Author Archives: redab70

About redab70

Eltibas ... I am a Law Professor at Kuwait University School of Law. This page was initiated due to popular demand (ie pressure exerted on me by my students at Kuwait University School of Law!). The philosophy behind this page is to serve as an extension to my classroom. Most of what you read here is based on / a follow-up of topics previously discussed in my lectures. Academically speaking, my blog posts are my ‘footnotes’.

الأميّــون الجــدد

قياسي

21743874_10155502952406071_1853668266526566414_o

الأميّــون الجــدد[1]

بيدرو ساليناس

 

ترجمة ثابت خميس (عمان) و مشاعل الهاجري (الكويت)

 

هذه تجربة في الترجمة المشتركة قام بها كل من الأستاذ ثابت خميس (عمان)، و محدّثتكم (الكويت).

ثابت هو أستاذ حقيقي، و قد كان العمل معه تجربة ممتعة.

بيدرو ساليناس Pedro Salinas (1891-1951) هو شاعرٌ و أديبٌ أسبانيٌّ كبير، و من مؤسسي الحركة الشعرية الحديثة في أسبانيا . منذ أكثر من نصف قرن، نشر ساليناس في مجلة اليونسكو (The UNESCO Courier) مقالاً هاماً عن الخطورة المجتمعية للمتعلمين تعليماً سطحياً، أو من أسماهم الأميون الجدد“.  المقال هام، و المرحلة تستدعيه.

في البداية كانت الأمية. و بتعاقب القرون و حمداً للسماء، بزغ نور الفجر تدريجياً حتى يومنا هذا، الذي أصبح فيه التعليم الإبتدائي إلزامياً. معظم الناس، و من ضمنهم العديد من المعلّمين، سيتفقون معي على أن اكتساب مهارات التعلّم، أو بالأحرى القدرة على القراءة، ترسم حداً فاصلاً من الواضح أنه يقسم البشرية إلى مجموعتين مختلفتين كلياً .

في جانب، نجد المجموعة المجهولة من التعساء العاجزين عن فكّ الغموض عن الكلمة المطبوعة مما يبقيهم في الخارج، معزولين عن العالم أجمع كما لو أنهم عالقين على الشاطيء قبالة البحر الذي قد سيأخذهم لأراضٍ عجيبة؛ لو كانت لديهم السفن فقط؛ لمخروا عبابه. و على الجانب المقابل، هناك جحافل ذوي الامتياز، ممن وصلوا لتلك الحالة المباركة التي يعلمون فيها يقيناً بأن (ك) و (و) يصنعان “كو” و أن (ك) و (أ) يصنعان “كا”، و بفضل هذه المعرفة التي تزيل الغموض عن الملصقات التي تعلن عن الكلمة السحرية “كوكا كولا”.

و مع ذلك، فيجب علىّ الإعتراف بوجود شكوكٍ كبيرةٍ في داخلي حول فاعلية هذا التقسيم التعميميّ للبشرية إلى أُمّي وغير أُمّي ، و بالتحديد حيال إستخدامه كمحكٍ لتقييم البشر. الجهل بالقراءة و الكتابة أمرٌ طبيعيّ، فجميعنا جئنا للعالم هكذا. لا أحد وُلد متعلماً. ما أعنيه بهذا هو أن الوضع الطبيعي للإنسان عند الولادة هو الأمية؛ يظل مشروع متعلّم، إلى أن يتعلم القراءة،. و يعود هذا لأسبابٍ عديدة لن أتطرق لها الآن، يقرّر المجتمع تحويل هذه الإحتمالية إلى واقع. بكلماتٍ أخرى، لتحويل قدرة الإنسان الفطرية لفهم الحروف و الرموز إلى إجادةٍ لفن القراءة، يتحقق هذا بأساليبٍ عمليةٍ معقدةٍ بدءً بالبديهيات وصولاً إلى مكانٍ يصعب التكهن به. مع نهاية هذه الجهود، التي يُشار إليها بالتعليم الإبتدائي، يتم الإعلان بفخرٍ أن الهدف أصبح متعلماً، شخصٌ ذي إمتيازٍ رفيع – و هو كذلك دون شك.

نحن متفقون حتى الآن. و لكن القدرة على القراءة ظرفٌ إحتماليٌ له شروطه. أن تكون قادراً على القراءة شيء و القراءة الفعلية شيءٌ آخر. إن لم يقم “المتعلم-حديثاً” بتمرين مهاراته القرائية، فما الفائدة من تعلم القراءة أصلاً؟

نأتي الآن للمرحلة التالية من هذا التحليل للقيمة الحقيقية لمحو الأمية. لنفترض أن مشروع القارئ إتخذ الخطوة التالية و أصبح قارئاً حقاً. هل يعني هذا أن بمقدورنا القول بأن أهداف محو الأمية قد تحققت؟ إطلاقا ! ، فهذه المرحلة تفتتح فصلاً جديداً. أصبح الأميّ متعلماً، و المتعلم صار قارئاً، و القارئ يقرأ . و لكن ماذا و كيف يقرأ هذا الشخص؟ السؤال ذاته يُطرح مجدداً. كل من هو قادرٌ على القراءة من المحتمل أن يكون قارئاً جيداً، و لكن هل سيكون أم لن يكون كذلك؟ إن كان الجواب نعم فيمكننا القول بأن هدف محو الأمية قد تحقّق: القدرة على القراءة جيداً، بهذه الطريقة تتحوّل الكلمة لروح و يصير النص حياة. من الواضح أن الهدف من محو الأمية نادراً ما يتحقق. يجدر بنا أن نلاحظ وجود من أسمّيهم بـ “الأميين الجدد. إنهم الأشخاص الذين أنقذوا أنفسهم من جحيم الأمية الكليّة، إلا أنهم لم يصلوا بعد لعنان سماء القراءة، بل مازالوا يتخبطون في برزخٍ ما في المنتصف.

أنا لا أشير هنا إلى أولئك الذين لا يستطيعون القراءة بسبب نقصٍ في الكتب و المكتبات. هذا النوع من المشاكل العملية من السهل حلّه …. أفكر في أولئك القادرين على القراءة و لكنهم لا يقرأون، لأسبابٍ أكثر تعقيداً و جوهريةً من مسألة عدم وجود كتابٍ في متناول اليد. أقترح أن يتم تمييز نوعين من الأميين. هناك أولاً “الأميّون أمُية بحتة”، أولئك التقليديون، الطبيعيون الذين لا يجيدون القراءة لسببٍ ما. مما يدعو للأسف أن هؤلاء الأشخاص يملكون القدرة على بلوغ الكمال إلا أنهم يفتقرون إلى المحفّزات العقلية لإدراك قدراتهم، مما يجعلهم أسرىً لنقص في المعرفة و الثقافة. أشعر بالإحترام و التعاطف و الإعجاب بهذا الصنف من الأميين. في بلدي، كل ما عليك هو التجوال قليلاً في “قشتاله” أو في بساتين الزيتون في “الأندلس” لتصادف أشخاصاً أميّين ممن إن عرفتهم عن كثب، إكتشفت أنهم على قدرٍ عالٍ من الإنسانية و الإحترام، من تصرفاتهم و من الحكمة في إتخاذ قراراتهم كأي شخصٍ قام بحشو رأسه بمختلف العلوم.

الصنف النوع الثاني من الأميين يمكن وصفهم بالـ “الأميّين أمُيّة هجينة”، المزيّفين، محصلة التعليم الحديث، و التجسيد غير المقصود لأخطاءه. من يعرفون كيف يقرأون، إلا أنهم يبقون أميين رغم كل النوايا الحسنة و الأهداف. أنا أسميهم الأميّــون الجــدد. و هذا النوع من “الُأمية الجديدة” قد يكون جزئياً أو كلياً. فالأميّة الجديدة الكليّة تتمثل بأولئك الذين بعد تعلّمهم القراءة في المدرسة، يختارون عدم إستخدام قدراتهم القرائية إلا إن توجّب عليهم قراءة رسالة أو تفحّص برنامجٍ يُعرض في المسرح أو السينما، أو مراجعة دليل الهاتف. قد يلقي بعضهم نظرةً على الصفحات الرياضية، و هم بهذه الطريقة ينتفعون بشكلٍ من أشكال الصحافة الجديرة بالتقدير حقاً باعتبارها تعطي البعض السبب الوحيد للقراءة … الكثير منهم نشط، و عمليّ و – بإستعارة المصطلح العصريّ الحديث المرتبط بأسرار الهندسة الإغريقية – مفعمٌ بالحيوية …

ثمة أيضاً نوعٌ من الأميين الجدد جزئياً الذي يمكن رؤية أصحابه يحومون حول أكشاك بيع الصُحف كنحلاتٍ طنانة تحوم حول زهرةٍ نضرة، بحثاً عن المقادير التي ستصنع بها عسل حياتها الفكرية. إنهم لا يقرأون الكتب و لكنهم مفتونون بتكاثر المجلات و بمواضيع أغلفتها. هؤلاء أهلٌ للشفقة لأنهم بعيداً عن إعفاء أنفسهم مشقة العناء كقرّاء، فهم في غاية السخاء و الكرم حين يتعلق الأمر بها. يقرأون الأعمال الضعيفة بشراهة، يعودون لمنازلهم محمّلين بالمجلات التي يحرثون فيها بعيونهم لساعات، دون أن يحصلوا بالنهاية على أكثر مما يحصل عليه طفلٌ يلهو بأحجية بانورامية لا يبدو أنها ستنتهي، عاجزين عن رؤية الصورة الكبرى التي يبدو فيها كل شيءٍ في مكانه الصحيح ….

هذا الصنف من القرّاء يثير تعاطفي . كلما قرأ أكثر، كلما جرفة بحر المطبوعات بعيداً في لا نهائيته، البحر الذى يزداد ارتفاعاً بضعة أمتارٍ أسبوعياً . إن قارئ الكتاب يعرف أين تبدأ، و أين تنتهى مهمته، و بذلك فيمكنه أن يسترخى و أن يأخذ إجازة، أما قارئ المجلة – لا سيما إن كان مشتركاً فيها – فإنه يشعر و كأنه ملاحقٌ من قبل هذه الكائنات الأسبوعية، أو نصف الأسبوعية أو الشهرية. فإذا ما تقاعس عنها، فسوف يغرق فى لجة الموج العالى من الأخبار المطبوعة. و كي يظل على إطلاعٍ بـهذه المواد التى تنهمر عليه من المطابع، عليه أن يقوم بمجهودٍ عظيم. هناك مئاتٌ من الكتّاب الذين يدبجون المقالات لمجموعة كبيرة من المجلات، يلاحقونه كقطيعٍ من كلاب الصيد التى لا تعرف الكلل و لا تترك لطريدتها فرصة للراحة.

و يمكن استخلاص عدة نتائج من هذا البوتِريه الناقص، بالضرورة، للأميّة الجديدة:

فأولاً، لا ينبغى أبداً إغفال أن كلمة ”يقرأ” كلمةٌ غامضة، و كذلك هو الأمر، كنتيجة، لتعبيراتٍ مثل “تعلُّم القراءة” و “معرفة القراءة”. إن هذه تعابيرٌ معقدةٌ لا ينبغى أخذها بمعناها الحرفي، السطحىّ باعتبارها تصف، ببساطة، القدرة على فهم المعنى الأوضح للكلمة المكتوبة. ليس هنالك من شكٍ فى أن إجادة هذه التقنية البسيطة تزيح عن كاهل المرء أميّته الطبيعية، فتفتح أمامه آفاقاً واسعة. و مع ذلك، فإن هذه القدرة النفسية إن لم تستخدم على توسعة قابلية الإشباع الروحى، فإن المرء سيجد نفسه فى وضعٍ متناقضٍ إلا أنه واقعيّ على الرغم من ذلك، و هى حالة الأمىّ الذى يجيد القراءة؛ لقد تم انتزاعه من ربقة الأميّة الخالصة و لكن – و لسببٍ يُعزي إلى عدم استعمال مهارة القراءة أو إهمالها فإن آليةً تراجعيةً تبدأ فى العمل و هى – عاجلاً أم آجلاً – سوف تعود به إلى نقطة البداية أو إلى ما هو أسوأ: الأميّة الروحيّة.

رغم أن هذه هي الحقيقه المرّة، فإن أرقام الإحصائيات و القناعات المجتمعية تؤيد الرأي المتوهم بـأن هؤلاء الأشخاص ينبغى أن يُنظر إليهم كمتعلمين، و أنهم ينتمون إلى فئة المحظوظين الذين يقرأون حقاً . فى هذا الشأن، مثلما فى كثيرٍ مما عداه، لا يتردد العالم كثيراً في أن يقبل بنصف حقيقة، بل أنه يرحّب بها باحتفاءٍ لا يليق إلا بحقيقةٍ تامة، إلا أن شعوراً غامضاً يغمرنا بأن الجميع ضحيةٌ و معتدٍ في الآن ذاته، بوهم الثقة بالنفس.

إن هذه المجموعة الجديدة تنمو ببطء، و قد حان الوقت لتسميتها و لإعطاء المنتمين لها وضعاً اجتماعياً. أنهم الأميّون الجدد (the neo-illiterates)، و هم على درجةٍ من التأثير و الخطورة تتجاوز كثيراً الأميين أميّة بحتة، فهم يرفضون البقاء في الدرك الأسفل مع الشيطان فى ظلمات الجهل، إلا أنهم لا يطمحون للوصول إلى ضوء المعرفة المقدس. إنهم قادرون على كل شئ، و لا يجازفون بشيء.

وهناك نتيجةٌ أخرى لتنامي أعدادهم: صار لزاماً علينا هجر موقفنا التصنيمي و المذهول تجاه ما يسمى بـ “مكافحة الأميّة”. أن السياسات التعليمية الحديثة إنما تقدس وثناً ملطخاَ بالدماء، فتُضحّى له بكل شئ، رغم عدم وجود أي ضمانات لعبّاده المتلهفين: (مكافحة الأمية). هذه العبارة – التى تُعاد و تكرّر فى الصحف و المجلات و في الخطاب السياسى – تلقي بالذعر فى قلوب الناس ….

قد يشعر بعض قرّائى بالسّخط على هذا المُهرطق الذى يتجرأ على التشكيك بـضرورة مكافحة الأمية. و مع ذلك، فحجتي ستكون، أو قد تكون، ذات أساس متين – و هو التأكيد على أن تعليم الناس كيف يقرأون ليس كافياً فى أغلب الأحيان لينتزعهم من فقرهم الروحى الأساسي أو، و كما قال ت. س. إليوت بأن “التعليم لا ينتج الثقافة إلا فى أضيق الحدود” – إن كانت هذه الحجة في محلها ، فسيُفهم من موقفى أن ما أحاول القيام به هنا هو أن أضخ في هذه العبارة، هذا الشعار، هذا المسعى – “محو الأمية” – دماءً جديدة.

و لا أهدف للتقليل من شأن الجانب المأساوي للأمر، بل على العكس، أرى أننا نواجه عدوين خطيرين، أولهما العدو القديم المألوف (الأميّة البحتة و التقليدية) و الذي نتعرّف عليه بسهولة فنصوّب نحوه أسلحتنا التعليميّة الكبرى، ثم هناك إلى من جانب أخر شكلٌ مختلفٌ لهذا العدو الذي يتخفّى وراء قناع التعليم، فيخدعنا به، و يجعلنا نتصوّر أنه ليس بمشكلة و أنه واحدٌ منا، و بأنه أحد العاملين في مدينة العقل، فيما هو في حقيقته طابورٌ خامسٌ للأميّة البحتة؛ إن العدوّ اللدود حين يصير وسيطاً للكلمة يصبح جزءً من الروح.

بطبيعة الحال لا شك أن تحرير آلاف الأطفال من مخالب الأميّة فى الوقت الحالى بفضل التعليم الإبتدائي أمرٌ جديرٌ بالثناء والتقدير، إلا أنه يتطلب أيضاً رعايةً مكثفة لهؤلاء الأبرياء المحرَّرين لتوّهم من ظلمة الأميّة من تنيّن الجهل الأوّل، فثمة مفاجاةٌ رهيبةٌ تنتظرهم. إن هؤلاء الصغار يبدأون حياتهم و هم مسلّحين بمهارات القراءة و الكتابة الأولى فقط، واثقين من أنهم قد تمكنوا من السيطرة على جهلهم الأوّلي ، ثم يفاجئون لاحقاً بأن غريماً قوياً ينتظرهم عند الزاوية. إن هذه القوى الشريرة سوف تجذبهم إليها فتحوّلهم لمخلوقات بسيطة؛ أميّين جدد يعيشون راضين في أمان الوعي المغيَّب، مستمتعين بملذات الحياة الإستهلاكية التي يوفّرها العصر الحديث، و مع ذلك فهم محكومون بحكمٍ مؤبدٍ للعيش مدى الحياة في شكلٍ مختلفٍ من تخمة الجهل، لا بثمارالبلوط من أشجار “هوميروس” الحكيمة، بل بزادٍ إصطناعي هو المعجزة الأكبر للتطور.

 

 

 

 

 

[1] Pedro Salinas, ‘The New Illiterates’, reproduced in: The Unesco Courier, no. 242, July 1990, pp. 42-45.

Advertisements

أناتــول فرانــس – القانــون ميّــت و لكــن القاضــي حــيّ

قياسي

1111111111111111111111

 

القانــون ميّــت و لكــن القاضــي حــيّ[1]

أناتــول فرانــس[2]

 

ترجمــة

د. مشاعــل عبد العزيــز الهاجــرى

23 أغسطس، 2017

 

“منذ بضعة أيام”، قال السيد مارتو، “صادف أننى كنت مستلقياً على أجمة فى غابة فيسين”.[3]

“لم آكل شيئاً منذ ستٍ و ثلاثين ساعة”. مسح السيد جوبان نظارتيه، كانت له عينان طيبتان، و لكن بنظراتٍ تشعّ اهتماماً. نظر إلى جان مارتو بتركيز و قال له بنبرةٍ فيها شيءٌ من الملامة:

“ماذا؟ ألمرةٍ أخرى لم تأكل شيئاً منذ أربع ٍو عشرين ساعة؟”

“لمرةٍ أخرى” أجاب مارتو،” لم آكل شيئاً منذ أربع و عشرين ساعة. و لكننى كنت مخطئاً. لا يصحّ للمرء أن يمضى من دون طعام. هذا ليس صحيحاً. ينبغي أن يعتبر الجوع جريمة، مثله كمثل التشرّد. و لكن هاتان الجريمتان، في حقيقة الأمر، يُنظر لهما كشئٍ واحدٍ بالنهاية، فالمادة 269 تعاقب بالسجن لمدةٍ تتراوح من ثلاثة إلى ستة أشهر كل من يفتقر إلى وسائل العيش. التشرّد، وفقاً للقانون، هو سمة الجوّابين، شذّاذ الآفاق، الأشخاص الذين لا مسكن ثابت لهم أو مواردٍ للرزق، و الذين لا يمارسون صنفاً محدداً من التجارة أو المهنة؛ إنهم مجرمون من الطراز الأول”.

“أنه أمرٌ مثيرٌ للاهتمام” قال السيد بيرجيريه، “أن حالة التشرّد التى تُعاقب بستة أشهرٍ من الحبس و عشر سنواتٍ من رقابة الشرطة هى تحديداً الحالة التى كان القدّيس فرانسيس[4] قد جعل عليها رفاقه في كل من سلك القدّيسة مريم ذات الملائكة[5] و بنات القديّسة كلارا.[6] لو كان القدّيس فرانسيس الأسيزي و القدّيس أنطونيو اللشبوني[7] قد حضرا إلى باريس لإلقاء المواعظ اليوم فإنهما كانا سيخاطران بأن يوثقا و يرميا فى عربة السجن ثم يساقا إلى محكمة الشرطة. ليس الأمر هو أنني أروم التنديد أمام السلطات بالرهبان المتسوّلين الذين يجولون بيننا الآن، فلهؤلاء مصادرٌ للرزق؛ إنهم يمارسون جميع أصناف التجارة”.

“إنهم محترمون لأنهم أغنياء”، قال جان مارتو. “الفقراء فقط هم من يُمنعون من الاستجداء. لو كان قد تم إكتشافى تحت شجرتى لكان قد أُلقي بى فى السجن، و كان ذلك سيُكون عدلاً. لأننى لا أمتلك شيئاً، سأُعتبر عدواً للملكيّة؛ فالأمر بالنهاية يتعلق بحماية الملكيّة ضد أعدائها. إن أجلّ مهامّ القاضى هى أن يضمن لكل شخصٍ ما يعود له، للغنىّ غناه و للفقير فقره”.

“لقد فكّرت فى فلسفة القانون”، قال السيد بيرجيريه، “و وجدت أن هيكل العدالة الإجتماعية بأكمله يقوم على مسلّمتين: إدانة السرقة، مع احترام نتيجتها. هذان هما المبدآن اللذان يضمنان أمان الأفراد و يحفظان النظام فى الدولة. لو أن واحداً من هذين المبدئين الوصائيّين تم خرقه فإن بناء المجتمع بأكمله سيتداعى. هذان مبدآن وُضعا منذ بدء الزمان. هناك زعيم قبيلةٍ ما – متدثراً برداءٍ من جلد دبٍ و مسلحاً بفأسٍ من الصوّان و سيفٍ من البرونز – عاد مع رفاقه إلى حصنهم الصخرى، حيث كان أطفال القبيلة مودَعين و معهم كتائبٍ من النساء و حيوانات الرنّة، فجلبوا معهم بعض الفتية و الفتيات من أبناء القبائل المجاورة و شيء من الحجارة المتساقطة من السماء، التى اعتبرت ثمينةً لأنهم كانوا يصنعون منها السيوف التى لا تنثنى. تسلّق الزعيم تلةّ صغيرةّ فى الجوار، و قال “هؤلاء العبيد و هذا الحديد، الذين أخذتهم من رجاٍل ليني العريكة و محتقرين، هم لى. كل من تُسوّل له نفسه أن يضع يده عليهم سوف أضربه بفأسي”؛ هذا هو أصل القانون. إن روحه قديمةٌ و بربرية، و الناس لا يجدون الطمأنينة فى العدالة إلا من حيث هى تصديقٌ لكل ما سبقها من المظالم”.

“يمكن أن يكون القاضى مُحسناً، فليس جميع الرجال أشرار؛ أما القانون فلا يمكن أن يكون كذلك لأنه سابقٌ على جميع أفكار الإحسان. أن التغييرات التى لحقت به على مرّ الأزمنة لم تغيّر فى طبيعته الأصلية. جعل الفقهاء منه هادئاً، و لكنهم أبقوا عليه بربرياً. أن وحشيته هى ما يجعل منه محترماً و ومرهوب الجانب. لقد اعتاد الناس على عبادة الآلهة الشريرة، أما ما خلا من القسوة فلا يبدو لهم مستحقاً للعبادة. و المحكوم عليه يؤمن بعدالة القانون، إذ أن مرجعيّته الأخلاقية هى ذات مرجعيّة القضاة، فالكل يؤمن بأن جزاء التصرف المُجرَّم هو العقاب. فى كلٍ من مخفر الشرطة و المحكمة كان يؤثّر بى أن أرى كيف أن كلاً من المتهم و القضاة كانوا يتفقون بشكلٍ عامٍ في أفكارهم حول الخير و الشر؛ فلديهم جميعاً نفس التحيّزات و يشتركون فى ذات المنظومة الأخلاقية.

“الأمر لا يمكن أن يكون على خلاف ذلك”، قال جان مارتو. “إن مخلوقاً فقيراً سرق من نافذة دكّانٍ ما قطعة سجقٍّ أو زوجٍ من الأحذيةٍ ما كان ليبحث فى هذا الصدد فى أصل القانون و أساس العدالة بعمقٍ و فطنة، أما هؤلاء الذين على شاكلتنا ممن لا يتهيّبون من أن يروا فى أصول التشريعات رخصةً بالعنف و الإثم، فهم لا يستطعون حتى سرقة نصف قرش”.

“و لكن و رغم كل شئ”، قال السيد جوبان، “هناك قوانينٌ منصفة”.

“هل تعتقد ذلك؟” تساءل جان مارتو.

“السيد جوبان محق”، قال السيد بيرجيريه. “هناك قوانينٌ عادلة. و لكن لما كان القانون قد نشأ لحماية المجتمع، فهو فى روحه لا يمكن أن يكون أكثر عدلاً من المجتمع الذي ما وضع إلا لحمايته. ما دام المجتمع قد تأسّس على الظلم فإن وظيفة القوانين ستكون حماية هذا الظلم و دعمه. و كلما كانت القوانين أكثر ظلماً كلما ظهرت أكثر استحقاقاً للاحترام. لاحظ أيضاً أنه لما كانت أكثر هذه القوانين قديمة، فإنها لا تمثل حالة الإثم الحالى بل الإثم القديم الذى يتّسم بأنه أكثر فجاجةً و بلادة. إنها أنصبةٌ تذكاريةٌ للعصور المظلمة التى دامت إلى أن جاءت الأيام الأكثر أستنارة”.

“و لكنها في طور التحسّن”، قال السيد جوبان.

“إنها في طور التحسّن”، قال السيد بيرجيريه. “البرلمان و مجلس الشيوخ يعملون عليها عندما لا يكون أمامهم شيئٌ آخرٌ يفعلونه. و لكن قلب هذه القوانين كما هو، و هو مرّ. و حتى أكون صريحاً، فأنا لا أخاف من القوانين السيئة مادامت تُطبّق على يد قضاةٍ صالحين، القانون لا ينحنى، كما يُقال، و لكنى لا أصدّق ذلك. ليس هناك نصٌ لا يمكن تفسيره على أكثر من وجه. القانون ميّت، و لكن القاضى حىّ: أن له سلطاناً عظيماً على القانون. لسوء الحظ فإنه نادراً ما يستخدمه. إنه يدرّب نفسه عادةً على أن يكون بارداً، أقل إحساساً، و أكثر موتاً من القانون الذى يطبّقه. إنه ليس بشراً؛ فلا يعرف الشفقة، لأن روح الطبقة التي بداخله تخنق كل عاطفةٍ إنسانية.

“أنا اتحدث الآن عن القضاة النزيهين فقط”.

“إنهم الغالبية”، قال السيد جوبان.

ردّ السيد بيرجيريه “إنهم الغالبية، إذا ما كنا نقصد النزاهة الاعتيادية و الأخلاق اليومية. و لكن هل مقاربة الأمانة الشائعة تعتبر كافيةً لرجلٍ مكلّفٍ بممارسة سلطة العقاب المهولة، من دون الوقوع فى الخطأ أو التعسف؟ أن القاضى الجيد ينبغي أن يكون له فى الآن ذاته قلبٌ طيبٌ و عقلٌ فلسفى. و لكن هذا مطلبٌ كبيرٌ من شخصٍ يُفترض به أن يشقّ طريقه فى الحياة و ذو تصميمٍ على التطوّر في مهنته، هذا إذا ما استبعدنا أنه إن أظهر حساً أخلاقياً رفيعاً متعالٍ على زمنه فإنه سوف يُلاقى الكره من قبل زملائه و سوف يثير استنكاراً عاماً، لأننا ندين كلّ حسٍ يخالف حسّنا فنصمه بأنه لا أخلاقيّ. إن كل من قدّم شيئاً طيباً جديداً إلى هذا العالم جوبه بسخرية الناس الطيّبين. هذا ما حدث للرئيس مانيو.”[8]

“لدىّ أحكامه هنا، مجمّعةً فى مجلّدٍ صغير مع تعليقاتٍ وضعها هنري ليريه. عندما تمّ النطق بهذه الأحكام، أثار الأمر استنكار القضاة المتزمّتين و المشرّعين المتسامين. لقد كانت هذه الأحكام مزدحمةً بالأفكار النبيلة و العاطفة الرقيقة، و كانت ملأى بالشفقة، إنسانيّة، و تنحو نحو الفضيلة. و لكن فى محاكم القانون كان يُنظر إلى الرئيس مانيو باعتباره شخصٌ ذو عقلٍ غير قانونىّ، كما أن أصدقاء السيد ميلين[9] اتهموه بعدم احترام فكرة الملكيّة. و الحق أن الاعتبارات التى استندت إليها أحكام الرئيس مانيو لها طبيعةٍ فرديّة، ففى كل سطرٍ يلتقى المرء بأفكار عقلٍ مستقلٍ و عواطف قلبٍ كريمٍ”.

تناول السيد بيرجيريه مجلداً قرمزياً من المنضدة، و بدأ يقلّب صفحاته، و يقرأ:

– “الأمانة و الدقة هى فضيلتان من السهل على المرء أن يمارسهما إلى ما لا نهاية عندما لا يكون مفتقراً إلى شئ، بالمقارنة بما إذا كان محروماً من كل شئ”.

– “ما لا يمكن تجنّبه لا يستقيم توقيع العقاب عنه”.

– “حتى يمكن أن يحكم على الجريمة أو على الفقير بعدالة، على القاضى أن ينسى وضعه المريح للحظة، ليضع نفسه ما استطاع فى الموضع الحزين لهذا الذى هجره الجميع”.

– “فى تفسيره للقانون، على القاضى ألا يحصر تفكيره فى الحالة الخاصة المعروضة عليه، بل أن يأخذ فى الاعتبار النتائج الأوسع لحكمه و ما يمكن أن ينطوي عليه من الآثار الخيرةٍ و السيئة”.

– “العامل وحده هو من ينتج و من يخاطر بصحته أو بحياته لتحقيق ربحٍ يؤول حصراً إلى رب عمله، الذى لا يخاطر بدوره بشئٍ سوى رأسماله”.

“لقد سردتُ هذه الأقوال بشكلٍ اعتباطىّ”، أضاف السيد بيرجيريه، و هو يغلق الكتاب. “هذه كلماتٌ جديدة. إنها أصداء روحٍ عظيمة”.

[1] المصدر:

Anatole France, Crainquebille, Putois, Riquet et plusieurs autres récits profitables.

[2] أناتول فرانس Anatole France (1844-1924): كاتب و ناقد فرنسي، تميز بالكتابة الساخرة. كان عضواً بالأكاديمية الفرنسية، و حاصل على جائزة نوبل  في الآداب.

[3] غابة فيسين Bois de Vicennes: أكبر غابة في العاصمة الفرنسية باريس، تقع في شرق المدينة.

[4] القدّيس فرانسيس الأسيزي Saint Francis of Assisi (1181-1226): راهب كاثوليكي، كان ينبذ اعتزال الرهبنة فأسس السلك الفرنسيكاني (Franciscan Order) للدعوة بين الناس و البشارة بالبساطة و حب الله و جميع المخلوقات من بشرٍ و حيوان. يقال أنه وقع في أسر المسلمين أثناء الحملة الصليبية الخامسة، فأكرموه و أعادوه إلى جماعته.

[5] سلك القدّيسة مريم سيدة الملائكة (Saint Mary of the Angels): سلك ديني يتبع القدّيس فرانسيس الأسيزي، معقله هو كنيسة Basilica of Santa Maria degli Angeli في مدينة Assisi في إيطاليا.

[6] القديّسة كلارا الأسيزية Saint Clare of Assisi (1194-1253): راهب كاثوليكية، نادت بالتزهد و العيش من دون امتيازات.

[7] القدّيس أنطونيو اللشبوني Saint Anthony of Padua (1195-1231): راهب كاثوليكي برتغالي الأصل ينتمي للسلك الفرنسيكاني. كان يعرف بـ “مطرقة الهراطقة” لشدته في نشر العقيدة الكاثوليكية في أوساط المنشقين عن الإيمان.

[8] الرئيس مانيو President Magnaud (1848-1926): قاضي فرنسي يعرف بـ “القاضي الطيب” لأحكامه التي كان يتحرّى فيها الأنصاف للفئات الضعيفة رغماً عن التفسيرات التقليدية للقانون. كانت له شعبية كبيرة، و قد جمع H. Leyret أحكامه و نشرها في مجلد عام 1900.

[9] فيليكس ميلين Félix Méline (1838-1925): سياسي فرنسي كان رئيساً لوزار الجمهورية.

 

ترجمــة لخطــاب الروائــي الفرنســي فيكتــور هوجــو حــول الملكيــة الفكريــة (1878)

قياسي

la-notion-de-femme-pour-victor-hugo[1]

ترجمــة خطــاب الروائــي الفرنســي فيكتــور هوجــو حــول الملكيــة الفكريــة (1878)

ترجمــة د. مشاعــل عبــد العزيــز الهاجــري

6 أغسطس 2017


…………………………………..

…………………………………..

…………………………………..

مقدمــة المترجمــة

فيكتور هوجو Victor Hugo (1885-1802) هو واحدٌ من أعظم أدباء فرنسا و شعرائها، و هو مؤلف روايتيّ “البؤساء” (Les Misérables) و “أحدب نوتردام” (Notre-Dame de Paris) الشهيرتين و اللتين يعرفهما كل قاريءٍ للأدب العالمي. خاطب هوجو المؤتمر الأدبى الدولى (Congrès littéraire international) الذي عُقِدَ فى باريس عام 1878، فألقى في الحضور كلمة مدوية كان لها تأثيرٌ كبيرٌ على مسار التنظيم القانونى لمسائل الملكية الفكرية على الصعيدين الفرنسي و العالمى معاً.

في زمنٍ لم تكن تعتبر فيه الأعمال الأدبية مادةً للاستحواذ و التملك، كان هوجو يؤمن بأن الانتاج الفكرى يصلح محلاً للحق، مثله كمثل أى مالٍ آخر، و بذلك، فإن حقوق المؤلف يجب ألا تصنف ضمن النطاق العام، فالإنتاج الفكرى ينبغى أن يعتبر “ملكية” خاصة للمؤلف، مع أخذ الطبيعة الخاصة لهذا الانتاج بالإعتبار. من هنا، كان هوجو يرى أن الملكية الفكرية – بسببٍ من ارتباطها الخاص بالمؤلف – ينبغى ألا تنقضى إلا بعد وفاته، مع الاحتفاظ للناشرين بحقوق نشر عمل المؤلف مقابل مبلغٍ بسيط (royalties) يُدفع الى ورثته المباشرين. هذا، و قد انتهى الأمر بالمؤتمر بأن تبنى قراراتٍ تعتمد منظور هوجو تجاه الحقوق الدائمة للملكية الفكرية، مع دعوة الحكومة الفرنسية لاستضافة مؤتمرٍ دوليّ لاطلاق اتفاقيةٍ دوليةٍ تتبنى التنظيم القانونى لحقوق الملكية الأدبية. و رغم أن الحكومه الفرنسية لم تستجب للمطلب الأخير، الا أن الدعوات إلى وضع معاهدة دولية بهذا الشأن مثلت خطوةً كبيرةً باتجاه إبرام اتفاقية بيرن لحماية المصنفات الأدبية والفنية (Berne Convention, 1886).

فيما يلى قمت بترجمة مقطعٍ مختارٍ من خطاب هوجو هذا، وهو يتمثل بالجزء الخاص بوجه نظره حول فلسفة حقوق الملكية الفكرية من حيث المبدأ و ما اذا كانت تصلح محلاً للملكية ابتداء، ثم علاقة ذلك بالتنظيم القانونى الأمثل لهذه المسألة، كما يراه. كما أن فى الخطبة إشاراتٌ ملفتةٌ حول أوضاع المؤلفين، طبيعة الانتاج الفكرى، الارتباط بين الفضائين العام و الخاص، العلاقة بين الفرد و المجتمع، و المسيرة التطورية للفكرة من العقل إلى النشر. و بعد، فإن التصدي لترجمة هذا النص لم يكن أمراً سهلاً، لا لصعوبة الترجمة بل لوطأة ثقلها القيمي، فصاحب هذا الخطاب هو واحدٌ من أعظم أدباء الفرنسية و واضع عددٍ من أكثر أعمالها الأدبية خلوداً. بطبيعة الحال، هذه ترجمتي كقاريءٍ ذي خلفية قانونية، فمن هنا حرصت على ضبط المصطلحات وفق معانيها القانونية الفنية – لا الدارجة – ما استطعت (كمصطلحات “المحل”، “الملكية”، و عداها).

على حدّ علمي، هذا النص يُترجم إلى العربية للمرّة الأولى.

………………………..

………………………..

………………………..

خطــاب فيكتــور هوجــو حــول الملكيــة الفكريــة (1878)

الملكية الفكرية هي للاستعمال العام.

جميع القوانين الملكية القديمة تنكر الملكية الفكرية، و لا زالت تنكرها. لأيّ غرض؟ بغرض السيطرة.

إن الكاتب/المالك هو كاتبُ حر؛ أن تصادر ملكيته هو أن تصادر استقلاله. يتمنى المرء لو أن الأمر لم يكن كذلك. هذا هو الخطر في المغالطة الملفتة – التي كانت ستكون طفولية لو أنها لم تكن غادرة – التي تقول أن “الفكر ينتمي للجميع، و لذلك فهو لا يصلح أن يكون محلاً للملكية، لذا فإن الملكية الأدبية هي أمرٌ لا وجود له”.

يا له من إرباكٍ غريب!

فهناك أولاً الخلط بين ملكة التفكير، و هي عامة، و بين الفكرة، و هي فردية، فالفكرة هي أنا. ثم هناك الخلط بين الفكرة، و هي شيء مجرّد، و بين الكتاب، و هو شيء ماديّ. إن فكرة الكاتب، بما هي فكرة، تتفلّت من كل الأيدي التي تحاول الإمساك بها. إنها تطير من روحٍ إلى أخرى، إذ لها هذه الموهبة و هذه القوة – virum volitare per ora –؛[1] و لكن الكتاب يختلف عن الفكرة، لأن الكتاب قابلٌ للإمساك به، إنه كذلك إلى درجة أنه يُمسك به ( يُراقب) أحياناً (ضحكٌ من الحضور). إن الكتاب، بما هو منتجٌ للمطبعة، ينتمي إلى الصناعة، وهو أساسيٌّ – بجميع أشكاله – لنشاطٍ تجاريٍ ضخم. إنه يُشرى و يُباع، أنه شكل من أشكال الملكية، قيمةٌ تخلق، من دون ان يُستحوذ عليها، ثراءٌ يُضاف من قبل الكاتب إلى الثروة القومية، و بالتأكيد – و من جميع وجهات النظر – أوضح صور الملكية التي لا تقبل الجدل.

إن حق الملكية الذي لا يقبل المساس هذا يُنتهك من قبل الحكومات المستبدّة؛ إنهم يصادرون الكتاب، على أمل مصادرة الكاتب بذلك. هذا هو سبب وضع نظام التقاعد الملكيّ.[2] أخذُ كل شيء مع التصدق بالقليل، سلبٌ و إخضاعٍ للكاتب. يُسرق المرء، ثم يشتري السارق جزءً مما سرقه منه. إنه جهدٌ مُهدر، أياً ما كان الأمر، فالكاتب يهرب دائماً.

نحن نصنع منه فقيراً، و هو يظل حراً (تصفيقٌ من الحضور). من ذا الذي يسعه شراء العقول الفذّة (لأدباءٍ مثل) “رابليه”، “موليير”، أو “باسكال”؟ و رغم ذلك فإن المحاولة تتم، و النتيجة مغمّة. إن الرعاية الملكية تستنزف القوى الحيوية للأمة، فالمؤرخون يسبغون على الملوك ألقاب “آباء الأمة” و “آباء الأدب” … و النتيجة هي هاتين الحقيقتين الشريرتين: الناس من دون خبز، و “كورني”[3] من دون حذاء (تصفيقٌ طويل).

يا له من شطبٍ داكنٍ لمرحلةٍ كبرى.

أيها السادة،

دعونا نعود إلى المبدأ الأساسي: احترام الملكية.

لنرعَ الملكية الأدبية، و لكن في الوقت نفسه، لنخلق نطاقاً عاماً. دعونا نذهب لأبعد من ذلك؛ دعونا نوسع منه. لندع القانون يمنح جميع الناشرين الحق في نشر أيّ كتابٍ بعد وفاة مؤلفه، على أن يكون المتطلّب الوحيد لذلك هو دفع مبلغِ زهيدِ جداً لورثته المباشرين، بحيث لا يتجاوز في أية حال خمسة أو عشرة في المئة من صافي الأرباح. هذا النظام شديد البساطة – الذي يجمع بين الملكية غير المشكوك فيها للكاتب مع الحق غير المشكوك فيه للنطاق العام – هو أمرٌ تم اقتراحه من قبل اللجنة المشكلة عام 1836 (الخاصة بحقوق المؤلفين)، و يمكنكم أن تجدوا هذا الحل، بجميع تفاصيله، في محاضر اجتماع المجلس، كما نشرتها وزارة الداخلية.

للمقترح جانبان، لا تنسوا ذلك. الكتاب، بما هو كتاب، هو ملكٌ للمؤلف، و أما كالكتاب كفكرة فهو ينتمي – و الكلمة هنا ليست متطرّفة – إلى الجنس البشري ككل؛ فلكل الذكاءات حقٌ فيها. و إذا كان لابد من التضحية بواحدٍ من هذين الحقّين – حق المؤلف أو حق الجنس البشري – فإنه سيكون حق المؤلف من دون شك، لأن المصلحة العامة هي شغلنا الأوحد، و هذه ينبغي أن تكون مقدّمةً على أي اعتبارٍ آخر يُعرض علينا.

و لكن، و كما قلت، هذه تضحيةٌ غير ضرورية (تصفيق متكرر).

 

 

[1]  “To fly through the mouths of men” (Virgil).

[2] التقاعد الملكيّ (les pensions royales) هو نظام يمنح بموجبه الكتاب مبالغ تقاعدية زهيدة، بدلاً من السماح لهم بالتمتع بالعوائد المادية لانتاجهم الفكري.

[3] الشاعر الفرنسي الكبير Corneille.

تقويمنا الشرق أوسطي بين توبتي غاليليو و كاشغري: أين نقف الآن؟

قياسي

 

تقويمنا الشرق أوسطي بين توبتي غاليليو و كاشغري: أين نقف الآن؟

 د. مشاعل الهاجري

10 يناير 2016

12743763_10153848623086071_6960472190487866562_n[1]

هذا هو نص “توبة” المدوِّن حمزة كاشغري، الذي حُمِلَ على كتابته حتى يتم اسقاط تهمة الردة عنه (2015):

بسم الله الرحمن الرحيم

(ما أصابك من حسنة فمن الله، و ما أصابك من سيئة فمن نفسِك)

“أقر و أعترف أن كل ما وقعت فيه من انحراف في الأفكار و في الأقوال، أو فساد في التعبيرات هو من قبيل الشبهات و الشكوك التي أثرت علي و على عقلي فاتبعتها عن ضعف فأبعدتني عن الصراط المستقيم. و الحمد لله الذي يسر لي من أهلي و إخواني و مشائخي الذين أدين لهم بالفضل من يرشدني إلى الصواب و يدلني عليه، بالكلمة و الموعظة الحسنة، و غفر الله لمن اشتد في القول و كان دافعه الغيرة على دين الله، و كل ابن آدم خطاء و خير الخطائين التوابين. و أنا أعلن توبتي و انسلاخي من كل الأفكار الضالة التي تأثرت بها فأنتجت بعض العبارات التي أتبرأ منها وأعوذ من أن ألقى الله عليها. و أعلن توبتي و تمسكي بالشهادتين، أشهد ألا إله إلا الله وان محمدا رسول الله عليها أحيا وأموت وعليها أبعث. اللهم تقبل توبتي. و إني أرجوكم ألا تعينوا الشيطان علي .. فإن المؤمن ضعيف بنفسه، كثير بإخوانه. أما رسول الله الأكرم، الذي أرجو أن أسير على سيرته في الدنيا، و أن أنال شفاعته في الآخرة، فإن عقيدتي فيه هي قوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين) و عقيدتي فيه قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتُّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)، و عقيدتي فيه قوله تعالى: (و ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى) و عقيدتي فيه قوله تعالى: (و إنك لعلى خلق عظيم). و عقيدتي في حبه هي قوله لعمر: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه و ولده و ماله و الناس أجمعين. و ما بدر مني من كلام خلاف ذلك فهو حالات نفسية شعورية اخطأت في وصفها و كتابتها و أرجو أن يغفرها الله لي، لكنها لا تمثل حقيقة عقيدتي في النبي التي هي تبع لما جاء به السلف الصالح عن نبينا عليه أفضل الصلاة و أزكى التسليم”.

– حمزة كاشغري.

* * *

بعد اطلاعي على نص التوبة أعلاه، بدا لي أن هذا النص مألوف، مألوفٌ جداً. اجتهدت في إعمال فكري حتى أتذكر أين قرأته من قبل، لأنني أعرف يقيناً أن هذا النص – رغم حداثته – ليس بالجديد؛ لقد مرّ علي من قبل، و لكن أين؟

بعد أيام، التمعت في ذاكرتي – فجأة – سيرة عالم الفلك الإيطالي غاليليو غاليلي. من هنا، أكتب:

في القرن السابع عشر، بعد إعلان عالم الفلك الإيطالي غاليليو غاليلي عن اكتشافه – خلافاً للتعاليم الكنسية – دوران الأرض كحقيقةٍ علميةٍ و تدليله على أنها تتحرك و ليست ثابتة، و بعد قوله أن الكتاب المقدس لا يصلح مرجعية علمية و انه لا يعدو أن يكون مرجعية روحية فقط، قامت محاكم التفتيش في الفاتيكان بإدانة غاليليو بتهمة الهرطقة الدينية و إخضاعة لمحاكماتٍ عديدة، مضنية، و هو الشيخ المريض الذي تجاوز السبعين من العمر. مع التهديد بالعقاب البدني الفادح الذي يتراوح من التعذيب إلى الحرق، قبل غاليليو التراجع عن جميع أقواله، و التوقيع على توبة مكتوبة أملاها عليه كرادلة المحكمة الدينية.

كان هذا ما أملاه الكرادلة، و وقّعه غاليليو:

“أنا الموقع أدناه غاليليو ابن المرحوم فنسانزيو غاليلي من فلورنسا والبالغ من العمر سبعين عاماً الماثل شخصياً أمام هذه المحكمة أركع أمامكم، يا أصحاب الغبطة والإجلال السادة الكرادلة أعضاء محكمة التفتيش ضد الانحطاط المرتد في جميع الجمهورية المسيحية، وأقسم وأنا أنظر بعيني إلى الكتاب المقدس وألمسه بيدي أنني كنت أؤمن دائماً وأؤمن الآن وسأظل بعون الله مؤمناً في المستقبل بكل تعاليم الكتاب المقدس وما يعظ به ويعلمه وفق مذهب الكنيسة الكاثوليكية المقدسة والكنيسة الرومانية الحوارية، ولكنني رغم تسلمي أمراً من قداسة البابا مفاده أن أتخلى كلياً عن الرأي الكاذب بأن الشمس مركز الكون وأنها غير متحركة وأن الأرض متحركة وليست مركز الكون وأن علي أن لا أتمسك بهذه العقيدة أو أدافع عنها أو أعلمها بأي طريقة كانت مشافهة أو كتابة وبعدما علمت أن العقيدة المذكورة مخالفة لما جاء في الكتاب المقدس قمت بتأليف كتاب وطباعته وفيه بحثت في هذه العقيدة المدانة وذكرت فيه حججاً قوية لإثباتها دون تقديم أي حل صحيح ولهذا السبب اتهمني مكتب قداسة البابا بأن هناك اشتباهاً قوياً بأنني مرتد وكافر وذلك لأنني تبنيت رأياً يقوم على الاعتقاد بأن الشمس ثابتة وهي مركز العالم وأن الأرض متحركة وليست مركزاً للعالم. وبناءً عليه، ولأنني راغب في أن أزيل من تفكيركم يا أصحاب القداسة والغبطة ومن عقول جميع المسيحيين المؤمنين ذلك الشك القوي الذي تتصورونه بحق ضدي وبقلب مخلص وإيمان صادق، أرفض وألعن وأحتقر الأخطاء والهرطقات سالفة الذكر، وبشكل عام كل خطأ آخر أو أي طائفة أياً كانت إذا كانت مضادة للكنيسة المقدسة، وأقسم بأنني لن أذكر أو أؤكد في المستقبل شفهياً أو تحريرياً أي شيء يمكن أن يؤدي إلى احتمال حصول شبهة مماثلة نحوي. كما أعد بأن أبلغ مكتب قداسة البابا أو محكمة التفتيش أو المحاكم العادية في مكان إقامتي عن أي شخص يشتبه في ارتداده أو هرطقته. وفوق ذلك، أقسم وأعد أن أنفذ بشكل كامل ودقيق جميع العقوبات الدينية التي فرضها أو سيفرضها مكتب قداسته عليّ. وفي حال نكوصي – لا سمح الله – عن أي من هذه الوعود والاعترافات وما أقسمت عليه، فإنني أقدم نفسي طواعية لكل الآلام والعقوبات التي فرضتها وأعلنتها التعليمات الكنسية المقدسة والدساتير الأخرى العامة والخاصة ضد من يقترف مثل هذا الإثم، فليساعدني الله وهذا الإنجيل المقدس الذي ألمسه بيدي. أنا غاليليو غاليلي قد اعترفت بأخطائي علانية، وأقسمت ووعدت وتعهدت كما ورد أعلاه، وشهدت بصدق ذلك. و قد كتبت بخط يدي هذه الوثيقة المتعلقة بإعلان تنصّلي من تلك الآثام، وتلوتها تلاوة في روما، دير مينرفا، في هذا اليوم الثاني والعشرين من شهر يونيو عام 1633، معلنا التوبة الكاملة و طالباً الغفران”.

بعد توقيع غاليليو على وثيقة التوبة هذه، و أثناء نزوله من على منصة الاتهام، سمعه القريبون منه يتمتم بصوتٍ خفيض، إنما واثق:

“و لكنها تدور”.

كانت عبارته القصيرة تلك – لا نص توبته الطويل ذاك – هو ما حرّك التاريخ.

و مع ذلك، فما جدوي كل هذا السرد لنا؟ لو كان أحداً هنا يقرأ التاريخ، لما حُمِلَ كاشغري على كتابه نصه أعلاه، الذي لا يعدو أن يكون تناسخاً تاريخيا؛ يُراد به أن يكون ترجمة إسلامية جديدة لنص غاليليو المسيحي القديم، مع إغفال تام لمتغيرٍ تافه، يسمونه “الزمن”.

أربعة قرون؟

و ما أربعة قرون – في تقويمنا الشرق أوسطي الخامل – سوى محض تفصيلٍ بسيط؟

ساعاتــي الإثنـا عشـر كمجنــون

قياسي

ساعاتــي الإثنـا عشـر كمجنــون

بقلم: سيدني كاتز، 1/10/1953

4a8b51ca1dd075a8fc76b1657cac22f1[1] 

ترجمة: د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

‏19‏ يناير‏، 2016

  

 

شكرا عطاف المطوع.

في إجازة الربيع، كنت أُملي، و كانت تطبع.

الإجازات فرص، لا حجج.

 

ساعاتــي الإثنـا عشـر كمجنــون[1]

بقلم: سيدني كاتز

1 أكتوبر، 1953

 

مقدمة قصيرة

هذا المقال المنشور في مجلة Maclean’s كان أول معالجةٍ شعبيةٍ لعقار LSD . من يربطون هذا العقار بحقبة الستينات سيتفاجئون عندما يعرفون الطريقة التي كان هذا العقار مصنفاً فيها في أوائل الخمسينات. في تلك الفترة، كان الناس يعتقدون أن عقارLSD  يتسبب في حالة ذهان مؤقت: شيزوفرينا اصطناعية.[2] لذلك، نصح بعض الأطباء النفسيين بأن يقوم أطباءٌ آخرون بتعاطي هذا العقار كوسيلةٍ لتجربة الشيزوفرينا من الداخل. فيما يلي، قمت بترجمة بداية مقال كاتز و نهايته.[3]

هذا التقريرٌ يعرض تجربة محرّر مجلة Maclean’s دقيقة بدقيقة، عندما تناول عقار تجريبي حوّله الى فصاميٍ يخبر الهذيان: كل ما رآه، ما شعر به، ما قاله و ما فعله تم توثيقه بواسطة تسجيلاتٍ صوتيةٍ و صورٍ و شهودٍ ذوي خلفية علمية، إضافة الى ذكرياته الشخصية المُعذَّبة، و التي مازالت تطارده حتى الآن.

* * *

في صباح يوم الخميس، 18 يونيو 1953، تناولت عقارا حوّلني – لمدة إثني عشر ساعة لا تُنسى – إلى مجنون. لاثنتي عشر ساعة، عشت في عالمٍ كابوسيّ اختبرت فيه عذابات الجحيم و نشوة الجنان معاً.

لن أتمكن أبداً من أن أصف ما الذي حدث لي بالكامل خلال رحلتي الى عالم الجنون. في اللغة الانجليزية بأكملها، لا توجد كلمات مصممة لنقل المشاعر التي اختبرتها، أو الرؤى و الأوهام و الهلاوس و الألوان و الأنماط والأبعاد التي كشف عنها عقلي المرتبك.

لقد رأيت وجوه الأصدقاء المألوفين تتحول إلى جماجمٍ خاليةٍ من اللحم و إلى رؤوس ساحراتٍ مرعبات و خنازير و بنات آوى.[4] أما السجادة المنسوجة بتصاميمٍ بهيجة فقد تحولت، تحت قدميّ، إلى كتلةٍ مهولةٍ من المادة الحيّة التي تمور؛ نصفها من الخضار و النصف الثاني من الحيوانات. كانت هناك لوحةٌ عاديةٌ لرأس امرأةٍ و كتفيها رأيتها، دبّت فيها الحياة فجأة. لقد حرّكت المرأة رأسها من جهةٍ الى أخرى، و كانت تنظر لي نظرة فاحصة، فيما كانت تتغير – باستمرار – من إمرأة الى رجل و من رجل إلى إمرأة. أما شعرها و قلادتها، فقد تحوّلا الى عشٍ لآلاف الثعابين الجائعة التي كانت تتقافز لكي تلتهمني. ملمس جلدي تغيّر عدة مرات. بعد أن أمسكت ببطاقةٍ ملونةٍ أحسست بجسدي يختنق تعطشاً للهواء، لأن جلدي تحول الى طلاء. فيما كنت أربّت على كلبٍ أسود، ثقُلَ ذراعي و انبجست منه طبقة كثيفة من الفراء الأسود اللامع.

لقد كنت واقعٌ في قبضة هلوساتٍ مرعبةٍ متكررة، كنت خلالها أشعر بجسدي – و أراه – يتشنج و يتقلص حتى لم يتبقَ منه إلا حجرٌ صلبُ مريضٌ تموضع في الجهة اليسرى من معدتي، محاطاً ببخارٍ أصفرٍ يميل الى الخضرة، انسكب على أرضية الغرفة.

لقد فقد الزمن كل معنى. تقلّصت الساعات الى دقائق، و امتدت الثواني الى ساعات. كانت الغرفة التي تواجدت فيها تتغير مع كل نفسٍ آخذه، و ومضاتٌ غامضةٌ من ضوءٍ ملونٍ كانت تجيء و تروح. مثل المطاط، كانت أبعاد الغرفة تتمدد تارةً و تتقلص تارةً أخرى. الصور، الكراسي، الستائر و المصابيح كانت تتطاير من دون توقف، مثل الكواكب في أفلاكها. أحاسيسي بالشعور، بالشم وبالسمع اختلطت ببعضها البعض؛ بدا الأمر و كأن أحداً قد انتزع الشبكة العصبية لدماغي و المسيطرة على أحاسيسي، ثم أعاد توصيلها من دون اهتمامٍ لسابق تركيبها.

و لكن ساعات جنوني لم تكن مليئة بالرعب و الجنون بالكامل. هناك أحيانٌ راودتني فيها رؤىً من الجمالٍ المبهر، كانت من الهيجان و من الغرابة إلى الحد الذي لا يمكن لأي فنانٍ معه أن يرسمها. لقد عشت في فردوسٍ كانت السماء فيه كتلة من الجواهر المنظومة على خلفيةٍ من الأزرق الزبرجديّ اللامع، و كان لغيومه لون المشمش، و هواؤه مليءٌ بالأسهم الذهبية السائلة و النوافير اللامعة من الفقاعات الملونة، و الدانتيلا المخرّمة المصنوعة من اللؤلؤ و الفضة، غُمُد من أضواء قوس قزح – جميعها تتغير باستمرارٍ في اللون والتصميم و الملمس و الأبعاد، بحيث كان كل مشهدٍ أكثر روعةً من سابقه.

مضى أسبوعان منذ أن قضيت نصف يومٍ كمجنون (لقد بلغ بي الخوف و الحيرة من هذه التجربة كل مبلغ، بحيث أنني ما تمكنت من الجلوس و كتابة سردٍ كاملٍ لما حدث لي إلا الآن. بل حتى هذه اللحظة، فيما أعيش الكابوس مرة أخرى عبر هذه المسافة الآمنة، ما زلت أتوتر و جسدي ينضح بالعرق حتى الآن.

لقد تطوّعت لكي أصبح مجنوناً مؤقتاً من أجل خدمة البحث الطبي القاصد الى تقصيّ إشكالية المرض العقلي. إنها واحدة من مراحل البحث العلمي تلك التي يكون فيها الإنسان هو خنزير غيانا،[5] فالحيوانات لا تستطيع أن تصف مشاعرها.

لقد كان العقار الذي تناولته هو عقار LSD  (Lysergic Acid Diethylamide)، و هو ما يعرف علمياً بقلواني الإرغوت، و هو يتكون من الطبقة السُمّية التي تنبت أحياناً على بذرة حبوب الجودار. منذ سنتين، عندما تم بيع خبزٍ مصنوعٍ من طحين الجودار الفاسد في إحدى القرى الفرنسية، مات كثيرٌ من السكان من التسمم، فيما عانى العديد من هذيان جنونيٍّ شديد. لقد كانت الحالة العقلية التي نجمت عن هذا العقار – الذي تم تحضيره من قبل كيميائيٍّ سويسريّ – تقارب الى درجة كبيرة الشيزوفرينيا الحادة، أكثر أنواع المرض النفسي شيوعاً في كندا و أكثرها جدية. إن حوالي نصف المرضى في مستشفياتنا العقلية يعانون من شكلٍ ما من أشكال هذا العذاب العقليّ الرهيب.

و رغم حقيقة أن علماء النفس قد عرفوا الشيزوفرينيا منذ حوالي خمسين عاماً (و هي التي تسمّى أحيانا الخرف المُبْتَسَر dementia praecox أو الشخصية المنقسمة)، إلا أن معلوماتنا عنها مازالت فقيرة. نحن نعلم أن الضحية يعيش في عالمٍ فوضويٍّ خاصٌ به، يعاني فيه من الهلاوس و الأوهام، و يتأثر منه تفكيره و مزاجه و سلوكه معاً. في بعض الأحيان، يقوم المصابون بالفصام بالانتحار و بالقتل استجابةً منهم لاعتقاداتٍ خاطئةٍ تسيطر عليهم فتتمكن منهم.

أما فيما يتعلق بسبب هذا المرض، فهناك مدرستان رئيسيتان في التفسير. هناك مجموعة أولى – لا سيما مدرسة التحليل النفسي – تميل الى الاعتقاد بأن المصاب بالفصام هو شخص لا يستطيع التأقلم مع صعوبات الحياة فينسحب لذلك الى عالمٍ فانتازيّ من صنع خياله. و هناك مجموعة ثانية تذهب الى أن الشيزوفرينيا هي نتيجة مباشرة لاضطراب اسْتِقْلابِي،[6] تصاب فيه الغدد الداخلية بخللٍ تُربِك معه كيمياء الجسد. و هم يَشِكّون أن المذنب في ذلك هو نظام الغدد الأدريناليني الذي – بطريقةٍ معقدةٍ ما – ينتج مادة سامة تتسبب بالجنون.

إلا أن هذه النظريات ليست حاسمة بالضرورة، فالدكتور هانس سلاي Dr. Hans Selye العالم في جامعة مونتريال أظهر كيف أن التوتر و الإنهاك يمكن أن يؤثرا على وظائف الغدد الداخلية، بما فيها الغدد الأدرينالينية، بحيث أنها قد تنتج مجموعة مختلفة من الأمراض بما في ذلك المرض العقلي.

من خلال خلق حالةٍ مثل الشيزوفرينيا خلقاً اصطناعياً في الإنسان الطبيعي – مثلما كان الأمر في حالتي – فإن الباحثين يأملون بالعثور على إجاباتٍ لجملةٍ من الأسئلة المحيرة. فالمحللين النفسيين يرغبون أن يعرفوا كيف يشعر مريض الفصام؟ ماذا يرى؟ بماذا يفكر؟ كيف يفكر؟ ماهي أفضل طريقة لمساعدته من قبل مُعالِجه؟ إن هذه الاجابات لا يسهل الحصول عليها من قبل المريض المصاب بالفصام المزمن، إذ عادة ما يكون لديه القليل من التبصر، و ربما خلى منه كليةً، كما أنه يصعب التواصل معه عادة.

و يبحث المتخصص في الكيمياء الحيوية عن معلوماتٍ يمكن أن تساعد في إيجاد علاج للشيزوفرينيا بالنهاية: ماهي المادة السامة الموجودة في مريض الفصام والتي يخلو منها جسد الإنسان العادي؟ لو أمكن التعرف على هذه المادة، فإنه من المتصور أن عنصراً كيميائياً ما يمكن أن يصنّع لتعويض هذا النقص، تماماً مثلما أن البنسلين و الأوريومايسين يمكن أن يقضيا على أنواعٍ معينةٍ من الالتهاب. إن ذلك لمما يمكن أن يقود، نظرياً، الى علاج نصف مرضانا العقليين.

بعد أن وصلت تجربة الـ LSD إلى نهايتها أخيراً، وبعد ليلة من الهياج المشفوع بنومٍ خالٍ من الأحلام، كنت أتضوّر جوعاً. أخذت حماماً و لبست ملابساً نظيفة، ثم مررت على مايك كيسترتين (Mike Kesterton) و بعدها أخذنا سيارة أجرة الى ويبيرن (Weyburn). مشيت في الشارع أتطلّع في وجوه المارة و و أطالع واجهات المحلات، مبتهجاً بكوني قد عدت مرة أخرى الى أرض الأحياء. ذهبنا الى المطعمٍ، حيث قضيت هناك على كمياتٍ كبيرةٍ من عصير البرتقال و البيض و الخبز و القهوة. لم يكن قط الطعام أكثر لذة. فكّرت في زوجتي و أطفالي، ثم ذهبت الى الدكّان لأشتري لهم بعض الهدايا.

تحولت أفكاري الآن الى المرضى في مستشفى الأمراض العقلية. لقد كنت محظوظاً، فقد احتملت عذابات الجحيم لإثنتي عشر ساعة فقط، و أنا الآن حر. و لكن ماذا عنهم؟ لقد عانى كثير منهم من المرض العقليّ لمدة خمس، عشر، و حتى خمسة عشر عاماً. كيف تبدو لهم الساعة المفردة المُعذّبة؟ يوم؟ شهر؟ سنة؟ أبدية؟

عدت الى المستشفى و مشيت في أجنحته وحيداً. في الماضي، قضيت في مستشفيات الأمراض العقلية الساعات الطوال بصفتي طالب علم نفس في مجال البحث الاجتماعي و مراقِبٌ في الآن ذاته. ولكنني، في هذا اليوم، رأيت كل شيءٍ بعينين مختلفتين. هناك مريضً بالفصام طويل البنية مشى باتجاهي،  قبض على يدي لبضع لحظات ثم، و من دون أن ينبس ببنت شفة، مضى بعيداً. تذكرت كيف كنت قد قبضت أنا بدوري على يد أوزموند (Osmond) بشكلٍ يائس. من أي دوامةٍ لا قرار لها كان هذا الرجل يهرب؟ كان هناك شاب أشقر في أواخر العشرينيات يقف في حالةٍ أشبه بالغيبوبة، يحدق في ظلٍ على الحائط، مع ابتسامة نشوةٍ تجمدت على وجهه. كم مليون ميلاً كان يبعد عنا؟

 

أملٌ جديدٌ لفاقدي العقل؟

مريضٌ آخر، بوجه يطفح باليأس أخبرني أن سحليةً كانت تعيش في أرجوحةٍ وسط صدره. لقد أنجبت ثلاث سحالي صغار زحفت الى رأسه و أكلت كل دماغه. أي عزاءٍ يمكنني أن أقدّم له؟ هل يمكنني أن أخبره بأن كل هذا هو محض تلفيقٍ من خياله، فيما كان هو يرى الوحوش بألف لونٍ و بُعدٍ و يحس فعلاً بأدنى حركةٍ لها؟ ليس هناك أي تجربةٌ حقيقةٌ لشخصٍ عاديٍ يمكن أن تضاهي شعور هذا المريض بالواقع.

من الزاوية البعيدة للقاعة، كان يمكنني أن أسمع الغناء الرهيب لمريضٍ بالفصام، يعيد مضطرباً:

احترق، أيها الجسد اللعين

احترق أيها الجسد اللعين

احترقي ايتها الأرجل اللعينة

احترق أيها البطن اللعين

احترق أيها الجسد اللعين …

في أي زاويةٍ من الجحيم كان يعيش؟ أي رعبٍ سكن فيه؟ بحداثة تجربتي العائدة الى الأمس، كان يمكنني أن أتخيل ما يمكن أن تكون. في تخيلي هذا، كنت أجفل من الألم.

تركت ويبيرن (Weyburn) مع شعورٍ بالاستعجال. ان نصف طاقتنا السريرية بالمستشفى كانت ملأى بالمرضى العقليين، و نصف هؤلاء كانوا يعانون من الشيزوفرينيا. ما زلنا لا نعرف سبب هذا المرض حتى الآن، و مع ذلك فلدينا أسبابٌ وجيهةٌ للشك بأنه ربما كان يُعزى الى خللٍ في كيمياء الجسد. إن بضع نقاطٍ من العقار غيّرتني، أنا الشخص الطبيعي، فجعلت مني مجنونا، أفلا يمكن إذن أن يكون المصاب بالفصام هو شخصٌ ذو جسدٍ يصنع باستمرار جزيئاتٍ صغيرةٍ من مادة سُمّية مماثلة؟

إن كان الأمر كذلك، فلا يمكن للعلم الا أن يأمل بالتعرّف على المشكلة و التصدّي لها عندما يتوفر التمويل للبحث العلمي بالملايين، و ليس بالآلاف كما هو الوضع حالياً. ينبغي أن نصر على أن يُكرّس – فوراً – الأفضل من أطبائنا و فنيينا و مختبراتنا لإنقاذ مرضى الفصام من هذا الجحيم الأبدي. ليس هناك من هدفٍ أشد ألحاحاً و لا أكثر إنسانية.

أنا أعرف.

 

 

[1] Sidney Katz, ‘My Twelve Hours as a Madman’, Maclean’s magazine, 1 October 1953.

[2] الشيزوفرينيا (Schizophrenia): الفصام.

[3] يمكن الاطلاع على المقال الأصلي هنا: http://www.macleans.ca

[4] Weasel، في النص الاصلي.

[5] يقصد أنه أصبح حيواناً للتجارب.

[6] خللٌ في عملية الأيض (metabolic disorder).

كيف تُرسَم الشرعية: لوحة تتويج نابليون بونابرت نموذجاً

قياسي

كيف تُرسَم الشرعية: لوحة تتويج نابليون بونابرت نموذجاً

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

21 أغسطس 2015

Louvre31[1]

إضافة إلى دورها في خلق الذائقة الجمالية الرفيعة، تمثل اللوحات الفنية الكلاسيكية مدخلاً ممتازاً لفهم التاريخ و السياسة، بل و القانون أيضاً. لوحة “تتويج نابليون بونابرت” هي مثال جيد على ذلك (The coronation of Napoleon Bonaparte).

في هذه اللوحة التي رسمها رسام الثورة الفرنسية جاك لوي دافيد بإيعاز من بونابرت نفسه،  جُعل الحاضرون لحفل التتويج جزء من آلة خلق الشرعية المشبوهة لهذا الإمبراطور الجديد. كان نابليون نفسه من طلب من الرسام دافيد إدراج رسائل سياسية مدمجة في اللوحة بما يسوّغ تتويجه الغريب كإمبراطور في ظل نظامٍ جمهوريٍ ثوري (و هو السبب الذي كان أعداؤه من النظم الأوروبية الملكية يسمونه من أجله “مغتصب السلطة” The Usurper).

كان من تعليمات نابليون للرسام دافيد، مثلاً، أن يُظهر والدته في اللوحة (السيدة في الشرفة) ليوهم الشعب بمباركتها لمسيرته، و هي التي تغيبت عن حفل التتويج أصلاً فلم تحضره لغضبها عليه و على خياراته السياسية.

انتبه أيضا لشبيه يوليوس قيصر (الرجل القصير الذي يبدو خلف نابليون): هو يظهر في الصورة بغرض استدعاء قيصر الى الذاكرة بهدف تصنيف نابليون في مرتبة كبار قادة التاريخ و وضعه في مصاف قيصر من حيث المجد العسكري، مع إظهار نابليون – و هو المعروف بقصر قامته – أطول منه، في إشارةً غير بريئة على تفوقه على قيصر من حيث العظمة.

كما أن نابليون يظهر في الصورة مديراً ظهره للبابا الجالس على الكرسي الرسولي، ليغمز من قناة الكنيسة من طرفٍ خفي، و ليؤكد أنه لا يستمد سلطته منها، مرسخاً بذلك فكرة فصل الدين عن الدولة و عدم امتداد سلطة البابا إلى الحكم الفرنسي.

(اما الفتاتان اللتان تحملان أطراف فستان الإمبراطورة الراكعة جوزفين زوجة نابليون فهما شقيقتا نابليون اللتان حضرتا الحفل كارهتان بسبب بغضهمها لزوجة أخيهما، فقد أجبرهما نابليون على الحضور ليظهر أسرته أمام الشعب كاسرة سعيدة و متحابة).

في الحقيقة، الرموز و الرسائل السياسية في هذه اللوحة / البروباجندا كثيرة، و لكن لا مجال لسردها كلها في هذه العجالة.

الشاهد هنا هو أن تاريخ الفن هو مجال ممتعٌ جداً للقراءة و الإطلاع، و مسارٌ رفيع نحو المعارف المتداخلة.

سابقة. إن مرّت، فستكون جميع حدائق الكويت مهددة بالزوال

قياسي

 سابقة إن مرّت، فستكون جميع حدائق الكويت مهددة بالزوال

11873999_10153477958581071_742042254_n[1]

إلى من يهمه الأمر،

نلفت نظركم إلى ما يجري حاليا في حديقة جمال عبد الناصر بالروضة. فقد تم بالأمس وضع علامات تحديد مساحة مستطيلة و كبيرة من أرض الحديقة لإقامة بناء يخصص لأغراض نفعية يمكن إقامته في اي مكان آخر، إضافة إلى  قطع ما في وسط هذه المساحة من  أشجار النخيل قطعاً بالفأس، بدلاً من اقتلاعها (علماً بأن أشجار النخيل هذه ما زالت في حالة جيدة و و قلبها ما زال ندياً و به رطوبة). منذ متى كان النخيل يقطع بالفأس في الكويت؟

اما المفارقة الحقيقية، فهي أن يحدث ذلك في نفس اليوم الذي تقرر فيه وزارة الشئون إشهار “جمعية أصدقاء النخلة” :

https://www.kuna.net.kw/ArticleDetails.aspx?id=2456071&Language=ar

و يتم كل ذلك في جوٍ من الصمت المطبق و التجهيل التام (مع استغلال هدوء الصيف و سفر كثير من أهالي المنطقة الى الخارج)، حيث لا يوجد في المكان أية لافتة او يافطة أو إعلان يشير إلى طبيعة المشروع و الجهة المسئولة عنه، كما يليق بحق المواطن في الوصول إلى المعلومة الموقعية. كما أننا اتصلنا بعدة جهات في المنطقة و جميعهم نفوا أي علم لهم بالموضوع.

(انظر الصور أدناه).

و لما كنا مجموعة من أهالي منطقة الروضة الغيورين، فإننا نسجل استياءنا الشديد من ذلك، إذ من الملاحظ أن هذه الحديقة يتم الاقتطاع من مساحتها لأغراض مختلفة ، ربحية تارة و غير ربحية تارة أخرى، تدريجيا و بهدوء. و هو امر غير مقبول لنا، من حيث أن هذه الحديقة لها قيمة تاريخية كبيرة لدولة الكويت و دور بيئي مهم باعتبارها المتنفس الوحيد لأهالي منطقة الروضة. كما ان الامر لا يستقيم مع صدور قانون حماية البيئة الجديد رقم 42 لسنة 2014، و المعني بحماية المساحات الخضراء، لا الانتقاص منها.

لذلك، نرجو مخاطبة الهيئة العامة للزراعة و الثروة السمكية للتفضل بإصدار الأمر لمن يلزم بوقف أعمال البناء فوراً لرفضنا القاطع لتشييد أية مبانٍ على أرض الحديقة، و لمنع الاقتطاع من مساحة الحديقة المحدودة أصلاً.

و يتضاعف استياؤنا إذا ما تذكرنا الحالة المزرية للحديقة و إهمالها، رغم إلحاحنا و رغم مطالباتنا المتكررة لسنوات.

هذه سابقة، إن مرّت، فستكون جميع الحدائق في بلادنا مهددة بالزوال، تدريجياً، من خلال اتباع الأسلوب نفسه.

و لذلك، و بكل الاحترام، نرجو من الجهات المختصة وقف اعمال البناء في الحديقة فوراً، فحدائق الكويت ينبغي ان تظل للغرض المخصصة له: حدائق، و حدائق فقط.

مع التحية و التقدير،

مجموعة من أهالي منطقة الروضة

11873999_10153477958581071_742042254_n[1]

11909586_10153477958611071_135545771_n[2]

6  11911857_10153477958656071_2137491879_n[1] 11924673_10153477958631071_1454106849_n[1]  11880952_10153477958526071_1316726188_n[1] 4 5 - Copy