Author Archives: redab70

About redab70

Eltibas ... I am a Law Professor at Kuwait University School of Law. This page was initiated due to popular demand (ie pressure exerted on me by my students at Kuwait University School of Law!). The philosophy behind this page is to serve as an extension to my classroom. Most of what you read here is based on / a follow-up of topics previously discussed in my lectures. Academically speaking, my blog posts are my ‘footnotes’.

غوستاف رادبروخ: خمس دقائقٍ من فلسفة القانون – ترجمة د. مشاعل الهاجرى

قياسي

 

gustav-radbruch.jpg

 

غوستاف رادبروخ:

خمس دقائقٍ من فلسفة القانون

ترجمة د. مشاعل عبد العزيز الهاجرى

mashael.aljakeri@ku.edu.kw

 16 فبراير 2018

غوستاف رادبروخ (Gustav Radbruch)، الذي عاش في الفترة من 1878 إلى 1949، كان فقيهاً ألمانياً كبيراً في القانون الجزائي، برلمانياً و وزيراً للعدل فى جمهورية فايمار،[1] و لكنه كان معارضاً لفكر الحزب النازي الذي وصل إلى سدة الحكم في ألمانيا قبيل الحرب العالمية الثانية، فحُرم على يد هذا النظام من كرسى الأستاذية فى جامعة هايدلبرغ حيث كان يدرس، و إلا أنه حصل عليه بعد سقوط النظام إثر هزيمة ألمانيا في هذه الحرب و أصبح عميداً لكلية الحقوق في ذات الجامعة.

كأحد المنتمين إلى المدرسة القانونية الوضعية (positivist school) – التي لا تعترف بإلزامية أية قواعد مجتمعية إلا إذا كانت صادرة من سلطة دستورية مشروعة و مختصة – وضع رادبروخ مؤلفاتٍ متميزةٍ فى علم القانون و في فلسفته، و هو يرى أن “التغييرات السياسية العظيمة قد مُهد لها دائماً بنظرياتٍ فلسفيةٍ قانونية”، و أن للقانون دائماً بعدٌ معياريٌ لا ينبغي إغفاله، كما يرى أن العدالة هى المعيار الأسمى للقانون و غاية المشرع في دولة القانون (Rechtstaat).[2] و لكن ربما كان أكثر ما يذكر به رادبروخ هو تفرقته الواضحة بين القانون و الأخلاق و تأسيس كلٍ منها على أساسٍ مختلفٍ عن الآخر، إذ وفقاً له فإن الأخلاق تنتمي إلى عالم ما يجب أن يكون، فيما القانون ينتمي إلى عالم ما هو كائن.

بعدما ظهر له من فظاعات الحكم النازي، راجع رادبروخ رأيه في الوضعية القانونية، فوجد أنها ينبغي أن تحدّها دائماً حدودٌ أخلاقية تكبح من جماح المشرعين. من هنا، فقد كتب بعد الحرب العالمية الثانية عبارته المشهورة التى صارت تعرف بين علماء فلسفة القانون بـ “صيغة رادبروخ” (Radbruch formula)، و التي يقول فيها:[3]

“إن الصراع بين العدالة من جهة و موثوقية القانون من جهة ثانية ينبغي أن يُحسم لصالح القانون الوضعى، أي القانون الصادر من قبل السلطة المشروعة و المختصة، حتى في الحالات التي يكون فيها غير عادل من حيث المحتوى و الغرض، فيما عدا الحالات التي يصل فيها التناقض بين القانون الوضعي و العدالة إلى مستويات لا تُحتمل بحيث ينبغي عندها أن يخلى القانون مكانه للعدالة، و ذلك بوصفه قانوناً باطلاً. و من المستحيل رسم خطٍ فاصلٍ بين حالات عدم العدالة القانونية و بين التشريعات واجبة التطبيق رغم حمولتها الخاطئة، و مع ذلك فإن خطاً آخر يمكن رسمه بشكلٍ من أشكال التحديد: فعندما نكون بصدد قانون لا يتحرى العدالة، تم فيه إهدار المساواة – رغم كونها قلب العدالة – إثناء عمليه إصداره، فإنه لا يكون تشريعاً و أنما مجرد قانون خاطيء (erroneous law)؛ بل في الحقيقة فإن لا طبيعة قانونية له إطلاقاً. هذا، لأن القانون، بما في ذلك القانون الوضعي، لا يمكن تعريفه إلا بأنه قاعدة تهدف إلى خدمة العدالة تحديداً”.[4]

هذه صيغةٌ هامة؛ شكّلت دائماً مدخلاً أساسياً لمناقشة الموضوع موضوع القوانين الجائرة الشائك (unjust laws)، حتى من قبل معارضيها، باعتبار أنها بوابة فكرية مناسبة للخوض في هذه الإشكالية المعقدة دستورياً و المتعصيّة فلسفياً.

 ******

  –

خمس دقائقٍ من فلسفة القانون

غوستاف رادبروخ

الدقيقة الأولى

 “الأوامر هى الأوامر”، يُقال للجندى. “القانون هو القانون”، يقول الفقيه القانونى. و مع ذلك، فالجنديّ غير مجبر، لا وفقاً للواجب و لا بحكم القانون، على أن ينصاع إلى أمرٍ هو يعرف أن موضوعه ينطوى على جنايةٍ أو على جنحة، فيما الفقيه القانونى – باعتبار أن آخر محاميي القانون الطبيعى (natural law) قد انقرضوا منذ مائة سنة – لا يعرف هكذا استثناءاتٍ من صلاحية القانون (validity of the law) أو من متطلبات طاعته من قبل المُخاطَبين به. إن القانون نافذٌ لأنه قانون، و هو قانون لأنه، بشكلٍ عام، يتمتع بالقدرة على أن يسود.

إن هذه النظرة للقانون و لصلاحيته (و هو ما نسميه النظرية الموضوعية Positivistic theory) قد جعلت من كلٍ من الفقهاء و الناس معاً عديمى حيلة أمام القوانين الاعتباطيّة، القاسية، أو الإجرامية، مهما بلغت من التطرف. ففى النهاية، فإن النظرية الموضوعية تساوى بين القانون و السلطة؛ فهناك قانون فقط حيثما تكون هناك سلطة.

 

الدقيقة الثانية

لقد كانت هناك عدة محاولاتٍ لاستبدال هذه العقيدة أو لتكميلها بأخرى: و هي أن القانون هو ما يفيد الناس.

أن ذلك يعنى أن أمورٍ مثل التوجّهات الاعباطيّة، خرق العقد، و عدم المشروعية يمكن أن تعتبر قوانين، و ذلك شريطة أن تكون نافعةً للناس. و من ناحيةٍ عملية، فإن ذلك يعنى أن أياً ما وجدته سلطات الدولة نافعاً للناس فهو قانون، بما فى ذلك أية نزوةٍ أو رغبةٍ استبداديّة، أو عقوبةٍ غير مُقرّةٍ بقانونٍ أو بحكمٍ قضائى، أو القتل غير القانونى للمرضى. إن ذلك يمكن[4] أن يعنى أن المصلحة الخاصة لمن يُمسكون بزمام السلطة يُنظر لها كمصلحةٍ عامة. و فى الحقيقة، لقد كانت التسوية بين القانون و بين المنافع المُفترضة أو الظاهرية للناس هو ما حوّل دولة القانون (Rechtsstaat) إلى دولةٍ خارجةٍ عن القانون. و لا، فهذه العقيدة لا تعنى أن: كل ما يفيد الناس هو قانون. إن الأمر على العكس من ذلك: فقط ما هو قانونٌ مفيد الناس.

 

الدقيقة الثالثة

ان القانون هو إرادة العدالة. العدالة تعنى: الحكم دونما نظرٍ إلى الشخص، و قياس الجميع بالمقياس ذاته. لو كان المرء يصفّق لاغتيال الخصوم السياسين، أو يأمر بقتل الأشخاص المنتمين إلى عرقٍ مختلف، فى ذات الوقت الذى يوقِع فيه العقاب القاسى و الحاط من القيمة لنفس الأفعال إذا ما ارتكبت ضد أفراد من فريقه، فإن هذه ليست بعدالةٍ و لا بقانون.

إذا كانت القوانين تخون عمداً إرادة العدالة – من خلال البذل و المنع التحكمييّن لحقوق الإنسان على سبيل المثال – فإن ذلك يعني إذاً أن هذه القوانين فاقدةٌ للصلاحية، فلا يدين لها الناس بواجب الطاعة، كما أن على الفقهاء أيضاً أن يجدوا الشجاعة لكى ينفوا عنها الطابع القانونى.

 

الدقيقة الرابعة

إنه من الصحيحٌ طبعاً أن تحقيق الصالح العام، جنباً إلى جنبٍ مع تحقيق العدالة، هو هدفٌ يتحرّاه القانون. كما أنه من الأكيد أن للقوانين قيمةٌ فى ذاتها و لذاتها، بما في ذلك السيئ منها: و هى قيمةٌ تتمثّل بالدرجة الأولى فى تحصين القانون ضد الشك. كما أنه من الصحيحٌ طبعاً أنه – لسببٍ يُعزى إلى القصور البشريّ – فإن القيم الثلاثة للقانون – الصالح العام، الوضوح القانونيّ و العدالة – لا تتواجد بشكلٍ منسجمٍ دائماً فى بنية القوانين، فيكون الحل الوحيد، عندها، هو تقدير ما إذا كانت الصلاحية هو أمرٌ ينبغى أن يُعترف به حتى للقوانين السيئ، الضارة، أو غير العادلة فقط من أجل المحافظة على الموثوقية القانونية (legal certainty)، أو أن هذه الصلاحية ينبغي أن توقَف بسبب من عدم عدالة هذه القوانين أو ضررها الاجتماعى. هناك شيئٌ واحدٌ، مع ذلك، يجب أن يرسخ على نحوس ثابتٍ فى ضمير كلٍ من الناس و الفقهاء معاً: يمكن[5] أن تكون هناك قوانين تبلغ من الظلم و الضرر الاجتماعى مبلغاً ينبغى معه نزع الصلاحية – بل و الصّفة القانونية ذاتها – منها.

 

الدقيقة الخامسة

من هنا، فإن هناك مبادئٌ قانونيةٌ أثقل قيمةً من أىّ تشريعٍ قانونىّ، بحيث أن القانون الذى يتعارض معها ينبغي أن تُنزع منه الصلاحية. هذه المبادئ تعرف بـ “القانون الطبيعى” (natural law) أو “قانون العقل” (the law of reason). من المؤكد أن تفاصيل هذه المبادئ مازالت مفتوحةً للتساؤل، و مع ذلك فإن عمل القرون الماضية قد صنع لها نواةً صلبةً، بحيث أصبح عليها الآن إجماعٌ واسع من خلال ما يُعرف باعلانات حقوق الإنسان و الحقوق المدنيّة (declarations of human and civil rights)، بحيث أنه وحده المتشكّك الدوغمائى يمكن أن ننظر بريبةٍ غير واثقةٍ حول بعضٍ منها.

فى لغة الإيمان، فإن ذات الأفكار سبق و أن سُجلت فى آيتين من الإنجيل. إنه مكتوبٌ في الإنجيل أنك يجب أن تكون مطيعاً للسلطات التى لها نفوذٌ عليك، و لكنه مكتوبٌ فيه أيضاً أنك ينبغي أن تطيع الربّ لا البشر، و هذه ليست محض رغبةٍ تقيّةٍ فقط، و لكنها رؤيةٌ قانونيةٌ صالحةٌ أيضاً. إن الحلّ للتوتّر القائم بين هذين التوجيهين لا يمكن إيجاده من خلال اللجوء إلى توجيهٍ ثالث، مثل قاعدة “أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَ مَا للهِ للهِ” (Render to Caesar the things that are Caesar’s; and to God the things that are God’s)،.[6] هذا، لأن هذا التوجيه، أيضاً، يُبقي الحدّ الفاصل في خانة الشك، أو هو بالأحرى يترك الحلّ لصوت الربّ، الذى لا يتحدث إلى ضمير الفرد إلا فى الحالة الخاصة.

[1] جمهورية فايمار (Weimar) هي جمهورية تأسست في ألمانيا في الفترة من 1919 إلى 1933 إثر خسارة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، و قد سميت باسم المدينة التي انعقد بها مجلس ممثلي الشعب الألمانى لصياغة دستور هذه الجمهورية الجديدة عام 1919. انتهى وجود هذه الجمهورية ذات العمر القصير عندما وصل الرئيس الألماني النازي إدولف هتلر إلى السلطة فأحكم قبضة حكمه على ألمانيا بأكملها. – المترجمة.

[2] يمكن ترجمة مصطلح Rechtstaat الألماني إلى دولة القانون، بمعنى الدولة الدستورية التى يتم فيها إخضاع جميع السلطات لحكم القانون. ربما كان أقرب ترجمة تعادل هذا المصطلح في الأدبيات الإنجليزية هو Rule of law. – المترجمة.

[3] See generally: Brian Bix, ‘Radbruch’s Formula and Conceptual Analysis, American Journal of Jurisprudence, vol. 56, 2011, pp. 45-57

[4] “The conflict between justice and the reliability of the law should be solved in favour of the positive law, law enacted by proper authority and power, even in cases where it is injust in terms of content and purpose, except for cases where the discrepancy between the positive law and justice reaches a level so unbearable that the statute has to make way for justice because it has to be considered “erroneous law”. It is impossible to draw a sharper line of demarcation between cases of legal injustice and statutes that are applicable despite their erroneous content; however, another line of demarcation can be drawn with rigidity: Where justice is not even strived for, where equality, which is the core of justice, is renounced in the process of legislation, there a statute is not just ‘erroneous law’, in fact is not of legal nature at all. That is because law, also positive law, cannot be defined otherwise as a rule, that is precisely intended to serve justice”.

 

Advertisements

عن جدل “الوافدين”: الكويت بين رؤية الدولة المفتوحة و هواجس الغيتو المغلق

قياسي

indi38753[1].jpg

 

عن جدل “الوافدين”:

الكويت بين رؤية الدولة المفتوحة و هواجس الغيتو المغلق

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

26 يناير 2018

mashael.alhajeri@ku.edu.kw

أيها الماء: أين تجري ضَياعاً / و حواليك قاحلات البوادي؟

– الرصافي، مخاطباً نهر دجلة.

 

ثلاثة أرباع الجدل الدائر في الكويت حالياً عن الوافدين هو جدلً معيب، مهين، لا يليق بنا، و لا بجيراننا و أصدقاءنا و زملائنا العاملين معنا و حولنا من الأشخاص الكرام، المحترمين، المنضبطين، الذين لا يختلفون عنا في شيء: نفس الطموح و القلق و الخيال و الحاجات و الأخطاء و الأحلام و الخيبات و الضغوط و الآمال للنفس و الولد و الأسرة و المجتمع (قد أشير هنا و هناك إلى الوافدين من ذوي الحالة المادية المتواضعة، و لكن لنتذكر أن كثيرٌ منهم ليسوا كذلك، كما أن الشريحتين يتواجد نظير لهما في مجتمعنا بين مواطنينا الكويتيين؛ لا فرق، و لا يهم، أصلاً).

أما الربع الرابع من جدل الوافدين هذا، فيتضمن نقاشاً صحيحاً و قلقاً مشروعاً (تركيبة ديمغرافية / تكاليف مالية / اعتبارات أمنية)، كما أنه لا يقتصر على الكويت وحدها، بل هو موضوعٌ يدور الآن في العالم بأسره، لا سيّما مع حركة الهجرة السائلة، المتدفقة من الشرق الأوسط إلى أوروبا و أمريكا، و تزايدها إثر التقلّبات السياسية الأخيرة في المنطقة (في انتخابات الرئاسة الأمريكية و الفرنسية و الالمانية و الهولندية الأخيرة مادةٌ خصبةٌ للمهتمين في هذا الشأن، كما أن خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي BREXIT كان مدفوعاً – في جانبٍ معتبرٍ منه – بهذه الاعتبارات).

و مع ذلك، فالعقدة في هذا الربع الإشكاليّ لا تكمن في محتواه الموضوعي، و إنما في إطاره الأسلوبي أولاً (حِديّة / إهانة / معايرة / إذلال)، و في استغلاله السياسي ثانياً (تكسّب سياسي واضح، نبرة نيابية ديماغوجية، تضليل شعبي، و شوفينية عامة).

يُحاط كل ذلك بظرف زمانٍ ذي خصوصيّة، لأن التوقيت – أغلب الظن – ليس بريئاً، فالخلفية المرحليّة التي يدور فيها هذا الجدل ينبغي ألا تغيب عنا، لكونها تتعلق بنزعةٍ اجتماعيةٍ تمثل نمطاً تاريخياً معروفاً، هو ذاك الذي يرتبط دائماً بمراحل تدهور الاقتصادات و ارتفاع نسب البطالة، و ما يترتب عنهمن بحثٍ تلقائيٍّ عن الضحية المجتمعية الأكثر ضعفاً و هشاشة، و التي لا تملك للدفاع عن نفسها وسائل مكافئة للوسائل التي تُهاجَم بواسطتها (سلطة رسمية / قواعد شعبية / منصات إعلامية)، ثم إفراغ جميع الإحباطات الشعبية فيها و صبّ جام الغضب الجماهيري عليها (و هذه الضحية تتجسّد هنا بالوافدين و بالبدون، فالكويت ليست استثناء).

ثم يُستكمل الأمر بالهدف، الذي يبدو أنه يتمثل، غالباً، في صرف الأنظار عن الإشكاليات الحقيقية، وفق آليّة إلهاءٍ سياسية تكمن في إدخال الناس في دوامةٍ من الأعراض المَرَضيّة (النتائج)، لا العلل الباثولوجية (الأسباب). في رائعته الشهيرة “في انتظار البرابرة”، كتب الشاعر اليوناني كافافيس عن انتظار الناس في مدينة متخيلةٍ لكارثة هجومٍ وشيكةٍ ستقع على يد البرابرة المتربصين بالمدينة خارج البوابة، تتبدّد عند تبين “أنه لم يعد هناك برابرة”، فيقود هذا الكشف إلى عبارة أسىً فاجعة “فقد كان، هؤلاء القوم، نوعٌ من حل”. عبر التاريخ، مثّل الترهيب من “الآخر” وسيلةً فعّالة لتشتيت الأنظار و صرفها عن المشكلات الحقيقية.

بعد تفكيك الموقف إلى ما تقدّم من وسيلةٍ و هدف، يتبقى الإشارة إلى أن الهجرة و شئونها هي أمورٌ لا تترك لصراخ الشعبويين و تعليقات وسائل الاتصال الإجتماعي و استعراضات الإعلام و جلسات الدواوين كي توجّهها يميناً و شمالاً بمطالباتها المصلحية و ذخيرتها الآيديولوجية، بل للقرارات الرشيدة، المستنيرة، الصادرة عن جهات رسم السياسات العامة، التي – و إن كان يُفترض بها الاستماع الجاد لكل ما يُناقش و الوعي به و عدم الاستهانة بمنطلقاته – إلا أنها هي من تتوفّر تحت أيديها المعلومات و الأرقام و الإحصائيات و المعادلات، و التي يُناط بها ضبط التوازنات الدقيقة بين كل من توجّهات الاقتصاد و سعات المرافق و ضغوط البطالة و متطلبات الأمن و إملاءات السياسة. و قبل كل ذلك، التي تهتم بصورة الكويت كبلدٍ منفتح، و بصورتنا كشعبٍ مضياف.

هذا على المستوى الرسمي، أما على المستوى الشعبي فإن النقاش العام ينبغي أن يتضمن جرعاتٍ غنيةٍ حول أهمية اللقاء بالآخر، باعتباره شكلٌ من أشكال التقاطعات الحضارية. و التقاطعات – و إن كانت صغيرة – إلا أنها عواصمٌ حقيقيةٌ و خصبةٌ للتغيير: في التقاطعات ميزةٌ استثنائية، تسمح بالالتقاء و الافتراق و الاختلاف و الاتفاق معاً. فإذا ما استحضرنا أشياء مثل: طريق الحرير، الدراسات البينية، مدينة حلب، البلانكتون البحري (و مناطق تكاثره)، مغامرة هانزل و غريتيل، إشارات المرور، السلام (بعد الحرب)، الين يانغ، صراع الأجيال، تحويلات محطات السكك الحديدية، الثورات، روايات أمين معلوف، حركة الترجمة، وجدنا أنها جميعاً ما وجدت إلا كنتاجٍ للتقاطعات بأشكالها المختلفة. كما أن التقاطعات مقرونةً بالانفعال و الترقّب بالضرورة؛ لأنها تستتبع دائماً أخذ قرار: شمالٌ أم شرق؟ جنوبٌ أم غرب؟ و لكنه، على أية حال، قراراً مستنيراً، فالتقاطعات هي الطرق الوحيدة المصمّمة وظيفياً بحيث تسمح للمار فيها برؤية الجهات الأربع بوضوح، إذ في التقاطعات فقط يمكنك الاستدارة بزاوية 360 درجة لدراسة الموقف جيداً. إن كل ذلك لا يتأتّي من خلال الركون إلى مناطق الأمان المتمثلة في الأشخاص الذين يشبهوننا من أهلٍ و أصدقاء، بل فيما يهديه لنا القادمون من بعيد: الوافدون.

أما رؤيتنا للمستقبل، هذه العقدة التي لا تريد أن تنحل، و التي يبدو أن أحداً ما زال لا يلتفت إليها فهي الآتي:

تتحدّث الخطط الرسمية دائماً عن جعل الكويت محطة جذبٍ للاستثمارات العالمية عن طريق تحويلها إلى “مركزٍ ماليٍّ و اقتصادي”؛ و لكن أي مركزٍ ماليٍّ و اقتصاديٍّ هذا الذي – عوضاً عن تذليل الحواجز القانونية و الإدارية و المعلوماتية و قبلها البشرية – يبدأ مشروعه بخطاب الانغلاق و الإقصاء و ضيق الصدر؟ المراكز المالية هي نظامٌ بيئيٌّ متكامل: منظومةٌ تشريعيةٌ صديقةٌ و جهازٌ إداريٌ فعّالٌ و نظامٌ ضريبيٌّ عادل، ثم يتوّج كل ذلك بحركة مرورٍ بشريٍّ مُعولَمةٍ و انسيابيّة. من هنا، فالتحوّلات المالية و الاقتصادية الكبرى تبدأ دائماً بإسقاط الأسوار أمام الآخرين، لا إعلاؤها في مواجهتهم.

على جميع الأصعدة، للكويت تاريخٌ نبيل، كريمٌ، و مشرّف. كما أن بلادنا تسّوق لنفسها خارجياً دائماً كمركزٍ إنسانيّ، و قد حصل أميرنا مؤخراً على تقديرٍ هامٍ في هذا الشأن من الأمم المتحدة كأميرٍ للإنسانيّة و الأمر – لا شكّ – مصدر فخرٍ لنا. و لكن هذا كله على المستوى الخارجيّ أولاً و من خلال العطاء الماليّ ثانيا، أما عندما يتعلق الأمر بالشأن الداخليّ و بالعطاء غير الماليّ فمواقفنا الملتبسة داخلياً تضيّع دائماً ما حقّقناه خارجياً (و ما تردّدنا المُحزن عن استقبال اخواننا اللاجئين السوريين عنا ببعيد، في حين استقبلهم كلٌ من الأردن و لبنان – المُتعَبان و المثقلان بهمومها المعروفة – بأريحيّة، بل أن حتى ألمانيا و عداها من دولٍ أوروبيّة قد فتحت أذرعها واسعةً لهم). و لكن كل ذلك – عندما يتعلق الأمر بالوافدين الذين يأتون ليعملون في بلادننا فيفيدوننا و يستفيدون منا في الآن ذاته – ينبغي أن يفهم لا في إطار التفضّل، بل في إطار الواجب من جهة و مصلحة البلاد من جهةٍ أخرى.

من هنا، فإن الاتّساق بين مواقفنا الخارجية و نظيرتها الداخلية مفقود، و في ذلك إضاعةٌ أيّما إضاعةٍ لرأس مالٍ معنويِّ حقيقيِّ لبلادنا، فالأحرى بالكويت أن تُدار وفق رؤىً واضحةً و منفتحةً تليق بمؤسّساتٍ راسخةٍ لدولة، لا بإرباكات هواجسٍ متوجّسةٍ لسكّان غيتو مُغلق (الغيتو هو الحي المسوّر المعزول لخشية سكانه – المتجانسين – من جيرانهم)؛ الذين يرمون الخبز من فوق السور لمن يقصدونهم، و يقفلون البوابة حتى لا يدخل هؤلاء عليهم، ثم يعايرونهم العمر كله. سيأخذ الخبز من يحتاجونه – مثلما كنا سنفعل تماماً لو كنا محلهم، و هو أمرٌ واردٌ لأن الأيام دُوَل – و سيدخل مِعَدَهُم، لا قلوبهم. هذا، لأن للناس كرامة؛ لا أحد يُمتنّ لأكل خبزٍ مُغموسٍ بمذلّة، لا سيّما إن كان الأمر يتعلق بعملٍ مقابل أجر، لا بإحسانٍ يلحق تفضُّل.

لكل بلدٍ – ككيانٍ اجتماعيٍّ قبل أن يكون كياناً سياسياً – جوهر، قلب، آيديولوجية أو “إيثوس” (Ethos) يستمدّ منه الاستمرارية و الديمومة: شيءٌ ما يعمل كاليورانيوم المخضّب للدينامو المولّد للطاقة. يبدو لي أن دينامو الكويت كان دائماً هو “الاتصال”، ممثلاً بديناميكيات الارتحال القلِق، القاصد لبناء العلاقات مع الآخر، و ليس الاتصال السياحي العابر أو المُستكفي. كانت الكويت منطقية، قوية، و جميلة عندما كان أهلها سفّارة بحراً (غاصة، نواخذة، تجار) و رحّالة براً (بدوٍ رحّل). نتيجة لسياسات الرفاه، ركنّا إلى دِعة الاستقرار، فتعطل “الاتصال” و هو دينامو بلادنا. مع اضمحلال فلسفة “الاتصال” تقلصت شيئاً فشيئاً مساحة التعاطي مع الآخر – تبادلاً و تنافساً و تعلماً و تحدياً و غيرةً و احتياجاً – فانقطعنا عن العالم، و صرنا نعيش في وضعٍ من صنعنا؛ سرياليٌّ بامتياز، كل ما فيه عبثيّ لا يمت للواقعية بصلة. بسببٍ من غياب آليّات المقارنة – التي تتطلب، بداهةً، الحضور الكامل للآخر (الأجنبي / الوافد) – فقدنا الإحساس بمعنى العمل، بقيمة الوقت، بآليات السياسة، بموضوعيّة الأكاديميا، و بدور المؤسسات الدوليّة في التعريف بأفضل الممارسات.

صار الكويتيون يسافرون الآن أكثر من أجدادهم، و لكن السفر و الإقامة في أفخم فنادق العالم لا يعنيان شيئاً، إطلاقاً، ما لم تنضبط الحالة الذهنيّة الدافعة للسّفر: فكرياً، ما عدنا نذهب إلى العالم، و لكن ما هو أخطر من ذلك هو أننا صرنا الآن لا نريد للعالم أن يأتي إلينا (كان أحد وزراء القرون الوسطى ينصح مليكه قائلاً: “منفعة الأجانب و الضيوف تبلغ من العظمة حد أن يُمنحوا مكانة بين الحليّ الملكية … ذلك أن الضيوف، الذين يأتون من مناطق و مقاطعات شتى، يجلبون معهم شتى اللغات و العادات و المعارف و الأسلحة، و كلّ ذلك يزيّن البلاط الملكي، و يزيد بهائه و يرعب القوى الأجنبية المتغطرسة. ذلك أن بلداً موحّد اللغة و العادات هو بلدٌ هش و ضعيف”).

يبدو، من كل ذلك، أن قلب جدل “الوافدين” الدائر الآن هو الانعزال، المتولّد عن الشك من جهة و الإحساس الخادع بالاكتفاء من جهةٍ أخرى؛ أنا أعزو الجذر العميق للمشكلة إليه.

رغم الإلغاءات الصاخبة لكل رأيٍ مخالف، و التأكيدات الاقتلاعية المُخوّفة لكل صوتٍ يدعو إلى التفكير، ينبغي أن يكون فينا من ينبّه إلى أننا اليوم تسيطر علينا غيمةٌ انعزالية داكنة، و أن عزلتنا تأخذ ألف شكل و شكل: عزل الطلبة و الطالبات في الجامعة، عزل النساء و الرجال في غرف الانتظار، عزل اللغات الأجنبية، عزل العقائد المختلفة، عزل الأعراق المتباينة، عزل العلوم الجادة، عزل الأفكار المعارضة، و الآن صرنا نشهد حالياً مساعٍ حثيثةٍ و حزينةٍ نحو عزل الوافدين أيضاً (في كلية الحقوق، أدرّس مادة القانون المدني. و في موضوع الحقوق العينية الأصلية فإن المحاضرة التي أشدّد دائماً على دلالاتها العميقة – التي تتجاوز التطبيقات المالية – هي تلك الخاصة بـ “حق الإرتفاق”، لأنه حقٌ ذو طبيعة تشاركيّة، تقع فكرة الاتصال/الارتباط في قلبه).

أخشى أن هذا التوجّه العدواني المتزايد ضد الوافدين – و قد يكون في الأمر مدعاةً للاستياء – ليس جديداً، و أن له إرهاصاتٌ مسبّقةٌ حزينة، لا يصح النظر إليه بمعزلٍ عنها، فهو لا يعدو أن يكون تطوراً داروينياً طبيعياً لممارسةٍ كانت و مازالت تحدث أصلاً، تتمثل في ما يسمح به بعضنا لنفسه من معاملة العاملين في المنازل على نحو قاسٍ و مزر (حبس الحرية، منع الاتصال، منع التجمع، منع الإجازة، العنف الجسدي و اللفظي) بدعوى الحفاظ على الأخلاق. و لكننا في النهاية نحن من استدعاهم، مع علمنا بأنهم يأتون من ثقافاتٍ مختلفةٍ عن ثقافتنا، فبأيّ حقٍ نحاول تطويعهم؟ نحن ننسى أن هؤلاء عندما يتركون بلادهم فإنهم يغادرون ورائهم أوضاعاً معقّدة من الديون المالية و الأولاد المشتّتين بين الأزواج المرضى و الأمهات العجزة و الأقارب البعيدين. و بعد هذا كله، نمنعهم من الاتصال. أي قلقٍ و أي ألم نفسي نضعهم فيه؟ جثث الشباب و الصبايا من العاملين الآسيويين، المدلاّة من أشجار الطرق و مراوح الغرف الضيقة و تلك الممدّة في الشوارع إثر القفز من الشرفات العالية – سواءٌ انخفض عددها أو زاد – تعبّر عن أحوالٍ مرعبةٍ من الألم و اليأس سوف نسأل عنها جميعاً أمام الله، سواء من كان منا سبباً مباشراً لعذاب هؤلاء المساكين، أو من صمت على ضعف أحوالهم و تعاستها. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “الرحماء يرحمهم الله”، و بعدهما قال الإمام علي كرّم الله وجهه: “الناس على وجهين؛ أما أخٌ لك في الدين أو نظيرق لك في الخلق”. إنه الإنعزال – هذه المسافات النفسية الطويلة بيننا و بين “الآخر” رغم قربنا الجغرافي منه – مرةً أخرى.

من المحزن أن نجد مفارقة الإنعزال هذه تنتشر و تكبر في بلادنا. فرغم تراثها البحريّ المنفتح و الصحراويّ المتحرّك، الكويت الآن هي بلدٌ يسكنه شعبٌ منعزلٌ، تثير فيه كل إشارةٍ للآخر إحساساً تشيكوفياً بالإقليمية (فالأمر يذّكر بالهواجس القلقة لأبطال قصص أنطون تشيكوف الذي يعيشون دائماً في الأقاليم الطرفية البعيدة)؛ شيءٌ أقرب ما يكون إلى رهاب الأجانب (Xenophobia)، الذي هو سمة المجتمعات المنغلقة فكرياً و المنعزلة حضارياً، مهما بلغ عدد الطائرات التي تهبط في مطارات البلاد أو السفن التي ترسو في موانئها. هذا، لأن الأمر يتعلّق بدواخل العقول، لا بخارجيات المظاهر، و هو يقترن دائماً بالخوف و الشك و القلق من الآتي، و هذه جميعها نتيجةٌ طبيعيةٌ لغياب السياسات الواضحة المُطمئنة، التي تلعب دور بوصلة الاتّجاه للمستقبل.

و بعد،

فلنراجع قيمنا المبدئية، و لنفعّل أجهزة رسم السياسات، و لننتقِ من نضمّه إليها، ثم لنلتزم بما تضعه من خطط، فالأزمة – في عمقها – ليست أزمة وافدين، و لم تكن كذلك قط:

الأزمة أزمة انعزالٍ أولاً، و عدم ثقةٍ في سياساتنا العامة الرسمية ثانياً.

فأما الأولى فتتغيّر بتغييرنا لأنفسنا، و أما الثانية فتتغيّر بتغييرنا لراسميها.

نظرتان في النقاش، و وصفةٌ

قياسي
Horace_Vernet_-_Arab_Chieftains_in_Council_(The_Negotiator)_-_WGA24751

جلسةٌ نقاشيّةٌ لبعض زعماء القبائل العرب
لوحةٌ للفرنسي Horace Vernet، 1834

نظرتان في النقاش، و وصفةٌ

د. مشاعل الهاجري

Mashael.alhajeri@ku.edu.kw

18 يناير 2018

 

(1)

الحوار هو أن تتناقش، فتكون ممنوناً لمن تمكّن من إقناعك بتغيير رأيك، لأنه أهدى إليك معطياتٍ جديدة، لم تتنبّه لها من قبل، فصرت أكثر علما، و أعمق إدراكا. هو لا يتعلق بالكرامة، و لم يكن له شأن بها قط.

أما اللّدد هو أن تتناقش، و أنت تحمى رأيك كمن يذود عن قلعةٍ ورثها عن جدّه السابع، فتحنق على كل من اقترب منها.

للبقاء في سماء النقاش و عدم الانحدار منها إلى هاوية اللدد، ينبغي أن نذّكر أنفسنا دائماً بأن موضوع النقاش هو محض رأي، و الرأي لا يعدو أن يكون زاويةً للنظر نرقب الأمور منها، لا موقع عسكريّ نفديه فنقاتل من دونه.

‏بذلك، ينحدر النقاش من حوار إلى لدد عندما نخلط بين ما ينبغي من مرونة الرأي و ما يجب من ثبات الكرامة. و لكن حوار من يتحرون الحقيقة لا يتعلق بالكرامة، و لم يكن له شأن بها قط.

في الحقيقة، مجرد ربط النقاش بالكرامة هو دليل على أن مدار النقاش شخصي و ليس موضوعي، و هو مؤشر واضح على عدم التجرد، ابتداء.

و هذا، تحديدا ، هو اللدد، الذي – إضافة الى كونه لا يليق بالطرفين – هو محض تضييع للوقت و الطاقة.

 

(2)

النقاشات هي أداةٌ فعالةٌ لتوضيح الرؤى؛ توظيفها لضبط الفكرة هو واحد من أهم فوائدها.

ربما كان ذلك لأن للأفكار طبيعة عنقودية؛ هي تتوالى على إثر بعضها، أو ربما كان من الأدق القول بأنها ذات طبيعة “أميبية”: مثل الأميبا، هي تتكاثر بالإنقسام.

من هنا فإن أفكارنا المتولدة عن النقاشات – حتى العاصف منها – هي شيء أشبه ما يكون بقصائد الرحابنة التي كتبوها لفيروز.

لن نعرف قط ماذا كتب عاصي و ماذا أضاف منصور.

هذا سببٌ آخرٌ لكي أشكّ – أكثر فأكثر – في أسطورة “الملكية الفكرية”؛ هذه التي صدّقناها، فشرّعنا لها القوانين.

 

(3)

وصفةٌ للنّقاش الناجح:

  1. خذ 2 كيلو معلومات صحيحة.
  2. أضف عليها 4 كيلو رؤىً رشيدة.
  3. زِدْ عليها 6 كيلو تجرّد.
  4. ضعها بالثلاجة حتى تندمج المكوّنات.
  5. أخرجها من الثلاجة بعد ساعتين.
  6. تبّلها بـ 500 جرام هدوء، ثم زيّنها برشّة حُسْن نيّة، و رشّة سعة صدر.

صارت الوصفة جاهزةً للتقديم.

بالهناء و الشفاء : )

 

 

المعاجم كمرايا مجتمعية

قياسي

26731514_10155838161476071_7984263043270286784_n[1]المعاجم كمرايا مجتمعية

د. مشاعل الهاجري

Mashael.alhajeri@ku.edu.kw

18 يناير 2018

 

أن لا نشجّع المثليّة الجنسية هو شيء، و أن ندعو للكراهية و القسوة بل و القتل كلما ظهرت بيننا – كحقيقةٍ من الحقائق الفسيولوجية و النفسية للحياة – هو شيءٌ آخر، لا سيّما و أن الأمر يتعلق بخياراتٍ شخصيّةٍ حميمة، لا بأفعالٍ مُهددةٍ للغير في المال أو النفس.

في الخلط دائماً أساسٌ لسوء الفهم، و من ثمّ لفداحة القرار.

من هنا، ربما كانت التسمية هي نقطة البداية لهذا المبحث:

المعاجم العربية تسمي من يتصف بالمثلية “شاذٌ جنسياً”، فتقطع مسبقاً بأنه مخالفٌ للطبيعة و تُعرِّفه للعالم بذلك، أي أنها تتجاوز التسمية، فتتعداها إلى الحكم و التصنيف.

هذا، فيما يترجم لفظ “gay” بالإنجليزية إلى “مثليّ الجنس”، و ليس شاذه، و هي كلمةٌ تجد أصلها المعجمي في كلمة “gaiety” التي تعني البهجة، و التي اسم الصفة منها هو “gay” أي “أَزْهَر؛ بَشوش؛ بَهِيج؛ زاهٍ؛ ضَحُوك؛ طَرُوب؛ فَرِح؛ فَرْحان”.

أما السبب وراء كل هذه المعاني الجذلة للكلمة الإنجليزية، فهو أمرٌ ثقافيٌ خاص بذلك المجتمع، و شأن يتعلق بالشخص المعنيّ. بذلك، فالأمر و إن كان لا يعجبنا، إلا أنه لا يعنينا.

شيئاً فشيئاً، بدأت هذه الترجمات تتراجع من معاجمنا، فأصبحت الترجمة العربية الأولى التي تظهر للباحث عن معنى لفظ “gay” هي “الشاذ جنسيا”، لتصير هي المعنى الوحيد المعروف لنا. لقد استغرق المعنى اللفظ، فوارى كل ما عداه من معانٍ أخرى.

لا أعرف السبب وراء ذلك، و لكن قد يكون من المناسب استحضار البعد الديني هنا، باعتبار أننا عادة ما نبني بناءنا القيمي على أساسات دينية كلما تعلق الأمر بأحكام القيمة.

فهل أثر الدين في اللغة، أم أنها اللغة هي من أثر في الدين؟

لا أدري، و لكن ما هو واضحٌ بجلاءٍ هنا هو أن في مواقفنا الحادة تجاه المثلية الجنسية أصلٌ ثقافيّ(cultural) ما، يشتد أو يضعف تبعاً لقوة الموجات الفكرية التي تضرب شواطئنا الثقافية.

أما تصنّع البراءة الحضارية، و لزم المسلك التطهريّ (Catharsis) الذي يظهر ثقافتنا و كأنها ثقافةٌ أحادية مسلكياً لم يظهر بها المختلفون، فهو أمرٌ يكفي لدحضه الاطلاع على قصائد أبي نواس و الخرَّاز و ابن الرومي، و كتابات الجاحظ و الطبري و السيوطي و الذهبي و المسعودي، و كثير عداهم.

هذا، بالنهاية، هو جزءٌ من تراثنا، الذي و إن كنا لا نفخر به، فعلى الأقل لا يصحّ أن نتظاهر بأنه لم يوجد قط.

أما إن اعترفنا به في ماضينا الحضاري، ثم أردنا أن نجهد لتغييره في واقعنا المعاصر، لاننا نحرص على أولادنا و بناتنا – فنحن آباءٌ و أمهاتٌ في النهاية – فنفعل حسناً إن جدّدنا في طرقنا لحمايتهم، فأدركنا أن الكراهية و القسوة و القتل لم تكن – أبداً – أدوات ناجعة لأيّ تغييرٍ إيجابي.

 

 

 

 

 

تأمــلاتٍ فــي التغييــر التقنــي الدرامــي الــذي سيلحــق حياتنــا فــي السنــوات العشريــن القادمــة

قياسي

gaming-future-e1423128177257[1]تأمــلاتٍ فــي التغييــر الدرامــي

الــذي سيلحــق حياتنــا فــي السنــوات العشريــن القادمــة

 

د. مشاعــل عبــد العزيــز الهاجــرى

2 يناير 2018

Mashael.alhajeri@ku.edu.kw

 

 

فيما يلي ترجمة قمت بها لانطباعات كتبها Udo Gollub، المدير العام لأحدى الشركات الناشئة الهامة، إثر حضوره لمؤتمر Singularity University summit العام الماضي. أجد ما ورد في هذا السرد مهماً، لأنه يحمل على التفكير في الشكل التقني للمستقبل، و وجوب الاستعداد له.

 

و قبل أن أورد الترجمة، أسوق هنا ملاحظاتي الشخصية حول الأمر، و التي يعود بعضها إلى اطلاعي على منظور بعض قياديي شركة Mercedes-Bens للسيارات:[1]

 

  • السيارات الكهربائية و السيارات ذاتية القيادة قادمة، بسرعة و بقوة. و يبدو أن مستقبل صناعة السيارات سيتحدّد بين تناقضات مثل السيارات الكهربائية ضد سيارات محركات الاحتراق الداخلى، راحة السيارات ذاتية القيادة ضد متعة القيادة الشخصية، ملكية السيارة ضد نظام المشاركة،  ترك القيادة مع التمتع بالرحلة مقابل السيطرة على المركبة، و الإطار العام لكل ذلك يتمثل دائما بالسؤال الأكبر: الإنسان أم الآلة؟ هناك من يرى فيما تقدم إشكالاتٍ متعارضة، و هناك من يرى فيها فرصاً للدمج و لتغيير الأنماط التقليدية: نحن هنا أمام القديم و الجديد معاً.

 

 

  • السيارات الذكية ليست شيئاً جديداً. فسياراتنا الحالية تستطيع – سلفاً و منذ الآن – تغيير الحارات لوحدها، الصفّ فى المواقف، القيادة على وتيرة سرعةٍ ثابتة، ضغط الفرامل فى حالة الطوارئ، و كل ذلك من دون حاجة إلى تدخل السائق. و مع ذلك، فذكاء السيارات يزداد بتسارعٍ مطرد، و في الأمر ما هو أكثر من الرفاهية، حيث يصل الى حد احتواء فئاتٍ مجتمعية جديدة أكثر فأكثر. مثلاً، فإن انتشار السيارات ذاتية القيادة يمكن أن يعطى فرصاً جديدة من حرية التحرك لفئاتٍ كانت محدودة الحركة فيما مضى، مثل المعاقين و كبار السن.

 

 

  • اقتصاد المشاركة (sharing economy) – المنتشر الآن بسرعةٍ و قوة – يمكن أن يعطي دفعةً إضافيةً من الحوافز للشركات المطوّرة للسيارات ذاتية القيادة. فمع نمو اقتصاد المشاركة، سيتمكن مزيدٌ من الناس من الحصول على سلعٍ لم تكن ضمن نطاق مقدراتهم المالية في السابق، بما في ذلك السيارات الفاخرة التي صار يمكن أن تصبح فى متناول عددٍ أكبرٍ منهم.

 

 

  • مع ذلك، يبدو أن التوجّه الذي نسمع به نحو السيارات ذاتية القيادة هو صرعة دارجة فى بعض المدن الكبرى فقط (fringe phenomenon) – حتى الآن على الأقل – و ذلك بسبب الصعوبات التي يلاقيها سكان تلك المدن من حيث صعوبة القيادة فيها، تكلفة الصيانة، التسعيرة العالية للمواقف، ضيق الوقت. ذلك يعني أن السيارات ذاتية القيادة ستكون مطلوبة أكثر هناك، أما في أماكن أخرى يمكن جداً أن يظل الطلب قائماً و مستمراً على السيارات التقليدية التي تسمح بمتعة القيادة الشخصية.

 

 

  • عندما يتعلق الأمر بالسيارات، فالمنظور بشأنها قد يتعدّد: فمن جهة، هناك سياراتٌ تمثل منتجاتٍ عاطفيةٍ يود الناس تملّكها بشدة بسبب الرغبات الفردية العميقة (سيارة الأحلام / السيارة النارية / السيارة السريعة). و من جهة أخرى فهناك سياراتٌ تتعلق بالاعتبارات العملية، لا سيما بترتيبات التنقل لمن لا يمثل التملّك أولوية لديهم. إن ذكاء شركات السيارات فى المستقبل سيكمن فى مدى نجاحها في الموائمة بين هذين الاعتبارين.

 

 

  • يبدو أن المنظور التجاري / الصناعي صار ينحو الآن نحو التعامل المختلف مع فكرة المنافسة (competition) التى يظهر العمل أنها صارت تتغيّر. إذ تظهر الممارسة تحولاً تدريجياً من المنافسة القائمة على العناصر الارتيابية (كالعمل الفردى، الأسرار التجارية، التحكّم فى الاسواق، التسويق الحصرى)، إلى أخذ منحىً آخر يتمثل فى التعاون مع غرماء الأمس، مدّ أيدى التعاون لهم، و التنبيه إلى مواضع المصالح المشتركة (فمثلاً، تشترك شركة مرسيدس بنز الآن مع كل من شركات BMW و Audi فى تملك شركة HERE للخرائط الرقمية، و من خلال توحيد الجهود، تشترك هذه الشركات فى دفع الصناعة للأمام فى مجال السيارات المتطورة).

 

 

 إن المنطق وراء هذا التفكير الجديد للعصر الصناعي الجديد بسيط، و هو يكمن فى حقيقة أن صناعة السيارات هى أقرب ما تكون إلى المباريات العُشارية (Decathlon)؛ فمن يريد أن يكون في الصدارة عليه أن يجيد عدّة مهارات، فيحسّن مما يعرفه سلفاً، و يتعلّم ما لا يعرفه ابتداءً. إن ذلك يستدعي – بل و يتطلب – الرغبة فى التطور أولاً، ثم الإيمان بضرورة التعاون ثانياً.

 

و بعد، فهذه ترجمة لما أورده Udo Gollub في ملاحظاته:[2]

 

في عام 1998، كان 170.000 موظفاً يعملون في شركة كوداك (Kodak)، و كانت هذه الشركة تبيع 85% من جميع الصور الورقية في العالم.

 

ما حدث لشركة كوداك سوف يحدث لكثير من الصناعات خلال السنوات العشر القادمة، و لكن أغلب الناس غافلين عن ذلك.

 

هل كنت تتخيّل في عام 1998 أنك بعد 3 سنوات فقط لن تقوم أبداً بالتقاط صوراً ورقية تطبع على أفلام؟

 

و مع ذلك، فعندما ظهرت الكاميرات الرقمية للمرة الأولى عام 1975 فإن النماذج المبكرة منها كانت تقوم على 10.000 بيكسيل فقط، و لكنها اتبعت قانون مور التضاعفي Moore’s law (و هو القانون الذي ابتكره Gordon Moore أحد مؤسسي شركة إنتل عام 1965، و الذي يقرر أن عدد الترانزستورات على شريحة معالجٍ ماprocessor  يتضاعف كل عامين تقريباً في حين يبقى سعر الشريحة على حاله – المترجمة).

 

و هكذا، و كما هو الحال مع جميع التقنيات الكبرى، كانت تقنية الكاميرا الرقمية مخيبة للآمال لفترة من الوقت، قبل أن تتفوق بمراحل على ما سواها فتصبح هي النموذج المتسيد خلال بضع سنوات فقط.

 

و الأمر ذاته سوف يحدث في مجالات الذكاء الصناعي (Artificial Intelligence)، الصحة، السيارات الكهربائية و السيارات ذاتية القيادة، التعليم، الطباعة ثلاثة الابعاد (3D printing)، الزراعة، و الوظائف.

 

مرحبا بكم في الثورة الصناعية الرابعة. مرحباً بكم في عصر النمو:

 

 

  • تطبيقات الإنترنت سوف تقلب قواعد اللعبة لجميع الصناعات التقليدية فى السنوات الخمس إلى العشر القادمة.

 

  • Uber هو مجرد تطبيق، هذه الشركة لا تمتلك أية سيارات، و رغم ذلك فهي الآن أكبر شركة لسيارات الأجرة فى العالم.

 

  • Arbnb هى الآن أكبر شركة فنادق فى العالم، رغم أنها لا تمتلك أية عقارات.

 

  • الذكاء الاصطناعى (Artificial Intelligence): صارت الكمبيوترات أفضل فى فهم العالم إلى درجة ملحوظة. هذه السنة، تغلب الكمبيوتر على أفضل لاعب Go فى العالم، بمقدار 10 سنوات أسبق مما كان مقدراً.

 

  • المحامون الشباب صار صعباً عليهم الحصول على عمل فى الولايات المتحدة بسببIBM Watson (نظام للذكاء الاصطناعي طورته شركة IBM، و هو قادر على الإجابة على أسئلة يتم طرحها بلغة طبيعية، و قد تمت تسميته بإسم الرئيس السابق للشركة – المترجمة). صار يمكنك الآن الحصول على المشورة القانونية – بل و حول موضوعات تتجاوز الأمور المبدئية – و ذلك خلال ثوانِ، و بدرجة دقة تبلغ حوالى 90% بالمقارنة بدرجة الدقة البشرية التى تبلغ 70% (فإذا كنت تدرس القانون، توقف فوراً، فإن عدد المحامين سوف يقل بحوالى 90% فى المستقبل؛ وحدهم المتخصصون هم من سيظلون فى سوق العمل).

 

  • يقوم Watson سلفاً بمساعدة الممرضين على تشخيص السرطان، و بدرجة دقة تفوق 4 مرات دقة الممرضين البشر.

 

  • Facebook لديه الآن تطبيق للتعرف على أنماط الوجوه يمكنه التعرف على الوجوه و بقدرة تفوق قدرات البشر. و فى عام 2030 ستكون الكمبيوترات أكثر ذكاء من البشر.

 

  • السيارات ذاتية القيادة (autonomous cars): فى 2018 ستطرح أول سيارة ذاتية القيادة للجمهور. و حوالى عام 2020 سوف تعيد الصناعة تشكيل نفسها بالكامل؛ لن تكون لك رغبة في أن تتملك سيارة فى المستقبل. سوف تتصل بسيارة بواسطة هاتفك، و ستأتى لك إلى محلك و ستقودك إلى وجهتك. لن تضطر إلى إيقافها، و ستدفع فقط مقابل المسافة التى قادتك خلالها. و يمكنك خلال هذا المشوار أن تكون متفرغاً للعمل و الإنتاج على جبهاتٍ أخرى. أولادنا لن يحصلوا على رخصة القيادة ابداً و لن يمتلكوا سيارة، لأنهم لن يحتاجوا ذلك.

 

  • هذا الأمر سوف يغيّر من طبيعة المدن، لأننا سوف نحتاج إلى السيارات بمعدل أقل بنسبة 90 – 95%، و سوف يكون بإمكاننا تحويل مواقف السيارات الحالية إلى حدائق. حول العالم، يموت حوالى 1.2 مليون شخص الآن بسبب حوادث السيارات، فلدينا الآن حوالى حادث واحد لكل 000 ميل (100.000 كيلو متر). مع السيارات ذاتية القيادة سوف ينخفض هذا الرقم إلى حادثٍ واحدٍ فقط لكل 2 مليون ميل (10 مليون كيلو متر).

 

  • أغلب شركات صناعة السيارات سوف تفلس على الأغلب. الشركات التقليدية لصناعة السيارات تقوم بـ “التطوير” الآن و قد نجحت في صنع سيارات أفضل، إلا أن شركات التكنولوجيا (Tesla, Apple, Google) سوف تقوم بـ “ثورة” فتصنع كمبيوتر يسير على عجلات.

 

  • كثيرٌ من مهندسي السيارات في شركات Volkswagen و Audi مرعوبون تماماً من شركة Tesla (شركة متخصصة في صناعة السيارات الكهربائية – المترجمة).

 

  • شركات التأمين سوف تظهر أمامها مشكلات بالجملة، لأنه من دون حوادث المرور فإن التأمين سوف يكون أرخص بنسبة 100%، إذ أن نموذج العمل (business model) الخاص بتأمين أخطار السيارات الذى تتبعه هذا الشركات سوف يختفى.

 

  • سوق العقار سوف يتغيّر، لأنك إذا كنت تستطيع العمل أثناء تنقلاتك (لكونك غير مضطراً للقيادة) فإن الناس سينتقلون للعيش فى مناطق أبعد، تتضمن أحياء سكنية أجمل.

 

  • السيارات الالكترونية (electric cars) سوف تصبح دارجة حوالى العام 2020، و ستكون المدن أقل ضجيجاً لأن جميع السيارات الجديدة ستعمل على الكهرباء. ستصبح الكهرباء رخيصة إلى درجة لا تصدق و نظيفة أيضاً، و رغم أن معدل التحول إلى الطاقة الشمسية فى تزايد منذ 30 عاماً، إلا أننا صرنا نشهد ازدهار ذلك الآن.

 

  • فى العام الماضى، تم حول العالم تركيب مصادر للطاقة شمسية (solar energy) أكثر من معدل تركيب مصادر طاقة الوقود الأحفوري (fossil). ورغم أن شركات الطاقة تحاول جاهدة مكافحة شبكات الطاقة الشمسية للحد من المنافسة الناجمة عن تركيب ألواح الطاقة الشمسية فى المنازل، إلا أن هذه المساعى لا يمكن أن يكتب لها النجاح. فالتكنولوجيا سوف تتغلب على الاستراتيجيا.

 

  • مع الكهرباء الرخيصة تأتى المياة الرخيصة و الوفيرة، فتقطير المياه المالحة يحتاج الآن فقط 2kWh للمتر المربع الواحد (بتكلفة 0.25 سنت). نحن لا نعاني من شح فى المياه فى أغلب الأماكن، ما نعاني الشح فيه هو مياه الشرب تحديداً. تخيل كيف سيكون الوضع عليه لو أمكن لكل شخص الحصول على القدر الذى يريده من المياة النظيفة، و تقريباً من دون أية تكلفة.

 

  • الصحة: سعر Tricorder X سوف يُعلن هذه السنة (الإسم يعود إلى جهاز تسجيل البيانات Tricorder الذي ظهر في فيلم الخيال العلمي Star Trek، و الذي يُمكّن الأشخاص العاديين من إجراء الفحوصات لأنفسهم، من دون حاجةٍ إلى المساعدة الطبية المتخصّصة – المترجمة). فهناك شركات سوف تصنع جهازاً طبياً يعمل على هاتفك، يمكنه القيام بالمسح الضوئى لشبكية عينيك (retina scan)، أخذ عينة من دمك للفحص، و كذلك فحص تنفسك. كما يقوم هذا الجهاز بفحص 54 من علاماتك البيولوجية التى يمكن من خلالها التعرّف على أى مرض تقريباً. سوف يكون الجهاز من الرخص بحيث أن كل شخص على هذا الكوكب سوف يتمكن من الحصول على فحص طبى من الدرجة الأولى، و بتكلفة مجانية تقريباً. وداعاً للمؤسسات الطبية.

 

  • الطباعة ثلاثية الأبعاد (3D printing): انخفض سعر أرخص طابعة ثلاثية الأبعاد من 000 دولار إلى 400 دولار خلال عشر سنوات، و فى الوقت نفسه صارت أسرع بـ 10 مرات. و قد بدأت جميع شركات الأحذية الرياضية الكبرى فى طباعة (صناعة) أحديتها بهذه الطريقة.

 

  • بعض قطع غيار الطائرات صارت تصنع من خلال الطباعة ثلاثية الأبعاد فى بعض المطارات البعيدة و المعزولة. كما أن محطات الفضاء الخارجية لديها الآن طابعة من هذا القبيل تسد حاجاتها من قطع الغيار.

 

  • بعض الهواتف الذكية سوف تزود بتقنية المسح الضوئي ثلاثي الأبعاد (3D scanning)، فيصير باستطاعة المرء أن يقوم مثلاً بمسح قدميه – ضوئياً – بأبعاد ثلاثية، فيطبع لنفسه حذاء على مقاسه من المنزل.

 

  • فى الصين، ثم سلفاً طباعة و بناء مبنى مكاتب من 2 طوابق من خلال تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. و بحلول عام 2027، فإن 10% من كل ما سوف يصنع سيتم صنعه بهذه التقنية.

 

  • الفرص التجارية: اذا كنت تفكر فى خوض غمار عملٍ تجارىٍ ما، ففكر: هل سيكون هذا العمل موجوداً فى المستقبل؟ فإذا كانت إجابتك بالإيجاب، فكيف يمكنك أن تسرّع من وتيرة ذلك؟

 

  • إذا كان مشروعك الذي تخطط له غير قابل للعمل من هاتفك، فانسَ الفكرة.

 

  • كل فكرةٍ مصمّمة للقرن الـ 20 سيكون مصيرها الفشل فى القرن 21.

 

  • العمل (Work): هناك ما نسبته 70% إلى 80% من الأعمال و الوظائف سوف تختفى تماماً خلال السنوات العشرين القادمة، إلا أنه ليس من الواضح حتى الآن ما إذا كان سيكون هناك عددٌ كافِ من الوظائف الجديدة خلال هذه الفترة القصيرة.

 

  • الزراعة (agriculture): فى المستقبل، سوف تكون هناك روبوتات زراعية لا تتجاوز قيمتها 100 دولاراَ، و عوضاً عن أن يكون المزارعون مجرد عاملين في حقولهم طوال اليوم، فإنهم في الدول التى تنتشر فيها تقنية 3D سيصبحون مدراء لهذه الحقول.

 

  • الزراعة بدون تربة (Aeroponics) سوف تحتاج مياهً أقل بكثير. فأول عجلٍ مخلّق بتقنية Petri Dish تم انتاجه الآن، و سوف يكون أرخص سعراً من عجول الأبقار بحلول عام 2018. و حالياً، فإن 30% من المسطحات الزراعية تستخدم كمراعٍ للأبقار، فتخيل لو أن هذه الحاجة انتفت فاستطعنا استخدام هذه الأراضى لأغراضٍ أخرى؟

 

  • هناك عدة شركات ناشئة (startups) سوف تقوم بطرح البروتين الحشرى فى الأسواق قريباً (insect protein)، و هو يتضمن من البروتين أكثر ما تتضمنه اللحوم، و سوف يسمى “مصدر بديل للبروتينات” (alternative protein source)، لأن أغلب الناس مازالوا لا يتقبلون فكرة أكل الحشرات.

 

  • هناك تطبيق اسمه Moodies يمكنه أن يخبرك بحالة مزاجك، و بحلول عام 2020، سوف يمكن – من خلال دراسة تعابير وجهك – معرفة ما إذا كنت تكذب. تخيل إذن أن يتم الاستعانة بهذه التقنية في المناظرات السياسية لإظهار ما إذا كان المتناظرون يقولون الحقيقة أم لا.

 

  • النقود الافتراضية (virtual money): Bitcoin يمكن أن تصبح العملة الأولى للاحتياطى الرسمى …. للعالم!

 

  • طول العمر (longevity): معدل الحياة يزداد حالياً بمقدار 3 أشهر فى السنة. و منذ حوالى 4 سنوات كان معدل الحياة هو 79 سنة، و هو الآن 80 سنة. إن الزيادة – بحد ذاتها – فى ازدياد، و بحلول عام 2036 سوف يزيد معدل الزيادة عن سنة واحدة فى السنة. هذا يعني أننا يمكن أن نعيش إلى سنٍ نتجاوز فيه المائة عام.

 

  • التعليم (education): أرخص الهواتف الذكية سعراً تبلغ قيمته الآن 10 دولار فى أفريقيا و أسيا. و بحلول عام 2020 فإن 70% من جميع البشر سوف يمتلكون هاتفاً ذكياً، و هذا يعنى أن الجميع سوف تكون لهم فرصة الحصول على تعليمٍ ممتاز (لأن النفاذ الى التعليم صار متاحاً).

 

  • يمكن الدخول على أكاديمية خان (Khan academy) بشأن أى شئٍ يحتاج لتعلمه أى طفلٍ فى أية مدرسة. كما تم سلفاً إطلاق نسخاً من البرنامج خاصة بأندونسيا. و قريباً، ستكون هنالك إصدارات منه باللغات العربية، السواحيلية، و الصينية.

 

  • سوف تكون هناك فرصاً رائعة فيما لو تم اطلاق النسخة الإنجليزية من أكاديمية خان (Khan academy) مجاناً، بحيث يتعلم الأطفال بالانجليزية فى افريقيا و فى أماكن أخرى حول العالم فترتفع لديهم الطلاقة بالانجليزية، و هو أمر يمكن تحقيقه خلال نصف سنة فقط.

[1] Dr. Dieter Zetsche (Chairman of the Board of Management of Daimler AG and Head of Mercedes-Bens Cars), ‘Daimler 2017: Daimler and the transformation of the automotive industry’, Annual Shareholders’ Meeting of Daimler AG Berlin, Berlin March 29, 2017.

[2] تنقل بعض المصادر الأجنبية – خطأ – أن هذه الملاحظات وردت في محاضرة لرئيس شركة مرسيدس-بنز للسيارات، و هذا غير صحيح. هنا الرابط لملاحظات Udo Gollub:

 

 

عن الطرق، الشخص المعتاد، و العصير الذي لم يصنعه خلاط قط

قياسي

Road-works-image---hero

عن الطرق، الشخص المعتاد، و العصير الذي لم يصنعه خلاط قط

د. مشاعل الهاجري

16 أكتوبر، 2017

 

في طريقي إلى عملي و عودتي منه – مثلي في ذلك مثل الكثيرين في الكويت، و رغم أنني أعتبر نفسي سائقة جيدة – أخوض معركة بقاء حقيقية، أتعرض فيها لخطر الوفاة أو الإصابة في حادثٍ مروريٍ جادٍ بمعدل 2-3 مرات يوميا. و إذا ما نحينا أخلاقيات قادة المركبات جانباً، فالأمر في غالبيته يعود الى سوء تخطيط الشوارع و كثرة الأشغال فيها (حفريات، تغييرات اتجاهية مفاجئة، تبدل يومي لخارطة الطرق، قلة اللافتات، عمال يشتغلون في منتصف الطريق من دون علامات تحذيرية).

كيف، إذن، يُطبق عليّ قانون مرور يتضمن ذات القواعد التي تطبق على سائق سيارات في طوكيو أو لندن أو لوس أنجلوس، و المصممة لطرقاتها السلسة، المنظمة من قبل هيئات هندسية رفيعة؟ أي عدالةٍ هذه التي تخضع جميع الناس إلى ذات المسطرة، من قبل أن توفر لهم ذات الظروف، حتى يمكن القول بأن الجميع قد انطلق للسباق من النقطة ذاتها؟

و أنا لا أملك – جراء ذلك – إلا النظر في تصميم بنية النظام القانوني ككل، الذي قامت هذه المسئولية على أساسه. ففي المعطيات الأولية للقانون، يتم تحميل المسئولية المدنية عن حوادث السيارات، و من ثم الالتزام بالتعويض، على الشخص الذي انتهى القانون إلى كونه قد “أخطأ”. و مع ذلك فالسؤال الأول و الجوهري، الذي أكاد أقول أنه يمثل نواه القانون المدني و الذي تدور جميع مباحثه في فلكه هو: و ماذا نعني بـ “الخطأ”، أصلاً؟

في تحديد ما إذا كان الشخص قد “أخطا”، يعرف القانونيون أن القضاء يطبق ما يعرف بمعيار “الشخص المعتاد”. فعند تقييم التصرف لتحديد ما اذا كان يشكل خطاً (أي خروجا ً على السلوك المتوقع من الشخص المعتاد)، يقوم القضاء بتقييم الظروف الخارجية / الموضوعية للمدعى عليه (أي تلك الخارجة عن الشخص نفسه كظرف الزمان و المكان و الأجواء المناخية السيئة) دون تلك الداخلية اللصيقة بالشخص نفسه (كالسن و الصحة و الحالة الذهنية أو مستوى التعليم)، لأن تلك ظروف شخصية لا يعتد بها. فالسلوك المعياري الذي يعتبر الشخص المخالف له مخطئا ً خطأ ً تقصيريا ً في نظم القانون المدني هو سلوك الشخص العادي (و هو تحديداً “معيار الشخص المعتاد”)، و الشخص العادي هو شخص “افتراضي” يمثل أواسط الناس و غالبيتهم، و يقوم عادة بالأعمال المتوقعة منهم (و ليس هناك ما يمنع من أن يكون الشخص المعتاد “نسبياً”، أي يمثل فئة أو طائفة معينة من المجتمع، كالأطباء على سبيل المثال، بمراعاة ما تفرضه المهنة من فنٍ و حرص.).

و “معيار الشخص المعتاد” يستند إلى سلوك رب الأسرة الصالح، الذي يسميه الفقه الفرنسي bon père de famille ، مستنداً إلى التسمية اللاتينية bonus pater familias، المستقاة من القانون الروماني (كان نطاق الحالة العائلية status familias في هذا القانون يرتكز على السلطة الأبوية patria potestar و ما ينجم عنها من حقوق و واجبات أسرية و مالية معاً.

و في القانون الإنجليزي، فإن الشخص المعتاد في السوابق القضائية هناك يسمى “الرجل الذي يركب حافلة مدينة كلابام” (the man on the Clapham omnibus) كنية عن الوسطيّة و الاعتياد، فهو شخصٌ من أواسط الناس يتصرّف كما يتصرّف عامتهم و يمارس ما يمارسون (كان أول حكم قضائي إنجليزي ترد فيه هذه الإشارة إلى “رجل حافلة مدينة كلابام” هو الحكم في قضية McQuire v. Western Morning News.[1] و قد تطورت هذه التسمية الآن لتصبح the man in the street “رجل الشارع”، “الرجل العقلاني” the reasonable man، و “الشخص المعتاد” the average person.

أما موقف القضاء الكويتي بهذا الصدد فهو موقفٌ قديمٌ و ثابتٌ من حيث انتهائه إلى وجوب التجرّد من الظروف الذاتية لشخص المضرور و النظر فقط الى الظروف الموضوعية التي وجد فيها، قبل القول بتوافر عنصر الخطأ في طرفه من عدمه.

(في محاضراتي، ألفت نظر طلبتي دائماً أن أن “الشخص المعتاد” إنما هو شخص افتراضي محض، لأنه لا يوجد على سطح هذه البسيطة قاطبة شخص معتاد واحد، فنحن – ببساطة – مختلفون، جميعنا. فمن هو الشخص المعتاد إذن؟ ربما كان الحل الوحيد هو أن تعد في ذهنك خلاطاً إفتراضيا، فتأخذ جميع سكان هذا العصر في العالم بأكمله، ثم تضربهم معاً في خلاطك الذهني هذا، لتنتهي إلى ما أسميه “عصير الناس”؛ هذا العصير هو – تحديداً – شخصنا المعتاد الذي قضت المحاكم عمرها بحثاً عنه).

أكتب كل ما تقدم، لأنني لا أفهم:

يطلب منا القانون دائماً سلوك الشخص المعتاد لتقرير مدى تحقق الخطأ من جانبنا، فتطبق علينا إثر ذلك ذات القواعد القانونية المرورية التي صُمّمت لنظرائنا في أوروبا و أمريكا و اليابان، و لشوارعهم الواسعة، السلسة، المدارة من قبل إدارات هندسية مرورية حصيفة.

و أنا أستغرب، إن كان الأمر يتعلق بالاشتراطات الموضوعية، فلماذا نطلب من سائقي المركبات سلوك مسلك “الشخص المعتاد” من قبل أن نتساءل: و هل الشارع الذي نقود سياراتنا فيه “شارعٌ معتاد”، أصلاً؟

يا لهذه العدالة المساواتية إلى حد الظلم.

 

 

[1] McQuire v. Western Morning News [1903] 2 KB 100.

مــا هــي الجـامعــــــة؟ خطاب لرئيس أساقفة كانتربيري، ترجمة حمد سليمان الرومي

قياسي

 

“مــا هــي الجـامعــــــة؟”

خطاب ألقاه رئيس أساقفة كانتربيري في وهان، الصين

الجمعة 13 أكتوبر 2006

 

‘What is a University?

By: Rowan Williams

Archbishop of Canterbury

Friday 13th October 2006

ترجمة: حمد سليمان خالد صالح الحمد الرومي

مقرر الثقافة القانونية، صيف 2012

 حمد الرومي

 كأستاذٍ جامعيٍ في كلية حقوق جامعة الكويت، و في الفصل الدراسي لصيف عام 2012، كنت أحاضِر للطلبة غير الحقوقيين في مادة “الثقافة القانونية”، و هي مقررٌ اختياريٌ مطروحٌ للطلبة من جميع كلّيات الجامعة. بدأت محاضراتنا، و مع توالي الأيام لاحظت أنه كان ثمّة شاب يجلس في منتصف القاعة صامتاً، لا يتكلم، فإن تكلم، أصاب، و سدّد، ثم عاد إلى صمته الطويل. لفت الشاب نظري بهدوءه و سمته الرزين. كان يبدو أكبر من عمره، كثيراً. فيما بعد، و في الحوارات القليلة التي جمعتني به في مكتبي، عرفت منه أنه يدرس في كلية الآداب، و أن لديه شغفٌ في أن يتعرّف إلى القانون من خلال مادتي هذه. كان اسمه حمد.

عادةً ما أكلّف طلبتي بالقيام بتكاليفٍ متنوعةٍ ذات دورٍ “وظيفيّ”، يكون من شأنها أن تخدم المادة العلمية في المحصّلة (تطوير/ تصحيح / إضافة / تجديد)، و بذلك، فإن الجاد و الجيّد من هذه يمكن أن يُدرج في النسيج الموضوعيّ للمحتوى العلميّ لمقرري، مع الإسناد بطبيعة الحال. عندما أعلنت قائمة التكاليف المطروحة للتنفيذ، تسارع الطلبة إلى استباق المهام السهلة، إلا حمد. جاءني – مبادراً – يطلب ما كان زملاؤه يتهرّبون منه؛ المهمة الأثقل: ترجمة نصوصٍ إنجليزيةٍ مختارةٍ إلى العربية. اخترت له نصاً إنجليزياً كنت قد قرأته لتوي، هو محاضرةٌ ألقاها في جامعة وهان في الصين رئيس أساقفة كانتربيري الدكتور روان وليامز بتاريخ الثالث عشر من أكتوبر 2006، و وجدت فيها عمقاً و فائدة من حيث الوقوف على المنظور الذي تقدمه رؤية “الآخر” لمؤسسةٍ تعنينا جميعاً، هي الجامعة.[1] في محاضرته تلك، كانت أطروحة وليامز هي أن الجذور التاريخية للنظام الجامعي لم تقتصر أبداً على تطوير المهارات العقلية، و إنما تعدته دائماً إلى السعي النبيل نحو النضوج الروحي والأخلاقي، و أفاض في الحديث عن أثر ذلك. وجدت في محاضرته ما يفيد، فدفعتها إلى حمد. بعد بضعة أيام، عاد إلي حمد بترجمته الجيدة و المنضبطة للنص، مع تعبيرٍ واضحٍ و نادرٍ – و هو الشاب الرزين و المتحفّظ – كشف فيه عن اهتمامٍ متحمسٍ بالمحتوى و عن استمتاعٍ بالمهمة. انتهى الفصل الدراسي، و تفوّق حمد في مادتي.

ثم مرّت الأشهر، لأعرف بعدئذٍ – صدفةً – بوفاته المفاجئة في سبتمبر من نفس العام، إثر عارضٍ مفاجىٍ ألمّ به بعد ممارسته للرياضة. كان عمره تسعة عشر عاماً.

كان فصلاً قصيراً ذاك الذي درست حمداً فيه، لم تتح لي خلاله فرص عديدة للتواصل معه، فلا استطيع أن ادّعي أن لي معرفة عميقة به. و مع ذلك، و لسببٍ ما لا أفهمه، لا أستطيع نسيان هذا الشاب. عندما استحضر ذكراه، أستحضر معاني الاستغراق العلمي كاملة: في محاضراتي، لم يكن حمد يستمع، بل كان “ينصت”، بكامل جوارحه، و بتمام وعيه، و بزاوية جلسته. عرفت – فيما بعد – أن الفتى كان ألمعياً، كان رياضياً يمارس الفنون القتالية و الرماية و الغوص، حافظاً للقرآن الكريم، شاعراً و متذوقاً للشعر العربي الفصيح، و حاصلاً على شهادة مدرب معتمد في سِنّه الفتيّة تلك. و الأهم، هو أنني عرفت من بعض أقربائه، أن الشعور كان متبادلاً، “كان يتحدّث عنك، كثيراً”، قالوا لي.

عادة ما يكون قصدي من التكاليف الموكلة إلى طلبتي هو إيلاء دورٍ إيجابيٍ و فعّالٍ لهم في تطوير المقررات التي يدرسونها. هذه المرة، لن أكتفي بهذا الهدف؛ سأتجاوز حدود المقرر الدراسي، بل و أسوار الجامعة ذاتها – هذه التي ترجم حمد نصاً عنها – إيماناً مني بأن ما آخر ما عمل عليه طالبي العزيز هذا من إنتاجٍ أكاديميّ مميز ينبغي أن يظهر إلى جمهورٍ أوسع.

هذه تحيّتي لحمد سليمان خالد صالح الحمد الرومي، الذي رحل من دون أن يرحل، و الذي عرفته و ما عرفته.

د. مشاعل عبد العزيز الهاجري

كلية الحقوق – جامعة الكويت

__________________________________________

 

  

الصين – “ما هي الجامعة؟”[2]

خطاب ألقاه رئيس أساقفة كانتربيري في وهان، الصين

الجمعة 13 أكتوبر 2006

(ترجمة: حمد سليمان خالد صالح الحمد الرومي)[3]

 

ألقى رئيس الأساقفة الخطاب التالي في جامعة وهان، الصين، في يوم الجمعة بتاريخ الثالث عشر من أكتوبر 2006. و في خطاب هذا، بيّن أن جذور النظام الجامعي لم تقتصر على الرغبة في تطوير المهارات العقلية، و إنما تعدته دائماً إلى السعي النبيل نحو النضوج الروحي والأخلاقي، وهو يدعو إلى تعزيز هذا المنظور للدور الحقيقي الجامعات في المناقشات القائمة حول الأبعاد الأخلاقية للحياة العامة في كلٍ من الصين و في الغرب.

لقرونٍ مضت، كانت هناك العديد من الطرق المختلفة لفهم ما هو متوقع عن المؤسسة التي يتلقى فيها الشباب تعليمهم. إنني استخدم هذه الصيغة الخرقاء من الكلمات لأن كلمة “جامعة”- على الرغم من أنها أُطلقت على أغلب أو كل هذه المؤسسات – فهي مصطلحٌ أوربيٌ له تاريخٌ مميز. في هذا السياق خاصةً، أود أن أكون على بينة من التجربة غير الأوربية أيضاً، على الرغم من أن الكثير مما أقوله سوف يستند إلى التاريخ الأوربي كما هو معروفٌ لي. إنه من المهم، بالطبع، أن نعرف أن الأكاديمية الملكية المعروفة باسم “أبناء الأمة” (The Sons of the Nation) قد أُنشأت في الصين قبل قرنٍ من الميلاد، و أن الكلية الطبية الملكية (The Imperial Medical College) قد تبعتها في القرن الخامس من الميلاد. بعضٌ مما سأقوله عن التجربة الأوربية ستكون له بلا شكٍ أصداءٌ في التاريخ الصيني، و لكن مهما كانت دقة الاسم الذي نطلقه، فإن التركيز في هذه المناقشة سيكون على المؤسسة التي تعلّم ما يتجاوز المستوى الأساسي، التي تتعامل مع الناس في أواخر فترة المراهقة و العشرينات من أعمارهم بالنسبة للجزء الأكبر، و التي لها علاقاتٌ وثيقةٌ – و لكن غير متطابقة – مع عمليات التدريب لصورٍ معينةٍ في الحياة العامة.

في كل من الحضارتين الرومانية و اليونانية، كان التركيز على الحياة العامة مهمٌ بشكل حاسم، و هو أمر هام نميل إلى نسيانه بسهولة، لسوء الحظ. إن الشباب الذين كان يُرجّح أن يكون لهم مستقبلٌ في القانون أو الإدارة، أو الذين كان وضع عائلاتهم يكفل لهم شكلاً من الدور الأكيد في المجتمع، كان يقضي عدداً من السنين – في أكثر من مركزٍ، ربما – ليستوعب مهاراتٍ قد تبدو لنا خليطاً غريباً من الأدب و القانون و المنطق. أما من حيث المحتوي الكمي الذي كان ينبغي دراسته من تلك المواد فهو أمرٌ لم يكن منظماً في منهجٍ عامٍ واحد، بل كان يُترك لتقدير الأستاذ الذي يدرس الطالب على يديه. آنذاك، كنت ستتعلم كيف تقرأ نصوصاً كلاسيكيةً مختارةً من إبداعات حضارتك، و كيف تسأل أسئلةً عن النصوص كي تتمكن من فهمها بطريقة أفضل، حتى تطبق محتواها لفهم المواقع و المواقف ذات العلاقة. كنت ستتعلم قواعد الجدل، و لكنك ستتعلم أيضا كيف تتحدّث بطريقةٍ تجعل الناس يأخذونك على محمل الجد (كيف تبني الاستعارات و المناشدات للمشاعر، كيف تقترح بطريقةٍ غير مباشرةٍ ما كنت تريد أن تقوله بطريقة مباشرة). و إن كان لديك مزاجاً خاصاً، فقد ترغب أيضاً بتجاوز المستوى الأساسي و العملي، فتتأمل في حقائق الكون و في الطريقة المثلى للعيش. إن التعليم في العالم الكلاسيكي الغربي كان، و هو أمرٌ لا يثير الدهشة – مادةٌ للخلاف دائماً حول ما هو الأكثر أهمية: اكتشاف الحقيقة أو الفوز في الجدل و إقناع الناس؟ إنه الصراع – كما وُصف في كثيرٍ من الأحيان – بين الفصاحة و الفلسفة، و الفلسفة هنا لم تكن تحمل معنى الحقل المعرفي بل كان يُنظر إليها كمنهجٍ لتعليم الفضيلة.

إن الفرد نتاج التعليم الكلاسيكي يظهر عادةً كمؤدٍ مُدرَّب؛ شخصٌ يمكن الاعتماد عليه ليُأخذ على محمل الجد في الحياة العامة لأنه يعرف قواعد المحادثة الجيدة و النقاش المقنع. كما أنه قد يظهر كشخصٍ له بعض المعرفة بالتقنيّات التي يمكن للعقل البشري من خلالها التغلغل إلى ما يجاوز المظاهر و الوقوف على أنماط الحياة، المادي منها و المعنوي. ما نفهمه من البحث لم يكن جزءً من التوقعات، كما لم يكن هناك تقديرٌ كبيرٌ للتفكير الأصيل أو الخلاّق. و بشكل عام، فإن الأصالة كانت لتبدو و كأنها ثورةً حمقاء ضد الحكمة الراسخة. في أسوأ الفروض، فإن الشخص الذي مرّ في هذه العملية التعليمية يمكن أن يحوز مهارة التلاعب في آراء الآخرين و مشاعرهم، فتكون له قدرةٌ كبيرةٌ على استخدام مهاراته تلك في تحقيق الطموح الأناني. أما في أحسن الفروض، فإنه سيلعب دوراً هاماً في الحدّ من السلوك أو الحديث غير العقلانيّ أو المتطرف و المسبب للشقاق، و كذلك في صون العدالة و الاستقرار و النظام المجتمعي.

و مع انهيار الإمبراطورية الرومانية القديمة في القرنين الخامس و السادس بعد الميلاد، فإن النماذج التي تشكل مثالاً على هذا النوع من التعليم اختفت بصورةٍ عامة، على الأقل بالصورة التي أدركتها الأجيال السابقة. و في الواقع، فإن بعضٌ من هذا التعليم قد نجا في شرقيّ العالم المتوسطي، حيث استمر – لقرون – احتياج الإمبراطورية البيزنطية لموظفين متعلمين للعمل في مجال الخدمة العامة. أما في الغرب الأوربي، فإن الفئة الوحيدة التي بقيت تحوز المهارات اللازمة لإدارة مجتمعٍ يعيش في عصر عدم استقرارٍ سياسيٍ هم قساوسة الكنيسة المسيحية. لقد ظل اتباع بعض أوجه النظام التعليمي القديم مستمراً في المدارس التي استُحدثت حول أديرة الغرب الكبرى و كاتدرائياته، بغرض تدريب الكهنة و رجال الدين. و بذلك كان هؤلاء وحدهم الذين يجيدون قراءة النصوص و بناء الحجج و الحديث المقنع ، الأمر الذي اضّطلعوا معه بمهام التعليم في الكنيسة و إدارة أعمال الممالك الناشئة آنذاك.

و في أواخر القرن الرابع، أشار أعظم مفكّرى المسيحية في تلك الفترة، اﻠﻘﺪﻳﺲ ﺃﻏﺴﻄﻴﻨﻮﺱ ﺃﺳﻘﻒ ﻫﻴﺒﻮ في أفريقيا (Augustine of Hippo)، إلى أن المسيحيين صاروا في حاجةٍ إلى معرفة كيفية قراءة كتابهم المقدس بنفس الدرجة من المهارة و التطور الأدبي المتاحة لدارسي الآداب الكلاسيكية. و هكذا، أصبح تفسير الكتاب المقدس ذروة التعليم العالي و سنامه، فصار الطالب يدرس ما كان نظيره الروماني الوثني يدرسه من المنطق و الموسيقى و الرياضيات و الجدل و النسب و الانسجام في مختلف السياقات، إلا أنه عوضاً عن أن يرتقي بعدها إلى دراسة الفلسفة كان يدرس علم اللاّهوت بدلاً منها، فيتعلم علوم النِّسب و الانسجام بمنظور نصوص الكتاب المقدس، و حتى يساهم في الدّفاع عن المذاهب التي تُدرّس من قِبَل الكنيسة. و رغم أنه لم يكن جميع الدارسين يصلون إلى هذا المستوى، إلا أن النظام قد شُيّد على فرضية أن علم اللاّهوت سوف يعطيك المفتاح لفهم ارتباط الأمور ببعضها. إن كلمة “الجامعة” (University) تعود إلى العصور الوسطى؛ و هي تعني في الأصل دورةٌ شاملةٌ من الدراسات المُعترف بها في جميع أنحاء العالم المسيحي، بحيث أن أي شخصٍ يتخرّج من مؤسسة “الجامعة” كان سيُعتبر مؤهلاً للتعليم في أية مؤسسةٍ مماثلةٍ أخرى.

و كما أدى سقوط الإمبراطورية الرومانية إلى انهيار نمط التعليم القديم، فإن كل من الاضطرابات التي لحقت الكنيسة المسيحية في القرن السادس عشر و التغيرات السياسية العظيمة التي طرأت مع ظهور الدويلات الأوروبية الجديدة تسبب – تدريجياً – بتغيير الجامعات المسيحية التي ظهرت في العصور الوسطى إلى درجةٍ غيّرت من معالمها تماماً. و على الرغم من أن هذه الجامعات مازالت تحتفظ بأسلوب أسس التدريب لرجال الدين و بعض المهن القانونية، فقد تم توسعة نطاق الجامعة لتضم مرةً أخرى الشباب من “العائلات الطيبة” الذين يحتمل أن يلعبوا دوراً هاماً في الحياة العامة. و في أوربا القاريّة، أُنشأت العديد من الجامعات الجديدة، و غالباً ما تمّ ذلك على يد الحكام المحليين الراغبين في خلق طبقةٍ من الموظفين العموميين و البيروقراطيين و تدريبهم في ثقافةٍ مشتركة. و مع ذلك، فقد كان هناك اهتمامٌ متزايدٌ في البحث العلمي الصرف.

و في حين تطوّرت أوربا القاريّة على تلك المستويات، فإن الجامعات الإنجليزية مرّت بالقليل فقط من التغيير الهيكليّ؛ فقد استمرت على تركيزٍ ضيق على الرياضيات و العلوم الرومانية و اليونانية الكلاسيكية، و ذلك حتى أواخر القرن التاسع عشر، إلا أن دور الجامعات الإنجليزية في تشكيل روح الطبقة الحاكمة لم يكن أقل أهمية من دور نظيراتها الأوروبية. و مع تغيّر المناخ السياسي و الاجتماعي للمجتمعات الغربية، فقد كان محتماً و للمرة الأولى أن تنخرط المرأة في التعليم العالي ( مع تردّدٍ كبيرٍ في البدايات). و في كلٍ من بريطانيا و أوربا القاريّة، كانت أهمية الأبحاث فلي المجالات العلمية و الإنسانية تُدرَك أكثر و أكثر، و بذلك فإن هيكل الجامعة كان يتغيّر بما يستوعب ذلك.

و في أواخر القرن العشرين، بدأت الحكومات في حصر حريات الجامعات إلى حدٍ ما بواسطة الإصرار على الإنتاج الكميّ القابل للقياس من حيث البحوث (الأمر الذي أضرَّ ببعض أفرع العلوم التقليدية التي كانت كمية المطبوعات فيها قليلة و معدل تقدمها البحثي أبطأ) و بواسطة جعل التمويل مشروطاً أكثر فأكثر بهذا النوع من الإنتاج المعياريّ. و مع التوسع في إسباغ تسمية “الجامعة” على المعاهد المعاهد الفنية بطبيعتها و التساهل في ذلك، بدأت الحدود تختلط شيئاً فشيئاً بين الدراسة الجامعية بما هي هدفٌ في حدّ ذاته له معايير الجودة الخاصة به، و بين التدريب في مجال المهارات الأساسية. إن أصعب تحدٍ تواجهه جامعات العالم الغربي اليوم هو تجنيبها أن تكون تحت سيطرة الضغوط الخارجية القاصدة إلى حملها على عرض و تقديم التدريب المهني. و من المفيد هنا أن نلاحظ أن هذه ليست بالمشكلة الحديثة تماماً، فالقول المأثور الوارد في الكتاب الثامن من محاورات كونفوشيوس يتحدث عن ضغوطٍ مماثلة، إذ يقول الأستاذ: “ليس من السهل إيجاد رجلٍ يستطيع الدراسة لثلاثة سنوات من دون التفكير في كسب راتب”. إلا أن ذلك يثير سؤالاً أساسياً حول ما إذا كان الغرض الجوهري للجامعة اليوم يمكن أن يظل السعيّ نحو ما اعتبره الأستاذ دراساتٌ مناسبةٌ للحكمة العامة.

كان هذا مسحاً قصيراً و سطحياً حول ما كانت عليه الجامعات الأوربية و حول الأهداف الكامنة وراء الانماط المختلفة من المؤسسات المذكورة آنفاً، و قبل أن نكمل، قد يكون من المفيد أن نقول بتلخيصها. أولاً، و لعلّه مما يدعو إلى الدهشة، هناك عنصرٌ سياسيٌ عميقٌ يتخلّل الجامعة. إنه من المسلّم به أن ذوي النفوذ في المجتمع ينبغي أن يتم تكوينهم في ثقافة معينة، فعليهم كيف يتعلّموا فهم التفاعلات الاجتماعية و أن يقيّموا الدوافع وراء الأفعال و السياسات. و جزءٌ من ذلك التدريب كان يرتبط دائماً بالنصوص الأساسية للثقافة – المقدسةً منها و غير المقدس – و هي النصوص التي تقدم أنماطاً محددةً للحياة الإنسان و التي مازالت مفيدة للإسترشاد. إن التاريخ الصيني غنيٌ في الحثِّ على هذا المفهوم، أي بأهمية النصوص الكلاسيكية في خلق المعارف اللاّزمة للقيادة في الحياة العامة. و لما كل هذا التعرض للتقاليد الذي يقع في سياق العلاقة بين المعلم و الدارس يستمر – من حيث المبدأ على الأقل – لفترةٍ طويلةٍ من الزمن، فإن ذلك يعني أن بعض عناصر المحاورة و التفاعل عُرِفت كجزءِ من العملّية، حتى و لو كان ذلك يتم، في كثيرٍ من الأحيان، بصفةٍ رسميةٍّ و لا شخصيةٍّ تقريباً.

ثم هناك البحث العلمي. حتى الآن، يبدو أن مفهوم “الجامعة” محكوم تماماً بنموذج التدريب الذي نسمّيه نحن عليه في أوربا “الدراسات الإنسانية” (Humanistic study)، الأمر الذي يترك مساحةً ضئيلةً لما نعتبره حالياً سمةً مميزةً للحياة الجامعية في أفضل حالاتها؛ أي البحث العلمي الأصيل المتمثّل في اكتشاف حقائق جديدة و وجهات نظرٍ جديدة. تاريخياً، كان هذا هو ما حصل: مع تزايد فضول المجتمع الأوروبي حول بيئته المادية و تاريخه في الفترة التالية للنهضة (renaissance) و عصر الإصلاح الديني (reformation)، صار إمكان التباحث و النقاش حول هذه المسائل جزءً من توقّعات الشخص المتعلم. في البداية، لم تكن الجامعات على متابعةٍ جيدة، سواء في مجال العلوم أو الدراسات التاريخية أو الأدبية، و لكن كان من المستحيل أن تبقى على هذا الحال للأبد لأنها تخدم الطبقة السياسية. و لأن هذه الطبقة مهتمةٌ و على نحو متزايدٍ بمثل هذه المسائل، صارت هناك حركةً طبيعيةً لإدماج التجربة و الاستكشاف في روتين الجامعة. و مع ذلك، ينبغي الإشارة إلى ان الأمر في بدايته لم يكن يعني أن يُنظر إلى الجامعة – أو ان تنظر الجامعة لنفسها – كمختبراتٍ للحاجات المادية للدولة، بل كان الأمر يتعلق بحقيقة أنه في القرنين السابع عشر و الثامن عشر صارت سمة الرجل المتعلم أن يُسائل السلطة التقليدية على كل صعيد، و ان يكون عارفاً بمناهج تقييم الأدلة، التاريخيّ منها و العلميّ.

إن الجامعات الحديثة هي نتاج هذين العاملين معاً؛ ولكن هناك عوامل مهمة أخرى ينبغي أن تُذكر. لقد لاحظنا أهمية الحاجة لخلق إطارٍ مرجعيٍ مشتركٍ لهؤلاء الذين سوف يتحمّلون المسؤولية في المجتمع، و لاحظنا كذلك تطوّر الاهتمام الحداثيّ المبكّر في طرح الأسئلة “التخريبية” حول التقاليد و السعي نحو توسعة مجال ما يمكن أن يُعرف و أن يُفهم. إلا أن الحقيقة النسبية الجديدة للقرن العشرين هي أنه، مع انتشار الديمقراطية، صار يصعب الحديث عن “طبقةٍ حاكمةٍ” مستقرة؛ إن كل طالب يصبح – احتمالاً – شخصٌ ذا آراءٍ سياسيةٍ و قدراتٍ في النظام الديمقراطي، شخصٌ يحمل مسؤولية التصويت و المشاركة في إدارة مجتمعه بأية طريقةٍ مناسبةٍ كانت. و هكذا، يتزايد مجال التوقّعات بولوج التعليم العالي، و تصبح مسائل الإنخراط فيه أكثر أهميةً للجامعات من حيث التسويق و الترويج في بيئة تنافسية.

و لكن كلٌ من تلك العناصر يأتي محفوفاً بالمخاطر. فالجامعة التي تهتم فقط بتدريب الطبقة الحاكمة المستقرة وفق الكلاسيكيات المقبولة لن تنجح في تحضير دارسيها لعالمٍ تعدديّ، تتفاعل فيه الثقافات المختلفة في إطارٍ من الحيوية و التحدي. إنها، في الواقع، نقطةٌ لن يصعب على الصينيين فهمها. إن تقليداً للحكم قائم على التعليم في إطار الأسس الكلاسيكية قدّم للصين نخبةً سياسيةً ذات قدرةٍ محدودةٍ على التعاطي مع المتغيرات الاجتماعية و الدولية، و هي مشكلةٌ أدركها الإصلاحيون في الصين جيداً أواخر القرن التاسع عشر.

و بشكلٍ مماثل، فإن الجامعة التي تركّز على البحث العلميّ وحده تواجه عدّة صورٍ من المخاطر. فمن ناحية، فإن الجامعة قد تنسى تماماً وظيفتها الحتمية كمؤسسةٍ يُناط بها تشكيل الوعي النقديّ العام من خلال خلق ما يمكن تسميته بـ “الفضيلة الفكرية” التي تلعب دوراً هاماً في الحياة العامة. هناك كاتبٌ بريطانيٌ معاصر، هو ر. هـ. فرايز (R. H. Fryer)،[4] أشار إلى العلاقة بين الجامعات و المواطنة باعتبارها “البعد المنسيّ” للتعليم العالي، مجادلاً – مثل العديد من المعلقين المعتبرين – بأن الجامعة يجب أن تكرّس الموارد و الطاقة بجديةٍ لتشجيع العامّة على مناقشة القيم المشتركة في مجتمعهم. إن ذلك لا يعني أن الجامعة على هذا النحو ينبغي أن تكون حاضنة للأنشطة السياسة أو الانتقادية، بل هو يعني أن الجامعة الجيدة تبحث دائماً عن طرقٍ لإثارة النقاش الفكري العام حول الآمال و القيم المشتركة للمجتمع من حولها. إن الجامعة لم توجد لتحسين العمل التخصصيّ فقط.

و بالمقابل، هناك مخاطرةٌ أخرى تتعلق بمواقفٍ معينةٍ نحو البحث العلمي. إذا كانت الأبحاث بالجامعة توجّه بالمقام الأول من قِبَل من يموّلها، فإن الخطر سيكمن في أن الأقسام العلمية ستكون أداةً طيّعةً إما بيد الحكومة أو بيد القطاع الخاص، بما سيوجه تلك الأنشطة البحثية لخدمة الإستراتيجيات أو الاهتمامات التجارية لتلك الاطراف. لقد كان هذا الأمر مثار جدلٍ متكررٍ في أوروبا، عندما تم إرساء عقود للجامعات لإجراء البحوث المتعلقة بمسائل الدفاع مثلاً. إن الإلتزام بإجراء الأبحاث التي تُمليها المنطلقات الفكرية المستقلة عوضاً عن السياسات العامة أو التجارية هي – بالنسبة لأغلب الأكاديميين – سمةٌ أساسيةٌ للحياة الجامعية السويّة، حتى و لو وُجِدت تدخلاتٌ خارجيةٌ حتميةٌ، هنا و هناك، مما يؤثر بالتوازن بين كل من الجهود و المصادر. فقط في الأحوال التي تكون فيها حرّةً في طرح أسئلتها الخاصة، سوف تتمكن الجامعة من تحقيق وظيفتها المتمثلة في تمكين الناس في التحقّق من الأسس التي يأخذها الآخرون كأمورٍ مفروغٍ منها.

و أخيراً، هناك مخاطرة تتمثل في الحالة التي تكون فيها الجامعات مجرد مطيةٍ للحركات الجماهيرية و الاحتجاجات الشعبية لا أكثر. إن الجسد الطلابي كان – تاريخياً – متقلباً و عرضةً للنشاط السياسي، و هو أمرٌ كان واضحاً دائماً، لا سيما في روسيا إبّان القرن التاسع عشر و في فرنسا و أمريكا خلال ستينات و سبعينات القرن العشرين.

إن القول بأن الطلبة في جامعات المجتمعات الديمقراطية يكتشفون أنفسهم كـعناصرٍ سياسيةٍ (political agents) لا ينبغي أن يُأخذ بمعنى أن دورهم الأساسيّ يجب أن يتمثل في التحريض السياسيّ أو في تبني القضايا الشعبية. فما يميّز الجامعة، كما رأينا، هي أنها تعزّز القدرة على فهم العمليات السياسية و وزن حججها، عوضاً عن إبداء الولاء غير النقديّ لأي برنامج. إن الطالب الذي يدرك ماهية أن يكون “عاملٌ سياسيٌ” وفقاً للمعنى المذكور سيكتشف معنى ممارسة المسؤولية المدروسة في حياة المجتمع.

و هنا، فإن التعريف الضيق للعامل الاجتماعي و العامل السياسي ينبغي موازنته من المنظور التاريخي؛ إن الأمر في الحقيقة يتعلّق بالوقوف على مدى علاقة النصوص “الكلاسيكية” بالمجتمع (بالمعنى الواسع)، بحيث أن الجامعات الجيدة ستفسح المجال لطلّابها لاختبار المُثُل و المفاهيم الخاصة بهم في مواجهة التقليد التاريخيّ، ليس من خلال فرص النقاش فقط بل و حتى في المحافل العامة للجامعة و في معاييرها و في بروتوكولاتها الخاصة بالتبادلات الفكرية. حتى من حيث وجودها وحده، كثيراً ما عبّرت الجامعات الجيّدة عن بعض الإلتزامات الفلسفية، سواء تجاه الخطاب المدني، حرية التعبير، التحقّق الذاتي، أو خلق الثقة من خلال الجدل المنضبط و فحص الأدلة. و هنا، ينبغي عدم الانحدار بذلك إلى مستوى مناخ ضيق تخلقه جماعات الضغط. و هكذا، و من الناحية النموذجية، فإن عناصراً مثل المعرفة بالتاريخ و بالتقاليد، الانفتاح على الابتكار الفكريّ، الاهتمام بتحقيق أقصى مستوىً ممكن للإنخراط بالحياة العامة يجب أن تدمج جميعها من خلال الجامعة لتنشئة مواطنين راشدين و مسؤوليين.

و لكن بالنسبة لنا في أوربا، هناك بطبيعة الحال عاملان رئيسيّان يعقّدان مركز الجامعة. أحد هذين العاملين تم التلميح إليه سلفاً: أنه المناخٌ السياسي و الاقتصادي الذي تسود فيه التوقعات بضرورة تحقق نتائج عمليةٍ على المدى القصير، مما كان له آثاره الشديدة السلبيّة على المواقف الخاصة بالسلوكيّات الضامنة للمساعي الفكرية “الحرة”. إن اهتماماً مستحقاً باعتبارات المساءلة نجم عنه قلقٌ حقيقيٌ حول حجم العمل المُنتَج في الجامعة، و ازديادٌ حادٌ في روح المنافسة بين المؤسسات الجامعية. فعلى كل جامعةٍ إلتزامٌ بأن تسوّق لنفسها في اتجاهين؛ تجاه الجمهور أولاً لضمان التحاق الطلبة بها، ثم تجاه جهات التمويل لإقناعهم بربحيّة مساعيها (علماً بأن هذه الجهات عادة ما تكون تحت إشرافٍ حكوميٍ في كلٍ من بريطانيا و أغلب أوروبا القاريّة). إن هذا المناخ لن يختفي بين ليلةٍ و ضحاها؛ إنه جزءٌ من الطريقة التي سيطرت بها نماذج “السوق” لتهيمن على مجالاتٍ عديدةٍ من الحياة الاجتماعية و المؤسسية في مجتمعاتنا.

ثاني تلك التحديات هو التنوّع الهائل للمشهد الثقافيّ في الغرب الحديث، فالثقافة البريطانية، على سبيل المثال، قد فقدت درجةً من الارتباط – بل و الثقة – في التاريخ و الهويّة المشتركة بين المواطنين البريطانيين، إنها الآن تحتوي ثقافاتٌ مهاجرةٌ نشطةٌ و حيّة، إلا أنها ذات علاقاتٍ متوتّرةٍ مع الأغلبية. على خلفيةٍ كهذه، ما الذي يعنيه أن تقدّم الجامعة نوعاً من الثقافة المناسبة للأشخاص الذين سوف ينشأون في وسطٍ من المسؤوليّة العامة؟ ألن يكون أثر ذلك ذلك محدوداً بالضرورة بحقيقة وجود سيطرةٍ من طبقةٍ مهيمنةٍ أو ثقافةٍ معينةٍ أو جماعةٍ عرقيةٍ (كما هو الحال في بريطانيا؟)

من المنظورٍ الواسع لثقافات الصين المتنوعة، فإن أسئلة مماثلة لابد أن تُثار: ما هو دور الجامعة في تعزيز الاستقرار الاجتماعي و السياسي في سياقٍ يعتمد في الجانب الأكبر منه على قدرة الحكومة في الحفاظ على التماسك الوطنيّ و في نموذج عام للقانون، و للرعاية و الإنصاف؟ إن أية جامعة الآن تحاول أن تعزّز مصلحة عرقٍ أو طبقةٍ بالتمييز على الباقي سوف تخسر مصداقيتها و سلطتها. إلا أن البديل لا يتمثل في قبول تنوعٍ “ما بعد حداثيّ” خالص؛ أي فوضىً من الخطابات غير المترابطة لمجتمعاتٍ معزولةٍ عن بعضها. مرةٌ أخرى، فإن انضباط الحياة الجامعية التاريخية يفرض سلوكاً أخلاقياً معيناً. إن الجامعات منظمةٌ بطريقةٍ تقبل تعدّد الخطابات و تباينها؛ إن ما يشكل سؤالاً جيداً في الاقتصاد يختلف عما يشكل سؤالاً جيداً في الفيزياء، و ما يعتبر حلاً لمشكلةٍ في الرياضات يختلف عما يعتبر حلاً لمشكلة في النقد الأدبي أو حتى في علم اللاهوت. و بعبارةٍ أخرى، إن من طبيعة الجامعة أن أي شخصٍ يرتبط بها ينبغي أن يتوقع أنه سيتعلم أن سؤاله أو سؤالها ليس السؤال الوحيد الذي يمكن أن يُطرح، و أن حله أو حلها لا يُرجّح أن يقدم خلاصاً عالمياً. و هكذا فإن الجامعة، إذاً، ينبغي أن تحافظ على درجةٍ من التواضع المعرفيّ الذي يظهره منتسبوها تجاه أهمية حقولهم العلمية (تجدر الإشارة إلى أن الواقع العملي لا يكشف عن ذلك، فالأكاديمين لا يختلفون عنا في الضعف الإنساني). و لكن الجامعة الفعّالة – من خلال الحقول العلمية المختلفة – ستوجِد دائماً نماذجاً يمكن من خلالها أن تتعايش التقاليد الثقافية و و الولاءات الدينية و الهويات الإثنية، لا بمبالاةٍ متبادلة، و إنما في مناخٍ من التساؤلات المخلصة، حسنة النية، لا تتواجه فيها المجتمعات المختلفة، بل تثري بعضها البعض. إن الفرضية الما بعد-حداثية التي تقول أن التعددّية هي مجرد حقيقةٍ من حقائق الحياة التي لا ينبغي فحصها ستكون وصفةً لحياة قَبَليةٍ (من قبيلة) و جامدةٍ إلى درجةٍ كئيبة.

و هكذا، فإن الجامعة تحافظ بشكلٍ مستدامٍ على ثقافةٍ خاصة بها؛ ثقافةٌ للحوار و النقد المتبادل و التقدير، في سياقٍ يمكن للناس النمو من خلاله إلى فهمٍ أعمق لما يميّز البشر في تفاعلاتهم الاجتماعية. و هو فهمٌ يرتبط برؤية البشر مهمومون بالتعلّم بالدرجة الأولى، عن طريق توسعة عوالمهم العقلية و الخيالية، و من خلال التقارب من بعضهم البعض بفضول و كياسةٍ و صبر، و باعتبارهم ذوي حريةٍ في تصوّر كيف يسأل الآخرين أسئلةً عن العالم من حولهم.

من داخل تلك الثقافة المشتركة للـ “البشرية المتعلمة” (learning humanity)، يمكن للجامعة – كحقيقةٍ تاريخيةٍ – أن تحقّق حضوراً ثقافياً طاغياً. قد يكون هذا الحضور دينياً، كما كان الحال في أوروبا، أو قد يكون مرتبطاً بالهوية القومية و الاستقلال. و لكنها إذا كانت ستكون فعالةً كجامعة، فإن موروثها التاريخي ينبغي أن لا يُحيّد أو يُنكر، و إنما يفهم كموروثٍ يمكن أن يستخدم كتربةٍ ينمو فيها الحوار. إن تقاليد الجامعة – دينيةً كانت أو قوميةً أو عداها – ليست عقائد أصوليةٍ حتى تتشبّث بها (كما كان الحال مع الجامعات البريطانية حتى أوائل القرن التاسع عشر) و إنما ينبغي ان تكون مساحةً آمنةً تبدي الترحيب و الاحترام للأصوات الأخرى، و تسمح بتفاعل تلك الأصوات داخل المؤسسة من دون ان ينظر إلى ذلك في سياقٍ من الخصومة او السيطرة. في أحيانٍ كثيرة، تكون المؤسسات الواعية بتاريخها و تقاليدها مكاناً مضيافاً بسبب عدم حاجتها للصراع من أجل أن تضمن لنفسها صوتاً مهيمناً. و هكذا تلعب الجامعة دوراً أساسياً في الحياة العامة لمجتمعها. إن الطابع الأساسي لهذا الدور لا يتعلق بنجاح الجامعة في تحقيق الأهداف المادية للمجتمع (بمقياس و حجم عقودها الصناعية أو الدفاعية)، كما أنه لا يرتبط في تسويقها غير الناقد لدينٍ أو فلسفةٍ أو آيديولوجيةٍ سياسيةٍ بعينها. على العكس، إن الأمر يتعلق بقدرة الجامعة على خلق مواطنين ناضجين؛ أشخاصاً أحرار من التحامل و الخوف.

لقد صدر مؤخراً كتابٌ حول فلسفة المعلم (Philosophy of the Teacher)، وضعه نايجل تابس (Nigel Tubbs)، و هو يلخص بشكلٍ ممتازٍ الهدف الصحيح لأي معلم، إلا أن كلماته قد تكون أكثر انطباقاً على حالة المعلم الجامعي تحديداً، حيث يقول: “إن المعلم الذي يؤمن بالحرية لا يسعى إلى أن يكون سيداً على الطلاب، و لا سيداً بديلاً باسم الرب أو الطبيعة. على العكس، إن المعلم الناقد يقصد لخدمة عملية تحرّر الطلاب من جميع أشكال الوصاية – سواء تلك التي فرضوها هم على ذواتهم أو المفروضة عليهم من الخارج – و لخدمة تطوّرهم الفكري الحر، الخالي من الإكراه”.[5]

ولكن ذلك لا يعني أن المعلم لا يُعلّم شيئاً محدداً أو أنه لا يُعلّم إلا طرح الأسئلة السلبية و التخريبية. في إدارة التوتّرات والتناقضات التي تخالط دور المعلم – ناهيك عن التوازن الحتمي بين السلطة و بين نداء الواجب – فإن كلاً من المعلم و الطالب يكتشفان شيئاً حول طبيعة التعلم في حد ذاته و حول الحقيقة التي لا يحوزها أبداً أي فردٍ أو فصيلٍ أو طبقةٍ، لأن الحقيقة تهرب دائماً من من التعريف المفرد و النهائي. إنها تُكتشف دائماً في الإطار الصعب لعلاقة التعليم، و التي لا تقتصر أبداً على على نقل المعرفة من وعاءٍ إلى آخر.[6] إن “منتج” الجامعة إذاً ليس هو الشخص الذي اكتسب مهارات فنية أو بحثية جديدة، بل هو الشخص الذي اكتسب عادة التعلم و فضيلته، و الذي يرى العالم الاجتماعي كمكانٍ لا للنزاع و الصراع حول السلطة و لكن كسياقٍ يمكن من خلاله ممارسة الحوار المستمر المقرون بالصبر. و هذا الأمر في حقيقته هو مسألةٌ سياسيةٌ بامتياز، و بكل ما تحمل كلمة “سياسة” – هذه الكلمة التي أسيء دائماً استخدامها – من معنى. إنه يغيّر توقعاتنا من بعضنا البعض، يتحدى أي افتراضٍ لدينا يقوم على اعتبار الصراع هو الموقف الإنسانيّ الطبيعيّ عندما يكون هناك تعارضاً للمصالح، يعلمنا كيف نساؤل مسلماتنا حول ما يشكل مصالحنا الشخصية، و يشجعنا أن نسعى نحو الجديد الذي يتعدّى الفرد أو الطائفة. إن الجامعة تغذي “المدنية” (civility) بالمعنى الضيّق لمعاني الصبر و الكياسة في الخلاف، و بالمعنى الأوسع للقلق على الحياة العامة في “المدينة” (civitas)؛ مجتمع المواطنين.

و بالتأكيد، فإن الجامعات تعلم الناس وفقا لمذهب الإنسانية، حتى عندما تعلن عن هويتها كليبرالية، تعددّية، أو علمانية، لأن الجامعات – في عمق أغراضها – تشترك جميعها في أنها تقصد إلى تعريف الطلاب بطبيعة التعلم و تشجيعهم على رؤية الحقيقة كشيءٍ متطلبٍ، مراوغٍ، و مستعصٍ على التملك. إن فلسفةً مثل هذه قد تهدّد بعض أنواع المجتمعات السياسية التي تكون للسيطرة فيها الأهمية القصوى و التي يُنظر فيها إلى النِقاش العلني كعاملٍ تخريبيّ. و لكن كلما كان المجتمع أقوى – فكانت مشروعيته أوضح و التزامه بالقانون و حرصه على المصلحة العامة و الكرامة أعلى – كلما كانت قدرته على التأقلم على ما يسمّيه الغرب النظرة “الليبرالية” (the liberal vision)؛ أي فكرة الحوار، التعلم و التحفيز المتبادل.

إن الدور الناقد للجامعة في المجتمع لا يجعل منهاعنصراً سلبياً أو تخريبياً فيه. على العكس، إنه يوفّر نماذجاً للتفاوض حول الخلافات و الشكوك، و يعلمنا ان الصراع المفتوح ليس الحالة الطبيعية للحياة الإنسانية المشتركة. و بهذا الصدد، فإن الأصول الدينية للجامعة الأوروبية هو أمرٌ ذو علاقة بهذا الموضوع. إن وجود الكنائس والهيئات الدينية الأخرى المُعترف بها داخل المجتمع اليوم يمكن في كثير من الأحيان أن ينظر إليه كوجود “صديقٌ ناقدٌ” – إذا ما استخدنا المصطلح المحبّب – يراقب المعايير و التوقعات المختلفة بما يفضي إلى آفاقٍ أبعد للتجربة الإنسانية. إن هذه المؤسسات ليست متشابهة بالتأكيد، و سيكون من الخطأ أن نذهب إلى حد القول إلى أن جميع الجامعات ينبغي أن يكون لها أساسٌ دينيٌّ بطريقةٍ ما. و مع ذلك فإن كلاً من الجامعات والهيئات الدينية تشتركان في تحدّى فكرة أن الصراع أمرٌ طبيعي، فهذه المؤسسات تتحدث معاً عن الواقع من حولنا باعتباره منظمُ و غامضُ في الآن ذاته، فتدعو بذلك إلى الثقة و التواضع معاً. و بذلك، فهي تساعد في خلق ما أسميه المواطن الناضج. و بذلك، فكلتا المؤسستين – المؤسسة الجامعية و المؤسسة الدينية – ينبغي أن تكون موضع ترحيبٍ في المجتمع الذي يسعى لأن يكون مسئولاً ديمقراطياً، تسوده المشروعية، و يخلو من الفساد، لأنه بذلك يتيح لمواطنيه صوتاً حراً و يهتم بتغذية ذكائهم.

إن الجامعة هي مكان يمكن فيه متابعة “الدراسات الحرة” (liberal studies)، و هذا المصطلح القديم الطراز كان يعني التعليم الأدبي و الفلسفي من حيث الأصل، و إلا أنه يمكن إطلاقه على البحث العلميّ كذلك، و الأهم أنه يمكن أن يمتد ليشمل المناخ العام للجامعة. إن الأمر لا يتعلق بالترويج لما البعض الناس كليبرالية (أي كمبدأٍ دينيٍ أو سياسيٍ أو أخلاقيٍ ينطوي على ما يفترض أن يكون القيم الحديثة حول السلوك الأخلاقي و ما إلى ذلك)، بل يتعلق بالقيمة الشاملة المرتبطة بفهم أنه أن تكون إنساناً يعني أن تتعلم، و أن التعلم هو عملية تستمر مدى الحياة، و تتغذى بجميع أنواع الممارسات الفكرية والخيالية المتنوعة.

ربما كانت هناك فتراتٌ في تاريخ أي مجتمعٍ يكون فيه هذا المثل الأعلى و كأنه ضرب ٌ من الترف، لا سيما عندما تكون الأولويات هي توحيد الأمة أو التعامل مع الفقر أو التعاطي مع الركود الاقتصادي أو الدفاع عن الشعب ضد اعتداءٍ غاشم. و مع ذلك فإن ما يثير الدهشة في التاريخ الحديث تحديداً هو أن “الدراسات الحرة” (liberal studies) تنجو دائماً: إن الحياة الفكرية و الفنية تستمر دائماً في أزمنة الحروب، و الدول شديدة الفقر تجاهد لإنشاء معاهد الدراسات العليا (استحضر هنا زيارتي إلى جامعة بوجومبورا في بروندي، حيث تمت دعوتي للحديث عن دور الجامعة في أزمنة ما بعد الحرب)، والمجتمعات المتجاورة التي يعصف بها الصراع الرهيب تنجح دائماً على الحفاظ على شكلٍ من البروتوكولات المدنية حول تبادل المواد الفكرية و حتى الحوار (الجامعات الإسرائيلية و الفلسطينية). إن مجرد حقيقة إصرار مجتمعٍ ما على رفض أن تُترك الكلمة الأخيرة في العلاقات الإنسانية للصراعات غير القابلة للسيطرة هو أمرٌ يعني أن الأمر ليس ترفاً بالنسبة له. و في أوقات الشدة و الضيق، فإن عدداً مذهلاً من المجتمعات يدرك ذلك، إذ مهما كانت المتطلّبات الملحّة للحظة، هناك دائماً شكلٌ من أشكال الإدراك بأنه لن يكون هناك أي حلٍ دائمٍ لتلك المشكلات يمكن أن يقوم بمعزلٍ عن المساحة الواسعة التي تقدّمها الجامعة “الليبرالية”.

و بالعودة إلى كونفوشيوس، فهو يُعرّف الشخص “الخيّر” بأنه ذاك الذي يتسم بصفات “الاحترام، التسامح، الثقة بالحديث، سرعة التصرف، و السخاء” (Anal XVII.6). إن ما كنّا نناقشه حول دور الجامعة يبدو مرتبطاً إذاً بالتساؤل حول كيفية خلق المواطن “الخيّر”، أي تشكيل الأشخاص ذوي النوايا الحسنة تجاه الحياة المشتركة و ذوي القدرة على مسائلة غرائزهم الأنانية. إن تعريفي للجامعة كمؤسسة لتعليم الخير هو أمرُ قد يفاجئ بعض المنظّرين التربويين في كلٍ من أوروبا و الولايات المتحدة الأمريكية (و لا أدري عن الصين)، و على أية حال فإن النزعة الجدلية الشهيرة للأكاديميين ليست واعدة دائماً. لقد انصب نقاشي طوال الوقت حول حقيقة أن مؤسسةٍ كالجامعة – تفسح المجال للبحث ولفحص الماضي و الحاضر معاً و تغطّي جملة ً من الحقول المعرفية – إن مؤسسةً كهذه ترسل رسالةً معينةً للمجتمع من حولها. إنها تقدم مقترحاً حول السياق الأمثل الذي يمكن للسياسة من خلاله أن تتقدّم، لا سياسة السيطرة أو المنافسة الصِرفة، بل ولكن سياسة النقاش المدني حول أوجه الخير الجيّدة التي يمكننا اكتشافها في أجواء التعاون و التعاطف المتبادل. إن هذه الرؤية المتعلقة بالسياسة تتخلل التقاليد الفكرية العظيمة لهذه البلاد و تسود حضاراتها، إلى درجةٍ يمكن معها للجامعة الليبرالية أن تتوقّع أن تكون عنصراً حاسماً لا يُستغنى عنه في دعم استمرار التزام الشعب الصيني في خلق مجتمعٍ يتعهّد بالأمن الاقتصاديّ و بالمسؤولية الديمقراطية لجميع مواطنيه.

هذه الأفكار المطروحة هنا من قبل غربيٌّ مسيحيٌّ لا تعني أننا – نحن الغربيون – قد فهمنا تماماً أو مارسنا كل ما قيل في هذه المحاضرة؛ إنها تقصد فقط إلى عرض كلٍ من التاريخ والسياق الذي نحاول في إطاره التفكير حول مهمة تثقيف الشباب. إن الشعب الصيني له تاريخٌ طويلٌ من البحث عن الحكمة السياسيّة الساعية إلى فهم الطبيعة العميقة للأشياء، دون الاكتفاء بموازنات الترضيات الفردية البحتة أو بالتسويات المؤقتة بين المصالح المتناحرة. إن هذا لمما يشجّعني على الاعتقاد بأن المُثُل العليا التي تحدّثتُ عنها يمكن التعرّف عليها و تطويرها في إطارٍ من التعاون المشترك بين عوالمنا الفكرية المتنوّعة.

روان ويليامز، 2006

[1] روان ويليامز Rowan Williams (1950 – ) كان أستاذاً في اللاّهوت في جامعة كامبردج، ثم كبير أساقفة كانتربري و زعيم الكنيسة الأنجليكانية، الكنيسة الرسمية لإنجلترا. هو الآن عميد كلية ماجدلين في جامعة كامبردج، و هي الكلية العريقة التي أسست عام 1428  على يد الملك هنري السادس.

[2] النسخة الإنجليزية الأصلية على الإنترنت:

http://www.archbishopofcanterbury.org/articles.php/1468/china-universities-have-essential-role-in-public-life

[3] أنا ممتنة لطالباتي، “فجر الحوري”، التي تطوعت – مشكورة – للمساعدة في المراجعة الشاملة للترجمة ثم على نشر هذا المقال، و حصة مساعد بن راكب التي قامت بوضع لمساتها على الترجمة، بأستاذية.

[4][4]   R. H. Fryer, in: Values in Higher Education, ed. Simon Robinson and Clement Katulushi (Leeds: University of Leeds, 2005).

[5] ‘The teacher who believes in freedom seeks to be neither master over the students nor surrogate master on behalf of God or nature. Rather, the critical teacher aims to be servant to the emancipation of students from all forms of tutelage, self-incurred or externally imposed, and to their free and un-coerced development’, in: Nigel Tubbs, Philosophy of the Teacher (London: Blackwell Publishing, 2005), p.79.

[6] c.f. ibid. pp.102-107.