تتقافز لكي تلتهمني. ملمس جلدي تغيّر عدة مرات. بعد أن أمسكت ببطاقةٍ ملونةٍ أحسست بجسدي يختنق تعطشاً للهواء، لأن جلدي تحول الى طلاء. فيما كنت أربّت على كلبٍ أسود، ثقُلَ ذراعي و انبجست منه طبقة كثيفة من الفراء الأسود اللامع.

لقد كنت واقعٌ في قبضة هلوساتٍ مرعبةٍ متكررة، كنت خلالها أشعر بجسدي – و أراه – يتشنج و يتقلص حتى لم يتبقَ منه إلا حجرٌ صلبُ مريضٌ تموضع في الجهة اليسرى من معدتي، محاطاً ببخارٍ أصفرٍ يميل الى الخضرة، انسكب على أرضية الغرفة.

لقد فقد الزمن كل معنى. تقلّصت الساعات الى دقائق، و امتدت الثواني الى ساعات. كانت الغرفة التي تواجدت فيها تتغير مع كل نفسٍ آخذه، و ومضاتٌ غامضةٌ من ضوءٍ ملونٍ كانت تجيء و تروح. مثل المطاط، كانت أبعاد الغرفة تتمدد تارةً و تتقلص تارةً أخرى. الصور، الكراسي، الستائر و المصابيح كانت تتطاير من دون توقف، مثل الكواكب في أفلاكها. أحاسيسي بالشعور، بالشم وبالسمع اختلطت ببعضها البعض؛ بدا الأمر و كأن أحداً قد انتزع الشبكة العصبية لدماغي و المسيطرة على أحاسيسي، ثم أعاد توصيلها من دون اهتمامٍ لسابق تركيبها.

و لكن ساعات جنوني لم تكن مليئة بالرعب و الجنون بالكامل. هناك أحيانٌ راودتني فيها رؤىً من الجمالٍ المبهر، كانت من الهيجان و من الغرابة إلى الحد الذي لا يمكن لأي فنانٍ معه أن يرسمها. لقد عشت في فردوسٍ كانت السماء فيه كتلة من الجواهر المنظومة على خلفيةٍ من الأزرق الزبرجديّ اللامع، و كان لغيومه لون المشمش، و هواؤه مليءٌ بالأسهم الذهبية السائلة و النوافير اللامعة من الفقاعات الملونة، و الدانتيلا المخرّمة المصنوعة من اللؤلؤ و الفضة، غُمُد من أضواء قوس قزح – جميعها تتغير باستمرارٍ في اللون والتصميم و الملمس و الأبعاد، بحيث كان كل مشهدٍ أكثر روعةً من سابقه.

مضى أسبوعان منذ أن قضيت نصف يومٍ كمجنون (لقد بلغ بي الخوف و الحيرة من هذه التجربة كل مبلغ، بحيث أنني ما تمكنت من الجلوس و كتابة سردٍ كاملٍ لما حدث لي إلا الآن. بل حتى هذه اللحظة، فيما أعيش الكابوس مرة أخرى عبر هذه المسافة الآمنة، ما زلت أتوتر و جسدي ينضح بالعرق حتى الآن.

لقد تطوّعت لكي أصبح مجنوناً مؤقتاً من أجل خدمة البحث الطبي القاصد الى تقصيّ إشكالية المرض العقلي. إنها واحدة من مراحل البحث العلمي تلك التي يكون فيها الإنسان هو خنزير غيانا،[5] فالحيوانات لا تستطيع أن تصف مشاعرها.

لقد كان العقار الذي تناولته هو عقار LSD  (Lysergic Acid Diethylamide)، و هو ما يعرف علمياً بقلواني الإرغوت، و هو يتكون من الطبقة السُمّية التي تنبت أحياناً على بذرة حبوب الجودار. منذ سنتين، عندما تم بيع خبزٍ مصنوعٍ من طحين الجودار الفاسد في إحدى القرى الفرنسية، مات كثيرٌ من السكان من التسمم، فيما عانى العديد من هذيان جنونيٍّ شديد. لقد كانت الحالة العقلية التي نجمت عن هذا العقار – الذي تم تحضيره من قبل كيميائيٍّ سويسريّ – تقارب الى درجة كبيرة الشيزوفرينيا الحادة، أكثر أنواع المرض النفسي شيوعاً في كندا و أكثرها جدية. إن حوالي نصف المرضى في مستشفياتنا العقلية يعانون من شكلٍ ما من أشكال هذا العذاب العقليّ الرهيب.

و رغم حقيقة أن علماء النفس قد عرفوا الشيزوفرينيا منذ حوالي خمسين عاماً (و هي التي تسمّى أحيانا الخرف المُبْتَسَر dementia praecox أو الشخصية المنقسمة)، إلا أن معلوماتنا عنها مازالت فقيرة. نحن نعلم أن الضحية يعيش في عالمٍ فوضويٍّ خاصٌ به، يعاني فيه من الهلاوس و الأوهام، و يتأثر منه تفكيره و مزاجه و سلوكه معاً. في بعض الأحيان، يقوم المصابون بالفصام بالانتحار و بالقتل استجابةً منهم لاعتقاداتٍ خاطئةٍ تسيطر عليهم فتتمكن منهم.

أما فيما يتعلق بسبب هذا المرض، فهناك مدرستان رئيسيتان في التفسير. هناك مجموعة أولى – لا سيما مدرسة التحليل النفسي – تميل الى الاعتقاد بأن المصاب بالفصام هو شخص لا يستطيع التأقلم مع صعوبات الحياة فينسحب لذلك الى عالمٍ فانتازيّ من صنع خياله. و هناك مجموعة ثانية تذهب الى أن الشيزوفرينيا هي نتيجة مباشرة لاضطراب اسْتِقْلابِي،[6] تصاب فيه الغدد الداخلية بخللٍ تُربِك معه كيمياء الجسد. و هم يَشِكّون أن المذنب في ذلك هو نظام الغدد الأدريناليني الذي – بطريقةٍ معقدةٍ ما – ينتج مادة سامة تتسبب بالجنون.

إلا أن هذه النظريات ليست حاسمة بالضرورة، فالدكتور هانس سلاي Dr. Hans Selye العالم في جامعة مونتريال أظهر كيف أن التوتر و الإنهاك يمكن أن يؤثرا على وظائف الغدد الداخلية، بما فيها الغدد الأدرينالينية، بحيث أنها قد تنتج مجموعة مختلفة من الأمراض بما في ذلك المرض العقلي.

من خلال خلق حالةٍ مثل الشيزوفرينيا خلقاً اصطناعياً في الإنسان الطبيعي – مثلما كان الأمر في حالتي – فإن الباحثين يأملون بالعثور على إجاباتٍ لجملةٍ من الأسئلة المحيرة. فالمحللين النفسيين يرغبون أن يعرفوا كيف يشعر مريض الفصام؟ ماذا يرى؟ بماذا يفكر؟ كيف يفكر؟ ماهي أفضل طريقة لمساعدته من قبل مُعالِجه؟ إن هذه الاجابات لا يسهل الحصول عليها من قبل المريض المصاب بالفصام المزمن، إذ عادة ما يكون لديه القليل من التبصر، و ربما خلى منه كليةً، كما أنه يصعب التواصل معه عادة.

و يبحث المتخصص في الكيمياء الحيوية عن معلوماتٍ يمكن أن تساعد في إيجاد علاج للشيزوفرينيا بالنهاية: ماهي المادة السامة الموجودة في مريض الفصام والتي يخلو منها جسد الإنسان العادي؟ لو أمكن التعرف على هذه المادة، فإنه من المتصور أن عنصراً كيميائياً ما يمكن أن يصنّع لتعويض هذا النقص، تماماً مثلما أن البنسلين و الأوريومايسين يمكن أن يقضيا على أنواعٍ معينةٍ من الالتهاب. إن ذلك لمما يمكن أن يقود، نظرياً، الى علاج نصف مرضانا العقليين.

بعد أن وصلت تجربة الـ LSD إلى نهايتها أخيراً، وبعد ليلة من الهياج المشفوع بنومٍ خالٍ من الأحلام، كنت أتضوّر جوعاً. أخذت حماماً و لبست ملابساً نظيفة، ثم مررت على مايك كيسترتين (Mike Kesterton) و بعدها أخذنا سيارة أجرة الى ويبيرن (Weyburn). مشيت في الشارع أتطلّع في وجوه المارة و و أطالع واجهات المحلات، مبتهجاً بكوني قد عدت مرة أخرى الى أرض الأحياء. ذهبنا الى المطعمٍ، حيث قضيت هناك على كمياتٍ كبيرةٍ من عصير البرتقال و البيض و الخبز و القهوة. لم يكن قط الطعام أكثر لذة. فكّرت في زوجتي و أطفالي، ثم ذهبت الى الدكّان لأشتري لهم بعض الهدايا.

تحولت أفكاري الآن الى المرضى في مستشفى الأمراض العقلية. لقد كنت محظوظاً، فقد احتملت عذابات الجحيم لإثنتي عشر ساعة فقط، و أنا الآن حر. و لكن ماذا عنهم؟ لقد عانى كثير منهم من المرض العقليّ لمدة خمس، عشر، و حتى خمسة عشر عاماً. كيف تبدو لهم الساعة المفردة المُعذّبة؟ يوم؟ شهر؟ سنة؟ أبدية؟

عدت الى المستشفى و مشيت في أجنحته وحيداً. في الماضي، قضيت في مستشفيات الأمراض العقلية الساعات الطوال بصفتي طالب علم نفس في مجال البحث الاجتماعي و مراقِبٌ في الآن ذاته. ولكنني، في هذا اليوم، رأيت كل شيءٍ بعينين مختلفتين. هناك مريضً بالفصام طويل البنية مشى باتجاهي،  قبض على يدي لبضع لحظات ثم، و من دون أن ينبس ببنت شفة، مضى بعيداً. تذكرت كيف كنت قد قبضت أنا بدوري على يد أوزموند (Osmond) بشكلٍ يائس. من أي دوامةٍ لا قرار لها كان هذا الرجل يهرب؟ كان هناك شاب أشقر في أواخر العشرينيات يقف في حالةٍ أشبه بالغيبوبة، يحدق في ظلٍ على الحائط، مع ابتسامة نشوةٍ تجمدت على وجهه. كم مليون ميلاً كان يبعد عنا؟

 

أملٌ جديدٌ لفاقدي العقل؟

مريضٌ آخر، بوجه يطفح باليأس أخبرني أن سحليةً كانت تعيش في أرجوحةٍ وسط صدره. لقد أنجبت ثلاث سحالي صغار زحفت الى رأسه و أكلت كل دماغه. أي عزاءٍ يمكنني أن أقدّم له؟ هل يمكنني أن أخبره بأن كل هذا هو محض تلفيقٍ من خياله، فيما كان هو يرى الوحوش بألف لونٍ و بُعدٍ و يحس فعلاً بأدنى حركةٍ لها؟ ليس هناك أي تجربةٌ حقيقةٌ لشخصٍ عاديٍ يمكن أن تضاهي شعور هذا المريض بالواقع.

من الزاوية البعيدة للقاعة، كان يمكنني أن أسمع الغناء الرهيب لمريضٍ بالفصام، يعيد مضطرباً:

احترق، أيها الجسد اللعين

احترق أيها الجسد اللعين

احترقي ايتها الأرجل اللعينة

احترق أيها البطن اللعين

احترق أيها الجسد اللعين …

في أي زاويةٍ من الجحيم كان يعيش؟ أي رعبٍ سكن فيه؟ بحداثة تجربتي العائدة الى الأمس، كان يمكنني أن أتخيل ما يمكن أن تكون. في تخيلي هذا، كنت أجفل من الألم.

تركت ويبيرن (Weyburn) مع شعورٍ بالاستعجال. ان نصف طاقتنا السريرية بالمستشفى كانت ملأى بالمرضى العقليين، و نصف هؤلاء كانوا يعانون من الشيزوفرينيا. ما زلنا لا نعرف سبب هذا المرض حتى الآن، و مع ذلك فلدينا أسبابٌ وجيهةٌ للشك بأنه ربما كان يُعزى الى خللٍ في كيمياء الجسد. إن بضع نقاطٍ من العقار غيّرتني، أنا الشخص الطبيعي، فجعلت مني مجنونا، أفلا يمكن إذن أن يكون المصاب بالفصام هو شخصٌ ذو جسدٍ يصنع باستمرار جزيئاتٍ صغيرةٍ من مادة سُمّية مماثلة؟

إن كان الأمر كذلك، فلا يمكن للعلم الا أن يأمل بالتعرّف على المشكلة و التصدّي لها عندما يتوفر التمويل للبحث العلمي بالملايين، و ليس بالآلاف كما هو الوضع حالياً. ينبغي أن نصر على أن يُكرّس – فوراً – الأفضل من أطبائنا و فنيينا و مختبراتنا لإنقاذ مرضى الفصام من هذا الجحيم الأبدي. ليس هناك من هدفٍ أشد ألحاحاً و لا أكثر إنسانية.

أنا أعرف.

 

 

[1] Sidney Katz, ‘My Twelve Hours as a Madman’, Maclean’s magazine, 1 October 1953.

[2] الشيزوفرينيا (Schizophrenia): الفصام.

[3] يمكن الاطلاع على المقال الأصلي هنا: http://www.macleans.ca

[4] Weasel، في النص الاصلي.

[5] يقصد أنه أصبح حيواناً للتجارب.

[6] خللٌ في عملية الأيض (metabolic disorder).

كيف تُرسَم الشرعية: لوحة تتويج نابليون بونابرت نموذجاً

قياسي

كيف تُرسَم الشرعية: لوحة تتويج نابليون بونابرت نموذجاً

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

21 أغسطس 2015

Louvre31[1]

إضافة إلى دورها في خلق الذائقة الجمالية الرفيعة، تمثل اللوحات الفنية الكلاسيكية مدخلاً ممتازاً لفهم التاريخ و السياسة، بل و القانون أيضاً. لوحة “تتويج نابليون بونابرت” هي مثال جيد على ذلك (The coronation of Napoleon Bonaparte).

في هذه اللوحة التي رسمها رسام الثورة الفرنسية جاك لوي دافيد بإيعاز من بونابرت نفسه،  جُعل الحاضرون لحفل التتويج جزء من آلة خلق الشرعية المشبوهة لهذا الإمبراطور الجديد. كان نابليون نفسه من طلب من الرسام دافيد إدراج رسائل سياسية مدمجة في اللوحة بما يسوّغ تتويجه الغريب كإمبراطور في ظل نظامٍ جمهوريٍ ثوري (و هو السبب الذي كان أعداؤه من النظم الأوروبية الملكية يسمونه من أجله “مغتصب السلطة” The Usurper).

كان من تعليمات نابليون للرسام دافيد، مثلاً، أن يُظهر والدته في اللوحة (السيدة في الشرفة) ليوهم الشعب بمباركتها لمسيرته، و هي التي تغيبت عن حفل التتويج أصلاً فلم تحضره لغضبها عليه و على خياراته السياسية.

انتبه أيضا لشبيه يوليوس قيصر (الرجل القصير الذي يبدو خلف نابليون): هو يظهر في الصورة بغرض استدعاء قيصر الى الذاكرة بهدف تصنيف نابليون في مرتبة كبار قادة التاريخ و وضعه في مصاف قيصر من حيث المجد العسكري، مع إظهار نابليون – و هو المعروف بقصر قامته – أطول منه، في إشارةً غير بريئة على تفوقه على قيصر من حيث العظمة.

كما أن نابليون يظهر في الصورة مديراً ظهره للبابا الجالس على الكرسي الرسولي، ليغمز من قناة الكنيسة من طرفٍ خفي، و ليؤكد أنه لا يستمد سلطته منها، مرسخاً بذلك فكرة فصل الدين عن الدولة و عدم امتداد سلطة البابا إلى الحكم الفرنسي.

(اما الفتاتان اللتان تحملان أطراف فستان الإمبراطورة الراكعة جوزفين زوجة نابليون فهما شقيقتا نابليون اللتان حضرتا الحفل كارهتان بسبب بغضهمها لزوجة أخيهما، فقد أجبرهما نابليون على الحضور ليظهر أسرته أمام الشعب كاسرة سعيدة و متحابة).

في الحقيقة، الرموز و الرسائل السياسية في هذه اللوحة / البروباجندا كثيرة، و لكن لا مجال لسردها كلها في هذه العجالة.

الشاهد هنا هو أن تاريخ الفن هو مجال ممتعٌ جداً للقراءة و الإطلاع، و مسارٌ رفيع نحو المعارف المتداخلة.

سابقة. إن مرّت، فستكون جميع حدائق الكويت مهددة بالزوال

قياسي

 سابقة إن مرّت، فستكون جميع حدائق الكويت مهددة بالزوال

11873999_10153477958581071_742042254_n[1]

إلى من يهمه الأمر،

نلفت نظركم إلى ما يجري حاليا في حديقة جمال عبد الناصر بالروضة. فقد تم بالأمس وضع علامات تحديد مساحة مستطيلة و كبيرة من أرض الحديقة لإقامة بناء يخصص لأغراض نفعية يمكن إقامته في اي مكان آخر، إضافة إلى  قطع ما في وسط هذه المساحة من  أشجار النخيل قطعاً بالفأس، بدلاً من اقتلاعها (علماً بأن أشجار النخيل هذه ما زالت في حالة جيدة و و قلبها ما زال ندياً و به رطوبة). منذ متى كان النخيل يقطع بالفأس في الكويت؟

اما المفارقة الحقيقية، فهي أن يحدث ذلك في نفس اليوم الذي تقرر فيه وزارة الشئون إشهار “جمعية أصدقاء النخلة” :

https://www.kuna.net.kw/ArticleDetails.aspx?id=2456071&Language=ar

و يتم كل ذلك في جوٍ من الصمت المطبق و التجهيل التام (مع استغلال هدوء الصيف و سفر كثير من أهالي المنطقة الى الخارج)، حيث لا يوجد في المكان أية لافتة او يافطة أو إعلان يشير إلى طبيعة المشروع و الجهة المسئولة عنه، كما يليق بحق المواطن في الوصول إلى المعلومة الموقعية. كما أننا اتصلنا بعدة جهات في المنطقة و جميعهم نفوا أي علم لهم بالموضوع.

(انظر الصور أدناه).

و لما كنا مجموعة من أهالي منطقة الروضة الغيورين، فإننا نسجل استياءنا الشديد من ذلك، إذ من الملاحظ أن هذه الحديقة يتم الاقتطاع من مساحتها لأغراض مختلفة ، ربحية تارة و غير ربحية تارة أخرى، تدريجيا و بهدوء. و هو امر غير مقبول لنا، من حيث أن هذه الحديقة لها قيمة تاريخية كبيرة لدولة الكويت و دور بيئي مهم باعتبارها المتنفس الوحيد لأهالي منطقة الروضة. كما ان الامر لا يستقيم مع صدور قانون حماية البيئة الجديد رقم 42 لسنة 2014، و المعني بحماية المساحات الخضراء، لا الانتقاص منها.

لذلك، نرجو مخاطبة الهيئة العامة للزراعة و الثروة السمكية للتفضل بإصدار الأمر لمن يلزم بوقف أعمال البناء فوراً لرفضنا القاطع لتشييد أية مبانٍ على أرض الحديقة، و لمنع الاقتطاع من مساحة الحديقة المحدودة أصلاً.

و يتضاعف استياؤنا إذا ما تذكرنا الحالة المزرية للحديقة و إهمالها، رغم إلحاحنا و رغم مطالباتنا المتكررة لسنوات.

هذه سابقة، إن مرّت، فستكون جميع الحدائق في بلادنا مهددة بالزوال، تدريجياً، من خلال اتباع الأسلوب نفسه.

و لذلك، و بكل الاحترام، نرجو من الجهات المختصة وقف اعمال البناء في الحديقة فوراً، فحدائق الكويت ينبغي ان تظل للغرض المخصصة له: حدائق، و حدائق فقط.

مع التحية و التقدير،

مجموعة من أهالي منطقة الروضة

11873999_10153477958581071_742042254_n[1]

11909586_10153477958611071_135545771_n[2]

6  11911857_10153477958656071_2137491879_n[1] 11924673_10153477958631071_1454106849_n[1]  11880952_10153477958526071_1316726188_n[1] 4 5 - Copy

حقوق الدفاع في قضية تفجير مسجد الصادق في الكويت: الاختبار الحقيقي لمصداقية قناعاتنا الدستورية؟

قياسي

 

حقــوق الدفــاع في قضيــة تفجيــر مسجــد الصــادق فــي الكويــت:

الاختبار الحقيقي لمصداقية قناعاتنا الدستورية؟

 

د. مشاعل عبد العزيز اسحق الهاجري

(مقال منشور في : جريدة القبس، 12 أغسطس 2015)

http://www.alqabas.com.kw/Articles.aspx?ArticleID=1081149&CatID=488

 11831783_10153461145211071_5527646639533534404_n[1]

طالعتنا الصحف هذا الصباح بخبر عزوف عدد كبير من المحامين عن تمثيل المتهمين في قضية تفجير مسجد الصادق في الكويت، خشية منهم من التعرض لنقمة الرأي العام الشعبي. و أجد أن الموضوع يستأهل وقفة مستحقة باعتباره تمريناً لازماً في النقاش المجتمعي العام، المتعلق بنظرتنا لأنفسنا كمجتمع، و للوقوف على الفروقات الفاصلة بين شكل مؤسسة العدالة كما نمارسها عملاً و كما نبتغيها أملاً.

و أطروحة السؤال هي الآتي:

من المنظورين القانوني و الأخلاقي، هل يُقبل من المحامي إظهار التردّد بشأن حق متهمٍ ما بالحصول على محامٍ يمثله أمام القضاء، فقط لكون هذا المتهم مُدانٌ – سلفاً – من قبل الرأي العام الشعبي باعتبار أن جريمته ذات طبيعة بشعة، عامة الضرر، و يكاد الجرم يكون ثابتاً فيها؟

ابتداءً، من حق كل متهم، مهما بلغت بشاعة تهمته، أن تُوفّر له الترسانة الدستورية الكاملة من الضمانات القانونية و الإجرائية الأصيلة فيما يتعلق بحق التقاضي و توفير مكنة الدفاع، مع التشديد على استقلال المحامي في هذا الشأن. و هو مبدأ حقوقي ترسخ في الإعلان العالمي حول استقلال العدالة الذي تبنته الدورة العامة الختامية لمؤتمر مونتريال حول استقلال العدالة عام 1982 و الذي أكد على استقلال المحاماة، و كذلك  المؤتمرات الدولية منذ مؤتمر ميلانو 1985 و توجيهات المجلس الاقتصادي و الاجتماعي في الأمم المتحدة و المبادئ الأساسية المقرة في المؤتمر الثامن للأمم المتحدة لمنع الجريمة المنعقد في هافانا (كوبا) و التي كان على رأسها المبدأ الخاص بحماية استقلال المحاماة و تعيين المعايير المعززة لهذا الاستقلال، كما أن اتفاقية محاميي العالم 2008 التي كان وراءها الاتحاد الدولي للمحامين قد نصت في مادتها الأولى على أن الاستقلالية و حرية ضمان الدفاع و الاستشارة للموكل تعد من أولى دعامات مهنة المحاماة.

و لعل القوانين العربية المقارنة لا تقل وضوحاً بشأن الدور المحوري للمحامين في هذا الصدد، فقد نصت المادة 1 من قانون المحاماة المصري رقم 17 لسنة 1983 على أن “المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية تحقيق العدالة و في تأكيد سيادة القانون و في كفالة حق الدفاع عن حقوق المواطنين و حرياتهم، و يمارس المحاماة المحامون وحدهم في استقلال، و لا سلطان عليهم في ذلك إلا لضمائرهم و أحكام القانون”،  كما أن المادة 1 من قانون تنظيم مهنة المحاماة السوري رقم 39 لسنة 1981 و المادة 1 من قانون مهنة المحاماة اللبناني رقم 8/70 و المادة 2 من قانون المحاماة التونسي رقم 37 لسنة 58 والمادة 1 من قانون تنظيم نقابات المحامين و مزاولة مهنة المحاماة في المغرب رقم 79/19 تقرر جميعها أن المحامون جزء من أسرة القضاء، و أن مهنتهم حرة و مستقلة.

أما في الكويت، و حول ارتباط استقلال المحاماة بحق الدفاع للمتهم تحديداً، فإن المادة رقم 34 من دستور الدولة تنص على أن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع”. كما أن القانون الكويتي رقم 17 لسنة 1960 بإصدار قانون الإجراءات و المحاكمات الجزائية يتضمن نصاً هاماً بهذا الصدد، هو المادة رقم 120، و الني تقرر أن “للمتهم في جناية الحق في أن يوكل من يدافع عنه، و على المحكمة أن تنتدب من المحامين من يقوم بهذه المهمة إذا لم يوكل المتهم أحداً”.

و لكن هذا كله يتعلق بالهيكل النظري للإشكالية موضوع النقاش، فماذا عن الخيارات الواقعية؟ كيف يُفترض بالمحامين التصرف و هم بين مطرقة القانون الذي يعطى المتهم الحق في وجود محامٍ يمثله في الدعوى المنظورة أمام المحكمة، و سندان استنكار المجتمع الموتور الذي فُجع ببشاعة الجريمة، و نظرته الغاضبة للمحامي الذي يقبل بتمثيل المتهم في قضية مثل هذه؟

من المؤسف أن عدداً من نواب مجلس الأمة – و هم مشرعينا الذين أقسموا على حماية الدستور – عوضاً أن يدعموا الأوضاع الدستورية الأوليّة التي تقرر حقوق الدفاع و استقلال المحاماة، قد استنكروا قبول المحامين بهذه القضايا (هذا، علماً بأن نواب هذا المجلس هم من تقدم باقتراح بقانون لتنظيم مهنة المحاماة تنص المادة الثانية منه على أن “يمارس مهنة المحاماة المحامون وحدهم و في استقلال تام … و لا سلطان عليهم إلا لضمائرهم و أحكام القانون”).

ولكن إذا كان السياسيون أحراراً في منطلقاتهم المرنة (براغماتية، عاطفة، ملائمة، توقيت، أولويات)، فعلى الحقوقيين أن يتذكروا دائماً أن هناك قيماً لا ينبغي التنازل عنها مطلقاً من منطلقٍ قانوني مبدئي (دستور، نظام، عدالة، مساواة)، من حيث أن القانون – بالمقارنة بالمرجعيات الأخلاقية و الدينية و الاجتماعية – هو المسطرة الوحيدة التي تحقق اعتبارات الوضوح، الانضباط و الموضوعية، و التي يمكن أن نحتكم إليها في فوضى المنظور الشخصي للأمور، و الذي يختلف من زاوية رؤية إلى أخرى، و من مرجعية إلى مرجعية.

كحقوقيين، قد يحدث، واقعاً، أن نجد في أنفسنا شيئاً من التفهّم لعاطفة شعبية لا عقلانية و لكن عارمة. عندها، من الأفضل دائماً أن ندع الأمر في دواخل أنفسنا فلا نسوّق له، و لا نعلنه. إذا لم نستطع أن نعوّد أنفسنا على الاستنكار الموضوعي الواجب في مواجهة كل صوتٍ يجرؤ على المطالبة بحرمانٍ من حقٍ دستوريّ أصيل، فأقل ما ينبغي علينا – ضميرياً – هو ألا نُخرج مشاعرنا الشخصية الملتبسة إلى العلن، فلا نشوّش على الآخرين بدعوى “التفهّم” الذي من شأن صدوره عن الحقوقيين تحديداً أن يربك فكرة الناس عن الوظيفة الراسخة للقانون.

للعدل مؤسساته النظامية المستقرة (مشترعين، جهات ضبط و تحقيق، نيابة، محاكم، و محامين)؛ العدل لا يُعهد به إلى كياناتٍ انفعالية غير منضبطة مثل الشارع أو الرأي العام، مهما بلغ مقدار الضرر الواقع عليها، و مهما بلغ بنا التعاطف معها. في أجواء الألم العام و الهستيريا المجتمعية، يحدث أن تتساقط الحصون العقلية (بل و المؤسسية) واحداً تلو الآخر، و لا بأس، إذ يثبت التاريخ أنه من الممكن للمجتمع دائماً العيش – و إن بصعوبة – من دون مؤسساتٍ كانت تبدو له حيوية، إلا مؤسسة القضاء، الجالس منه و الواقف، فهذه هي المؤسسة الوحيدة التي لا تملك ترف إغفال العقل و الاستكانة إلى العاطفة طرفة عين.

قرأت مرة بحثاً كتبه غوستافو زاغروبلسكي الذي كان رئيساً للمحكمة الدستورية الإيطالية و القاضي الآن في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قال فيه أن المحاكم هي “أرستقراطيات علم” من حيث أنها مدعوة لإيقاف انحدار الديمقراطية و تحولها إلى ديماغوجية، و إلى تحديد نقطة حازمة للتطور العقلاني للمجتمع، و بذلك فالقضاء (بقضاته و بأعوانه و بمحاميه) ينبغي أن يكون جزيرة للعقل وسط فوضى الآراء. كان مما قاله أيضاً أن المحاكم (و منتسبيها) ينبغي أن تكون الطليعة الأخلاقية للمجتمع؛ فهي في ذلك أشبه ما تكون بموسى العهد القديم، الذي تمثل قدره في اخراج شعبه من تيه الصحراء و قيادته نحو أرض ميعاد الحياة الدستورية. قدر القضاء – و العاملين في منظومته و معها –  قدرهم أن يكونوا دائماً خصوماً للعاطفة؛ هم معقل الرشد و حصنه الأخير.

حتى  نحافظ على الدولة المدنية التي لا يمكن أن تقوم لها قائمة من دون اعتناق عقيدة الذود عن الضمانات الدستورية للجميع، فإن الدفاع عن المتهمين – حتى و إن غلبت بشأنهم مظنة ارتكاب الجرم – ليس خياراً، بل واجبٌ لازم. و ضمان حق المحاكمة العادلة لهؤلاء يعنى تمكينهم من جميع أدوات حق الدفاع التي توفرها مؤسسة العدالة الجنائية، و على رأس هذه الأدوات أن يقف إلى جانب كل متهم محامٍ يمثله أمام المحكمة، و لا أبالغ إن قلت أن هذا الأمر يتعلق بقدس أقداس دولة المؤسسات.

الدفاع عن متهمٍ في جريمة بشعة مثل تفجير مسجد الصادق هو أمرٌ لا شك صعب. و مع ذلك، فلنتذكر دائماً أننا لسنا قضاة؛ القضاة هم فقط من خولهم القانون بالجلوس على منصة القضاء. أما نحن، فينبغي أن يكون فينا دائماً من يقوم بمهمة الدفاع التي و إن كانت جالبة لنقمة الناس على المدى القصير إلا أنها دعامة لازمة للأعمدة الأساسية للنظام الدستوري على المدى البعيد. اللحظة التي سيجد فيها مجتمعٌ ما نفسه و قد انتهى الأمر بجميع أفراده إلى الإمتناع عن توفير مثل هذه الضمانات الدستورية لمتهمٍ ما بدعوى الاستنكاف العاطفي هي اللحظة التي ستبدأ فيها بنيته الأساسية العدلية بالتآكل و الاضمحلال.

نعم، المحامون مسئولون عن خياراتهم القيمية. و مع ذلك، فلا ينبغي أن نتعسف في هذا المطلب بما يرتب إرهاب المحامين معنوياً إلى حدٍ يمس بحق المتهم في وجود محامٍ بجانبه. نحن أمام مسلمة عدلية لا تقبل النقاش، قد يُقبل من المجتمع أن يظهر صعوبةً في استيعابها، و لكن ذلك لا يُقبل أبداً من المحامين. لذلك، فما إظهار بعض المحامين التردد في قبول الدفاع عن المتهمين خشيةً من الرأي العام إلا إضعافٌ لصورتهم أمام ذات الرأي العام الذي يخشونه.

نحن، ككويتيين، موجوعون: فقدنا شهداءنا و هم راكعون يصلون. من هنا، فتمسكنا بعدم مساءلة الضمانات الدستورية التي نصر على توفرها في هذه القضية الحزينة لا يتعلق فقط بحقوق المتهمين، بل يتعلق قبل ذلك بحق الكويت علينا بأن نجتاز بها هذا الاختبار الحرج لصدقية قناعاتنا بما نتنادى به دائماً من دورٍ رفيعٍ لمؤسساتها العدلية.

هكذا فقط نثبت لأنفسنا – و للعالم – أن الأمر يتطلب أكثر من حفنة من معتوهي الإرهاب حتى نفقد الثقة بمؤسساتنا الدستورية القيمية، و هكذا فقط نجعل لتلك الدماء الزكية التي سالت في المساجد قيمةً و معنى.

أجيال رئاسية

قياسي

Screenshot_2015-07-07-12-33-50

 

 

حفل افتتاح الفرع المغربي للشبكة القانونية للنساء العربيات:

الصورة تظهر الرؤساء الثلاثة المتعاقبون على رئاسة الشبكة: أ. زبيدة عسول (رئيسة حزب و مرشحة للرئاسة في الجزائر)، أ. إحسان بركات (اول قاضية و رئيسة محكمة الاستئناف في الأردن)، و محدثتكم.

في كلمتي الافتتاحية، شددت على الدلالات العميقة على حقيقة وجود الأجيال الرئاسية المتعاقبة في حفل الافتتاح، و الدروس التي تنقلها هذه الصداقة القوية بين رؤساء ثلاثة: تداول صحي للسلطة، خبرات تراكمية، و عمل مؤسسي مستدام، لا ينقطع و لا يتغير بتغير الأشخاص. المنتج النهائي لجمعيات النفع العام الحقيقية ليس الانشطة، بل القيم المجتمعية العميقة.

هذه الدورة، يترأس الشبكة القانونية للنساء العربيات القاضية المغربية بشرى العلوي، ممثلة للجيل الرابع من الرئاسة.

___________________________

 

كلمة الدكتورة /  مشاعـل عبد العزيـز الهاجـري

رئيس الشبكة القانونية للنساء العربيات

في حفل افتتاح فرع الشبكة القانونية للنساء العربيات في المغرب

المغرب،  الدار البيضاء 7 فبراير 2014

السيدات و السادة الحضور،

أتواجد بينكم اليوم تحت مسمياتٍ عديدة. فأنا أقف بين أيديكم كمواطنةٍ عربيةٍ أولا ً، وكرئيسة للشبكة القانونية للنساء العربيات ثانياً، و كأستاذة جامعية ثالثا.

و بهذه الصفات الثلاث، إسمحوا لي أن أخاطبكم بصيغة مباشرة تخالطها نبرة ٌ مخلصة. لقد علمتني المحاضرات الأكاديمية أن ما يبقى في ذاكرة المستمع على المدى الطويل ليس المادة الإخبارية الجافة بل هو الشغف و الإهتمام الصادق بالموضوع.

و من هذا المنطلق، سأحدثكم عن الشبكة القانونية للنساء العربيات أولاً، عن فرعنا المغربي الجديد ثانياً، و عن الرابط بين الاثنين ثالثاً.

فالشبكة القانونية للنساء العربيات هي جمعية إقليمية غير حكومية وغير ربحية، تهدف إلى النهوض بالمرأة العربية العاملة في المجال القانوني المهني، من خلال توفير منبر لتبادل الخبرات والتجارب ومناقشة التحديات والقضايا المشتركة، بالإضافة إلى توفير التدريب المتخصص وبرامج التطوير المهني التي تهدف إلى تعزيز القدرات الحقوقية للقانونيات العربيات على الوجه الذي يمكنهن من المشاركة الفعالة في بناء مجتمعاتهن.

و قد تبلورت فكرة إنشاء الشبكة في فبراير من العام 2004 باجتماع عُقد لمجموعة من النساء القانونيات يمثلن ست عشرة دولة عربية، حيث اجتمعن في الأردن لمناقشة التحديات التي تواجه المرأة في المجال القانوني بصورة شاملة. وتم إعلان انطلاقة الشبكة بصورة رسمية في عام 2005، و ذلك عندما احتشدت أكثر من تسعين سيدة من ست عشرة دولة عربية (الجزائر، البحرين، مصر، العراق، الأردن، الكويت، لبنان، المغرب، عُمان، فلسطين، قطر، المملكة العربية السعودية، سوريا، تونس، الإمارات العربية المتحدة واليمن) في العاصمة الأردنية عمّان.

و تتمثل رؤية الشبكة القانونية للنساء العربيات بأن تكون جمعية رائدة بصدد تمكين عضواتها من خلال المصادر والقدرات والمهارات والمعارف اللازمة للقيام بالدور المهني الذي يتيح لهن النجاح والتميز، كما تطمح لأن تكون ساحةً لأكبر تجمع للقانونيات العربيات بما يمكنهن من المشاركة الفعالة في بناء المجتمعات، لا سيما في أزمنة التحول التي تمر بها مجتمعاتنا العربية حالياً.

و الهدف الإستراتيجي العميق للشبكة هو دعم الدور الريادي للمرأة في المجالات القانونية والقضائية والتشريعية لتحقيق معادلة التكافؤ والعدالة الاجتماعية كخطوات لازمة باتجاه دعم سيادة القانون في الدول العربية.

و سعياً من الشبكة في تحقيق الأهداف التي أنشأت لأجلها؛ فإنها تعمل على تنفيذ مشروعاتٍ  متعددة، من قبيل مشروع تعزيز القدرات المهنية للقضاة و القاضيات، مشروع التعلم بالملازمة، مشروع رصد المحاكمات، مشروع الصياغة القانونية، مشروع حملة دعم حق المرأة في الميراث، مشروع تعزيز ضمانات الحق في المحاكمة العادلة، و عداها من مشروعاتٍ أخرى.

و في معرض تنفيذ تلك المشروعات، تحرص الشبكة القانونية للنساء العربيات على عقد الشراكات والتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمة والحكومية و الوزارات، مثل المجالس القضائية، وزارات العدل، نقابات المحامين، والجامعات، ناهيك عن شركائنا الاستراتيجيين مثل اتحاد المحامين الأمريكيين (ABA).

و لأن الطموحات جد كبيرة، فالتحديات أيضاً جد كبيرة، لا سيما على جبهات التمويل و تطوير الخدمات ذات القيمة و تصميم النشاطات التي تلبي الحاجات الضرورية المختلفة للنساء العاملات في المهن القانونية في مختلف الدول العربية

أما عن قيم الشبكة، فأنا ممن يعتقدون بأن المؤسسة عندما تنطلق من قيم ٍ نبيلة، فإن القائمين عليها ينبغي أن يظهروا منطلقاتها تلك بفخر، و أن يبينوا للمهتمين مدى علاقة تلك المنطلقات القيمية بأعمال المؤسسة، حتى تكون نموذجاً واضحاُ يصلح للتمثل و الاسترشاد.

هكذا، و للتمثيل على نوعية القيم التي اخترنا أن نلتزم بها في الشبكة، سأقول لكم أن الرئيس الأول للهيئة الإدارية للشبكة القانونية للنساء العربيات كانت الأستاذة إحسان بركات من الأردن، التي عملت كمحامية ثم  كقاضية ثم كرئيس محكمة، و عضواً للمجلس الأعلى لتجمع لجان المرأة، ثم انتقلت الرئاسة من الأستاذة بركات إلى الأستاذة زبيدة عسول من الجزائر، التي عملت – بدورها – كمحامية ثم  كقاضية لدى المحكمة العليا في بلادها و كعضو برلمان و كرئيس حزب. بعد هاتين الرائدتين،  تشرفت أنا بتقلد رئاسة الشبكة. و ها نحن الثلاثة – الرئيستان السابقتان و الرئيسة الحالية – بينكم اليوم.

و انا هنا – من خلال وجودنا بينكم – أدعوكم إلى التأمل في ظاهرةٍ نادرةٍ في الممارسة الإدارية العربية، فتعاقب شاغلي الرئاسة المؤسسية – مع استمرار تعاونهم و تعاضدهم لخدمة المؤسسة – هي سابقةٌ نادرةٌ في الوطن العربي، و هي تعبر عن قيمٌ كثيرة: مثل التداول الصحي للسلطة، التراكم المعرفي للخبرات، و التمثيل المنصبي الذي يتحرى العدالة الإقليمية في مقعد الرئاسة و الذي بدأ بالأردن في الإقليم المشرقي، مروراً بالجزائر في الإقليم المغاربي، و انتهاءً بالكويت في الخليج العربي. أنا أعزو كل ذلك إلى القيم العميقة التي تمثل جوهر ما نؤمن به في الشبكة القانونية للنساء العربيات.

انطلاقاً من كل ذلك، و جدنا أنه قد جاء الوقت للتوسع، فقررنا فتح فرعٍ لنا في المغرب. و لا ينبغي أن تأتي ولادة فرعنا هذا على يد الأستاذة بشرى العلوي كمفاجأة، فقد عوّدتنا هذه القاضية الفذة – منذ بداية معرفتنا بها – على المبادرات الديناميكية، التي لا تكتفي بالإنطلاقات الحماسية، بل تتعداها إلى الحرص على اعتبارات التخطيط و التمويل و الإدارة، و عداها من عناصر الإستمرار و الاستدامة، تماماً مثلما ينبغي لعملٍ مؤسسي.

ساعدها في ذلك – لا شك – حسن اختيارها للفريق المؤسس لفرع الشبكة في المغرب، المكوّن من: القاضية مينة سكراتي، القاضية فاطمة بختي، المحامية فاطمة مدرك، المحامية سعيدة حاجي، المحامية سعاد صفر، و أخيراً و ليس آخرأً الدكتورة نعيمة مويني. أعرف أنني أتكلم باسم زميلاتي الأستاذات من عضوات الهيئة الإدارية للشبكة الأم عندما اقول لفريقنا المغربي الجديد و الرائع: أهلاً و مرحباً بكم معنا في الشبكة القانونية للنساء العربيات، أخواتٌ عزيزات، و زميلاتٌ قديرات.و أخيراً يبقى سؤالٌ مُستحق:  لماذا يأتي افتتاح فرع الشبكة القانونية للنساء العربيات في الدار البيضاء، تحديداً؟

كان الأمر – في بدايته – مجرد تفصيلٌ لوجستي لا أكثر، أملته اعتبارات التنظيم و الملائمة. أما الآن، و قد صرت في مدينتِكم الجميلة هذه و رأيتها رأي العين بمبانيها البيضاء و نخيلها الباسق، فأنا أرى في وجود فرعنا في مدينة الدار البيضاء دلالاتٍ عديدة، تعبر عن قيمِنا التي نتحرّاها في الشبكة:

فالدارِ البيضاء هي الواجهةُ الديناميكية النشطة للمغرب المعاصر، و هذا تمظهرٌ واضح لقيمةٍ أولي، هي قيمة المرونة.

ثم أن الدارَ البيضاء هي مدينةٌ كوزمو/بوليتانية عالمية بامتياز، و هذا تمظهرٌ لقيمةٍ ثانيةٍ، هي قيمة الانفتاح و القبول بالآخر.

كما أن الدارَ البيضاء هي مدينةٌ ذات جغرافيةٍ بحريةٍ مثيرةٌ للاهتمام، فهي تطل على البحر الأبيض المتوسط و على المحيط الأطلسي معاً، و هذا تمظهرٌ جلي لقيمةٍ ثالثةٍ، هي قيمة الوسطية.

مثل دارُكم البيضاء، نحن في الشبكة القانونية للنساء العربيات – مرنون، منفتحون، و وسطيون. على الأقل، هكذا نحاول، بإخلاصٍ، أن نكون.

تحياتي – سيداتي سادتي – لكم جميعاً.

المهـن الحـرة بيـن متطلبـات الربـح و اعتبـارات القيمـة: دراسة حالة لمهنة المحاماة

قياسي

المهـن الحـرة بيـن متطلبـات الربـح و اعتبـارات القيمـة:

دراسة حالة لمهنة المحاماة

د. مشاعـل عبد العزيز الهاجـري

نشر في:  المفكرة القانونية، 16 فبراير 2015، على الإنترنت:

http://www.legal-agenda.com/article.php?id=1008&folder=articles&lang=ar

 

IMG-20150215-WA0061

 

(حول القرار السعودي الأخير بإلزام بمكاتب المحاماة بقبول بعض القضايا مجاناً، و عن النقاشات المهنية الحميدة التي يثيرها هذا القرار حالياً):

للمهن الحرة ذات البعد الأخلاقي خصوصية تاريخية و معقدة نوعاً ما. فقد بدأ التنظيم القانوني للعمل – كما نعرفه إلى اليوم – من خلال الأطر التشريعية التي ظهرت أول ما ظهرت في روما القديمة. و قد كان عقد المؤاجرة، كما نظمه القانون الروماني، عقداً واسع النطاق، ينظر اليه باعتباره مظلةً تغطي ثلاثة أنواع من التصرفات التي يمكن التمييز بينها بحسب موضوع العقد، كانت الفئة الأولى منها تتعلق باستئجار الأشياء، في حين تغطي الفئتان الأخريان أنشطة استئجار الخدمات. فأما “مؤاجرة الأعمال المقطوعة” أو المقاولة” (Locatio Conductio Operis)، فهي عقدٌ يتعلق بتكليف شخص بالقيام بمهمة محددة على شيئ أو شخص من طرف العاقد الآخر و ذلك لفترة من الوقت، يلتزم  بعدها بتقديم نتيجة عمله الى الأخير مقابل أداء مالي (و من ذلك عمل المحامي، من حيث المبدأ).

و لما كانت النظرة الاجتماعية للعمل اليدوي في روما نظرةً قاسيةً نظراً لاقتران هذا النوع من العمل بفئة الأرقاء باعتبارهم أدنى طبقات المجتمع مكانة ً، فإن مجال العمل اليدوي الذي كان يصلح محلاً لعقد مؤاجرة الأعمال كان جد ضيق.[1] و لذلك، فإن الأعمال المهنية الحرة (operae locari) – أي الخدمات الذهنية للمهندسين، المعلمين، المحامين، كتاب العدل، الأطباء و عداهم – هذه الأعمال المهنية الحرة رفعت من مستوى “العمل” بالمعنى المعروف آنذاك، فلم تكن تصلح لأن تكون محلاً لعقد  مؤاجرة الأعمال إذا قام بها شخصٌ من الأحرار، درءَ بشرف تلك المهن من الانحطاط بها إلى درك الحرفة التي تؤدى إزاء مقابل مادي. و بدواعي النبل و القيمة، كان يتوقع من أفراد هذه المهن أن يقوموا بأعمالهم مجاناً دون مقابل، إلا أنهم مع ذلك مؤهلون للحصول على مكافأةٍ ما لقاء خدماتهم، تتمثل بتقديرٍ مادي يرد تحت مسمىً شرفي رفيع هو “الأتعاب” (honorarium)، و ذلك للابقاء على تصور أن خدماتهم انما قدمت مجاناً و بصورة تطوعية تقصد الى الخدمة العامة (amicitia).[2]

هذا ليس تاريخاً قديماً منقطعاً عن زمننا المعاصر، فالثقافة المهنية السائدة حالياً مبنية على أرضية من تلك الأدبيات القانونية و الثقافية، إذ تعرف هذه الممارسة الآن ما يعرف بالعمل من منطلق الخير العام (Pro bono publico)، و هي عبارة لاتينية – و اللاتينية هي لغة روما القديمة –  تفيد معاني العمل المهني المجاني أو المخفّض الأتعاب و القاصد إلى تحقيق الصالح العام، و هو أمرٌ صار منتشراً في مجالات المحاماة و الهندسة و التعليم و الطب و التخطيط. كما أن القانون الروماني ليس منبت الصلة ببيئتنا العربية و الإسلامية، لنتذكر أنه بعد الفتوحات الإسلامية التي بدأت في منتصف القرن السابع الميلادي لم يحز الفاتحون المسلمون أراضٍ خالية، بل ورثوا حضاراتٍ عظيمةٍ هي الفارسية (في فارس و العراق) و الرومانية الشرقية (في بلاد الشام و بيزنطة أو تركيا حالياً)، و قد كانت للأخيرة نظمها القانونية الفاعلة و شرائعها المستقرة التي كانت قائمة لآلاف السنين، و التي تعامل معها المسلمون بقبولٍ و أريحيةٍ عجيبين ما زالا ظاهرين في فقه المعاملات، و ذلك من باب القبول بـ “شرع من قبلنا” إذا لم يخالف ما ثبت من شرعنا. لقد كتب أحد الباحثين في الأصول الفقهية للتشريع:

“إن العرب عند غزوهم لأسيا الصغرى (تركيا) وجدوا سكانها خاضعين للقانون الروماني قانون عصر الامبراطورية السفلي،  وعليه، فمن المكن القول بان القضاة المسلمين الاوائل راعوا القيمة الحقيقية لتلك القواعد التشريعية ذلك انهم سواء عن طريق الاعجاب او عن طريق الاسلوب السياسي قضوا في النوازل التى عرضت عليهم اول الامر بناء عليها حتى اننا لنجد في المؤلفات الفقهية الاولي نصوصا حرفية مقتبسة من مجموعة جستنيان كحلول مقدمة من طرفهم”.[3]

إن تلاقح الشريعة مع القانون الروماني كانت له انعكاساته الواضحة في مبادئ قانونية مشتركة كثيرة ما زالت تعيش في النظم الوضعية حتى اليوم (في نظرية العقد كما يبسطها الفقه الإسلامي مثال واضح على هذا التقارب المدهش). “أينما وجدت المصلحة فثم شرع الله”، كما قال ابن القيم.

و في مجال القانون المعاصر تحديداً، فإن فكرة الترفع النبيل للمهني عن طلب المقابل المادي لخدمات للمحتاجين تأخذ صوراً تتنوع في تطبيقاتها: قبول المحامين لقضايا مجانية، تكريس ساعات عمل تطوعية للإستشارات، المساهمة في التوعية المجتمعية، إعارة مجانية للموظفين، تدريب وظيفي، فتح الاستفادة من موارد المؤسسة و إتاحتها للعامة، و عدا ذلك من ضروب المساعدة غير المأجورة. و قد تطورت أنشطة الـ Pro bono القانونية – كما صارت تعرف حول العالم الآن – لتصبح هي المدخل لبرامج الإعانة القانونية (Legal Aid) كما تعرفها المحاكم المحاكم اليوم و المكرسة لخدمة رقيقي الحال و محدودي الدخل من المتقاضين، و كذلك كانت تلك البرامج أصلاً لمشروعات “العيادات القانونية” (Legal Clinics) التي صارت منتشرة في كثير من أكاديميات القانون حول العالم، و التي تعتبر مصدراً ممتازاً للاستشارات القانونية المجانية لهذه الفئات.

لقد تطور هذا الأمر حتى أصبحت كثير من النظم القانوينة تتدخل لتنظيمه تنظيماً تشريعاً. وقد يقوم اعتراض هنا بأن علاقة المحامي بموكله إنما تقوم على أساسٍ عقدي، و أن الممارسة العقدية تؤسس على فكرة حرية الإرادة (autonomy of the will)، بما يعني بالتالي عدم جواز إجبار المحامي على قبول القضايا مجاناً. و هذا و إن كان صحيحٌ من حيث الأصل العام لنظرية العقد، إلا أننا ينبغي أن نتذكر دائماً أن نظرية العقد ذاتها تقرر أن حرية إلارادة لا تقوم في  فضاءِ تشريعي فارغ، فالتدخلات غير الإرادية مألوفة تماماً في هذا النطاق؛ فالقانون – كما يعرف طلبة السنوات الأولى في كليات الحقوق – يعترف بعدة أنواعٍ من القيود على هذه الإرادة التي يفترض فيها الحرية ابتداءً (كالتنظيم القانوني لعقود الإذعان، نظرية إنقاص العقد، نظرية تحوّل العقد، منع الاحتكار، التسعير الجبري للمواد الأساسية، سلطات الإدارة في العقود الإدارية، تعديل الشروط العقدية المجحفة، التخفيض القضائي لقيم التعويضات الاتفاقية، إعادة النظر في الشروط الجزائية المبالغ فيها، و عدا ذلك من ضروب التقييد و التدخل). فلنتفق ابتداء إذن على أن فكرة حرية الإرادة لا تحمل أبداً معاني الإطلاق الفلسفي. هنا، نحن أمام مجال للممارسة العقدية بلا شك، إلا أن المنطق الخاص لمهنة المحاماة (و الخاص بالبعد التاريخي و القيمي كما تحدّثت عنه اعلاه) رتب السماح – في أغلب الدول – بدورٍ تنظيميٍ خاص يسمح للمشرع أو للنقابة المهنية بوضع قيودٍ على هذه الممارسة العقدية.

و أشدد على أن الأمر هنا لا ينطوي على إلزامٍ لصاحب أي مهنةٍ بالتحول الى جمعيةٍ خيرية ٍ و التعرض للخسارة المالية من خلال الزامه بقبول عددٍ من القضايا المجانية؛ فممارسة الـ pro bono أعلاه تتعلق عادة بتنظيمٍ قائمٍ على أساس ما يسمى بـ ال ratio؛ و هي معادلةٌ رياضيةٌ تستند عادة إلى مجموع القضايا التي يقبلها مكتب المحاماة كل سنة ثم تطلب ان تكون نسبة صغيرة جداً منها على شكل قضايا مخفضة التكاليف أو مجانية (أنبه إلى ان حتى المجانية هنا هي مجانية ظرفية؛ فهناك دائما إمكانية لإيجاد هوامشٍ ما لتقاضي الأتعاب من الخصم، إن سمحت ظروف الدعوى بذلك). و بذلك، فهذه ممارسة لا تصل أبداً إلى حد الإضرار أو الخسارة المالية، و لا يفترض بها ذلك.

يذكر أنه  لدينا في الكويت تنظيمٌ ذو علاقةٍ بهذا النقاش – و إن كان تنظيماً أولياً بسيطاً، حقيقة – تناوله القانون رقم 62 لسنة 1996 بشأن تعديل بعض أحكام القانون رقم 42 لسنة 1964 في شأن تنظيم مهنة المحاماة أمام المحاكم، في المادة 26 منه:

“يجب على جمعية المحامين بناء على طلب لجنة المعونة القضائية أو المحكمة أن تندب أمام المحاكم المدنية أو الجزائية أو التجارية محاميا للدفاع عن الفقير مجاناً. و يجوز للمحامي أن يطلب من المحكمة التي حضر أمامها تقدير أتعابه ضد الخصم المحكوم عليه بالمصروفات و ينفذ عليه بها. و لا يسوغ للمحامي المذكور أن يتنحى عنه إلا لأسباب تقبلها اللجنة المذكورة أو المحكمة المنظورة أمامها الدعوى”.

كما ان القانون الكويتي رقم 17 لسنة 1960 بإصدار قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية يتضمن نصاً من هذا القبيل، هو المادة رقم 120:

“للمتهم في جناية الحق في ان يوكل من يدافع عنه، وعلى المحكمة ان تنتدب من المحامين من يقوم بهذه المهمة اذا لم يوكل المتهم احداً”.

و للحق، ففي الدول ذات الممارسات الحقوقية العريقة، بدأ الوعي بأهمية ضمان أوضاع قانونية يمكن معها للجميع النفاذ إلى خدمات مرفق العدالة و الاستفادة منها من منطلق المواطنة المتساوية الحقوق و الواجبات. و إذا ما أخذنا الولايات المتحدة كنموذج قانوني متطور على هذه الجبهة، فإن حق المتهم في الدعاوى الجنائية في الحصول على المعونة الفنية لمحامٍ ممارس هو حق دستوريّ مكفول قانوناً و منصوص عليه في إعلان الحقوق لعام 1791 (Bill of Rights). و قد ورد في التعديل السادس على الدستور (The Sixth Amendment) ما يلي:

“عند توجيه اتهام أو استدعاء للمحكمة لعمل إجرامي، فان المتهم سوف يتمتع بحق التمكن من استعجال الإجراءات القانونية و علنية المحاكمة التي ستجريها هيئة محلفين غير متحيزة ينتمى أعضاؤها إلى الولاية و المنطقة التي تمت فيها الجريمة، و سبق أن تم قانوناً المصادقة على انتمائهم إلى نفس المنطقة، و أُبلغوا بطبيعة و سبب الاتهام ويجب مواجهته بشهود ضده وتلتزم المحكمة أيضا بإحضار شهود يشهدون لصالحه، و تلتزم أيضا بتزويده بمحامي لمساعدته في الدفاع عن نفسه”.[4]

و في عام 1919، نشر ريدجينالد هيبر سميث (Reginald Heber Smith) كتاباً شهيراً قال فيه أن حرمان الفقراء من التفيي بظل العدالة من شأنه خلق حالة من المرارة التي ستنتهي بالضرورة إلى  عداءٍ مع القانون و عدم ولاء للحكومة، مما قد ينتهي معه الوضع إلى الفوضى.[5] “من دون القدرة على النفاذ إلى مرفق العدالة، فإن النظام لا يكون بذلك قد حرم الفقراء من الحماية الوحيدة المتاحة لهم، بل سيكون قد وضع في يد قامعيهم أقوى الأسلحة التي عرفتها البشرية و أكثرها قسوة”، كتب سميث.

و ربما كان التطور القضائي الأبرز في هذا السياق هو حكم المحكمة العليا الذي أصدرته في قضية جونسون ضد زيربست (Johnson v. Zerbst) عام 1938،[6] و الذي انتهى إلى تأكيد أن التعديل السادس يمنح المتهم في القضية جنائية الحق في أن يعُين له محامٍ له إذا كان غير مقتدر مالياً بما يعجز معه عن القيام بذلك.

لكل ذلك، فإن مهنة المحاماة – ممثلة بجمعيات المحامين المدفوعة باعتبارات الواجب و القيمة – ما عادت تنتظر أبداً التدخلات الحكومية التي تفرض فرضاً الإعانة القانونية على مكاتب المحاماة للمحتاجين و لمحدودي الدخل (و لا يليق بها ذلك، حقيقة)، بل عادة ما تبادر هذه الجمعيات إبتداءً – من تلقاء نفسها، بل و منذ تأسيسها – بتنظيم هذا الموضوع على صورة خدمات pro bono من قبيل البعد القيمي للمهنة و ربطه بالخدمة المجتمعية و التكافل الاجتماعي، تماماً كما يليق بالعاملين في مجال العدالة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، مثلاً، تدعو جمعية المحامين الأمريكية (American Bar Association – ABA) منتسبيها من المحامين إلى المساهمة المجتمعية بما لا يقل مجموعه عن 50 ساعة مجاناً سنوياً،[7] و هي مساهماتٌ عادة ما تؤهل شركات المحاماة – إذا ما قامت بها – لنسبةٍ معينةٍ من الإعفاءات الضريبية، علماً بأن الممارسات المماثلة كثيرة حول العالم، و هي أكثر من أن تعد أو أن تحصى. في الحقيقة، يكاد الأمر يكون أصلاً و غيابه هو الاستثناء.

و بعيداً عن مهنة المحاماة و قيمها، فإن الأمر يتعلق الآن بمنطق العصر و روحه: هذا زمنٌ صار فيه الدور الاجتماعي للشركات و المؤسسات و المكاتب المهنية جزءٌ من ثقافة التوقعات العامة من هذه الكيانات، و هو ما يعبر عنه الآن بـ “المسئولية المجتمعية” للكيانات التجارية و المهنية (corporate social responsibility). بسبب الدارج الآن من أطر الحوكمة و الشفافية و سهولة انتقال المعلومة و انكشافها، صارت البيانات و المعلومات الخاصة بجميع الكيانات التجارية و المهنية القاصدة الى الربح متداولةً الآن و متاحة للجميع بلمسة زر. لذلك، لاحظ أنه في هذا الزمن الديمقراطي بامتياز صار الجمهور ينظر – لا أريد أن أقول بغضب – و لكن على الأقل بشكلٍ من أشكال الضيق و عدم التعاطف مع الكيانات التي تأخذ من دون أن تعطي. هذا في الدول ذات النظم الضريبية، فما بالك بالدول ذات النظم الريعية، التي تأخذ فيها هذه كيانات التجارية و المهنية كل شيء مجاناً، من دون أن تعطي شيئاً للمجتمع بالمقابل؟

إن الأمر تجاوز الآن اعتبارات القيمة و المسئولية؛ لقد صارت الممارسات القاصدة للخدمة المجتمعية تتعلق بالتسويق الحصيف و الذكاء الاجتماعي لهذه الكيانات المهنية، و بتعبيرها الرفيع عن الإحساس بضرورة التعاطي الإيجابي مع الوسط المحيط. هذا، إن سألتني، شكلٌ ذكيٌ من أشكال الإستثمار المؤسسى طويل الامد.

لأختم، سأعود إلى اعتبار القيمة، و سأشير إلى هناك تمثالٌ حديثٌ قام به عام 2002 نحات دانماركي معاصر هو Jens Galschiøt، و هو يمثل Justicia، إلهة العدالة الرومانية – لا كشابةٍ جميلةٍ كما نعرفها و هي تقف منصبةً  فخورةً أمام مداخل المحاكم حول العالم – بل كعجوزٍ ممتلئة، ثقيلة، محمولة على الأكتاف الهزيلة لرجلٍ ضئيل، في دلالةٍ واضحةٍ إلى العبء الحقيقي الذي تمثله مقتضيات إدارة العدالة من حيث الإجراءات و البيروقراطية و التكاليف. إذا ما اتفقنا على الدلالة الفنية الرمزية هنا، فمن لهذا البائس المتعب ذو الحمل الثقيل إن لم يكن مهنة المحاماة، و هي التي ما ظهرت – بالمعنىين المالي المصلحي و الوجودي الفلسفي – إلا بسبب قيمة العدالة؟

[1] Reinhard Zimmermann, The Law of Obligations: Roman Foundations of the Civilian Traditions (Oxford: Oxford University Press, 1996), passim.

[2]   كان قانون سنسيوس Cincius الصادر في عام 204 ق م  يحرم على من يقدم المشورة القانونية أن يتقاضى عنها أجرًا، إلا أن المحامين الممارسين كانوا كثيرًا ما يجدون سبلا ً للتخلص من هذا القيد المغرق بالمثالية. أنظر: ول وايريل ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران (بيروت: دار الجيل، 1988)، ص. 3094.

[3] أحمد أريوش، أصول الإلتزامات و العقود: بحث في الأصول الفقهية و التاريخية (الرباط: مطبعة و مكتبة الأمنية، 1996)، ص. 119.

[4] The Sixth Amendment: ‘In all criminal prosecutions, the accused shall enjoy the right to a speedy and public trial, by an impartial jury of the State and district wherein the crime shall have been committed, which district shall have been previously ascertained by law, and to be informed of the nature and cause of the accusation; to be confronted with the witnesses against him; to have compulsory process for obtaining witnesses in his favor, and to have the Assistance of Counsel for his defence’.

[5] Reginald Heber Smith, Justice and the Poor: A Study of the Present Denial of Justice to the Poor and of the Agencies Making More Equal Their Position Before the Law, with Particular Reference to Legal Aid Work in the United States (New York: Carnegie Foundation for the Advancement of Teaching, 1938).

[6] Johnson v. Zerbst, 304 U.S. 458 (1938).

[7] ABA Model Rule 6.1: Voluntary Pro Bono Service.